نظم معهد الدراسات والبحوث الإنمائية بجامعة الخرطوم ضمن البرنامج المصاحب للمؤتمر السنوي للدراسات الإنسانية والتربوية بالجامعة ندوة بعنوان «تحديات وآفاق السلام والتنمية في ولايات التمازج» والمشكلات التي تواجه هذه المناطق والمعضلات الحقيقية التي تقف عقبات صعبة في طريق التنمية، تناولت الندوة العديد من المحاور المهمة من خلال أوراق علمية قدمها متخصصون في مجالات التنمية وقفوا في نقاط عديدة حاولوا فيها تشريح واقع مناطق «التماس» ورسم خارطة طريق تقود إلى مخرج للتعقيدات الموجودة فى الولايات الحدودية خاصة مع دولة جنوب السودان. في بداية الندوة قدم المهندس إبراهيم الشاهر الخبير في قضايا التمازج والتداخل في المناطق الحدودية ورقة علمية تناولت العديد من التحديات والفرص المتاحة لتحسين ظروف الحياة والاستقرار في الولايات المتاخمة حدودها مع دولة جنوب السودان «جنوب دارفور، وشرقها، وجنوب كردفان والنيل الأبيض وولاية النيل الأزرق، وقال إن واحدة من اكبر المشاكل التي تواجه هذه المناطق تتمثل فى ضيق الموارد والصراع على الموارد بعد انفصال دولة جنوب السودان وأشار إلى احتكاكات الرعاة والمزارعين وتراجع الحياة الاقتصادية بسبب الضغط على الموارد وضعف البني التحتية، وقال ان هذه المناطق وجدت تهميشاً من كل الحكومات المتعاقبة على السودان بجانب بعدها عن المركز رغم أنها تمثل مناطق إنتاج مهمة جدا في رفع الناتج القومي بانتاج المحاصيل وتوفر المزايا الاقتصادية والاجتماعية ووجود و50% من القطيع الحيواني في أراضيها و30% من نسبة السكان، وقال إن النمط المعيشي لهذه الولايات يقسم إلى حضر وريف ورحل، وأشار إلى النمط المعيشي بدأ يتغير من حياة الرحل إلى الريفى ما يؤشر إلى الاستقرار الذي يتطلب توفير الخدمات الأساسية، ونوه الشاهر الى تعدد المسارات الرعوية فى هذه المناطق والمشاكل التي تواجه الرعاة في الدخول إلى دولة جنوب السودان فى ظل العلاقات العدائية بين البلدين ما دفع قادة القبائل إلى عقد اتفاقيات خاصة مع السلاطين فى الجنوب لضمان دخول القطيع إلى دولة جنوب السودان للاستفادة من المراعى بعد ضيقها في الشمال، وقال إن الدبلوماسية الشعبية إذا أتيحت لها الفرصة ستزيل مشاكل كثيرة وستوفر جهداً كبيراً على حكومة البلدين وشدد على أن الحدود لن تكون مرنة وسلسلة ما لم تتاح الفرصة إلى هذه القبائل لتعميق الدبلوماسية الشعبية، وأشار الشاهر إلى أن الوضع في ولاية النيل الأبيض معقد جداً بسبب تغول على المساحات الرعوية وقال «أصبح القطيع لا يقيم يوماً واحداً في الشمال بعد ضيق المساحات وفى السابق كان الرعاة يمكثون ثلاثة أشهر» وأضاف لابد من تدخلات عاجلة من حكومة السودان بزيادة المزارع الرعوية بمفاهيم حقيقية أو تغيير نمط الحياة في تلك المناطق، وقال اذا نشبت حرب بين الشمال والجنوب سنفقد ثروتنا الحيوانية تماما وتساءل كيف نستعيدها وأصبحت لاتمكث يوما واحدا، وقال إن الحل اما فى منح الجنسية الجنوبية للقبائل الحدودية فى تلك المناطق أو وضع معالجات سريعة تنظم العلاقة بين البلدين، وقال إن الحكومة ليس لها مناص سوى المضي في اتفاقية السلام وعلاقات جوار آمنة مع دولة جنوب السودان قوامها المنافع المتبادلة. وقدم والى جنوب دارفور حماد إسماعيل ورقة في ذات قضايا التنمية والمعوقات التي تواجهها وقال إن التنمية بعيدا عن المصلحات العلمية هي الحياة والتجدد، وقال من أهم المشاكل التي تواجهها ضعف البني التحتية، وقال اذا نصبت والى أو معتمد لإحدى هذه المناطق ستحتار من أين تبدأ، وأضاف مهم جداً أن ننظر الى التنمية من زاوية العدالة بين الجميع وأشار إلى أن العاملين في ولايته في ولاية يمثلون 5% من حجم السكان وقال إن المعدل العالمي يجب أن يكون 2 % فقط من عدد السكان واشار إلى أن هذه النسبة تأخذ نسبة ثابتة من الميزانية في المرتبات وكشف انه يدفع (18) مليون شهرياً في رواتب العاملين، وقال ان الشريحة المتبقية من المواطنين تمثل 95% وتساءل «ماذا يجد هؤلاء من الحكومة» وقال إذا لم أقدم لهم خدمة في شكل تنمية حقيقية يصبح الأمر بلا فائدة وأضاف « لست أنا مسئولاً من عدد محدود من الشعب أنا مسئول من كل هؤلاء» ، وقال اننا نتحدث عن التنمية المتوازنة وهى في الأساس قضية عدالة وعندما يتم توزيعها جغرافياً بصورة مثلى نكون شجعنا أن يبقى المنتج منتجاً ونحن في السودان نحس بقصور شديد، وان اغلب الشعب السوداني اتجه إلى العاصمة الخرطوم والبقية مازالوا يفكرون في بعض الخدمات وأضاف كان هؤلاء منتجين الا انهم ذهبوا إلى المدن مضطرين وقال « أخرجنا هؤلاء من دوائر الإنتاج ودفعناهم إلى هذا الواقع»، وقال اسماعيل ان من اكبر تحديات التنمية القناعات المفاهيمية فيها وإلا سنبقى نتحدث كثيراً ولا نفعل او نفعل القليل، وشدد على أن توفير المال والإمكانيات هو المخرج، وأضاف ان التحدى الحقيقى كيف نفكر ان نأتى بأموال للتنمية فى ظل هذا الواقع وقال «انا استلمت ولاية فيها عجز كبير وما يأتينا من مال لا يغطى حتى الفصل الاول من المرتبات» ، وقال لابد من التفكير فى البحث عن موارد لسد هذا النقص وأشار الى ان المتاح حالياً هو الإستثمار فى الأراضى و استقطاب ومساهمة القطاع الخاص، وقطع الوالي ان من اكبر التحديات الأمن في هذه المناطق وقال لابد من حسن الجوار مع دولة جنوب السودان، ان المحك الحقيقي هو كيف نستمر فى التنمية في وجود الإشكالات الأمنية وقطع الوالى ان المشروعات لن تتوقف فى ولاية جنوب دارفور وقال «لن أوقف التنمية ولن أنكر ان هناك إشكالات امنية»، وأضاف مهما يكن من أمر السلام الذى هو الأساس والأمن مطلوب ولكنا نقول يمكن أن تحصل تنمية مع وجود الإشكالات الأمنية وقال رغم الأوضاع الحالية نفذنا العديد من المشروعات تم افتتاح طريق نيالا عد الفرسان رهيدى البردى والعمل مستمر في مشروع مياه حوض البقارة الذي سيكفي نيلا من المياه وتم افتتاح المستشفى التركى الذي وكلف 100 مليون دولار، وقال هل يعقل ان نقول للأتراك «ما تبنوا المستشفى حتى يتحقق الأمن في دارفور» وأوضح ان الولاية تحديدا تعاني من الإعلام السالب ورسم صورة قاتمة للبلد، وقال من حق الشعب السودانى ايضا ، ان يعرف الجوانب التي تعكس الجانب المشرق لإعطاء مساحة من الأمل فلماذا يتم التركيز فقط على السلبيات. وفي ختام الندوة تحدث الدكتور الخبير الاقتصادي حسن احمد طه وقال ان الإشكالية في تعريف مصطلح التماس نفسه وقال ان هناك خلطاً كبيراً بين التماس والتمازج، وقال ان حصر التماس في الشريط الحدودي مع دولة جنوب السودان فقط أمر قاصر، وقال اذا اخذناه بفهم الحدود فلنا حدود مع دول جوار أخرى فى حالة ثبات، وأشار الى ان شرق السودان من اهم مناطق التماس وقال ليس خافيا ان دولة مثل اثيوبيا وفق رؤيتها الإستراتيجية تسعى إلى تحويل أكثر من 10% من سكانها الى السودان، واوضح ان حكومات السودان المختلفة حاولت حل هذه الإشكالات عبر الحكم المحلى وصلاحياته الا ان المعضلة في انه لم تتح لهذه الولايات الاموال الكافية ما خلق حالة من عدم الرضا فى هذه المناطق، وقال ان تقسيم الموارد بين المركز والولايات هو سبب المشكلة، وقال ان اتفاقية السلام اعطت خصوصية لبعض المناطق ومنحتها صناديق للموارد، ولحقت بها اتفاقية شرق السودان وأبوجا والدوحة وكلها نصت على إنشاء صناديق خاصة، لهذه المناطق، وقال السؤال كيف نوفر الأموال لهذه الصناديق فى ظل شح الموارد.