الهلال يرفض السقوط.. والنصر يخدش كبرياء البطل    قصة أغرب من الخيال لجزائرية أخفت حملها عن زوجها عند الطلاق!    الجيش ينفذ عمليات إنزال جوي للإمدادات العسكرية بالفاشر    كيف دشن الطوفان نظاماً عالمياً بديلاً؟    محمد الشناوي: علي معلول لم يعد تونسياً .. والأهلي لا يخشى جمهور الترجي    مطالبة بتشديد الرقابة على المكملات الغذائية    تستفيد منها 50 دولة.. أبرز 5 معلومات عن الفيزا الخليجية الموحدة وموعد تطبيقها    السودان..الكشف عن أسباب انقلاب عربة قائد كتيبة البراء    حادث مروري بمنطقة الشواك يؤدي الي انقلاب عربة قائد كتيبة البراء المصباح أبوزيد    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تخطف قلوب المتابعين وهي تستعرض جمالها ب(الكاكي) الخاص بالجيش وتعلن دعمها للقوات المسلحة ومتابعون: (التحية لأخوات نسيبة)    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تخطف قلوب المتابعين وهي تستعرض جمالها ب(الكاكي) الخاص بالجيش وتعلن دعمها للقوات المسلحة ومتابعون: (التحية لأخوات نسيبة)    شاهد بالصورة والفيديو.. "المعاناة تولد الإبداع" بعد انقطاع الماء والكهرباء.. سوداني ينجح في استخراج مياه الشرب مستخدماً "العجلة" كموتور كهرباء    شاهد بالفيديو.. تاجر خشب سوداني يرمي أموال "طائلة" من النقطة على الفنانة مرورة الدولية وهو "متربع" على "كرسي" جوار المسرح وساخرون: (دا الكلام الجاب لينا الحرب والضرب وبيوت تنخرب)    بالفيديو.. شاهد رد سوداني يعمل "راعي" في السعودية على أهل قريته عندما أرسلوا له يطلبون منه شراء حافلة "روزا" لهم    برشلونة يسابق الزمن لحسم خليفة تشافي    البرازيل تستضيف مونديال السيدات 2027    السودان.."عثمان عطا" يكشف خطوات لقواته تّجاه 3 مواقع    ناقشا تأهيل الملاعب وبرامج التطوير والمساعدات الإنسانية ودعم المنتخبات…وفد السودان ببانكوك برئاسة جعفر يلتقي رئيس المؤسسة الدولية    عصار تكرم عصام الدحيش بمهرجان كبير عصر الغد    إسبانيا ترفض رسو سفينة تحمل أسلحة إلى إسرائيل    مدير الإدارة العامة للمرور يشيد بنافذتي المتمة والقضارف لضبطهما إجراءات ترخيص عدد (2) مركبة مسروقة    منتخبنا فاقد للصلاحية؟؟    قيادي سابق ببنك السودان يطالب بصندوق تعويضي لمنهوبات المصارف    شاهد بالصورة.. (سالي عثمان) قصة إعلامية ومذيعة سودانية حسناء أهلها من (مروي الباسا) وولدت في الجزيرة ودرست بمصر    آفاق الهجوم الروسي الجديد    كيف يتم تهريب محاصيل الجزيرة من تمبول إلي أسواق محلية حلفا الجديدة ؟!    شبكة إجرامية متخصصة في تزوير المستندات والمكاتبات الرسمية الخاصة بوزارة التجارة الخارجية    يوفنتوس يتوج بكأس إيطاليا للمرة ال15 في تاريخه على حساب أتالانتا    إنشاء "مصفاة جديدة للذهب"... هل يغير من الوضع السياسي والاقتصادي في السودان؟    عثمان ميرغني يكتب: السودان… العودة المنتظرة    سعر الريال السعودي مقابل الجنيه السوداني في الموازي ليوم الأربعاء    وسط توترات بشأن رفح.. مسؤول أميركي يعتزم إجراء محادثات بالسعودية وإسرائيل    "تسونامي" الذكاء الاصطناعي يضرب الوظائف حول العالم.. ما وضع المنطقة العربية؟    "بسبب تزايد خطف النساء".. دعوى قضائية لإلغاء ترخيص شركتي "أوبر" و"كريم" في مصر    شاهد بالصورة.. حسناء السوشيال ميديا "لوشي" تنعي جوان الخطيب بعبارات مؤثرة: (حمودي دا حته من قلبي وياريت لو بتعرفوه زي ما أنا بعرفه ولا بتشوفوه بعيوني.. البعملو في السر مازي الظاهر ليكم)    حتي لا يصبح جوان الخطيبي قدوة    5 طرق للتخلص من "إدمان" الخلوي في السرير    انعقاد ورشة عمل لتأهيل القطاع الصناعي في السودان بالقاهرة    أسامه عبدالماجد: هدية الى جبريل و(القحاتة)    "المايونيز" وراء التسمم الجماعي بأحد مطاعم الرياض    محمد وداعة يكتب: ميثاق السودان ..الاقتصاد و معاش الناس    تأهب في السعودية بسبب مرض خطير    باحث مصري: قصة موسى والبحر خاطئة والنبي إدريس هو أوزوريس    الفيلم السوداني وداعا جوليا يفتتح مهرجان مالمو للسينما في السويد    بنقرة واحدة صار بإمكانك تحويل أي نص إلى فيديو.. تعرف إلى Vidu    أصحاب هواتف آيفون يواجهون مشاكل مع حساب آبل    كيف يُسهم الشخير في فقدان الأسنان؟    هنيدي ومحمد رمضان ويوسف الشريف في عزاء والدة كريم عبد العزيز    أسترازينيكا تبدأ سحب لقاح كوفيد-19 عالمياً    تنكُر يوقع هارباً في قبضة الشرطة بفلوريدا – صورة    معتصم اقرع: حرمة الموت وحقوق الجسد الحي    يس علي يس يكتب: السودان في قلب الإمارات..!!    يسرقان مجوهرات امرأة في وضح النهار بالتنويم المغناطيسي    بعد عام من تهجير السكان.. كيف تبدو الخرطوم؟!    العقاد والمسيح والحب    أمس حبيت راسك!    جريمة مروّعة تهزّ السودانيين والمصريين    بالصور.. مباحث عطبرة تداهم منزل أحد أخطر معتادي الإجرام وتلقي عليه القبض بعد مقاومة وتضبط بحوزته مسروقات وكمية كبيرة من مخدر الآيس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المفكِّر والكاتب المعروف دكتور "النور حمد" في لقاء استثنائي مع المجهر (3)
نشر في المجهر السياسي يوم 12 - 09 - 2017

أنا اليوم لا أنتمي إلى أية جهة تتحدث باسم الجمهوريين ولن أنتمي
لم أزعم في أية لحظة ولم أعتقد أصلاً أن أطروحة العقل الرعوي تصلح منهاجاً لتفسير الظواهر أو تفسير كل شيء في التاريخ السوداني
المرء لا يملك حين يسمع إجابات الرئيس الأسبق "جعفر نميري" على أسئلة الأستاذ "علي شمو" إلا أن يقول: "ما الذي جعل هذا الرجل يعتقد أنه مؤهل لحكم السودان؟"
العقل حالة كما ناقشه "إيمانويل كانط" و"الجابري" و"حجي" وليس آلة كما زعم البعض
حوار – فاطمة مبارك
{ ننتقل إلى محور العقل الرعوي.. متى بدأ تأثير ما سميته العقل الرعوي في تشكيل الشخصية السودانية اجتماعياً وسياسياً وما هي أبرز ملامح هذا التأثير؟
_ بدأ هذا التأثير، بصورة واضحة، في القرن الرابع عشر الميلادي، حين سقطت مملكة المقرة، في الشمال بواسطة الأعراب، واستمر حتى سقوط علوة في وسط السودان، في بداية القرن السادس عشر، بواسطة العبدلاب والفونج. ويمكن القول إن خراب سوبا، عاصمة مملكة علوة، مثل اكتمال الانقلاب الذي أحل ثقافة الرعاة محل ثقافة المستقرين. هكذا انقطعت تأثيرات الإرث الحضاري العمراني الممتد وثقافته الممتدة منذ ممالك كوش القديمة، لتعلو في مكانه ثقافة النزاع و"الفرسنة" والاقتتال على المغانم والحيازات. ومن أهم ملامح هذا الانقلاب تراجع القدرة على صناعة الحضارة وتراجع العمران، وغلبة الجهد البدني العسكري على الجهد الفكري والعمراني. وهذا ما من أجله سمى "سبولدينغ" كتابه "عصر البطولة في سنار". فقد كان عصر صراع مسلح. وقد ذكرت في مقالاتي عن العقل الرعوي أن حقبة سنار مثلت ثلاثة قرون من الحروب المتصلة، بلا إنجاز حضاري يذكر، سوى إنجازات المتصوفة في تربية الأخلاق والوجدان، وقد كانت محدودة. كما أن المؤسسة الصوفية السنارية كانت نقيضاً للنظام الحاكم، وكانت تعمل في اتجاه قيمي معاكس لقيمه. حتى ليصح القول إن المتصوفة مثلوا "المعارضة" للحكم السناري. سادت في قرون سنار ثقافة الحيازة والاستئثار بالسلطة وتقديم مصلحة العشيرة والقبيلة والعائلة على الصالح العام. هذا النهج، الذي يمكن أن نطلق عليه صفة "التخريب المؤسسي الممنهج"، استمر بيننا إلى يومنا هذا.
{ كيف تقرأ تأثير ما سميته "العقل الرعوي" في مراحل الحركة الوطنية منذ بدء مواجهة الاستعمار؟
_ الحديث في هذا يطول. ولكن يمكن القول، باختصار، إن حراك ما قبل الاستقلال سادته المصالح الشخصية، التي قسمت مؤتمر الخريجين إلى فريقين متناحرين. منذ تلك اللحظة اتخذ الحراك الوطني نحو الاستقلال طريقه نحو الفشل، وهو أمر اتضح لاحقاً، في فترة ما بعد الاستقلال. في بدايات فترة ما بعد الاستقلال، برزت التأثيرات الضارة الممتدة من الحقبة السنارية. لقد قمع البريطانيون العقل الرعوي، لأكثر من نصف قرن، وأكرهوه على التزام المسلك الذي تقتضيه المصلحة العامة، وتتطلبه ضرورات بناء الدولة الحديثة. بذهاب البريطانيين انكشف الغطاء، وظهرت كل سوءات الرعوية الممتدة من الحقبة السنارية. طفحت، عقب الاستقلال مباشرة، المحسوبية، والاستئثار العائلي بالوظائف العامة، وتقوية الأوضاع الاقتصادية للأسر، عن طريق استخدام ما يُتيحه تسنم الوظائف في جهاز الدولة، من توسيع الملكيات في الأرض، والعقار، ووضع اليد على الموارد. كما برز نهج توزيع المغانم، بمختلف صورها، على تابعي الطائفة وداعميها. أيضاً، جرى عقب الاستقلال، مباشرة، إقصاء الجنوبيين عن الوظائف العامة، حتى في إقليمهم، ما أوغر صدورهم وأفقدهم الثقة في الشماليين، وقاد إلى الصراع المسلح الطويل، الذي انتهى بانفصال الجنوب.
أيضاً من مظاهر الرعوية ترشيح العسكريين أنفسهم بأنفسهم، لتولي السلطة، والتقدم لأخذها عنوة. حين رأيت، مؤخراً، المقابلة الأولى التي أجراها الأستاذ "علي شمو" مع الرئيس "جعفر نميري"، عقب انقلابه مباشرة، ألجمتني الدهشة. فالمرء لا يملك حين يسمع إجابات الرئيس الأسبق "جعفر نميري" على أسئلة الأستاذ "علي شمو"، إلا أن يقول: "ما الذي جعل هذا الرجل يعتقد أنه مؤهل لحكم السودان؟!" إنه العقل الرعوي الذي يزكي نفسه بنفسه، ويأخذ ما يزكي له نفسه، بنفسه بالقوة. فهو، في ظنه عن نفسه، لا يحتاج لمعيار خارجي يجيز له مزاعمه، أو ينبهه لخطلها، ويريه حقها من باطلها. وعلى نفس هذا النهج الرعوي، من ترشيح وتزكية الذات، بالذات، جاءنا الإسلاميون، عن طريق عساكرهم، ل"إنقاذ" البلاد والعباد، وفق ما زعموا. وهذه هي نتيجة ربع قرن من التخبط العشوائي، تحدث عن نفسها بنفسها، أبلغ حديث.
{ إلى أي مدى تجاوزت أو ستتجاوز الفئات التي تأثرت بثقافة التعليم الاستعماري والحضارة الغربية ما سميته "العقل الرعوي"؟
_ يروق لي في هذا المقام، أن أشير إلى أن الأستاذ "محمود محمد طه" قد ميز، تمييزاً دقيقاً، في السياق المعاصر، بين "التحضر" و"التمدن". فالشخص المتحضر، لديه، هو الشخص الذي يرتفق بأدوات الحضارة الحديثة؛ كالمنزل الحديث والأثاث الحديث، والسيارة، والملبس، وما إلى ذلك من مكونات المظهر الحضاري المادي. أما المتمدن، فهو في نظره، الشخص المستقيم، الذي يفرق بين الوسائل والغايات، ويلتزم في مسلكه نهجاً أخلاقياً صارماً تضبطه القيم، والمثل الإنسانية العليا. ولذلك قد يكون الشخص متحضراً، ولكنه ليس متمدناً. وقد يكون الشخص متمدناً، ولكنه ليس متحضراً. لقد تحضر عبر القرن الماضي قطاع معتبر منا، ولكن المتمدنين بيننا قليلون. لا تزال العقلية الرعوية مسيطرة على غالبية نخبنا التي حققت في أسلوب حياتها ومظهرها المادي تقدماً حضارياً ملحوظاً. أما التمدين، فلا يسهل حدوثه، في مثل أحوالنا المضطربة هذه، التي انفرطت فيها موازين القيم واختلت خللاً كبيراً. فنحن نمر بمرحلة انتقالية. وهي مرحلة مخاض عسير، قد يطول وقد يقصر، وفقاً لمدى خلوص نيتنا، وبذلنا الجهود لعبور هذه المرحلة الانتقالية المضطربة، إلى مرحلة أكثر تجانساً داخلياً، واستقراراً.
{ حدثت تغيرات حديثة على المستوى الاجتماعي والإعلامي.. ألم يساهم هذا في تخفيف تأثير العقل الرعوي؟
_ لا أعتقد أن تغيرات إيجابية قد حدثت، فنحن نتراجع، في حقيقة الأمر. دعونا ننظر، على سبيل المثال، إلى ما أصبح يسود احتفالاتنا بالأعراس، مؤخراً، وما أخذ يتعالى فيها من "فشر" مقرف. نحن لا نزال نتباهى بالثروة، ورغد العيش، ونرى قيمتنا لدى الآخر عبر ممتلكاتنا وأرصدتنا في البنوك، وما نملك من مساكن منيفة، وما نركبه من سيارات فارهة، وما نقوم به من رحلات خارج البلاد، وما تعرضه نساؤنا من ذهب ومجوهرات على أجسادهن. بل أصبح مجتمع الفقراء عندنا يضفي القيمة على الآدميين والآدميات، وفقاً لهذه المعايير التي صنعها المترفون، وتنكبوا بها جادة القيم الصحيحة. بل، تعدى "الفشر" المقرف، بين فئاتنا الاجتماعية حفلات الأعراس، وبدعة حفلات التخريج، ليلحق بالمآتم، أيضاً. فمن علامات ضعف التمدن، وموت قيمه في الضمائر، طفو مثل هذه المظاهر على السطح، وتناقص الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية. قيم الإسلام الجوهرية، وسائر قيم المنظومات الروحانية؛ السماوي منها وغير السماوي، تقف، وبصرامة، ضد هذا النوع من المسلك. التمدن سمت مسلكي روحاني، يعني التزام قيم الاعتدال والتوسط، ويعني التحلي بالحكمة وبرجاحة العقل، وبالاقتصاد في الصرف، وتجنب المباهاة بالمظهر، إضافة إلى التصرف وفقاً للإحساس المرهف بالمسؤولية الاجتماعية. وعلى سبيل المثال، قد يكون جارك الأمريكي مليونيراً، ولكن لا يمكنك أن تعرف شيئاً عن فقره أو غناه. فهو يقص حشيش حديقته بنفسه، ويغسل سيارته بنفسه أمام منزله، ويتصرف باقتصاد وباعتدال، في أفراحه وأتراحه. باختصار، بيننا وبين التمدن أمد بعيد، ونحن لا نعمل ما يكفي للعبور من حالة اللا تمدن هذه إلى حالة التمدن.
{ ألا تعتقد أن الجيل الحالي قاوم ما سميته "العقل الرعوي" أم أن الذهنية الرعوية لا تزال متجذرة في الحياة السياسية والاجتماعية؟
_ أعتقد أن الشباب أصبحوا مدركين، بوعي، لعلل الكبار. وحقيقة الأمر أن مجتمعنا الأبوي البطريركي يخنق طاقات الشباب، ويعمل على إهدارها باستمرار. ولو أضفنا إلى ذلك الفشل في خلق فرص عمل للشباب، والفشل في جعل الحياة السودانية ممتعة، خصبة، خلاقة، مشبعة للفكر وللشعور، واصطحبنا، أيضاً، جَعْلَ بلادنا طاردة لشبابها، تصبح الصورة القاتمة شديدة الوضوح. فالقطر يطرد مستقبله الواعد، ويلتفت إلى الرواء، ليحتضن، بقوة، ماضيه الكئيب. عالما الشباب والشيب عالمان منفصلان. والشباب نفسه منقسم بين أفرادٍ منعمين نشأوا في الترف والبذخ، وبين معوزين نشأوا في الفقر المدقع. فالتقسيم ليس على خطوط الكبر، والصغر في السن، وإنما هو أيضاً على خطوط الفقر المدقع، والغنى الفاحش، وعلى احتكار السلطة من قبل البعض، وحرمان البقية منها. وأيضاً على خطوط إتاحة كل الفرص للبعض، وإغلاقها، تماماً، أمام الأكثرية. معالجة أمورنا تحتاج إلى نظر عميق، وصدق في القصد، وشفافية كبيرة، وحياد عقول لا يحرف مسارها الخوف أو الطمع، أو كلاهما، معاً.
{ حال وشكل المجتمع والدولة الآن بكل ظواهره ومستوى أدائه.. هل يمكن نسبة كل تخلف إلى "العقل الرعوي" وحده؟
_ لم أزعم، في أية لحظة، ولم أعتقد أصلاً أن أطروحة العقل الرعوي تصلح منهاجاً لتفسير الظواهر، أو تفسير كل شيء في التاريخ السوداني، أو أنها تقدم منهجاً متكاملاً لفهم الأوضاع السودانية، فهماً شاملاً. الذهنية الرعوية واحد من جوانب مسلكنا التي تحتاج تعديلاً. هذا كل ما عنيته.
{ ما علاقة العقل الرعوي بمشاكل الحكم في السودان وكذلك ما علاقته بمشاكل وقضايا الهوية؟
_ أعتقد أني أوضحت علاقة العقل الرعوي بمشاكل الحكم في السودان، في إجاباتي السابقات. أما علاقته بقضايا الهوية، فيمكنني القول، باختصار، إن الذهنية الرعوية، بحكم الواقع الاقتصادي الذي يفرز منظومتها القيمية، ويحكم مسارها، تصبح منحصرة في فهم الهوية في إطار القبيلة والعشيرة. فالهوية الوطنية في الدولة الحديثة، خاصة الدول التي تتسم بالتنوع الشديد، تحتاج وعياً حداثياً يجمع شتات الهويات الفرعية في هوية وطنية جامعة. وهذا لا يتأتى سوى بتغيرات كثيرة، على رأسها قيام الدولة على أساس المواطنة المتساوية، وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة التي تقضي على الروابط الأولية في العشيرة والقبيلة والطائفة المسيسة، إضافة إلى تملك الوعي الذي يضمن ثبات واستدامة العقد الاجتماعي الحداثي. هذا هو ما فشلنا فيه، بسبب هذه الذهنية الرعوية، التي لا تزال، مرتبطة لدينا، بالتكوينات الأولية. فهناك تذبذب مستمر بين مقتضيات الدولة الحديثة المعافاة، وبين الولاء للتكوينات الأولية، وهو ما ظل يسم مسلك نخبنا الممسكة بمقاليد السلطة والثروة؛ العلماني منها، والذي يدعي تمثيلاً لقيم الإسلام.
{ أسمح لنا كذلك بطرح أسئلة بعض المفكرين التي رصدناها من خلال تداولهم حول موضوع العقل الرعوي. بعضهم يرى أن ليس هناك شيء اسمه "عقل رعوي" باعتبار أن العقل قابل للتحرر والتطور. آخرون قالوا إن المشكلة في المصطلح لأن العقل ليس آلة ويمكن أن يكون الحديث عن "عقلية رعوية" وليس عن "عقل رعوي" حسب زعمهم.. فما ردكم على مثل هذه الملاحظات؟
_ ذكرت مراراً، أن محاصرة مقدم الطرح في مربع المصطلح، وحده، رغم أهمية الطرح، عمل انصرافي بامتياز. هو، في تقديري، مجرد تمحُّك، غرض أكثريته الإعابة، لا أكثر. استعمل "محمد عابد الجابري" مصطلح العقل، فكتب عن "تكوين العقل العربي"، وكتب "طارق حجي" "نقد العقل العربي"، وكتب "إيمانويل كانط" "نقد العقل المحض"، أو "نقد العقل الخالص". فلماذا يصبح الحديث عن "العقل الرعوي"، غريباً، بل ومستنكراً. هناك فرق بين الدماغ والمخ، من جهة والعقل، من الجهة الأخرى. فالدماغ أو المخ يدلان، مع اختلاف المصلح، على كيانين بيولوجيين. والعقل هو ما انطبع فيهما، بما ينتجه من أفكار ومن أنماط سلوك. ومثال ذلك جهاز الكمبيوتر كآلة، من جهة، وما يحمله من برامج، وما تقوم به هذه البرامج من عمل، من الجهة الأخرى. وهذا هو ما يسمى لدى أهل تقنية المعلومات بال"Hardware and Software"، فالمخ "Hardware" والعقل "Software". فالعقل، في السياق الذي أتحدث عنه، يعني مجموعة المفاهيم والقيم والرؤى التي تحكم المسلك البشري، في إطار ظرف تاريخي وجغرافي واقتصادي واجتماعي بعينه. العقل حالة، كما ناقشه "إيمانويل كانط"، و"الجابري"، و"حجي"، وليس آلة كما زعم البعض. يضاف إلى ذلك، أن كلمة "عقل"، Mind وكلمة "عقلية" Mentality، أو Mindset، وكلمة "ذهنية"، كلماتٌ يمكن أن توصف بأنها مترادفات، ويمكن أن يجري استخدامها تبادلياً، من غير أن يغيب المعنى عن القارئ، أو السامع المحايد الذي لا ينحصر همه في البحث عما يعيب. فكلها تعطي معاني متقاربة، إن لم نقل متطابقة.
{ على خلفية احتفائك في مهارب المبدعين بأقوال الأستاذ الراحل "محمود محمد طه". هل لا زلت تؤمن بأفكار الجمهوريين أم حدثت لديك مراجعات؟ وإذا حدثت في أي اتجاه استقرت؟
_ نعم أحتفي كثيراً بأقوال الأستاذ "محمود محمد طه"، وأحتفي أكثر بنموذج المثقف الذي قدمه. وهو، تحديداً، نموذج المثقف الذي يعيش، حرفياً، ما يدعو إليه. أي، المثقف الواقف على السراط المستقيم، القائم بين إغراءات السلطة وإكراهاتها، من جهة، وتملق واسترضاء العقل الجمعي وموروثاته، من الجهة الأخرى. ولربما أمكنني القول، اليوم، إن الأستاذ "محمود"، وفكره، أصبحا يمثلان بالنسبة لي، مجالاً يختلف في طبقاته، وفي إمكاناته، وفي وعوده المستقبلية، عما كان يؤطر وعي في سني الحركة الجمهورية. أنا اليوم لا أنتمي إلى أية جهة تتحدث باسم الجمهوريين، ولن أنتمي.
لقد جئت إلى الأستاذ "محمود محمد طه" وأنا ابن عشرين عاماً. وقد مرت عليَّ، منذ أن التقيت به، حتى الآن، ستة وأربعون عاماً. فلا يمكن أن يكون تفكيري حوله، وتصوري لدعوته، وفهمي لإسهامه، هو نفس الذي كان لديّ يوم أن جئته، آنذاك. جوهر دعوة الأستاذ "محمود" هو إنجاب الأفراد المفكرين، المتطورين دوماً في تفكيرهم؛ أي، الأفراد القادرين على كسر الجمود والخروج من "دوغما" العقائد المغلقة، إلى رحاب الفكر الحر، واكتساب القدرة، باستمرار، على ممارسة التفكير النقدي، وعلى ملاحظة السياقات المتغيرة، وإعادة فهمها، والتعاطي معها بالفكر، لا بالنصوص.
أهم ما جاء به الأستاذ "محمود" هو إسهامه المميز جداً، في تجديد الخطاب الديني؛ خاصة تفريقه بين أصول القرآن وفروع القرآن، وهو ما أخذ العالم الإسلامي ينتبه إليه اليوم، ويحتفي به على نطاق واسع. فقولته الشجاعة، غير المسبوقة، إن جملةً من التشريعات الإسلامية، التي جرى تطبيقها منذ القرن السابع الميلادي، لم تعد تصلح للتطبيق اليوم، قولة تاريخية تمثل فاصلاً بين حقبتين تاريخيتين. فكر الأستاذ "محمود" وتجربته يمثلان فتحاً للباب، على نحو غير مسبوق، لخلق مفكرين جدد، لهم بصمتهم، وطعمهم، ونكهتهم الخاصة. وليس خلق أتباعٍ، أو مريدين، يحفظون ما يسمعون، أو ما يقرأون، لكي يرددونه بلا فكرٍ، وبلا فرزٍ حصيفٍ لتغيُّر السياقات، وبلا التفاتٍ إلى ما يسميه الأستاذ "محمود" "حكم الوقت". ف"حكم الوقت" يتغير الآن، وفق متواليات هندسية، بالغة السرعة. وعموماً، أكتفي بهذه الإشارات، وأعد بإيضاح ما أثاره هذا السؤال، المتشعب بطبيعته، باستفاضةٍ واسعة، في كتابي، تحت الإعداد: "تجربتي مع الأستاذ محمود محمد طه". وهذا هو العنوان المبدئي للكتاب، الذي ربما تغير.
{ ركز كتابك "مهارب المبدعين" على الشعراء، بينما جمع "محمد أحمد المحجوب" بين السياسة والشعر. هل يدخل السياسيون في هذه المهارب؟ أيضاً لماذا في نظرك وجد هذا الكتاب جدلاً واسعاً في الساحة كما الحال بالنسبة لأطروحة "العقل الرعوي"؟
_ نعم يدخل السياسيون في زمرة الذين بحثوا عن المهارب. وكما تفضلتِ، فقد جمع المحجوب بين الصفتين؛ صفة الشاعر والسياسي. كل ما في الأمر أن الكتاب حصر عرض الظاهرة؛ أي ظاهرة الهرب، فيما قام به المبدعون، دون غيرهم. وحتى بين المبدعين، نجد الكتاب قد حصر نفسه في الشعراء، الذين اختار من بينهم خمسة نماذج فقط. فهناك، أيضاً، الفنانون التشكيليون، وهناك الموسيقيون والمغنون، وغيرهم. وقد كانت لكل هؤلاء مهاربهم. الكتاب عرض ما لاحظه المؤلف من قراءاته في السير والنصوص الشعرية السودانية، وسماه "ظاهرة الهرب". وبناء عليه، اتجه إلى التدليل عليها بعرض خمسة نماذج منتقاة من النصوص الشعرية، لخمسة شعراء، إضافة إلى عرض طرف من سيرتهم. وكان من الممكن أن تصدر أجزاء إضافية من الكتاب تتوسع في عرض نماذج من مختلف فئات المبدعين. ولا تزال الرغبة تراودني لكي أُصدر جزءاً ثانياً، أناقش فيه، تحديداً، نصوص "صلاح أحمد إبراهيم"، و"محمد المكي إبراهيم"، و"محمد عبد الحي"، و"النور عثمان أبكر"، و"عبد الرحيم أبو ذكرى"، إضافة إلى طرف من سيرهم. ولعلك لاحظت أنني قلت في الكتاب إن ظاهرة الهرب ليست منحصرة في فئة المبدعين وحدهم، فقد بحث عن المهارب سودانيون لا يندرجون تحت أية فئة من فئات المبدعين، وقلت إني أعرف قصصاً عديدة لهذه النماذج.
أما لماذا يجد ما أكتبه صدى واسعاً، ولماذا يثير الجدل، فأظنه يعود لطرقي ما لا يطرق عادة. ولربما يعود أيضاً لجرأتي في الحديث عن المسكوت عنه. وعموماً، أعد نفسي مقصراً في طرق ما لا يُطرق، والحديث عن المسكوت عنه. فليتني كنت أشجع، وأجرأ مما أنا عليه حالياً. لكن، كما يقول المثل: "العافية درجات".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.