البشير يبحث في الكويت إعمار السودان    "الصادق المهدي" يحدد شروطاً لمشاركتهم في الحكومة    تصفية (30) شركة تتبع للأجهزة النظامية    مباحاثات سودانية أميركية لبناء شراكات في التعليم    في ندوة بعنوان (الآثار المترتبة على رفع العقوبات الأمريكية)    مدير هيئة الموانئ البحرية د. "جلال الدين شلية" ل(المجهر)    وزير الري: محطتان للتوليد الكهربائي في قرِّي وبورتسودان لإنتاج (850) ميقاواط    أعلن الطوارئ للأمل الهلال يخرج بالمفيد من مطب الأكسبريس    عندما تسقط الدموع!!    أقراص جديدة توقف مرض السكري من النوع 2    فليرحل اتحاد "معتصم جعفر"..    قمة مباريات الأسبوع على ملعب الأبيض غداً: بعثة المريخ تغادر إلى عروس الرمال لمواجهة هلال شيكان    حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ينفي تهمة الاغتصاب الموجهة إليه    حرب مدن شرسة مع تنظيم الدولة الإسلامية في الفلبين    دراسة تربط بين التلوث وملايين الوفيات    أصداء اتهام طارق رمضان بالاغتصاب في الصحف البريطانية    كوريا الشمالية حيث الحياة أسوأ من الموت    بالفيديو .. رئيس نادٍ مصري: “الجن” سبب هزيمتنا.. وسنفتح الشبكة بالقرآن    لكي يذكركما التاريخ .. بقلم: كمال الهِدي    اطلاق عملية تجديد واعادة بناء الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال .. ورقة مقدمة من/ مالك عقار اير نقانيوفا    تعقيب على مقال "فلسفة التفكيك عند جاك دريدا" .. بقلم: د.أمل الكردفاني    انتفاضة اكتوبر . . رحلة الاسرار والانشاد وعبقرية الشعب .. بقلم: صلاح الباشا    الكبتان محمد علي في الذكري الثامنة .. بقلم: حسين الزبير    بدء الانتخابات العامة في اليابان وسط أمطار غزيرة    نحو ميلادٍ ثانٍ لرؤية السودان الجديد: قضايا التحرر الوطنى فى عالم اليوم .. ورقة مقدمة من/ ياسر عرمان    تايلاند تعلن "الحرب على السكر" بفرض ضرائب    ما الذي سيجمع ترمب بمن سبقوه في سدة الحكم؟    خبير اقتصادي يدعو لتبني سياسة نقدية مرنة    ﻃﻔﻞ ﻳﻘﺘﻞ ﺷﻘﻴﻘﺘﻪ ﺑﺎﻟﺮﺻﺎﺹ ﻭﻭﺍﻟﺪﻫﻤﺎ ﻳﺘﺴﺘﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ    مكاﻓﺤﺔ ﺍﻟﺘﻬﺮﻳﺐ ﺑﺪﻧﻘﻼ ﺗﺤﺒﻂ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺇﺩﺧﺎﻝ ﺑﻀﺎﺋﻊ ﻭﺳﻴﺎﺭﺍﺕ ﻣﻬﺮﺑﺔ    قوات سوريا الديمقراطية تسيطر على حقل نفط رئيس    للبكاء فوائد صحية أيضاً!    بالفيديو .. ردود الشباب على «لو اختاروك بطل فيلم هندي تحب مين يشاركك»    ﺇﺩﺍﻧﺔ (9‏) ﺷﺒﺎﻥ ﺑﺘﻬﻤﺔ ﺗﻌﺎﻃﻲ ﺍﻟﺤﺸﻴﺶ    توقيف شاب اعتدى على والدته بالضرب    المركزى: قرار يمنع تمويل شراء الحبوب الزيتية بغرض التجارة المحلية    أردوغان يهاجم أمريكا و يصفها بالبلد الغير متحضر بسبب حراسه !    5 دقائق فقط من المشى يومياً تقلل من خطر الوفاة المبكرة الناتجة عن الأمراض    السودان يصدر لمصر 300 ألف رأس ماشية مذبوحة، بقيمة إجمالية تبلغ 4 مليار و840 مليون جنيه    بالصور.. ما هي حقيقة إنهيار كوبري المنشية في الساعات الأولى من صباح الأحد    مرشحة مدينة آيوا “مزاهر صالح” السودانية الاصل.. الطموح يعبِّد طريق الكونجرس    سمراء سودانية 24 تسنيم رابح: من الذي قال إن الفتاة البيضاء هي (السمحة)؟ وبعض الأشياء في مجتمعنا تؤلمني    حمدي: إعفاء الديون الخارجية قرار سياسي    الخرطوم تستضيف فعاليات دورة الاتحاد الدولي للملاكمة    ضبط إسبيرات مهربة وبطاطس فاسدة في طريقها للبلاد    مسامرات    ضبط مهندس في أوضاع مخلة مع فتيات ب"كرري"    تفاصيل جديدة في حادثة اختطاف طفل حديث الولادة من داخل مستشفى ب"أم درمان"    رسائل ورسائل    فوق رأي    "سوداكال"للمجهر : أنا مريخي الهوى والعشق منذ نعومة أظافري    أوقفوا عبث التسجيلات الصوتية.. وحاكموهم    مشروع التواضع القومي (1) .. بقلم: الريح عبد القادر    الكبتان محمد علي في الذكري الثامنة    هذه هى العقلية التى تحكمكم (4): المناضل السابق والوزير الحالى حسن اسماعيل !!    ربع مقال    بكل الوضوح    هيئة محامى دارفور : حول محاكمة طلاب بالجلد والغرامة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أيام التونج (3) القضية الأولي
نشر في حريات يوم 26 - 09 - 2017

نقب صاحبنا في الملفات القديمة واطلع علي الكتب والمناهج التي كانت تدرس فيه ، فوجد من بينها كتيب للديانة المسيحية للمذهب الكاثوليكي قرأ فيه واستوقفته عبارة ( أن القسس الكاثوليك بعثهم الله لهداية البشر وهم الصلة بين الانسان والرب ولذلك تجب طاعتهم طاعة عميآء فيما يقولون ويشيرون به في امور الدنيا والدين .. استوقفته هذه العبارة طويلا" ووجد تفسيرا" للعداوة والبغض الذي يكنه المتعلمون الجنوبيون الذين تلقوا العلم في هذه المدارس للشماليين فقد شحن القسس افئدتهم وصدورهم ضد العرب الشماليين واستثمروا في ذلك ظلامات بعيدة اقترفها الشماليون نحو الجنوبيين في تجارة الرق في عهود الظلام وظلم الأنسان لأخيه الأنسان في كثير من انحآء العالم ، ووجد ايضا" كتيبات مصورة يظهر فيها الجنوبيون مقيدين من ايديهم واعناقهم بالسلاسل وتاجر رقيق يلهب ظهورهم العارية بالسوط ، وهذا المسلك فسر له ايضا" ما صاحب انفجار التمرد في عام 1955 من مجازر وممارسات بشعة ضد الشماليين فقد كان للقسس أو بعضهم دور رئيسي في التهييج والتحريض ضد الشماليين مما اثبتته الوقائع في المحاكمات التي تلت اخماد التمرد وكما قلت قبلا ان المعهد ملحق به مدرسة اولية للاولاد يتدرب فيها الطلبة المدرسون وتحديدا" طلاب السنة النهائية تحت اشراف مدرسيهم وكان يقبل لهذه المدرسة دفعة جديدة من الاولاد في كل اول عام دراسي ،وكانت لجنة القبول تتكون من عميد المعهد وضابط المجلس الريفي الجنوبي وطبيب المستشفي وسلطان البلدة ومعهم كاتب المعهد ليقوم بالترجمة ، وكان والد أو ولي امر يأتي بابنه ليقابل اللجنة ، وكان معظمهم يأتون من بطون الغابات ومن مسافات بعيدة مستصحبين ابنآءهم والاولاد عرايا كما ولدتهم امهاتهم وقد يكون الوالد مرتديا"ما يستر العورة فقط ، وهذا ان دل علي شئ فانما يدل علي رغبة هؤلاء الناس للتعليم رغم بدائيتهم وتخلفهم ولما كان الوقت موعد قبول التلاميذ الجدد في اول العام فقد وجه صاحبنا الدعوة لاعضآء اللجنة المذكورين للاجتماع في التاريخ المعين ، وقد استرعي انتباهه استمارة معدة لكل تلميذ جديد كان اهم بنودها هو خانة الديانة فهذه مقسمة الي أ ربع خانات هكذا ( مسلم _ مسيحي وتحتها كاثوليكي \ بروتستانت \ ثم خانة ( لا ديني ) ، وعلم صاحبنا ان اخطر شئ في الاستمارة هي خانة الديانة ، وبعد ان تستوفي كل البيانات يوقع عليها جميع اعضآء اللجنة ، وكان والد الطفل أو ولي امره يمثل امام اللجنة ويسأله العميد عن الديانة التي يريدها لابنه وبالطبع فانه لا يعرف هذه التقسيمات للطائفة المسيحية ولكن يجيب بأنه يريد دين ( ابونا زيزيولا) وهذا هو القس الكاثوليكي ، أويقول اريد دين ابونا مارتن وهذا هو القس البروتستانت أو يختار الأسلام أو يقول اتركوه بدون دين ، ويشبت هذا في الاستمارة ، ولاحقا" في الدراسة عندما تأتي حصة الدين فان الاولاد المسيحيين يدرسهم القس الكاثوليكي في حجرة منفصلة وكذلك القس البرتستانت ويدرس المدرس الشمالي الاولاد المسلمين واما اللادينيين فيعطونهم كرة قدم يلعبون بها الي حين انتهآء حصة الدين والتئام الفصل مرة اخري بقية اليوم الدراسي ..
حدثت حادثة صغيرة اثنآء معاينة اللجنة للتلاميذ ما زالت عالقة بذهن صاحبنا حية كأنها حدثت بالأمس بما لها من مدلول عقلاني فلسفي واقعي وذلك عندما مثل والد أحد الأطفال وسئل عن الديانة التي يود لابنه أن يتعلمها في المدرسة فأجاب ( هذا الولد صغير ولا يعرف شيئا وانا لا اريد ان افرض عليه أي دين ولكني اتركه عندما يكبر ويتعلم ويفهم وعند ذاك يختار الدين الذي يريده ) ، وهنا جالت بذهن صاحبنا شتي المفاهيم والقيم مثل حرية العقيدة وحرية الأقتناع و. . و من الحريات التي قننها الانسان ونصت عليها الأمم الحديثة .. السنا مسلمين أو مسيحيين بالوراثة ؟ فان كنت ولدت لأبوين يهوديين أو مسيحيينأ أفلا أكون مثلهما ؟ فكل انسان يولد علي الفطرة ولكن والدآه يهودانه أو يمجسانه .. واكبر في نفسه هذا القول من رجل بدائي أتي من الغابة له مثل هذا التفكير المستنير ! الم يحكم لنا ربنا سبحانه وتعالي في كتابه الكريم حرية الأعتقاد بقوله ( لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ، ومثل امام اللجنة رجل شمالي بسيط لديه ( طبلية ) يبيع فيها اشياء رخيصة ولكنه كان اماما" للمصلين وكان خيرا" يأوي اليه ويتبني الأطفال اليتامي ، ومثل امام اللجنة ومعه ثلاثة اطفال ، وسألت اللجنة كل واحد من الاطفال عن الديانة التي يريدها وكلهم أجابوا بأنهم يريدون الأسلام وزاد احدهم بقوله أن والده وهو علي فراش الموت قال له انك مسلم واثبت ذلك في استمارة كل منهم .. وانفضت اللجنة بعد ان فرغت من مهمتها ووضعوا توقيعاتهم علي جميع الأستمارات .. وعلم العميد ان سلطان البلدة عضو اللجنة وهو من قبيلة الجور وهى من اكبر القبائل في البلدة ان لم تكن اكبرها علي الأطلاق وللقبيلة حس ومقدرة فنية راقية تتمثل في ما ينحتونه من الخشب من تماثيل رائعة للحيوانات ومن اثاثات جميلة .. هذا السلطان له اربعة من الولد أحدهم مسيحي كاثوليكي والثاني مسيحي بروتستانت والثالث مسلم والرابع لا دين له ولكنهم رغم ذلك يعيشون معا في بيت واحد في وئام وسلام .. هل هناك مثل للحرية الدينية وحرية الأعتقاد أبلغ من ذلك ؟! وفي غداة اليوم التالي لانعقاد لجنة القبول ذهب العميد الي مكتبه ووجد موضوعا" عليه خطاب باللغة الانجليزية من قس الكنيسة الكاثوليكية اتسم بالحدة وخارج علي حدود اللياقة متهما العميد بأنه يتعمد أسلمة ابنآء الكنيسة وتغيير ديانتهم من المسيحية الي الأسلام وضرب مثلا" لذلك الولد الذي أتي به الشيخ الشمالي والذي قال امام اللجنة ان والده أوصاه قبل مماته بأنه مسلم ، وقال القس ان ذلك الولد قام هو بتعميده مسيحيا" قبل ذلك . واجتاح العميد غضب ومرارة لهذا الاتهام الجائر ولم يتمالك نفسه وكتب ردا" بليغا" بعيدا" عن الأنفعال فند فيه اتهام القس واستشهدد باعضآء اللجنة وهم علي أعلي مستوي تمثيلي مهني في البلدة ففيهم ممثل الحكومة وهو ضابط المجلس الريفي وهو فوق ذلك جنوبي ومسيحي وفيهم سلطان البلدة ذاته ، واخبره انه ما كان يجوز له ان يخاطبه بهذه اللهجة المستقبحة او يخاطبه أصلا" ..وكلف العميد الكاتب علي الآلة الكاتبة ان يكتب عدة نسخ من هذا الخطاب ومن خطاب القس ليرسل صورا" منها الي مفتش الحكومة المحلية بالتونج وضابط المجلس الريفي وكل اعضاء اللجنة وصورة الي الحاكم العسكري بمدينة واو وكذلك لمفتش التعليم .. ومرت ثلاثة ايام علي هذه الحادثة وفي اليوم الرابع وكان يوم جمعة وقفت سيارة امام مدخل بيت العميد وترجل منها رجلان وصفق احدهما بيديه مستئذنا وخرج اليهما فعرف احدهما وكان هو القس الكاثوليكي الأيطالي الأب زيزيولا والأخر رجل جنوبي ضخم الجثة مهيب الطلعة يرتدي نظارة طبية فوق عينيه ويرتدي مسوح القسس ولكنه ردآء مميز ولابس علي رأسه قلنسوة ، ودعاهما للدخول وبعد التحيات وادأء واجب الضيافة تكلم القس الجنوبي الكبير معرفا بنفسه فهو مطران الكنيسة الكاثوليكية في بحر الغزال أي أكبر منصب ديني وقال ان الحاكم العسكري اتصل به واخبره بما حصل من الاب زيزيولا ولهذا السبب فانه أتي من واو خصيصأ" واصطحبه معه ليعتذر عما بدر منه وكان الرجل يتكلم بعربية فصيحة وقال للعميد ان الأب زيزيولا أرعن( هكذا) وما كان له ان يخاطبك بذلك الأسلوب ، والتفت الي القس وقال له بصوت جاف ( اعتذر للعميد ) ، واحمر وجه القس وصار كدم الذبيحة واكتسي وجهه مزيج من الغيظ والمهانة والخضوع وتمتم الرجل بكلمات الاعتذار ويخيل للرائي انه يوشك ان ينفجر من الغيظ ، وهنا تدخل العميد محاولا" ان يخفف من حرج الموقف ويطيب خاطر القس ، فقال للمطران اننا بشر وكلنا خطاؤون ولكن خير الخطائين التوابون كما قال نبينا صلي الله عليه وسلم ، وشكره علي تكبده المشاق والسفر من واو اليه ، وهنا استأذن المطران وقال انه راجع من فوره الي واو ، وشيعهما العميد الي مدخل الدارمكررأ" كلمات الشكر .. وعلم العميد بعدئذ ان الحاكم العسكري عندما اطلع علي صور الخطابين اتصل فورا" بالتلفون بالمطران وأمره أن يصطحب القس ويذهب معه بنفسه الي العميد في منزله بالتونج ويجعله يعتذر امامه .,.وحدثت هذه الواقعة في عهد الحكم العسكري للفريق ابراهيم عبود في عام 1963 وكان الحاكم العسكري لمديرية بحر الغزال هو العميد احمد حسن سالم الشهير ب ( ازرق …
ونواصل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.