(الوطني) في مؤتمره الرابع هل سينجح في تذليل معاناة (قفة الملاح)    هلال التبلدي يستقبل مريخ كوستي في سباق مثير على آخر بطاقات الممتاز    المحكمة تنظر في محاكمة محتال باسم وكالات السفر    شرطة الصافية تعيد ربع مليار إلى مواطن خلال (24) ساعة    توقيف لص تخصص في سرقة مايكروفونات المساجد    نظامي يطلق النار داخل مستشفى لتوقيف نزيل حاول الهرب    "النور الجيلاني" ... (حرموني من طعم الحياة الصافية)    "نافع": إعادة ترشيح "البشير" ليست مسرحية والرافضون لا يريدون الديمقراطية    ترشيح الرئيس البشير لدورة جديدة إهانة لهذا الشعب !! .. بقلم: إسماعيل احمد محمد (فركش)    من مشاهداتي.. انجازات وزارة الصحة بالخرطوم .. بقلم: إمام محمد إمام    بيان شبكة الصحفيين حول اعتقال الاستاذ النور احمد النور    "حسبو" يدشن زراعة (600) ألف فدان قمح بالجزيرة    الطير يأكل المحاصيل والولاة فى المؤتمر العام    مورينيو: كوستا قد يشارك امام مانشستر يونايتد    مشروع قومي لتحسين صادر الفاكهة السودانية    سؤال للشيخ عبد الحي يوسف: إذا لم تنهني صلاتي عن فعل الفحشاء أو المنكر أذلك يعني أن صلاتي لم تقبل؟    في رحاب سورة سيّدنا يوسف عليه السلام الحلقة الرابعة    محاكمة متهمين بحوزتهما «19» رأس حشيش في حافظة مياه    أسعار المحاصيل بسوق القضارف    لأول مرة: زراعة قلب بشري بعد أن توقف عن النبض    مع (الجابري) و(أبو داؤد) وبئر (بيتر)    ثلاثى الهلال بشة وبويا والغزال يؤكّدون الرغبة فى التجديد للأزرق    (قوون) تكسر حاجز السرية:الفرنسى سبستيان دي سابرى يتقدم منافسيه لتدريب الهلال    وفاة (2) يشتبه في إصابتهما بالأيبولا    السودان يحرر رهينة صيني ويوقف قتلة فني سوداني في حقول النفط    "كاميرا" تزرع في العين لعلاج ضعف النظر بعد سن ال40    المريخ يسقط الخيّالة ويواصل مطاردة الهلال على الصدارة    معاً لضرب النساء (2) ((واضربوهن)) إستأنفوا ولا للحرج..    مقال    الجيش الليبي يدخل بنغازي بعد طرد أنصار الشريعة    علماء أمريكيون: زيت الزيتون أكثر صحة من الزيوت النباتية فى قلى الطعام    ميثاق طيبة .. وميثاق باريس هل يفتحان الباب للتغير حقا ؟    قانون الطوارئ بين دفتي المزاج السياسي والاطار الدستوري    أول إصابة مؤكدة بفيروس إيبولا في نيويورك    تعيين اليوناني ستيليانيداس منسقًا أوروبيًا لشؤون وباء إيبولا    جمارك مطارالخرطوم تضبط اكثر من 13 كيلو ذهب مهربة خارج البلاد    انهيار إيطالي واكتساح ألماني وتفوق إسباني    تصويب مقالة د. مصطفى أحمد علي (في رثاء محمد الواثق) .. بقلم: سيف الدين عبد الحميد    مهاجم البرلمان الكندي مدمن مخدرات وله سجل إجرامي    فرنسيان يطرحان أداة للكشف عن آثار الخنزير في الغذاء والدواء    رئاسة الجمهورية تحتسب عند الله تعالي الدكتور تاج السر محجوب سفير السودان بنيجيريا    ألمانيا توقف أمريكيات من أصل سوداني    أوقية الذهب تسجل 1240.50 دولارًا في تعاملات صباح اليوم    حادث الطفل منتصر....عم الطفل: إدارة التعليم قبل المدرسي بها قصور وضعف رقابي    السيسى لوزير الاتصالات: يجب تحسين خدمة الإنترنت المقدمة للجمهور    السودان وفلسطين في لقاء الجريحين في كأس العرب للناشئين    بالصور والفيديو.. السيسى يستقبل طفلًا مريضًا بالسرطان بناءً على رغبته    رقابة مافي    صلاة الجسد: تفكيك الوعي وإيقاع التشظي (قراءة في نصٍ سردي لعبد العزيز بركة ساكن)    قصيدة / طلعة فجرية    رجل يفارق الحياة جالساً على مقعده داخل (بص سفري)    سؤال للشيخ عبد الحي يوسف:ماهو غسل الجنابة وماهي أنواعه؟    رغم طوافي العالم.. الصورة السودانية هي الأكثر دهشة    الهندي عزالدين: حكماء وكبراء المؤتمر الوطني قرروا ونفذوا وانتهى الأمر        حرق واغراق الولاية الشمالية لإنتزاع الاراضي    عثمان محمد الحسن :دعوة إلى تعديل قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007م    جدل بمواقع التواصل حول فتوى د . يوسف الكودة بجواز " العادة السرية " إذا خاف الزنا !!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

دراسة نقدية لنظرية آذان الأنعام ..د. قيس محمود حامد
نشر في حريات يوم 04 - 09 - 2013


توطئة:-
تأتي هذه الدراسة حلقة ضمن المشروع النقدي لمنهجية التعامل مع القرآن الكريم ، وهي تتناول نظرية آذن الأنعام للكاتبين السودانيين عماد وعلاء بابكر الحسين، وقد قدمت النظرية في كتاب بنفس الإسم يقع في حوالي 400 صفحة من القطع الكبير صادر عن دار عزة للطباعة و النشر، وهي معروضة أيضا في موقع إلكتروني يحمل نفس الإسم، وقد اعتمدنا في نقدنا للنظرية بشكل أساسي على الكتاب.
تصنف النظرية في إطار تعاملها مع القرآن الكريم ضمن نظريات الإعجاز القرآني حيث حاول الكاتبين شأن الاعجازيين إثبات نظرية التطور من خلال لي أعناق آيات القرآن الكريم لتتماهى مع نظرية داروين مع بعض التعديل على النظرية الاساسية.
أما المنهجية التي اتبعاها في النظرية و الكتاب فتكمن في إرجاع المفردات القرآنية إلى أصولها اللغوية وإختيار المناسب من تلك المعاني لتكون أساس التفسير دون اعتبار للسياق و لا رجوع للتفاسير المعروفة أو النحو العربي، الامر الذي ولد اشكالات عديدة سوف نتطرق لها في متن هذه الورقة.
أما موقفنا الناقد للنظرية فيعتمد على منهجية السياق القرآني ،انطلاقا من أن السياق هو الحاكم في التعامل مع القرآن وأن المفردات في عزلتها تتمتع بنوع من الحياد حيث يكون للمفردة أكثر من معنى ويتحدد ذلك المعنى ويأخذ شكله النهائي من خلال الجملة فالسياق العام. ولم يبني الباحث موقفه الناقد على قبول أو رفض النتائج ولكن على المنهج الذي يقود إليها. ونريد أن نشير في هذه التوطئة إلى أن الباحث سوف يشير إلى واضعي النظرية في متن الورقة بوصف (الكاتب) على اعتبار أن الدور الرئيس في النظرية يعود للدكتور علاء الدين بابكر الحسين وإسهام شقيقة اقتصر على تأويل الحج والمناسك.
ومن نافلة القول بأن نقدنا للنظرية يأتي من موقف الفهم و العلم وليس من موقف الكفر و الإيمان .
غرائب التفاسير للخلق و التطور
و من غرائب تفسير الكاتب لآيات الكتاب تفسيره لقوله تعالى } وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا } (1) }الباب الحادي عشر: الموقع الإلكتروني". {حيث يقول خُلقت بشائرُ الخلق من أصول الماء، فأودع اللهُ في ذلك الماء قوانينَ تجعل بعضَه يحافظ على طبيعته فينتسب متصلاً بأصله, وبعضَه ينصهرُ ويتحولُ إلى أشكال أخرى في سُلَّم التطور.فكل من يقرأ هذه الآية(غير الكاتب بطبيعة الحال) يدرك بأنها تتحدث عن عظمة وقدرة الخالق في أنه قد خلق البشر من الماء أي أن موضوعها هو خلق الانسان وليس الماء و بالتالي فإن النسب و الصهر يتعلق بالانسان البشر وليس الماء
أما تفسيره لقوله تعالى: }هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} (2).
فهو قوله:(ولأنَّ عملية التطور استغرقت ملايين السنين، فقد أتى على أسلاف الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن لهم وجودٌ ملموسٌ في الأرض): (الموقع:الباب الأول) فكيف بالله يستقيم أن تكون تكون عملية التطور قد استغرقت ملاين السنين ، ومرت عبر مراحل مختلفة وكائنات متنوعة وهي ما يطلق عليها الكاتب اسم اسلاف الانسان و أن هذه العملية قد تمت في الارض ويقبل في نفس الوقت بانه ليس لأسلاف الانسان وجود ملموس في الأرض فالمنطق السليم يلزمنا بواحد من خيارين وهما:أولا القبول بان تلك الكائنات هي أسلاف الإنسان و بالتالي يكون لهم (وجود ملموس ) في الارض أو أنه ليس من علاقة قرابة بين الإنسان وبين تلك الكائنات و بالتالي نقبل بأنه بالفعل قد مر على الإنسان حين من الدهر ليس له وجود على الأرض..هذا عن تفسير الكاتب أما عن الآية نفسها في سياقها القرآني فنجدها لا تتحدث عن الأرض ولا عن السماء وإنما عن الانسان أما الشيء المذكورا ، وهو القلة وضآلة الشأن فهي تقبل عدد من الاحتمالات و التي لا سبيل للترجيح بينها غير استخدام السياق القرآني و الذي ما بخل علينا بالاعلام عن المقصود بهذا (الشيء) فقد قال الباري تعالى في الآية التي تلي هذه الآية مباشرة ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) (3) أي لم يكن شيئا مذكورا من حيث هو نطفة امشاج تطور إلى إنسان مكتمل الخلق مذودا بالسمع و البصر وحرا في إختياره بين الشكر و الإيمان أو الالجحود ونكران هذه النعمة و الخالق الذي أخرجه إنسان و الكفر به وفي تفسيره لقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ) (4) .( كان الإنسانُ حيناً من الدهر يمشي مُكِبًّا على وجهه قبل أن يتطور إلى إنسان عاقل) (الموقع الإلكتروني) . ومعلوم أن هذه الآية جاءت في سياق المثل،وهي تتحدث عن الهدى و الضلال وليس لها أية علاقة بالخلق و التطور. ثمَّ تكرَّمَ اللهُ عليه فأنشأه من انحنائه, وآتاه العقل : (قُلْ هُوَ الذي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)" (5). (الموقع الإلكتروني). ليس هناك أدنى مسوق منهجي يجعل هذه الحلقة تعقب مرحلة المشي مكبا (كما يرى الكاتب) وهي تتحدث عن نعم كثيرة أنعم بها الله على الانسان،وليس العقل وحده،كما أنه ليس هناك أي مسوق منطقي يجعلنا نفهم (أنشأكم) بالمعنى الذي ذهب إليه الكاتب،و إلا فإن الانسان في إنحنائه ليس له سمع ولا بصر ولا فؤاد، وهذا كلام لا يستقيم لا مع رؤية الكاتب الاجمالية و لا مع أي رؤية ومنهج معروف. وقد وصف أنَّ تصويرَ الإنسان في صورتِه الحاليةِ تمَّ في مرحلةٍ لاحقةٍ بعد خلقِهِ في صورة أدنى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) (6) (الموقع الإلكتروني)
ظلَّ الإنسانُ في هيئته الدنيا – ربَّما- لملايين السنين، و كانت جمجمته صغيرة لا تسعُ الحجمَ الحاليَّ لمخِّ الإنسان العاقل, ولذلك فإنَّ سلوكَه الظاهرَ كان فساداً وسفكاً للدماء، ممَّا أثار استغرابَ الملائكة : (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ …) (7). كان الله يعلم أنَّ تدخُّلَ إرادتِه الإلهيةِ لتنفخَ من روحه في الإنسان، وتعدلَ في مخِّه ليتضخمَ وتظهرَ فيه خواصُّ السمع والبصر والعقل، ستجعلُ منه ذلك الخليفة. وقد فصَّلَ القرآنُ مراحلَ خلق الإنسان و تطوره، إلى أن أصبح عاقلاً، في سورة السجدة كما يأتي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا …} (8) .", فكلمة "خلق" تعني الإيجاد من عدم. { الباب الحادي عشر الموقع الإلكتروني.)كيف لا يعني الخلق اللإيجاد من عدم ،ولكن لماذا نبحث عن العدم والله تعالى لم يتحدث عنه ، فالقرآن يتحدث باستمرار عن الخلق من ولم يذكر العدم، وهل هناك شيء أصلا اسمه العدم ،نقول بالفم المليان أن العدم المطلق لا وجود له ،كما أن الفراق المطلق لا وجود له هذا أولا ،ثانيا كيف بالله يمكن أن نفهم أن قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) بأنه يعني خلية واحدة فهذا الفهم لا يمكن أن يذهب إليه أي عقل سليم ، والكاتب نفسه يميز في مواقع أخرى من كتابه بين النفس و الخلية،لذلك قلنا مرارا بأن الدخول لفهم القرآن و التعاطي معه بدون ضوابط منهجية لا يمكن ان يأتي بأي نتيجة ذات قيمة بل ويمكن أن يصبح آفة على الشخص و الآخرين.ويجب أن نلاحظ أن المولى عزو جل لم يخلق إني خالق في الأرض و إنما قال إني جاعل في الارض مما يوحي بأن الخلق لم يتم في الأرض وإنما تمت فيها الخلافة.
1/ الطور الثاني بعد ملايين السنين عندما بدأت خاصيةُ التكاثرِ الجنسيِّ بين الذكر والأنثى:
(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) (9) . (الموقع الإلكتروني). وهذا – بطبيعة الحال- اقتضى تميُّز أسلاف الإنسان إلى ذكر وأنثى الذي وصفته هذه الآية:
(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا …)(10) ، فلفظة "جعل" تفيد تغييراً في وظيفةِ مخلوقٍ موجودٍ من قبل، ممَّا يفيد ظهور الذكر والأنثى, على أنَّ حرف العطف "ثمَّ" يفيد وقوع هذا التغيير بعد مدَّةٍ طويلةٍ من الزمن كان الإنسان فيها أحاديَّ الجنس {الباب الحادي عشر}.يمكن أن نفهم بأن الفرق بين الخلق و الجعل استغرق مدة من الزمن ولكن لا يمكن أن نفهم(من النص القرآني) ان هذه المدة ملايين السنين وكذلك لا يمكن أن نستدل على أن الانسان كان أحادي الخلية وكان يتكاثر بطريقة لا جنسية،جل ما نفهمه هو أن هناك كائنات أحادية الخلية وهذه حقيقة علمية لم نستنبطها من النص القرآني فالقرآن القرآن الكريم لم يتعرض بالذكر لهذه الكائنات لأنه يخاطب حقبا مختلفة ويجب أن يكون مفهوما لكل تلك الاجيال من الناس و بما ان الناس في فترة ما من التنزيل لم يكونوا قادرين على استيعاب هذه الحقيقة و بالتالي يمكن أن تحدث إضطرابا في فهمهم ، وأنه ما أنزل ليصيب الناس بالدوار و إنما ليهديهم إلى خالقهم فهو بالتالي غير معني بتلك الاشياء لأنها تقع ضمن طاقات العقل الانساني وسوف يدركها يوما ما وبالتالي فهي لا تحتاج إلى علم يأتي من السماء ،ونتفق مع الكاتب بأن الجعل تفيد تغييرا في وظيفة مخلوق موجود أصلا ، ولكن ما هي العلاقة بين الجعل و ظهور الذكر والأنثى؟فالزوج لاحق تصنيفيا على ذكر وأنثى، أي أن الإنسان يكون ذكر أو أنثى ثم في مرحلة لاحقة يمكن أن يكون زوجا أو لا يكون ، وبالتالي فإن الذهاب بالآية في معنى التصنيف الاحيائي فيه اعتساف كبير ، فلا النفس الواحدة تعني الخلية الواحدة ولا الزوج تفيد الذكر و الأنثى.
2/ الطور الأخير وهو طورُ تسويةِ المخِّ والنفخ فيه من روح الله و سعته، ونقله إلى إنسان عاقل ليصبحَ خليفةً لله في الأرض : ( ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)" (11) ونقول باختصار إن كان تطوير المخ و القلب يحتاج إلى نفخ من روح الله فإن الخلق يحتاج، وبما أن التطور من خلية واحد إلى حيوان أعلى قد تم بدون تدخل مباشر بالنفخ فإن تطور القلب و العقل يمكن أن يتم بنفس الكيفية، ولكن الكاتب وجد نفسه في مأذق خطير فإن استمر مع التطور حتى نهايته فسوف لن يجد مكانا للنفخ بل لن يجد مكلنا لله تعالى في تفسيره، اي سوف يحاصره السؤال بما أن الانسان قد اكتمل بهيئته وعقله فما ضرورة النفخ؟ وبالتالي جاء بهذا التفسير الما ورائي ليسد به الحلقة المفقودة ، ونحن نقول إذا كان الكاتب يقتنع بمثل هذه التفسيرات فلماذا لم يتقبل التصور الديني لخلق الانسان ليكفي نفسه ويكفينا عنت التفكير و التفكر..أما عن النقاش من وجهة النظر الدينية فتأتي استنادا على أستقراء الظواهر المماثلة في القرآن الكريم لنعرف طبيعة النفخ وما ينتج عنها وبالتالي تقدير قوتها ،لأن كل عمل يحتاج إلى قدر محدد من القوة فأنت إذا أردت أن ترفع كتله من الصخر تزن ثلاثة كيلو غرامات لا تأتي برافعة ،و في المقابل لا يمكن ان تحاول إزاحة جبل اعتمادا على قوة ذراعيك أو على الأقل هكذا هي طبيعة الاشياء ..و القرآن و الفعل الالهي الذي يصفه لابد متساوق مع طبيعة الاشياء .. وفي القرآن نفختين من روح الله في خلقه، الاولى هي ما نتج عنها آدم و التي هي محل النقاش و الثانية في مريم عليها السلام و التي نتج عنها عيسى عليه السلام، وبما أن النفخة الأولى ليس لدينا عنها كثير من المعلومات و الثانية غير ذلك فيمكن أن نعرف طبيعة النفخة الأولى من خلال دراسة النفخة الثانية، فعيسى عليه السلام لم يكن شيئا مذكورا قبل النفخ في مريم وطبيعة الاشياء وقتها تقول بأنه يستحيل أن يوجد إنسان دون تلقيح بويضة المرأة بحيوان الرجل،و معلوم أن هذا لم يتم في حالة مريم عليها السلام التي أحصنت فرجها، و المحصلة النهائية لهذا النقاش تفيد بأن التدخل الإلهي قد حول أمرا مستحيلا إلى واقع،وبالتالي فإن التدخل الالهي في النفخة الأولى يجب أن يكون قد حول أمرا مستحيلا إلى واقع،وبما ان منطق الكاتب لا يجعل تحول الأميبا ذات الخليه والواحدة إلى قرد أمرا مستحيلا فهو بالتالي لا يمكن أن يجعل زيادة حجم المخ أو اعتدال الظهر أمرا مستحيلا ، عليه هو إذن من طبيعة الاشياء ، وليس في حاجة إلى (استخدام الرافعة) ويمكن أن تدبره الطبيعة بنفسها عبر آلية (ملايين السنين) أما إفتراض أن النفخ إن كان قد تم في الأرض بأنه قد تم في منى ليس بأقوى من الإفتراض القائل بأنه قد تم في الخرطوم لسبب بسيط وهو أن الافتراضين ليس عليهما دليل.
3/ طوَّع اللهُ لهم القوانينَ النوعيةَ لكلِّ المخلوقات في الأرض، وما تمرَّدَ على ذلك إلا فصيلٌ من الجنِّ على رأسه إبليس . ما علاقة القوانين بإبليس ؟ ثم هل بالفعل تم تطويع القوانين النوعية للإنسان ؟ أم هيأ لهم معرفتها فقط ، القوانين لا تطاوع أحدا،ولا تعمل وفق الأهواء و الرغبات، و إلا لما سميت قوانين كل ما في الأمر فيما يتعلق بهذه القضية أن الانسان يعرف القوانين و نطاق حاكميتها و بالتالي يوظفها و يطور ما يمكنه من اختراقها.
4/ أسكنهم اللهُ في جنةِ عرفاتٍ القريبةِ لمدةٍ تأهيلية، وحرَّمَ عليهم التداخلَ الجنسيَّ بين الذكور والإناث.
5/ استدرجهم إبليسُ للوقوع فيما حُرِّمَ عليهم، بإغرائهم بتواصل النسل والخلود في الأرض.
6/ بط الرعيلُ الأولُ من عرفاتٍ في طريقهم لبيتهم الأول, وفي المشعر الحرام ملكهم اللهُ حجارةً ترجمُ الجنَّ حمايةً لهم.
7/ أنزل لهم الأنعامَ لتكونَ الحَيَوانَ الأقربَ في حياتهم وذللها لهم، وجعلها آذاناً و آيةً تذكِّرُهم بربِّهم.
8/ سكن الجيلُ الأولُ من الإنسان العاقل في البيت العتيق أولَ ما سكن. { الأبواب من الثالث إلى العاشر: الموقع الإلكتروني).المراحل التي ذكرها الكاتب من النقطة 4 إلى النقطة 8 هي نوع من القصص و الاحاجي وبالتالي لا نريد أن نشقل أنفسنا و القاري بالرد عليه ، فلو كان العلم والبحث العلمي يدار بهذه الطريقة لكانت الهضبة الأثيوبية أولى بالقول بتلك المراحل التي قالها الكاتب لأنه في هذه الحالة يوجدشيء يمكن أن يؤيد التفسير وهو اكتشاف أقدم رفات تعود للإنسان أما في حالة عرفات ومنى غير أشواق الكاتب في أن يعود لتلك البقاع الطاهرة الفضل في احتضان الانسان الأول ، وقبل أن ترك هذه النقطة أعني قصة التطور أود أن أطرح السؤال التالي،هل ذلك المخلوق سفاك الدماء المفسد في الأرض المنحني ذو الجمجمة الصغيرة إنسان أم لا ؟فإن كانت الإجابة نعم يكون بالتالي شيئا مذكورا ويكون علم الملائكة علم نهائي ومحيطا بالانسان وبالتالي يكون ذلك الشيء مكلفا بعمارت الارض وعبادة الله لأن الخالق سبحانه ما أراد لخليفته في الارض إلا أن يكون بشر إنسان وهذا هو مراده.وإن كانت الاجابه بلا فهذا المخلوق لا يعنينا في دراستنا لخليفة الله في الارض فنحن معنيين بتاريخ الخليفة بعد خلقه وتنصيبه، أما إن كان البحث يتعلق بأشباه الانسان فهذا المووضوع مكانه البيولوجيا ونظرية التطور وليس القرآن الكريم وعندها سوف يكون لنا حديث آخر.
نظرية آذان الأنعام:
يمكن تلخيص النظرية أن هناك سلمين للتطور ، السلم الأول صعدت عليه جميع المخلوقات الحية على الأرض من نبات وحيوان بما في ذلك الإنسان،الذي يمثل قمة التطور ولكنه ليس مستثنى من تلك العمليه فقد نبت من الأرض نباتا ثم تدرج في مراحل التطور إلى أن وصل لما عليه الآن، أما السلم الآخر فقد صعدت عليه الانعام ولكن لأنها تطورت في السماء فلم يذكر الكاتب مراحل تطوره ، مجمل القول هو أن الأنعام لا ينطبق عليها قانون التطور الذي تطورت وفقا له جميع الكائنات الحية على الارض يقول:(ولمَّا كانت كلُّ الأحياء المادية على الأرض تشترك في أصل الخلق وفي أنَّها نبتت من الأرض نباتاً وتطورت عبر ملايين السنين -كما أسلفنا-إلى مخلوقاتٍ متميزةٍ ومتباينةٍ, فقد كان ممكناً للإنسان أن يثبت تلك الحقائقَ بالبحث المعملي حينما تتوافر له الإرادةُ و الإمكانات العلمية. على أنَّ هناك استثناءً في أصل الخلق، وهو أنَّ الأنعامَ من إبلٍ وبقرٍ وضأن وماعز قد نزلت من السماء، ولا تشتركُ مع أحياءِ الأرض في أصل الخلق){… وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ …} (12) وقد أكَّدَ اللهُ أنَّ خلقَ الأنعام فيه سرٌّ, إذ إنَّه أفردها بتدخُّل يده مباشرةً في خلقها) وهو يقرأ الزوجين هنا بعتبارهما فردين
ونبدأ اعتراضنا على النظرية بالسؤال: لماذا يكون النزول من السماء؟علما بأن افتراض أن الإنزال قد كان من السماء ليس عليه دليل عقلي ولا نقلي ، فكل ما يمكن ان يقال هو أن الانزال يتم من أعلى إلى أسفل، وأعلى هذه يمكن أن تكون جبل أو شجرة أو السماء ،ويمكن أن يكون الإنزال هنا بمعنى التزليل.ولكن الكاتب لا يتوقف كثيرا على قصة نزول الانعام بعتبارها مسلمة ويدلف مباشرة في لتأكيد خضوع الانسان للتطور انطلاقا من قوله تعالى (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (13) بقوله ( هذه الآية لا تخاطب الجنس البشري بالتحديد، وتشير إلى فترة زمنية طويلة يدل عليها حرف العطف(ثم) بين خلق النفس الواحدة وجعل زوجها منها وكلمة جعل تفيد ان تغييرا وظيفيا قد تم، بعد فترة زمانية طويلة، في نواتج النفس الواحدة الأولى التي احتوت على خواص الذكر و الانثى في مراحل تطورها و تزاوجها الذاتي ادى إلى ظهور نفسين متكاملتين، لكن لكلٍ خواص مختلفة ومكملة لخواص النفس الأخرى، مما يجعل في الآية غموضا يستحق بحثا متأنيا) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية،ص262
إن لم تخاطب آية تبدأ بيا أيها الناس( الجنس البشري بالتحديد ) فبربك من تخاطب؟ ونعلم أن ثم تفيد الترتيب مع التراخي ولكن ما هي الفترة من الزمان التي أكد حرف العطف على تراخيها في الترتيب ؟ لا أحد يعلم ولكن ما نعلم هو أن ما يفيده هذا الحرف يبدأ من أقصر فترة ولنقول ساعة وإلى آلاف السنين إذن فالدليل الموجود في الآية يعطينا عدد لا حصر له من الاحتمالات يتم الترجيح بينها من خارج الآية،ولنأخذ الاحتمال الاقرب وهو أن جعل الزوج هو متراخي ولا حق زمانيا على خلق النفس ، فالانسان يخلق خلقا من بعد خلق ثم يولد ويقضي زمنا ثم يصير زوجا وهذا الاحتمال مقبول عقلا وشرعا ومتوافق مع الآية وفهم العامة و العلماء، أما الجعل فهو تغيير وظيفي و التغيير الوظيفي ليس تغييرا في الخلق وإنما هو تغيير في المهمة و الوظيفة التي يؤديها الفرد ، فمهمة الإنسان غير مهمة الزوج ،فالانسان ( النفس الواحدة) تمت إضافة نفس أخرى له و الفرد تمت إضافة آخر له فصار زوجا ولذا تم التعبير عن هذه العملية بالجعل ، وليس هناك من موضع للقول بالتزاوج الذاتي ، فالآية لا تتحدث مع ولا عن الأميباء وإنا تتحدث عن الإنسان الذي نعرف الذي خلق في بطن أمه في ظلمات ثلاث. أما الاحتمالات الاخرى من الزمن الذي تفيده (ثم) فلم نجد لها دليل ولم يسوق الكاتب عليها دليلا و لا يمكن التسليم بها هكذا. وبالتالي يكون تفسره للآية بقوله:( جعل لكم من أنفسكم) تشير إلى كل الاحياء من نبات وحيوان وإنسان، وليس الإنسان وحده.فكلا هاتين المجموعتين المتباينتين انتشرت سلالاتهم على الأرض رغم ان أحدهما فطر في السماء و الآخر في الارض ، وإنما يفهم أن الخطاب موجه للإنسان لأنه هو العاقل المخاطب من بينها وهو يمثل رمزا للأحياء التي خلقت في الارض.هاتان المجموعتان من المخلوقات، أي أزواج الانسان وأزواج الأنعام هي التي حملها نوح في السفينةلأنهما يمثلان سُلمي التطور،أحدهما وهو الانسان قد تطور في الأرض و الآخر أنزل من السماء) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية ،ص270 يعوذه الدليل
وفي تبريره للمعنى الذى أراده لكلمة بهيمة يستخدم الكاتب منهجه المفضل و المنهج هو عباره عن الرجوع إلى أصول الكلمات مع الاستشهاد بإبن فارس في معجم مقاييس اللغة ومنه ذلك خلص إلى أن بهيمة أي غامضة وغير مفهومة.أما كلام أبن فارس في معجم مقاييس اللغة فهو التالي : (بهم) الباء والهاء والميم: أن يبقى الشّيءُ لا يُعْرَفُ المأْتَى إليه. يقال هذا أمرٌ مُبْهَم. ومنه البُهْمةُ: الصخرة التي لا خَرْق فيها، وبها شُبِّه الرّجُل الشُّجَاعُ الذي لا يُقدَرُ عليه من أيِّ ناحيةٍ طُلِب. وقال قوم: البُهْمةُ جماعةُ الفرسان. ومنه البَهيمُ: اللَّونُ الذي لا يخَالِطُه غيرُه، سواداً كانَ أو غيرَه. وأبْهَمْتُ البابَ: أغلقْتُه.
ومما شَذَّ عن هذا الباب: الإبهام من الأصابع. والبَهْم صِغارُ الغَنم. والبُهْمَى نبْتٌ، وقد أبْهَمَتِ الأرضُ كثُرَتْ بُهْمَاهَا. قال:
لها مُوفِدٌ وَفاهُ وَاصٍ كأنّه *** زَرَابيُّ قَيْلٍ قَدْ تُحُومِيَ مُبْهمُ (13)) ابن فارس معجم مقاييس اللغة ص311
ومن خلال هذا المعنى لم نجد ما يفيد أن ابن فارس قد قال بأن البهيمة تعني الغامض،ولكنه يصر على هذا المعنى لكلمة بهيمة ويرى أن هذا المعنى يتناسب مع عقلية الإنسان الاول الذي لم يستطيع أن يستوعب امر الانعام ، ولكن بدراستنا للآيات التي ورد فيها هذه الكلمة في داخل سياقها نجدها لا تخاطب الإنسان الأول حتى تعرف له الانعام بأنها بهيمة و إنما الخطاب موجه لإنسان القرآن عند نزوله وإلى أن تقوم الساعة فهي تحمل بين طياتها تكليفا عليه القيام به ، وبالتالي فإن تعريف البهيمة بأنها الغامض ليس سليما وإلا فلما ارتبط هذا الوصف بالانعام وليس بغيرها علما بأن الانسان الذي يتحدث عنه الكاتب ليس عنده شيء واضح أو يكاد فكل ما يحيط به غامض بداً من الحجارة مرورا بالاشجار وكيفية تكاثرها و إثمارها و انتهاءا بالحيوان الذي منه الانعام.
بقوله:(يجب أن نعلم أن الله تعالى ما تعلم اللغة العربية من امرؤ القيس أو المعلقات العشر كما تعلمناها نحن، فهوالذي خلق الإنسان وأنطقه وعلمه البيان،ما كان يحتاج لمرجع من أشعار العرب يجيز له أن يجمع أذان بمعنى النداء الواحدإلى آذان لتحمل مدلولا أكبر صدى يدوي عبر العصور لينبه الإنسان إلى سر الانعام التي تنادي بوجود خالق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض و من أنفسم ومما لا يعلمون،فكان أن جمع أذان إلى آذان الأنعام لتكون جمعا فريدا و ابتكارا لغويا يجري مجرى اللغة إن لم يكن عليه دليل من أشعارهم التي اندثرت تماما كما ابتكر اسم القرآن الذي لم يكن له مثيل) ص294 هذا لعمري كلام لا يمكن أن يخرج من شخص يدعي أنه باحث في القرآن الكريم وهو أبعد ما يكون عن الضبط المنهجي وينسف كل القواعد اللغوية المتعارف عليها و التي اعتمد الكاتب نفسه بعضا منها، وهذا المبرر الذي ذكر يفتح الباب واسعا للجميع ليقولوا قي القرآن ما يحلوا لهم وأن يحملوا المعاني على ما يريدون بحجة أن الله تعالى لا يجب و لا يحتاج لأن يلتزم بقواعد اللغة و معهود الخطاب لأنه هو من علم الإنسان البيان. كما أن هذه السقطة الكبرى للكاتب،فقوانين اللغة تكتشف ولا تخترع، وتكتب ولا تستحدث، لكن يبدو أن الكاتب لا يميز بين من وضع اللغة و من استقرأها ليحدد قوانينها و من برع في استخدامها، فالمولى سبحانه يخاطب الناس بلغتهم وفق القوانين التي وضعوها حتى يتثنى لهم فهم خطابه وبالتالي لا يمكن أن يذكر الآذان التي يعرفها العرب المخاطبين ليعني بها أذان وليس هناك من ضرورة لغوية و لا حالية تدعو لذلك ،فقد خاطب إبراهيم عليه ( وأذن في الناس بالحج) وقد فعل و مازال ندائه مسموعا و ملبى إلى الآن، أما آذان الانعام فهي مقصودة لذاتها، وهي جمع أذن، وذلك من خلال القرآئن السياقية التي تجعل من المستحيل استبدالها بغيرها ولنقرأ جميعا قوله تعالى (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا)(14) . فالقرينة الأولى هي فَلَيُبَتِّكُنَّ قال الراغب ): البتك يقارب البت لكن البتك يستعمل فى قطع الاعضاء والشعر . يقال بتلك شعره وأذنه – أى قطعها أو شقها – ومنه سيف باتك أى قاطع للأعضاء . وأما البت فيقال فى قطع الحبل .ونجد نفس المعنى في الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 1076 فالبتك إذن فعل مادي عنيف يقتضي ان يكون المقطوع أيضا شيئا ماديا. أما القرينة الثانية فهي (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) وهو فعل مادي آخر إشتبه على المفسرين بأنه يعني الفعل الأول على الرغم من أن تبتيك آذان الأنعام فيه تغيير لخلق الله، فالآذان و خلق الله هي أشياء مادية وبالتالي فالسياق بالإضافة للغة تقف موانع من تحويل الآذان إلى أذان بدلالة التبتيك وتغيير الخلق ، معلوم أن هذه النقطة هي صلب النظرية ،وتقوم مقام القضايا الأساسية التي بتكذيبها ودحضها تكذب النظرية ، لذلك ما كان عليه (أي الكاتب) أن يلتف على ممانعة السياق و اللغة بإستخدام قدرة الله المطلقة في تبريره للمعنى الذي إرتضاه لتفادي تكذيب النظرية فمن الأفضل له ولنا أن نعمل كل قدرتنا على تكذيب النظريات عن طريق النقد الهادف حتى نستطيع إقامة نظم تفسيرية قادرة على الصمود بعد أن تبين لنا العوج في نظرياتنا الحالية ، هذا إن أردنا الحقيقة و التقدم أما إن كان الهدف غير ذلك فذاك أمر خارج العلم ويتم نقاشه حسب الأدوات المناسبة للمجال المعني.ٍٍ
وفي معنى آخر في نظرية آذان الانعام يقول في تفسير قوله تعالى:(الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها…)خلط بعض المفسرين بين الأنعام و الخيل حتى يجدوا تفسيرا لرَكوبها لأنهم فهموها (لتمتطوا ظهورها) كما يفهمها أغلب الناس اليوم،رغم أن النص لتركبوا منها) وليس تركبوها أو تركبوا عليها، وربما يفوت على كثير من الناس أننا أصلا لا نركب من الأنعام إلا الإبل ولكن ليس الضأن و المعز والبقر.فكيف إذاً يكرر الله ركوبنا الانعام في آيتين متتاليتين إذا كنا أصلا لا يركب منا إلا سكان الصحراء واحدة منها وهي الإبل؟
كلمة تركبوا هنا مأخوذة من الاصل (ركب) ومن معانيها الأصل و المنبت …… وقد أورد الرازي في معجم مقاييس اللغة قولا للفراء يفيد ان المُركب تعني عانة الرجل و المرأة، أي الأعضاء التناسلية (هل العانة هي الأعضاء التناسلية؟ الباحث).فإذا عدنا بعقل متفتح لفحص الآيات أعلاه نجد ان الآية الأولى قد جمعت بين الرَكوب و الأكل كآيات كونية في الانعام و الآية الثانية جمعت بين الفلك و الأنعام في أن عليهما يحمل الإنسان إلى أماكن بعيدة) ص297
نقول :كل دارس للغة العربية يدرك أن معنى (لتركبوا منها) مقصود به التبعيض أي لتركبوا بعضها ،وليس صحيحا أن الإبل وحدها هي التي تركب من بين الانعام ، فالبقر أيضا يركب و الكاتب من السودان وليس مقبولا منه تجاهل هذه الحقيقة فالبقر يركب في السودان وفي غير السودان، وهي تحرث الأرض وتسقي الحرث ، و الأبل والبقر من الانعام وهي المقصودة بمنها ركوبهم ،أما سياق الآية ففيه قرينتان دالتان على ما ذهبنا إليه وهو الركوب و الحمل و في الآية الثانية إقترنت الأنعام بالفلك، وبالتالي فإن أصل الكلمة لا يسعف الكاتب ، وهذا خطأ شائع في كتابه بل هو المنهج الذي ارتضاه، فالمستخدم ليس هو الأصل وإنما الاشتقاق ومعلوم ان المعنى يختلف بإختلاف التصريف، وإلا فما الحاجة للتصريف إن كان المعنى يظل كما هو،وعليه فإن لتركبوا و ركوبهم ليس هو معنى ركب ، فليس هناك ترادف في اللغة كما أثبت عدد من اللغويين، ولكن قد تكون الفروق بين الكلمات على درجة من الدقة بحيث لا يراها أو يتعرف عليها من ليس له علم واسع بلغة العرب فيظنها مترادفة، أما الحاكمية المطلقة فهي للسياق ، فمنه ومن خلاله يمكن أن نتعرف على الفروق بين معاني المفردات ،لأن الكلمة تأخذ معناها من خلال موقعها في السياق،فإذا قبلنا أن معنى (فمنها ركوبهم) أن تأخذ منها أشياء غير اللحم تدخل في الأعضاء التناسلية كما قال فهناك مجموعة من الأسئلة سوف تطل برأسها فورا وتستجدي الإجابة منها:ألا يدخل اللحم أيضا في الاعضاء التناسلية بالكيفية التي يتحدث عنها الكاتب عن اللبن،الإجابة نعم وإذن لما تم التمييز بين الأكل والرَكوب؟هل تقتصر الانعام على الاكل و اللبن؟ أم أن نعمة حمل الانعام لنا ولمتاعنا نعمة لا تقل عن أكلها وتتجاوزها احيانا (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ )(15) و السؤال الأكثر الحاحا هو ما العلاقة بين الانعام والفلك إن لم يكن الركوب في كليهما؟ أما تفسيره ل(عليها و على الفلك تحملون) بأن الحمل لا يعني بالضرورة الحمل المجسد على الأرض وإنما يعني أن هناك علاقة وطيدة بين شيئين) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية، ص 297 نقول نعم هناك علاقة وطيدة بين الانعام و الفلك وهي أن الانسان يستخدمهما في السفر و النقل ، ولا نظن أن هناك علاقة غيرها ، ثم أن العلاقة الوطيدة لا تكفي أن تكون تفسيرا ما لم تحدد وقد حددناها بالحمل ، اما تركه هو للتحديد فيكشف عن قصور تفسيره لأننا إن سلمنا جدلا بصحة ما ذهب إليه من أن الحمل يعني أن مكونات الأنعام تدخل في تكوين أجسادكم، ماذا ترانا فاعلين بالفلك ؟ فهي قطعا لا يمكن أن ينطبق عليها هذا المعنى للحمل ،وهو أن فيها شيء يدخل في تكوين الاجسام،وليس هناك من سبيل للقول بأن الحمل على الانعام غير الحمل على الفلك لأن السياق يمنع ذلك حيث يفيد التساوي في الكيفية ، إذا فالسياق ثم السياق .
أما حديثه في ص 307 من الكتاب عن العدد الذي بدأ به البشر و الذي توصل إليه من الهدي أو الكفاره في الحج ومقارنته بالثمانية ازواج من الانعام ،فهذا الافتراض ماكان له ان يقول به لولا بحث دنبار، الذي اقنعه وحاول أن يجد له تصريفا من السنة،نقول أن هذا الاستنباط غير صحيح ، فالكفاره تشريع اسلامي متأخر زمانيا عن العهد الذي يتحدث عنه الكاتب وبالتالي فهو لا يصلح أن يكون تفسيرا ولا تبريرا لحالة متقدمة عنه بل ولا يمكن الاخذ به كمؤشر على وجود هذا التشريع في أزمان غابره،ولم نخبر من مصدر موثوق بأن هذا التشريع قد جاء محاكاة لحادثة أو تأصيل لسابقة تاريخية لا من قبل المشرع ولا من قبل كشف أثري وبالتالي فهذا الافتراض غير علمي، ولكن حتى في حالة افتراض صحته فسوف تكون الثمانية أزواج قد تم زبحها للكفاره عن الخطيئة الاولى ،فالسؤال هو من أين أتت الانعام بعد أن انقرضت في ذلك الهدي الاول؟ و إن لم تزبح كلها فالسؤال هو كيف تمكنت تلك الازواج من الحفاظ عى بقائها و الحفاظ على صفاتها الوراثية رغم ان كل نوع من الانعام بدأ من زوج واحد ولم يشهد تاريخها تراكم للجينات ولا تشوها في الخلق؟ ومن هنا نستنبط سؤال آخر وهو : إذا كان من الممكن للضأن أن ينزل من السماء زوجا واحدا ويستمر في التوالد و التكاثر والانتشار فوق البسيطة كلها فما الذي يمنع زوج من البشر نزل من السماء من التوالد والتكاثر و الانتشار في البسيطة كلها طالما أن قانون الوراثة هو نفس القانون؟
وفي معرض تفسيره للآيات (142-144) من سورة الانعام ص 309 من كتابه قال: ( لغة هذه الآيات تحكي عن قوم في غاية البساطة و السذاجة وهو ما يجعلها تنطبق على عقلية الإنسان الاول علما بأنها تتحدث بالنص عن الثمانية أزواج التي نزلت وأجنتها، ويبدو أن الشيطان في ذلك المهرجان قد وسوس اليهم أن الإناث محرمة من باب التقديس لأنها ملائكة أو ترتبط بالملكوت الأعلى، فضاعت الحكمة من الحفاظ على الإناث وما في بطونها لأستمرارية النوع فأصبحت من المقدسات، ومن ثم فتح لهم أول باب للشرك بهذا المخلوق البهيم)
ومعلوم أن هذه الآيات ليس لها من علاقة بالإنسان الأول ولا بالعقلية البدائية ،كما أنها لا تتحدث عن الثمانية أزواج التي نزلت من السماء ، فالسياق الذي وردت فيه الآيات يتحدث عن نعم الله فذكر أولا بالجنات المعروشات وغير المعروشات وطلب منا عدم الاسراف في الأكل وإخراج الزكاة يوم الحصاد ، ولا نظن أن هذه هي شريعة الانسان الذي يتحدث عن الكاتب ،ثم واصل المولى عز وجل الخطاب (خطاب النِعم) فذكر فوائد الأنعام من أنها يُحمل عليها ويفرش منها(سجاد وجلود) وتأكل، كما حذرنا من الشيطان،أما ذكر الازواج الثمانية فقد ورد زكرها في سياق تهكمي لأنهم لم يستطيعوا أن يبينوا ما هو المحرم ولا علة التحريم (بعلم) وليس صحيحا قول الكاتب (أن إلتباس قد وقع في حكمة تحريم زبح ذكورها و الحفاظ على إناثها و أجنتها) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية، ص 309 فالآيات تتحدث بصورة واضحة عن أنه ليس هناك محرم من الأنعام لا بحكمة ولا بدون حكمة،فالذكور و الإناث و الأجنة كلها حلال فالآية التي تليها مباشرة وهذا نصها (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (17). لم تترك أدنى شك في وجود محرم من مخلوقات الله غير الخنزير ، كما أنها لم تترك أدنى شك بأن المخاطبون بهذا الخطاب هم أتباع الدين الخاتم ،عليه فإنها تحكي عن حرمة ونقاش دار في زمن نزوله لأن الآية 146 تصف ما حرم على اليهود و بالتالي فإن الحجة التي تذكرها الآيات بلغة بسيطة هي : أن ما زعمتم بتحريمه ليس لكم حجة ولا علم به وإنا لم نجد في ما يتلى علينا من قرآن من محرم غير الخنزير كما أن الله قد أبرنا بأنه قد حرم على اليهود الأصناف التي ذكرها بتلك الكثرة والتعقيد حتى نشكره على فضله وكرمه معنا.
الادعاء بنزول الانعام من السماء وفوائده.
ذكر الكاتب عددا من الفائد التي من أجلها أنزلت الأنعام من السماء نجملها في النقاط التالية ونرد على كل نقطة في موضعها.
1/ إثبات مفهوم التطور الذي صَعِدَتْ عليه كلُّ أزواج الأحياء في الأرض من أصلٍ واحد باستثناء الأنعام. هذا الإثبات لم يتم إلى الآن لا في نظرية التطور ولا في غيرها ، وإن قبلنا ما يقوم به الكاتب الآن باعتباره إثباتا فقد كان ذلك الجهد بحاجة لأجيال متلاحقة من عمر البشرية،لأن الكاتب يقوم بهذا الإثبات الآن ، وبذلك فإن دور الانعام الذي رسمه لها الكاتب قد ظل معلقا كل تلك الفترة من لدن آدم و حتى الآن.
2/ نفي مفهوم التطور التلقائي لمخلوقات الأرض، وإثبات أنَّ نظام التطور الذي صَعِدَتْ عليه الأحياءُ في الأرض قد تمَّ بإرادة الله خاضعاً لمنظومة العرش. جل ما قاله الكاتب في ثنايا الكتاب هو أن هناك مسارين أو سلميين للتطور الأول هو الذي صعدت عليه الاحياء على الارض و الثاني هو الذي صعدت عليه الانعام ، و بالتالي فإن افتراض نزول الانعام من السماء لم يفيد نفي مقولة التطور التلقائي ولم يزيدها قوة، لأنها حسب افتراضه هي من كوكب آخر وتخضع لقانون آخر في تطورها ، أي ليس لها من علاقة بالأرض ومخلوقاتها، إلا إذا صح الاستدلال بأن وجود انسان في الأرض يؤكد وجود بشر في المريخ، وهو استدلال باطل بطبيعة الحال.
3/ التأكيد على وجودِ حياةٍ ماديةٍ مكملةٍ لحياةِ الإنسان خارجَ إطار الأرض " مجتمع الأنعام".
هل يعقل أن تكون الأنعام مجتمع يشغل اي كوكب غير الارض وهل حياتها في الأرض نفسها يمكن أن يطلق عليها لفظ مجتمع أم أنها مجرد قطيع.وما العلاقة بين تلك الحياة المزعزمة خارج الارض ومخلوقات الارض ناهيك عن كونها مكملة أو غير مكملة ، وما النقص في حياة الإنسان على الأرض الذي يفترض أن تكمله تلك الحياة المزعومة؟ أسئلة حيرى ليس لها إجابة في كتاب آذان الانعام ولا في موقع الكاتب الالكتروني.
4/ إنَّ الخالق هنا وهناك واحد. هذا الافتراض ليس ناتج عن استدلال منطقي و إنما هو مصادرة من الكاتب بناها على ما استقر عنده من إيمان ولم يبنيها على منطق أو علم.
الفرق بين الخلق و الجعل :
إعتمد الباحث على أن هناك فرق بين الخلق الجعل، واستدل من قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) ان البشر كانوا موجودين بالفعل ولذلك استخدم المولى عز وجل لفظ جاعل وليس لفظ خالق و الجعل كما يقول هو تغيير في الوظيفة وليس خلقا من عدم. نوافق فعلا الخلق من عدم، و الجعل تغير في الوظيفة ولكن الله قد أخبر الملائكة أنه سوف يخلق بشر من طين وأخبرهم بما يجب عليهم عمله عندما ينتهي من ذلك الخلق.إذن فإن الخلق تم أولا ثم أتى التكليف بعمارة الأرض بعد ذلك، هذا اولا. وثانيا: هذا الأمر يوضح بجلا شديد أن الخلق لم يتم في الأرض وذلك لسبب بسيط وهو أن الخلق لو تم في الأرض (عن طريق التطور(عبر آلية ملايين السنين) أو عن طريق فعل كن) لما أحتاج المولى أن يحدد موقع الخلافة للخليفة الجديد وأن الملائكة سوف تعلم ذلك مباشرة أي كان الخطاب في هذه الحالة سيكون (إني جاعل البشر خليفة) لأن خلافته حيث يوجد ، عليه فإن الخلق و الجعل مرحلتين متمايزتين تمتا في مكانين مختلفين.وأخيرا الجعل لا يقتضي تغييرا في بنية المخلوق ،أي أن حديث الباحث عن تغيير في الحمض النووي لا معنى له في هذا الموضع بالتحديد،فالجعل تغيير في الوظيفة وليس في الخلق والبنية فالتغيير في البنية الجينية يؤدي إلى (خلق آخر) وليس إلى الجعل .ولنضرب مثل لذلك .الدكتور علاء محمد حسين "طبيب ولكنه جعل من نفسه باحثا في أصل الإنسان وداعية، هذا جعل، أي غير وظيفته من غير أن يصاحب عملية الجعل هذه أي تغيير في البنية الجينية لعلاء أما إذا حدث تغيير في بنيته الجينية فيمكن ان تكون النتيجة جيدة ويمكن أن تؤدي إلى كارثة أقلها السرطان بنمو خلايا غير مرغوب فيها ولا يمكن للجسم أن يتعامل معها، فالتغير الجيني في أقصى درجاته يؤدي إلى (خلق آخر) وفي أقل حالاته يؤدي إلى تشويه داخلي أو خارجي.
ويمضي الكاتب في تناول قصة الخلق الأول بعد ان ميز في المرحلة الأولى بين الخلق و الجعل ليتناول المخلوق، ويدخل في مغالطات بشأن اسم آدم ليجعله مرادفا للفظ بشر(بهذا المعنى يكون آدم إسم معنى مطابق لكلمة إنسان و بالتالي عندما يذكر الله سبحانه وتعالى إسم آدم ، لا يلزم انه يتحدث عن ذكر ولا عن أنثى ولا عن مفرد ولا عن جمع، وإنما فقط يمكن أن نستنتج ذلك من سياق الآيات ومعناها العام. ويجب ان نلاحظ أيضا أن لفظ آدم لا يعني بالضرورة (آدم) النبي المصطفى ابا الانبياء عليهم الصلاة و التسليم، وإنما تعني( البشر الملائم للتغير)
ولكن إذا كان آدم لفظ جنس لا يمكننا أن نفهم قوله تعالى (وقالنا يا آدم إسكن أنت وزوجك الجنة) فزوج آدم آدم، فآدم كما يفهمه الكاتب مطابق للفظ إنسان أو بشر، وإسم الجنس يشمل االذكور و الإناث وبالتالي لايكون لآدم زوج ،وفي تعاملنا مع القرآن نجد أن اللفظ القرآني يكون ثابت المعنى ، من حيث المعنى العام، يخصصه السياق ، فلا يمكن أن يستخدم لفظ آدم بمعنى بشر ويستخدم كإسم علم ،وفي كل الآيات التي ورد فيها هذا الاسم نجده يشير إلى علم ، ولكن جل ما يمكن قبوله هو أن هذا الإسم أستخدم ليشير إلى أكثر من علم واحد أي أن هناك آدم أبو الانبياء وأدم أبو البشر …ألخ . ووجه الاعتراض الأخير هو على تعريف لفظ آدم بانه الملائم للتغيير . نسأل في أية لغة هذا هو معنى لفظ آدم ؟ فهذا الإسم ثابت في كل اللغات الحية تقريبا، وفيها كلها يشير إلى أنه سمي بهذا الإسم لأنه مخلوق من أديم الأرض وقيل لأنه كان أدم البشرة. فوجود الإسم في الديانات السماوية الثلاثة والاتفاق على معناه، وترحيله من الكتب السماوية إلى اللغات وارتباطه بالمعني الذي حازه في الكتب السماوية يشير بما لا يدع مجال للشك بأن لفظ آدم يشير باستمرار إلى علم مفرد ذكر.فآدم إذن ليس إسم جنس للأسباب التي ذكرناها ، وإنما هو إسم لعلم مذكر، فالننتقل إذا إلى الشبهة التي أثارها الكاتب عن الإصطفاء يقول:(ولما كان آدم هو المصطفى الاول ، فهو لذا يعني أن الله اصطفاه على مجموعة آدم (إسم المعنى) او (جنس الانسان) الذي تطور إلى انسان عاقل) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية ،ص 168 إن من غرائب الكاتب أنه وقف على حقيقة أن الإصطفاء تم على العالمين و ليس من العالمين مما يفيد بالضرورة أن آدم عليه السلام لم ينتخب إنتخابا من مجموعة مرشحين للنبوة ، فهذا النوع من الإصطفاء هو إصطفاء تفضيل و ليس إصطفاء إختيار و إنتخاب ، مما يعني أنه مصطفي وإن لم يوجد معه احد ، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى أن الإصطفاء لم يتم على البشر ولا منهم وإنما على العالمين و العالمين مجموعة كبيرة تشمل الإنس والجن هذا إن لم تشمل العالم بكل مكوناته ، و الغريب الذي نبهنا له في مستهل هذه النقطة هو أن الكاتب قد كان واعيا بالفرق بين الاصطفاء من و الاصطفاء على إلا أنه عكس مدلولاتهما ربما لشيء في نفسه ولكنه عكس ليس في مصلحة الحقيقة والعلم بحال ولا يسير وفق منهج محدد يمكن الاعتراف به وبنتائجه بشكل علمي.
وفي إطار تدليله على أن هناك مجموعة من البشر تطور معها و من بينها آدم او هي آدم يسوق الكاتب ثلاثه أدلة على تأكيد زعمه نستعرضها أولا ثم نقوم بالرد عليها فيما بعد(1-في أول خطاب مباشر من الله تعالى لخليفته أبان لنا مباشرة وجود الذكر و الأنثى لينبهنا إلى أن آدم هذا ليس إلا فصيل من البشر الذي تطور إلى إنسان عاقل ذكرانا وإناثا (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)(18) .
2/ في وصف المعصية تمت الاشارة إلى جمع السوآت لتدل على جمهرة من البشر(فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22)) وأيضا ظهر لفظ الجمع في عدد انفس الذين تابوا(قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(19)
3/ بعد التوبة ظهر في السياق القرآني واو الجماعة بصورة بائنة ،إشارة إلى ظهور أول مجتمع إنساني عاقل ومكلف (قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)) (20) .
نقول إن مرحلة وجود الذكر و الأنثى للقائلين بالتطور هي مرحلة متقدمة جدا عن المرحلة التي تطور فيها آدم، فمرحلة التكاثر الجنسي هي المرحلة التي تلي التكاثر الذاتي عن طريق الانقسام الثنائي البسيط، ففي المراحل السابقة في سلم التطور كانت الفروق النوعية بين الذكور و الاناث ذات صبغة جنسية وبالتالي فإن المرحلة التي يخاطب فيها آدم وزوجه لا تشير إلى مرحلة جنسية أو تكاثرية بقدر ما تشير إلى مرحلة اجتماعية بالنسبة لآدم وزوجه فإن العلاقة لم تكون ذات طابع جنسي ، أعني علاقة الزواج أو على الأقل لم يكن الجنس هو المحرك ىالاساس لهذه العلاقة ، ولذلك وجدنا النهي عن الشجرة وما ترتب عليه، أي ان المحرم الوحيد في الجنة كان هوالجنس ، فعلاقة هذا وصفها لا يمكن أن يكون للجنس دور فيها ، ،هذا أولا، وثانيا ليس في الآية أو القرآن كلها إشارة مجرد إشارة ، إلى أن آدم هذا ليس سوى فصيل من البشر الذي تطور إلى انسان عاقل .
اما بالنسبة للنقطة الثانية، فيبدوا أن الكاتب لا يميز بين المثنى و الجمع ، ففي هذه الآية ظهر الف المثنى ثمانية مرات، فكيف بالله تكون الآية تشير إلى جمهرة من البشر ، أما في الآية التي تليها فقد وقع نظر الكاتب على لفظ الجمع في (أنفسنا) فراق له ولتفسيره ولكنه لم ينتبه إلى أن الآية تبدأ بلفظ المثنى (قالا)
أما بالنسبة للنقطة الثالثة فلا أدري لماذا جعل الكاتب ظهور المجتمع الإنساني المكلف بعد التوبة ، فلو تأمل فيما كتب هو وليس غيره لوجد أن هذه النتيجة (ظهور مجتمع إنساني عاقل ومكلف مرتبط بالنفخ وليس بالتوبة، فالتكليف تم بعد النفخ ولا تكليف بلا عقل، وهذا الاضطراب يعود لسببين، الأول هو استباق النتائج و القراءة المسبقة للقرآن مما يجعل البحث في القرآن قراءة تبريرية لمكتشفات وحقائق علمية أو نظريات ذات أبعاد أيديولوجية محددة و الكاتب وقع في هذا الخطأ لتبنية نظرية التطور لداروين و جعل القرآن كله يهلل لها ويكبر، أما الخطأ الثاني فهو غياب المنهج المنضبط في التعامل مع القرآن فالمنهج الذي يتبناه الكاتب يتعامل مع القرآن بالقطعة (كلمة كلمة) وبالتالي ضاعت السياقات وضاعت معها روح القرآن و رسالته.
تفسير الشعائر :
وتحت عنوان شعائر الله يقول الكاتب( شعر لها أصلان: أحدهما يدل على نبات و الآخر على عِلم بكسر العين وعَلم بفتح العين أي تعني أثر بالشيء يتميز به عن غيره، وشعائر جمع شعيرة. إذا فشعائر الله هي آثار مميزة تدل على وجود الله لمن لا يؤمنون بوجوده وتزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، جعلنا الله وإياكم منهم. وقد وصف القرآن أماكن محددة بأنها من شعائر الله والباحث في حقيقة هذه الشعائر لا يشك أنها جميعا آيات من آيات الله منزلة جميعا من خارج إطار الارض . فأعظم شعائر الله هو البيت العتيق و البيت العتيق وضع للناس)ص 153 وضح في هذه القضية ان أصل الكلمة أحيانا لا يسعف فالاصلان اللذان اختارهما الكاتب لشعائر لا يمكن أن يبنى عليها معنى الشعائر الدينية،و لذلك فقد جاء بالمعنى المتعارف عليه للشعائر من أنها اعلام دينية جمع شعيرة وهي العلامة على عبادة الله .
ولكن رغم عن عدم اسعاف أصل الكلمات للكاتب في المثال السابق مما اضطره للأخذ بالمعنى المتعارف عليه ، رغم ذلك عاد لأصل الكلمات للبحث في قصة مقام ابراهيم إذ يقول في شرحه لقوله تعالى:
(وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) . بوأ في اللغة لها معنيين احدهما الرجوع للشيء و الآخر تساوي شيئين، كما تقول العرب فلان باء بفلان اي أصبح كفوا له وكما قال ابن آدم الظالم(إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك)، مكان فيها خطأ شائع في الفهم حسب قول معجم مقاييس اللغة، إذ إنها لا تعني موقع جغرافي ولكن أصلها من كون و الكون أصل يدل على على حدوث شيء إما في زمان سابق أو في زمان راهن (كان الشيء يكون كونا) إذا وقع وحضر ،أما مكان قد اشتقت من (كان يكون) ولما كثر استعمال الميم توهم الناس أنها من أصل الكلمة ،أي أنها تعني (ما كان)) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية ،ص224 ومن ذلك أراد أن يتوصل إلى أن المولى عز وجل وضح لإبراهيم عليه السلام ما كان البيت ، فالبيت من وجهة نظر الكاتب كان موجودا ، فإبراهيم عليه السلام لم يبنيه و من عدم ولكن تم تعريفة على الموقع الذي كان فيه.
نقول ان هناك فرق بين بوأ وبوأ له فقد بوأ بنو إسرائيل هم أي هم المستهدفون بهذا الفعل أما في حالة إبراهيم عليه السلام و البيت فقد بوأ الله لهم موقع البيت ، إذن لا قص ولا أرجع ولا أعاد و لكن هذا ما يقود إليه استباق المعاني و قراءة القرآن وفق رؤية مسبقة،وإذا كان لبوأ معنيين هما الرجوع للشيء و الآخر تساوي شيئين فكيف نفهم معنى قوله تعالى(وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93))(21)
فلا يمكن أن يفهم منها رجوع لشيء ولا تساوي شيئين وإنما يفهم منها أنزلناهم منزل صدق وفي حالة إبراهيم حدد له مكان البيت وأنزله فيه.أما بالنسبة لمعنى مكان فالعبرة ليس في أصل الكلمة ومكوناتها وإنما في إستخدامها وهي تستخدم لتشير إلى موقع جغرافي معين ومعناها تأخذه من استخدامها وليس من أصلها وقد وردت لفظ مكان أكثر من عشرة مرات وجميعها تشير إلى موقع وهو نفس المعنى في الاستخدام العادي وهذه بعض الآيات التي وردت فيها لنتأكد إن كانت تشير إلى ما كان أم إلى مكان، قال تعالى:(ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (95)(22) . وقال: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)(23) سورة يونس (الآية 22). وقال:(يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) (24) . وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (41)(25) فهذه الآيات لا تترك أدنى درجة من الشك في أنها تشير إلى المعنى المتعارف عليه لمعنى كلمة مكان.
آدم عليه السلام أو قصة الخلق الأول :
معلوم أن قصة الخلق الاول أوقصة آدم عليه السلام هي من الركائز الاساسية التي تعتمد عليها النظرية بل إن الانعام نفسها وآذانها التي جعلت عنوان للنظرية و الكتاب إنما تم استخدامها للتاكيد على أن البشر لم يخلقوا هكذا و إنما تم تطويرهم عبر مراحل إلى أن أصبحوا مؤهلين لنفح الروح فنفخ الله فيهم من روحه فصاروا بشر عاقلين بعد أن كانوا حيوانات متوحشة تفسد في الأرض وتسفك الدماء وقد حاول الكاتب أن يجعل عملية التطور تلك ممرحلة بصورة يمكن استيعابها ، واغفل عمدا ذكر الشمبانزي و الغوريلا وغيرها من الحلقات التطورية التي وضعها داروين، ليستعيض عنها (الحلقات) بتسميات قرآنية) وسوف نبد معه رحلة التطور بهذه الفقرة
293 ص(طور الله تعالى بفعل (كن)(لماذا بفعل كن وليس عن طريق قانون التطور مثلا؟ الباحث)مخلوقات أدنى كانت ملائمة للتغيير(آدم) إلى انسان عاقل ثم أوى ذاك الانسان إلى جنة المأوى القريبة منه.كان اول أمر صدر لهم من ربهم موصوفا وصفا حركيا ميكانيكيا(ولا تقربا هذه الشجرة) مما يدل على عدم قدرتهم على فهم المفاهيم المجردة كالجماع أو العملية الجنسية، خالف الانسان امر ربه فكان التعبير عن ندمه أيضا جسديا فتلقى آدم من ربه كلمات) فكانت تلك الكلمات حجارة طرحها ورصها في شكل جبلي الصفا و المروة، وعندها مارس اول صلاة وكانت أيضا حركات جسدية هي التطوف بين قطع (السعي)حجارة الصفا و المروة. في أول مواجهة له مع الشيطان ملكه الله رجوم الشياطين المادية التي أنزلها له من الشهب و الكواكب في المزدلفة،لأنه ما كان له عزما بعد، ما كان قادرا على استيعاب مفاهيم الاستعاذة و التحصين الروحية التي تتطلب تطورا في العقل و الفهم لم يكن قد وصل إليه. ومضى القرآن يحدثنا أن الإنسان ظل بسيطا حتى إلى الجيل الأول من بني آدم كما يتضح من قصة الغراب الذي اراه كيف يحفر الأرض بصورة عملية
نتسائل بدورنا :ما الذي يجعل الجماع مفهوما مجردا ويجعل الأمر (لا تقربا هذه الشجرة ) مفهوما ماديا؟ وإذا كان الإنسان الذي يتحدث عنه غير قادر على استيعاب المفاهيم المجرده ، ولا يستطيع فهم الاستعاذه وترديدها ، فهل مخلوق بهذه الصفات جدير بمهمة الخلافة و قبل ذلك هل هو جدير بأن يكلف بأي تعاليم أو تكاليف ذات صبغة دينية، ونحن نستطيع أن نتصور ذلك المخلوق وحالته العقلية إذا نظرنا إلى حال الكلاب وحيوانات السيرك اليوم فهي تستطيع أن تستوعب التوجيهات اللغوية مجردة و مادية وكل تكليف من قبل إفعل ولا تفعل بكلمات اللغة التي يتكلمها صاحبة، أي أن الاستجابة للأوامر لا تقتضي تطورا عقليا بحيث يكون المخاطب قادرا على إصدار نفس الأمر أو حتى مجرد ترديده ، هذا عن حيوانات السيرك التي خضعت لنوع خاص من التدريب ولكن يمكن ملاحظة قدرة كل الحيوانات الاليفة للإستجابة لأوامر وتعليمات صاحبها،حسنا إذا فإذا كانت هذه هي الحالة العقلية للحيوان فالإنسان الذي يتحدث عنه الكاتب يعيش حالة عقلية أقل من تلك التي نعرفها بالنسبة لحيواناتنا اليوم ، ولما كانت هذه الحيوانات لم تكلف ، وهي في حالة عقلية من حيث القدرة على استيعاب اللغة أرقى وأكثر تقدما من ذلك المخلوق الذي يتحدث عنه الكاتب ويسميه الانسان الأول ، فالأولى ألا يكون ذلك المخلوق مكلفا .ثم كيف نستسيق تفسير قوله تعالى( ولم نجد له عزما) بأنه ما كان قادرا على فهم مفاهيم الاستعاذة مع العلم بأن الآية كانت تتحدث عن ضعف العزم في تعلقه بالعهد و النسيان أى أن المولى عز وجل عهد إلى آدم (عهدا) قبله بعد أن استوعبه ولكن لم يلتزم به لضعف عزمه ونسيانه لتعهده، فمفهوم الإستعاذة غير وارد في سياق الآية لنبحث عما إن كان آدم عليه السلام قادرا على فهمها أم لا.
إذا كان الإنسان الاول لا يفهم اللغة المجردة و في حاجة إلى لغة حركية و قد جاءته هذه اللغة : السؤال هو هل فهم الانسان النهي أم لم يفهمه؟ بالقطع فهمه وإلا لما تم عقابه على فعلته.و الأهم من ذلك هو: هل تم خطاب الانسان بتلك الالفاظ ؟أم أن الله تعالى يصف و يقول لنا ما يريدنا أن نفهمه وليس بالضرورة يروي لنا ما وقع باللغة نفسها لأننا في هذه الحالة ملزمون بالقول بان آدم عليه السلام كان يتحدث العربية..(ومعلوم هناك من يدعي ذلك) وفي ظننا أن الرسالة ما ينبغي أن تقرأ بهذه الطريقة ،أي بالالفاظ و إنما يجب التركيز على محتوى الرسالة و ليس النص، في هذه الحالة على الأقل. ثم إن الكاتب قد وقع في تناقض كبير حين وصف قول تعالى ( ولا تقربا هذه الشجره ) بانه وصفا حركيا لأن آدم الذي يتحدث عنه لا يفهم اللغة المجردة، ثم وصف الغة المجردة بانها مجسمات ،فتلقى آدم من ربه كلمات فبحسب الفهم الأول كان المتوقع أن يكون الخطاب فتلقى آدم من ربه حجارة،،لأنه عندما أراد أن ينهاه عن الجنس وهو أمر معنوى أشار إليه بإشارة مادية و بالأحرى أن يكون الخطاب متسقا بحيث يكون عندما يكون المراد ماديا أن تكون الإشارة مادية لأنه حسب وصف الكاتب يفهم هذا النوع من الخطابٍ.وقد كان الكاتب على علم بما ذهبنا إليه ولكنه تعامى عنه لشيء في نفسه ، أي يعلم أن اللغة العربية لا تحتمل ما ذهب إليه من تأويل ولذلك أراد أن يهد قواعد اللغة ليتركها معلقة في الهواء يفهمها كل شخص حسب هواه ، مستحدثا قاعدة كبرى وهي أن قواعد اللغة و تصريفها غير ملزم أما حديثه في ص302 من كتابه في النقطة 3-عن ان خواص السمع و البصر و العقل خصائص مضافة للأعضاء التشريحية فهي قابلة لأن تزول وبذلك يصبح الانسان ضالا.ثم انتقل في النقطة
للتسائل عما إذا كان في الوصف القرآني للأنعام بأن لها آذان لا تسمع بها وأعين لا تسمع بها تسائل عما إذا كان وضع آذان وأعين ومخ الأنعام يشبه أعضاء الإنسان قبل النفخ، ذلك لأنه قرأ الآية لهم قلوب ولهم أعين ولهم آذان كالانعام.
وهذا كلام غريب أما إذا عرفنا أن الكاتب في الأصل طبيب زاد استغرابنا.فالآية لا تتحدث عن وظائف الأعضاء و لا عن الخواص الإدراكية لها فتلك الاعضاء مرتبطة بشبكة من الموصلات العصبية وفي حال سلامتها فهي لا محالة مؤدية لتلك الوظيف فالانعام قطعا تسمع بآذانها وترى بأعينها وتدرك بمخها و إلا لما ميزت بين الحشائش و التراب ولما ميزت بين الليل و النهار ولما ميزت بين صوت صاحبها ولاقته عند الباب وبين صوت الذئب فجفلت عنه ،فإذا كنت أنا أعلم فالله تعالى أعلم و بالتالي فالمقارنة لم تنعقد عند هذه الدرجة من الإدراك الحسي، وإلا لما كانت الانعام على ضلال و لا الكفار على ضلال فالوظائف المتعلقة بالاعضاء المذكورة تعمل عند الاثنين، و إنما المقارنة جاءت من حيث ان كليهما لم تقوده تلك الأعضاء بوظائفها إلى الخالق،(رغم عن أنها تعمل) وبالتالي فليس هناك من رابط بين المخين و لا بين الاعضاء وعقل الإنسان الأول(إن وجد هذا الإنسان المزعوم) لما ذكرنا ولما يقرره الكاتب نفسه من أن الأنعام لم(تتطور) في الارض وأن سلم تطورها مختلف عن سلم تطور الإنسان ،وبالتالي فالدراسة من هذا النوع شبيه بمن يدرس رضى المواطن في أمريكا ليستدل به على رضى المواطن في السودان.
ومن المفارقات الغريبة هو تأويله لذبح ابراهيم إبنه اسماعيل بأن جعلها مجرد امتداد لعادة ذبح الابناء التي كانت سائدة في المنطقة حول البيت العتيق قال في تفسير قوله تعالى:( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(26) .
وكلمة أرى تعني تكرار و إستمرارية الرؤيا مما يدلل على أن الله ربما أرى ابراهيم كل ما دار حول البيت في الزمان الغابر مرارا وتكرارا، ولعل من ضمن ما رأى هو ممارسة أولئك البشر لعبادة ذبح ابناءهم عندالسعي وهو قِطع حجارة الصفا و المروة، مما جعل ابراهيم يظن أنها كانت عبادة ) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية، ص312 وبذلك جعل الكاتب إبراهيم بتصديقه الرؤية مخطئا فقد(ظن) أن الذبح كان عباده ولذلك قرر ذبح ابنه في حين أن ذلك المشهد الذي رأه بصورة متكررة لم يكن في الحقيقة عباده و إنما رجس من عمل الشيطان أقوى به الإنسان الأول بعد مهرجان النعاج الحمل فذبحوا ابناءهم للتكفير عن ذنوبهم، و هذا الكلام لا يمكن قبوله بحال وذلك للقرائن الحالية و المعنوية الموجودة في الآية ، فكلمة واحدة في الآية تنسف كل ما ذهب إليه الكاتب،وهي (صدقت الرؤية)أي فعل ما قاله له الوحي وطبقة أي جعله واقعا،إذن فإبراهيم عليه السلام لم يشرع في ذبح ابنه بناءا على(ظن) وإنما بناء على عزمه في تحقيق الرؤية ولذلك كان من المحسنين لتحقيقه الرؤيا واستحق الفداء لإبنه وله ، أما تعويله على أرى وتفسيره لها بأنها تعني تكرار الرؤية فلا يستند إلى دليل، فأرى لا تفيد سوى الفعل المضارع، وما كان إبراهيم عليه السلام ليحتاج إلى تكرار الرؤية حتى يصدقها ، وإنما استخدم صيغة المضارع لأنه يستحضر الرؤية الآن.هذا بالإضافة إلى أن إبراهيم عليه السلام نبي ورؤية الأنبياء وحي.نعود لنؤكد مرة أخرى أن إقحام النظريات الاجتماعية أو الفلسفية أو حتى العلمية في فهمنا للنص القرآني من شأنه أن يشوه كليهما ، وبالطبع محاولة جعل الأساطير القديمة حقائق من خلال تأويل آيات الكتاب يعد أكثر فظاعة.
الخطيئة و التوبة:
ويقول إن التوبة اشتملت على مجموعة من البشر دون أخرى قبل أن يهبط الجميع من الجنة وان آدم نبي الله المصطفى لم يكن من تلك المجموعة التي عصت ولم يكن حتى من ذريتها ومن ذرية هذا النبي المصطفى كان نوح بعد عدة قرون ،كانت الانسانية في عهد نوح تتكون من ذرية نوح وعلى رأسهم نوح و من ذرية آدم الذين هبطوا معه من الجنة ، فلما أغرق الله تعالى كل من لم يؤمن بنوح ، ما بقي في الارض إلا نوح بما فيهم أبناؤه الثلاثة.على أن الجنس البشري بعد نوح انحدر بصريح اللفظ القرآني من ابناء نوح فقط، إذ أن الله ابقى فقط ذرية نوح وانتهى نسل بقية المؤمنين وبالتالي انقرضت سلالة (مجموعة آدم) الذين هبطوا من الجنة بإستثناء نوح وذريته،وهؤلاء بالطبع قد انحدروا من آدم النبي المصطفى، من تلك المرحلة اصبحت الانسانية جمعاء من ذرية آدم المصطفى نبي الله الأول (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون….) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية ،ص169
أولا : على افتراض أن المعصية و التوبة تمت لمجموعة وليس لفردين ، فليس هناك من دليل على أن هناك مجموعة ارتكبت المعصية و مجموعة اخرى لم ترتكبها ، وللتذكير فقط الكاتب يساوي بين آدم و بشر،وبالتالي فإن قوله تعالى وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (27). شاملا لكل المجموعة. وبالتالي فإن المنطق يقول بأن كل من وجد بعد هذا الحدث الهام وهو الهبوط من الجنة هو من مجموعة آدم الأولى كما يرى الكاٍتب ، أو من نسل آدم كما نقول نحن وبقية الناس.وبالتالي فليس هناك من مجال لإستثناء آدم عليه السلام من الغواية .وما استثنائه من قبل الكاتب إلا لأسباب دينية أو مزاجية ولكن ليس لسبب او حجة علمية مسنودة إلى شواهد وأدله
أما عن التوبة فيقول الكاتب(ونحن نظن والله أعلم أن جبلي الصفاء و المروة هما (كلمات الله أو المجسمات التي تلقاها جنس آدم تعبيرا عن استغفاره بعد المعصية الأولى، أي طرحها بجهد ورصها في وضعين متقابلين وتطوف بينهما سبعة أشواط في عملية الرص تلك فأصبحت معلما لتوبة الإنسان الأول ورمزا للعبادة أو الصلاة الجسدية الأولى التي مارسها الإنسان العاقل) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية ،ص155
لكن في الواقع أن رص جبلين في سبعة أشواط يحتاج لألف شخص في الأقل لتكوين جبلين في كل جبل 3500 صخرة،وهذا لا يتناسب مع العدد الذي أشار إليه الكاتب ،هذا أولا(بضع وثلانون شخصا)،وثانيا فهم الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه على أنها صخور أو حجارة لا يتناسب مع السياق ولا يتناسب مع الاستخدام العادي للغة ولا يتناسب مع استخدام القرآن لكلمات اللغة العربية،فأنظر إلى معنى كلمات في سياقها (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ 36 فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 37 قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ 38 ) (38). فالآيات تشير بجلا إلى إن آدم قد هبط إلى الأرض بعد أن لم يكن فيها ثم تلقى كلمات ربه والله ألقى عليه كلمات ولم يلقي له حجارة، ولو القى عليه حجارة لما تلقاها آدم ،لأنها سترجمه أما أن المولى قد ألقاها على الأرض فما الذي يدفع آدم لرصها و التطوف بينها،وما نريد قوله هو أن تقديم آدم في الفعل أي أنه تلقى ولم يقول الموالى عز وجل فألقى الرب كلمات إلى آدم فتلقاها يؤكد المعنى الذي وجدناه في السياق أي سياق الخطيئة والتوبة وأن الكلمات هي من جنس الاسماء وليس من جنس الخطيئة فالخطيئة مادية أما الكلمات فهي معنوية ولكن يبدوا ان الكاتب متأثر بأسطورة سيزيف اليونانية الذي حكمة عليه الآلهة بأن يرفع صخرة إلى أعلى الجبل حتى إذا ما كاد يوصلها تدحرجت فأعادها مرة أخرى وهكذا حتى هلك، ولكن الكاتب أجرى عليها بعض التعديل ليكون عقاب الرب في هذه الحالة ذو نهاية سعيدة تمثلت في قبول التوبة وإنهاء العقاب،ولكن ما لم يسعفه هو أن ما ذهب إليه من تأويل لم تسعفه فيه اللغة ولا التاريخ ولا السياق بطبيعة الحال.
وفي سياق الخطيئة والتوبة كان لا بد للكاتب أن يخوض في طبيعة الشيطان وعن مسؤليته عن الخطيئة ،هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إمعانا في تفسيره المادي لكلمات الله التي تلقاها آدم عليه السلام حيث يقول : (في تعاملنا نحن مع الشيطان وهومخلوق من طاقة حرارية غامضة ، علمنا الله تعالى عن طريق رسوله قراءة آيات أو استعاذات تحمينا من شره كآية الكرسي و المعوذتين وغيرهما مما يعرفه المسلمون، ولكن الإنسان الأول لم تكن له القدرة العقلية لاستيعابها، إذ أنه مازال يتعامل مع الواقع المحسوس و المجسمات و المشاهدة و التقليد،)وذلك في إطار تأكيده على أن الجمرات عبارة عن حجارة نزلت من الشهب لتعين الانسان الأول على رجم الشياطين) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية، ص155
المنطق يقول بانه حتى إذا ثبت أن حجارة الجمرات هي حجارة من خارج إطار الأرض وانها بالفعل من مخلفات نيازك نزلت في أزمنة سحيقة (وهذا ما لم يتم إثباته حتى الآن) فإن ذلك لن ينهض دليلا على وظيفتها ،ولا حجمها يصلح لتلك المهمة ، فالانسان الذي إحتاج لبناء جبلين ليتوب من جماعة لزوجته، فإن رجمه للشيطان لا يمكن أن يكون بشكل رمزى بحصى صغيرة وإنما يتم رجم الشيطان بصورة تؤدي للفتك به بحجارة تمكن من القيام بهذه المهمة،وإذا كانت هذا الحصى قادرة على قتل الشيطان وطرده في ذلك الوقت فهي بالتأكيد صالحة في كل وقت ، أو هكذا يقول المنطق على أية حال ، فلما لم يجرب الكاتب تلك الحجارة على ممسوس ويؤكد نظريته بالدليل القاطع؟
قصة نوح عليه السلام :
بدأ الكاتب تناول قصة نوح عليه السلام بما حمل نوح عليه السلام من الحيوانات ووصل إلى أنه ما حمل من الحيوانات إلا الانعام بحجة أنه ما من سفينة يمكنها أن تحمل من جميع زوجا لأن الحيوانات الموجودة في الغابات الاستوائية وحدها تعد بالآلاف ، وفي موقفه هذا إرتكب الكاتب عددا من المغالطات فهو أولا ذكر بأن اطوفان كان في المنطقة العربية ، وهذه المنطقة صحراوية وعدد الحيوانات البرية و الأليفة فيها محدود، ولكنه حين قرر الاستحالة استشهد بالغابات الاستوائية ، وثانية قرر أن المحمول في السفينة هو زوج واحد بالإضافة للمخصوصين من البشر، في حين أن الله تعالى حدد العدد بزوجين وأكده بالرغم إثنين (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) (39). فليس هناك من سبيل لجعل العدد زوجا واحدا بعد التأكيد بصيغة المثنى والعدد ، ويمكن ملاحظة ذلك باستخدام القرآن لصيغة زوجا في موضع آخر ليشير إلى زوجا واحدا مثل قوله تعالى (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (40) فالله تعالى خلق جميع المخلوقات زوجين زوجين وذلك لضرورات أثبتها علم الوراثة، من أن الصفات المتنحية سوف تتراكم في حالة التكاثر بين زوجين فقط مما يؤدي إلى سهولة الإصابة بالأمراض ومن ثم إنقراض النوع أو الجنس والله أعلم بمراده من خلقه ولكن المهم أن الله أخبرنا بأنه خلق من ك شيء زوجين أما البشر فكان زوجا واحدا(أنت وزوجك). أما فيما يتعلق بالمحمولين من البشر فقد تناوله في صفحة 180 بتفسير قوله تعالى (قال يانوح إنه ليس ابنك) ويتسائل هل كان ابن نوح كافرا فقط أم كان كافرا وكان من أم انحدرت من طريق قدر الله أن ينتهي نسله هنا كما انتهى نسل الذين حملوا مع نوح من المؤمنين، بمعنى آخر فإن تعبير (إلا من سبق عليه القول) ربما يشمل كل من انحدر من مجموعة آدم من غير ذرية نبي الله آدم إلا الذين آمنوا منهم، وربما كان ابن نوح ينحدر من أم من سلالة لا تصلح للاستمرار في سلم التطور(سؤال:هل التطور إنتهى بظهور مجموعة آدم أم أنه تطور مستمر.؟ الباحث) ولذلك لم يسعفه فقط كونه من ذرية نوح أن ينجوا.إذا فيبدوا ان نهاية مجموعة آدم الملائم للتغير(اليس هم البشر؟الباحث) كانت في عهد نوح فمن آمن منهم حمل مع نوح ولكن لم تستمر ذريتهم في الانجاب.ومن كفر منهم غرق. أما من حمل مع نوح فكان كل أهله من آمن منهم ومن لم يؤمن ما دام ليس ممن سبق عليه القول او لم يختلط بأصول من غير أصول نبي الله آدم المصطفى) ولكن السياق يقول بأن قصة نسل الأم هذه ليس لها أهمية ذلك لأن الحمل يكفي بأن يكون من نسل نوح و الخطاب يشمل كل نسل نوح عليه السلام ،إذا فإن سبب استثناء ابن نوح ليس بسبب أمه وإنما لأنه ليس من نسله أو من صلب نوح عليه السلام فهو عمل غير صالح وهذا استخدام لطيف يفيد انه نتيجة لعمل غير صالح ووضح طبيعة هذا العمل غير الصالح في موقع آخر من القرآن عند الحديث عن قوم لوط ومعلوم ماذا كان يعمل هؤلاء القوم وربط زوجة نوح مع زوجة لوط وأبرز لنا نهاية الزوجتين (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ 10) (41). فالخيانة هي ما أنتج العمل غير الصالح وهي سبب عدم تأهل ابن نوح للركوب في السفينة وليس شيئا آخر .ولعل العبارة الأكثر وضوحا و الفيصل الذي ينبغي الإحتكام له هو ما قرره القرآن نفسه وهي(إنه ليس من أهلك) وليس لأن أمه أو لأن دينه، ولا لأنه ممن سبق عليه القول ، بل لأنه ليس من دمه.
ويقول (ونحن نظن أن نوع المخلوقات التي حملها نوح هو الذي يحدد الحكمة الخفية في غرق بقية البشر، ويحدد أيضا الحكمة في أن الله جعل ذرية نوح هم الباقين ،إذ أن المسلمين والنصارى واليهود أجمعوا على أنه لم يستمر نسل أحد بعد نوح إلا من ذرية نوح التي كان بهم هذه الحقيقة تضع مركب نوح معه في السفينة، أي أنه حتى الذين آمنوا وحملوا معه في الفلك انتهت ذرياتهم بهم هذه الحقيقة تضع مركب نوح في موضع متميز من تاريخ التطور، إذ أن كل البشرية من بعده أصبحت تنحدر من ذرية نبي مصطفى ، وهوبطبيعة الحال انحدر من ذرية نبي الله الأول آدم عليه السلام. بمعنى آخر فإن بقية مجموعة آدم الذين طورهم الله وهبطوا من جنة المأوى إلى وادي المزدلفة انتهت ذرياتهم في التطور) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية، ص177 وهذه النتيجة التي توصل لها الكاتب تهدم كل نظريته من حيث لا يدري(ولكن ما أكثر مكذبات النظرية لو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) فالواقع يقول أن التاريخ و الأديان لم تذكر بأن لنوح بنتا،ولو كانت له بنتا لما تغير ما نحن بصدد ذكره إذ أن الزواج بالشقيقات محرم من قبل ذلك، فإن كانت البشرية اقتصرت على نسل نوح في فتره من الفترات ،ونسل نوح هو حام وسام ويافث،ومن تبقى من المؤمنين لم يستمر نسله ،ودم نوح فقط لا يكفي للنجاة من الهلاك كما ذهب في قصة إبن نوح، فإختلاط دم نوح بأي دم آخر يؤدي للهلاك، إذا كيف استطاع هذا النسل الذكوري الصرف من النجاة و الاستمرار في التكاثر؟ ثم ما الفائدة من حمل من آمن من غير نسل نوح واهله في السفينة إن لم يكون ذلك بسبب حفظ النوع واستمرار الحياة؟ أما العبارة الاساسية في النظرية والتي بتكذيبها تنهار النظرية فنطرحها في صورة السؤال التالي : إذا كان من الممكن أن تنتسب كل البشرية التي نراها اليوم لنوح بحيث يتطابق الوصف إنسان وبني نوح فما الذي يمنع أن تنحدر كل البشرية من آدم نبي الله المصطفى بحيث يتطابق وصف إنسان وبني آدم؟ وفي ظننا ليس هناك ما يمنع فآدم إنسان ونوح إنسان وآدم نبي ونوح نبي وآدم له أبناء ونوح له أبناء عليهم السلام جميعا بل ونوح نفسه حفيد آدم عليه السلام.نذكر بأن العبارة الأساسية التي نحن بصددها تقول بأنه يستحيل أن يستمر النوع في الحياة و التناسل إذا انحدر من زوج واحد ،كذبت النظرية نفسها بأن قدمت فرض آخر مفاده أن البشرية إنحدرت من زوج واحد وسمت هذا الزوج وبذلك فقد تم تفنيد النظرية ، وهذه الحالة تعتبر فريدة في تاريخ النظريات العلمية ، فالنظريات تفند بعد فترات من اعتمادها ورسوخها وغالبا ما يتم التفنيد والدحض من قبل علماء آخرين غير واضع النظرية ولكن ما قد يشفع له أنه لا يدري بأنه يفند نظريته العزيزة.
البقرة و العجل :
إن قصة بقرة بني إسرائيل وعجل السامري تعتبر من المحطات الأساسية في نظرية آذان الأنعام وهي توضح بجلاء كيف يفكر الكاتب وكيف يصوغ دفوعاته ولذلك فإننا سوف نستعرض فقرة مطولة بعض الشيء حتى نشرك معنا القارئ في الموضوع سيماء وأن بعض القراء لم يطلع على الكتاب الاصلي
أولا : العجل
(واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا….)الاعراف148،نقف هنا في كلمة خوار: إذا افترضنا أن المقصود في الآية أنه عجل له صوت العجل يصبح السياق غريبا لأن كل العجول لها خوار وليس نباح أو صهيل، ما يزيد هذا الأمر غرابة أن هذا العجل وُصف ب(ألا يرجع إليهم قولا ولا يكلمهم) فهل هناك أصلا عجل يكلم الناس ويرجع لهم قولا ، أي يحاورهم؟ وهل إذا تكلم ذلك العجل بطلاقة هدهد سليمان سيستوفي صفات الإله ،أم أن الله يوحي الينا أن ذلك العجل كان أبكم؟هذا الافتراض يدفعنا للتدبر في المعنى الثاني لكلمة خوار:وهو أنه خائر القوى، على ضوء هذا الافترض يمكن أن نفهم (لا يكلمهم) بأنها تعني أن العجل كان خائر القوى ، ولا يستطيع الاستجابة لسيده بالتذلل المعروف في الانعام التي تطلق أصواتها كتعبير استجابة، وهذا يشرح لنا المقصود من ,جسد' إذ أنها تعني أنه هذيل وعليل الجسد فإذا جمعنا كل تلك الصفات نفهم من أين أتى به السامري:جسد،هزيل(له خوار )خائر القوى (لا يكلمهم) ابكم هذه الصفات تجعل منه عجلا بخسا قليل القيمة، وهذا يشرح لنا أن السامري إنما استخرجه من قطعانهم( فأخرج لهم) من حليهم وليس من زينة القوم(الذهب) إذ أن حليهم هنا تعني ثروتهم واليهود لن يخرجوا من ثروتهم إلا أبخس الأشياء وأقلها ثمنا(عجل ابكم هزيل خائر القوى)
إذا فالعجل كان حقيقيا وليس ذهبا لأن القرآن أصلا ما نص على ذلك، وإنما ذلك تأويل اليهود في التوراة، و في الآية الأخيرة تأكيد على أنهم اتخذوه بأنفسهم ولم يصنعه لهم السامري .هذه الحقيقة تقودنا إلى فهم دور السامري في انتقاء هذا العجل: (أثر الرسول) ابصر السامري في حاجيات القوم ووجد صحفا أو آثارا من الرسول ما كان متاحا له الاطلاع عليها قبل الخروج من مصر،فاطلع على عِجَلٍ، وقد عرف قدرا من قصص الإنسان الأول، ومن ضمن ما عرف هو أن الله أنزل الانعام من السماء و أن الانسان الأول عبد (ما في بطون الأنعام) والعجل هو ابن البقرة، ولذلك استغل رغبة قومه في أن يكون لهم إله وثنا ، فكان اختياره للعجل مرتبطا بما استوحاه من أثر الرسول، وبالطبع من وحي إضلال الشيطان له ، و الرسول هنا ليس جبريل، واثر الرسول ليس اقدام جبريل وإنما الآثار التي وجدها في متاع القوم مما توارثوه من الرسل، واحتفظوا به سرا طوال سنواتهم في مصر) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية ،ص320
يجب أن نركز على النقاط التالية:أولا أن السامري قال بصُرت ولم يقول أبصرت و هناك فرق بين البصر و البصيرة، ثانيا السامري قال أثر الرسول و لم يقول الرسل و بالتالي فهو يفترض أن هذا الرسول معلوما ، أما إن كانت وثائق ومستندات فإنها بلا شك قد إطلع عليها بعضهم أو على الاقل من كانت بحوذته و السامري قطع بأن ما بصر به لم يطلع عليه غيره، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى لم تثبت الحفريات ولا القرآن أن الإنسان عبد ما في بطون الأنعام، وإنما خصص كل نوع منها لنوع من أبناءه و هذا كل ما أورده القرآن في هذا الصدد، ونتسائل ما هي العلاقة بين العجل الأبكم الهزيل خائر القوى و مافي بطون الأنعام ،فلو كان ما ذهب إليه الكاتب صحيحا لأختار السامري بقرة حامل إله و ليس عجل ، وهل كان قوم موسى على علم بهذه الحكاية المفترضة من عبادة الإنسان الأول المزعوم لما في بطون الأنعام ؟ و إذا سلمنا بذلك هل يمكن أن تشكل هذه القصة رغبة كامنة في النفوس للعودة لتلك العادة أو العبادة ؟ أم أن اليهود بطبعهم كان ماديين لا يؤمنوا بما لا يرون وأنهم عاشروا قوما لهم آله ترى ولذلك أرادوا أن يكون لهم إله مثل تلك الآله التي رأوها و ألفوها في مصر، ،وربما يأتي سؤال موسى (أرني أنظر إليك) في هذا السياق، ثم أنه كل ما لهم علم ومعرفة بالأوثان يعرف أن الإنسان يجتهد في أن يجعلها جميلة و مهابة ، ولكن عجل الكاتب هذا ليس له نظير في كل ضلالات الإنسان و بالتالي فلا يمكن أن يفكر الشيطان فيه لأنه لا يمكن أن يوصله إلى مبتغاه.أما قوله بأنهم استخرجوه بأنفسهم فهذا ما لا يمكن الاستدلال عليه للقرائن السياقية البائنة التالية أولا: أضلهم السامري، ثانيا: وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ثالثا: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فالسامري هو من ألقى ومن أخرج وبعد ذلك أتى دور البقية أن إتخذوه إلها،وقد صدق الكاتب فالقرآن لم يقول بأن العجل كان عجلا ذهبيا تصريحا ، ولكنه وضع عددا من القرائن الحالية و السياقية ما يجعلنا نقول بأنه كان صنما وليس طوطما، فالقرينة الحالية هي طلب القوم بأن يكون لهم إلها مثل آلها المصريين و المصريين لم يكونوا طوطميين وأنما كامنوا وثنيين، أما القرينة السياقية فهي نهاية العجل فالعجل الطبيعي يزبح أو يقتل ولكن هذا العجل الهبي تمت إعادته لنفس المرحله بعد جمع الحلي أي تم صهره مرة (لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا )(42) وأقرا هذا الحال مقترنا مع قوله تعالى : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)(43) لتعلم أن هذا النسف مرتبط بالأشياء المادية ذات الطبيعة الصلبة. أما ذكر الخوار مقترنا بالعجل لنعلم مدى الدقة التي استخدمها السامري في صنعه وخواره كما العجل الطبيعي ليس دائما وإنما مرتبطا بهبوب الريح وقوة ونقمة الخوار مرتبطة بقوة وزاوية هبوبها ويكون هو المفسر الأوحد لكل نداءته ،فهو لا يريد أن يضلهم فقط و إنما أراد أن يكون له دور ومكانة بين بني إسرائيل .
ثانيا: البقرة
وكما ذهب الكاتب إلى ان العجل هو عجل طبيعي هزيل الجسد خائر القوى أراد أن يجعل بقرة بني اسرائيل الشهيرة بصفرتها وجمالها بنفس الشاكلة (ولا ندري حقا سبب إعجاب الكاتب بالهزال و الضعف) ولكن الملاحظة الجديرة بالوقوف عندها أن الكاتب لم يستخدم في هذا الجزء من كتابهطريقته المعهودة في الرجوع إلى أصل الكلمات ولم يستعين بإن فارس ، أي لم يستند إى أي مصدر كعتمد مهما كان ضعفه أو عدم مناسبته في الوصول إلى المعاني التي ارتضاها وإنما اختار معاني ليس لها سند موضوعي ولا سياقي ومن ذلك قوله إلى أن لون تعنى السحنة ولن نجادله في ذلك فاليعني اللون ما يعني ولكن المهم هو(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) . (43)يقول لون: تعني الالوان من احمر و اخضر ولكنها أيضا تعني (سحنه وهيئة وحالة)، ومن هذا المعنى يقول أهلنا في الشام و الخليج(ايش لونك وتعني كيف حالك) وهذا استعمال عربي صحيح لكلمة لون .قد يكون هذا الاستخدام صحيح لا ندري ولكن ليس في هذا الموقع وذلك لاحتشاده بعدد كبير من الالفاظ التي تجعل من صرفه إلى الحال من المحال،فصفرا ولون فاقع ولا شية أو بقعة لون آخر فيها، تجعل المعنى ينصرف إلى الالوان من أصفر وأحمر وليس للقوة و الضعف
أما تسر:فيرى الكاتب أنها من سِر، وهو الغموض و الخفاء،(هذا المعنى لم نجده عند ابن فارس الذي تناول الماده في صفحة67 68 من الجزء الثالث من كتابه . الباحث) وتسر الناظرين ربما تعني: توحي بان وراءها سر مرعب، وعلى عكس ما يفهم أغلب العرب اليوم فإن اللون الفاقع هو اللون الخافت الضعيف، كلمة فاقع تعني ذليل . فاقع لونها:: أي بائس حالها) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية ص324.
شية : من شوي وتعني الشيء القليل ، ومنها الشواء وهو قطع اللحم الصغيرولا شية فيها تعني أنه قليلة اللحم.وهذا المعنى لم يقل به أحد قبل الكاتب واللغة ومعانيها كما نعرف اتفاقية،فمعانيها تأخذ بما تعارف عليه الناس و بالتاليفإن المخافة في أماكن أخرى يمكن أن تكون مقبولة أما في اللغة فلا.ومعنى شية المتعارف عليه هو من وشيت الشيء وشيا: جعلت فيه أثرا يخالف معظم لونه، واستعمل الوشي في الكلام تشبيها بالمنسوج، والشية فعلة (أصلها: وشية، فحذفت الفاء، نحو عدة وزنة) من الوشي. قال تعالى: {مسلمة لاشية فيها} [البقرة/71] وثور موشى القوائم. والواشي يكنى به عن النمام، ووشى فلان كلامه عبارة عن الكذب نحو: موهه وزخرفه. مفردات ألفاظ القرآن نسخة محققة – (ج 2 / ص 518)
وبالتالي يكون معنى الآية عند الكاتب بعد أن تعرفنا على المفردات (لا ذلول تثير الارض: لا تتذلل لنداء سيدها، ربما صماء و بالتالي لا تحرث الارض . ولاتسقي الحرث: لا تقوى على السقاية لخوار قواها وضعفها. مسلمة لا شية: فيها جسدها سليم لكنه قليل اللحم،هزيله) كتاب آذان الأنعام النسخة الإلكترونية ،ص325
ولكن في ظننا أن هذا الوصف للبقرة لا يتناسب مع الأسئلة الثلاث ،فلو كانت كما يرى الكاتب لزبحوها من أول مرة ، فالبقرة التي سمية بها أطول سور القرآن وبالتالي تم تخليدها وهي أيضا خالدة عند اليهود لا يمكن أن تكون بخسة لهذه الدرجة،وفي ظننا أيضا أن المقاصد يمكن أن تقدم إضاءة ومخرجا في مثل هذه الحالات وبالتالي يمكن ان يتم استخدام السؤال لماذا مفتاحا لفهم القصة،إذن لماذا تم ذكر القصة بتلك التفاصيل و التركيز الشديد بحيث إختلفت عن قصص القران في أكثر من وجه فهي أولا ذكرت كاملة في سورة واحدة وفي موقع واحد من السورة، وثانيا لم يتم التطرق لها في سورة أخرى؟ وما هي الرسالة التي أرادنا الباري تعالى أن نتعرف عليها في هذه السورة؟ نحن نظن و الله أعلم أن القصة هدفت إلى عدم السعي لتفاصيل يمكن أن تعقد المسألة إذا كانت الطلب واضحا من أول مرة ومفهوم ويمكن تنفيذه، وهذا الهدف يجعلنا نعتقد أن مهمة اليهود سوف تكون أصعب بعد كل سؤال عن الحال الذي قبله ، أي أن ذبح مطلق بقرة أسهل من زبح بقرة بمواصفات محددة ولون معين،وهذا الحال ينطبق على اليهود لذلك ذبحوها وما كادوا يفعلون وتحقق فيهم قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، اما بقرة الكاتب البخسة فتسير في عكس هذا الاتجاه أي أن البحث عن التفاصيل غير الضرورية تجعل المهمة سهلة و العناد يجلب التخفيف ولا نظن أن هذه النتيجة تتفق مع طبيعة الأشياء.
خاتمة:
من خلال هذا العرض أتضح لنا أن الكاتب يعاني من ضعف منهجي كبير تمثل مظهره الاول في تجزئته المفرطة للقرآن ، فهو لم يتعامل مع السياق الكلي للقرآن ولا حتى مع السياق الجزئي، ولم يتعامل مع الآية كوحدة واحدة إلا نادرا ، وانصب كل جهده على المفردات وحتى في هذه الناحية لم يتعامل مع المفردة في استخدامها وإنما باعادتها لأصلها الاشتقاقي ، وهذا النوع من القراءة للقرآن فضلا عن عدم جدواه في فهم وتقريب المعاني ،بعيد جدا عن عرف علماء اللغة (مطلق لغة) في فهم وتأويل الخطاب. ونسبة لكل ذلك فقد حذرنا الله تعالى من تجزءة القرآن : (كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ 90 الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (44) ثم يذكر في نفس السياق (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) (45) وما ذلك إلا لخطورة القرآءة التعضينية للقرآن، بالرغم من أن التعضية المشار إليها في السياق السابق هي أقل من تلك التي وجدناها عند الكاتب. ومن نافلة القول أن الكاتب لا في نتائجه ولا في منهجه لم يكن فريد عصره ولا رائد مجاله إلى في النذر اليسير،فالمنهجية التي تقوم على الاعتماد الكلي على معجم مقاييس اللغة لإبن فارس هي منهجية الدكتور محمدشحرور ولو أن شحرور استخدمها بطريقة أكثر ذكاءا وفي إطار على لا يمكن إكتشاف الخلل فيها إلا بعد تمحيص ونظر ، أما النتائج و أهمها تأييد نظرية التطور بالاعتماد على القرآن الكريم فقد سبقه لها الاستاذ محمود محمد طه ومحمد أبو القاسم حاج حمد و الإثنين من السودان بالاضاف لآخرين ولا نظن أن كاتب في حجمه لم يطلع على ما كتبوه.هذا أما الخلل المنهجي الثاني فهو يتمثل في استباق المعاني و النتائج ، فالكاتب تعامل مع النص القرآني برؤية مسبقة وحاول أن يُقوِل النص تلك النتائج ، وهذا خطأ شائع عند الاعجازيين الذين يعتبر الكاتب واحدا منهم ، حيث يتمثل جهدهم الاساسي في محاولة تبرير كل مكتشف على أو نظرية ببعض آيات القرآن الكريم بالاعتماد الكلي على التشابه بين مفردات النظرية و مفردة أو أكثر من القرآن الكريم.
على كلٍ يجب أن لا نبخس الكاتب جهده فالكتاب فيه الكثير من الجدة اتفقنا معها أم اختلفنا و يتميز الكاتب بشجاعة في طرح أفكاره نأمل أن يعطي البعد المنهجي الأهمية التي يستحق.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
د. قيس محمود حامد
جامعة الجزيرة – السودان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.