أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه    مصرع شاب إثر انهيار بئر أثناء تنقيبه عن كنوز أثرية بمنزله    غياب قضايا الهامش السودانى فى منابر الجمعة    انتخاب قطر لعضوية مجلس حقوق الإنسان    تقرأ في رياضة الوطن :    الحكومة تلزم شركات النفط بمعايير سلامة البيئة    لاعب قمة ينجو من (علقة ساخنة) قبل نهائي الكأس وأبناء الحي يهمشون زجاج عربته    نهضة هارون تحت دائرة الضوء (7)    السلطات تحقق مع عازف شهير حول واقعة التحرش    الهلال يواجه الإكسبريس بأم درمان لمسح أحزان كأس السودان    قمة رباعية دعماً للسلام بجنوب السودان    معاً لضرب النساء (1) ((واضربوهن)) صدق الله العظيم…    رواندا تفرض فحص إيبولا على الأميركيين    بالصور .. كيف سخرت شبكات التواصل من خسارة روما بالسبعة أمام باييرن ميونخ    متهم يسدد عدة طعنات لنظامي ويرديه قتيلا في الحال    باريس تطالب بمسرحية (النظام يريد)    استقبال حار لأبطال معركة الهلال    أعمل (إنتر) واكتل (عنتر) ..!!    الهلال يستضيف الأهلي عطبرة لتضميد جراح خسارة كأس السودان    الغنوشي يفوز بجائزة الفكر الحر    ليلة الأرقام القياسية في "أبطال أوروبا"    حكومة الثني تأمر قواتها بالتحرك "لتحرير" العاصمة الليبية طرابلس    أسعار المحاصيل بسوق القضارف    بلة جابر يعود ويشارك في مران اليوم    الأحزاب والمواقف المتناقضة!!    مصر وثأر علم السودان    اتهام «6» شباب بسرقة كوابل اتصالات قيمتها أكثر من مليار جنيه    مؤهلات الرئيس في السودان    خلاف بين هيفاء وهبي وغادة عبدالرازق بسبب مخرج    انخفاض أسعار العملات.. مكاسب للاقتصاد السوداني    القبض على «فرّان» قتل نظامياً في منزل خمور بلدية    التمارين الرياضية الوسيلة الأنجح للتخلص من الدهون    تأجيل استجواب «السفاح» للمرة الرابعة    أوقية الذهب تسجل 1250.25 دولارًا في تعاملات مساء أمس    جنون العظمة ومرض الثقافة .. بقلم: نهى محمد الربيع    سفير فلسطين: مشروع إنهاء الاحتلال قريبا بمجلس الأمن    الرئاسة للبشير.. والأربعة الطاقم الأعلي للدولة!!    المواجهة السياسية للإيبولا    الاعلامي المصري ابراهيم عيسى للسيسي: "إنت بتغيظني يا سيسي" + صورة    السودان يحصل على دعم مالى من السعودية    (150) شخصية عالمية لحضور المؤتمر العام للوطني    العاملون بمستشفى الخرطوم يهددون باحتلال مباني الصحة    تجهيز(7100) مركز للاقتراع والتسجيل للانتخابات السودانية    بريطانيا تشدد قانون الجمعيات الخيرية لمواجهة تمويل الإرهاب    الجزيرة الجنائزية مقبرة الملاريا والإيبولا بين السقطات والزلات (القرينية) وبقايا الحمي النزفية مرورآ ب (الحمي الحبشية)    طالبات دارفور داخل زنازين النظام الفاسد    ضوابط جديدة لاستيراد السكر    الكوميديا الالهية    فيديو: "عمرو أديب" يطالب بإدخال موبايل للرئيس المصري الأسبق "مرسي" وعمل حوار معه    إحالة المتهمين بمقتل مدير مؤسسة الأقطان إلي المحاكمة    لا تفعلي ... !    في ذكرى أكتوبر الي الشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم، رجاء لا تهدم كل ما بنيته. بقلم: المثني ابراهيم بحر    داريك فيديكا يعاني من الشلل الكامل إستعمل أنفه و عاد للسير مجدداً + صورة    صلاح الدين عووضة : ثوابت الانقاذ !!    لصوص يسرقون 300 مليون جنيه من منزل دفع الله حسب الرسول    الرياضة تعالج أكثر الأمراض العقلية انتشارا    دراسة: أغلفة الأعصاب تحدد قدرتك على تعلم المهارات الجديدة    الوجه الآخر.. للهجرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

تقرير مفصل عن ورشة المجتمع المدني ودوره في التحول الديمقراطي : مداخلات د. حيدر ابراهيم و د.الباقر العفيف
نشر في حريات يوم 16 - 01 - 2013

عقد حزب الأمة القومي بداره بأم درمان صباح الأحد 13 يناير ورشة عمل حول المجتمع المدني ودوره في التحول الديمقراطي، عقدت فيها ثلاث جلسات وشارك فيها عدد من الخبراء والناشطين من داخل الحزب وخارجه.
الورشة التي جاءت في أوج الهجمة الرسمية على المراكز والمنظمات شارك فيها مدير مركز الخاتم عدلان د الباقر العفيف كما شارك بالسكايب مدير مركز الدراسات السودانية الدكتور حيدر إبراهيم.
(حريات) حضرت الورشة وتنقل تفاصيلها كالتالي:
الجلسة الأولى: منظمات المجتمع المدني:
الجلسة الأولى في الورشة ركزت على وضع منظمات المجتمع المدني في السودان واحتوت على ورقة قدمها د الباقر العفيف مدير مركز الخاتم عدلان مركزا على المنظمات الدولية والإقليمية ودورها في تنمية المجتمع المدني، ومداخلة أساسية عبر الاسكايب من قبل دكتور حيدر إبراهيم علي مدير مركز الدراسات السودانية. كما احتوت على نقاش من الحضور ورأسها دكتور حسن عبد العاطي.
تحدث دكتور الباقر في البداية عن الهجمة التي حصلت على المراكز الثقافية مؤخراً، وروى قصة الهجوم على مركز الخاتم عدلان والتي كان لها خطوات بدأت بالهجوم الإعلامي بتقرير في صحيفة “الانتباهة” في أغسطس 2011م، ثم استدعائهم في سبتمبر لمباني مفوضية العمل الطوعي والإنساني (هاك) والتحقيق معهم حول معلومات معروفة لديهم سلفاً وموجودة في تقارير الأداء السنوية، ثم زيارة مفاجئة من قبل مسئولي المفوضية وآخرين في نوفمبر، واستمرت الهجمة بمنع النشاطات من قبل الجهات الأمنية ومن ذلك منع المؤتمر الصحفي لإعلان كونفدرالية منظمات المجتمع المدني في أوائل ديسمبر، وفي النهاية الهجوم على المركز وإغلاقه ومصادرة ممتلكاته. وأكد على النظرة السلبية من قبل السلطات تجاه عمل منظمات المجتمع المدني والمسكونة بنظرية المؤامرة والخوف من الاختراق والجاسوسية.
ثم تطرق للمنظمات الدولية العاملة في مجالات التنمية والتحول الديمقراطي وغيرها من حقول المساندة ذاكراً أن هناك حوالي 40 ألف منظمة دولية تعمل في الدول المختلفة، وقدم التوصيات التالية:
ضرورة تقوية الصلات والشراكات مع المجتمع المدني الدولي في مجالات الإغاثة والتنمية المادية والتنمية البشرية وفي نشر قيم السلام والديمقراطية.
ضرورة إصلاح القوانين المقيدة للعمل الطوعي وتغيير نظرة الأجهزة التنفيذية التشكيكية المسكونة بهاجس التجسس ونظرية المؤامرة.
ضرورة إصلاح القوانين المنظمة لعمل المنظمات المحلية وجعلها دافعة لنموها.
تزويد المجتمع المدني بآليات عمل المنظمات الدولية.
تطوير العمل الإلكتروني.
ولدى فتح باب النقاش قالت الأستاذة سارة نقد الله رئيسة المكتب السياسي لحزب الأمة إن هذه الهجمة المستهجنة كان لها أثر حميد من ناحية تلاقي الجميع من أجل الحريات. ورب ضارة نافعة، فهذه الورشة مناسبة لجمع الناس حول عمل فيه رؤية. ونادت بضرورة وجود عمل بين المنظمات والأحزاب فلا يكونوا متقاطعين. بل لا بد برغم اختلاف الوسائل والآليات من العمل سويا لصياغة سياج اجتماعي لحماية الحياة السياسية والاجتماعية السودانية برؤية مشتركة. وإشارة لما ذكره د الباقر من وجود 40 ألف منظمة دولية تعمل في العالم بأجندة مختلفة، طالبته بعمل تمييز للمنظمات الدولية الحميدة كدليل للمنظمات الوطنية ليسعوا للعمل مع تلك الحميدة وتجنب الأخرى التي لها أهداف غير حميدة.
وقالت الدكتورة عشة الكارب إن هذه الهجمة على المنظمات ليست الأولى فمن قبل تم إغلاق منظمات دولية كانت تقدم خدمات جليلة للمواطنين خاصة في مناطق النزاع في دارفور، وأغلقت منظمات وطنية معها، وما حدث في الشرق في العام الماضي، وكل ذلك كان فاتحة شهية للحكومة لتستمر غير هيابة وغير مبالية في الهجمة على كل الجهات العاملة في المجتمع المدني. وقالت إن الحكومة شعرت بالخطر من تطور عمل المنظمات ومن تنوير المواطنين في وقت ظلامي خلقته وحرصت عليه. وأكدت أن المسألة لها علاقة مباشرة بالتحول الديمقراطي الذي لا يتم إلا بالاستنارة.
وحول العلاقة بين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني قالت الكارب إن العلاقة كانت تشوبها الشكوك المتبادلة بين الطرفين . واقترحت أن توسع هذه الندوة لتشمل أحزاب ومنظمات أخرى. وقالت مشيرة للهجمة على المنظمات “هذه هي مجرد بداية لهجمة تأخذ طواقي أخرى، كما أمس في الجرائد تهم بالماسونية وكمية من الهرطقة”.
وعلّق رئيس الجلسة الدكتور حسن عبد العاطي بأننا منذ عام 2011م نتحدث عن أن الهجمة قادمة، ونحتاج لتضامن مبني على قناعة بالقيمة المضافة في مراكز كالخاتم عدلان معبرا عن عدم تعاطفه في نفس الوقت مع منظمة كباتكو رأى أن عملها غير حميد، الشيء الذي عقّب عليه لاحقا د الباقر العفيف مؤكداً أن باتكو أنعشت المجتمع المدني السوداني عبر خدماتها للمنظمات خاصة التي يقودها شباب، فقد كانت ترفع من قدراتهم، وقال إن المفيد في عمل باتكو أن كانت تجسر الهوة الماثلة في المعرفة باللغة الإنجليزية وطرق كتابة المشاريع والتقدم لتمويلها، فكان لها فريق يقابل كل صاحب فكرة وإذا اقتنع بالفكرة وبالخدمة التي تقدمها للمجتمع فإنه يساعد في كتابة مشروع على الأسس المطلوبة، ولم تكن تعطي أموالاً ولكنها تساعد في عقد الورش وبناء القدرات. وقال إن إغلاق باتكو لم يكن سليماً، وبالضغوط الدولية عادت فهي تعمل الآن تحت اسم آخر وهو إيكوم باتكو.
وتحدثت الدكتورة بلقيس بدري وتساءلت: ماذا عن منظمات المجتمع الدولي التي تدعم وتساعد القونقوز (أي المنظمات التابعة للحكومة Government Owned NGOs GONGOs) فهي تضخ أموال وتعمل مساعدات تشكر عليها تذهب للإغاثة والخدمات والعمل في مجالات حقوق الإنسان. ولماذا تذكر فقط المنظمات الغربية والعالم العربي والإفريقي والإسلامي أيضا يقدم أموالا ضخمة لمنظمات لديها وجود في السودان وتدعم فئات معينة من منظمات المجتمع المدني. وتساءلت: هل التهمة هي تلقي مال لعمل ما؟ مؤكدة أن كل المنظمات في السودان تتلقى أموالاً مشروعة لأعمال مشروعة. ويأخذ هذا الدعم أحيانا شكل الدعم الفني وتنمية القدرات بدورات في ماليزيا ومصر والأردن كما يرسل لنا خبراء لدعم منظماتنا فنيا.
مداخلة الدكتور حيدر إبراهيم علي
وتحدث عبر الاسكايب الدكتور حيدر إبراهيم علي مدير مركز الدراسات السودانية الذي أغلق مؤخرا وبدأ بشكر حزب الأمة وشكر شخصي للسيد الصادق المهدي وقال إنه سوف يتحدث عن الواقع الحالي وعن الرؤية المستقبلية.
حول واقع عمل منظمات المجتمع المدني ذكر د حيدر ملاحظات حول الهجمة الأخيرة على منظمات المجتمع المدني أولها أن هذه الهجمة تبرز إلى أي مدى يمكن أن يكون التحول الديمقراطي سلساً أو سلبياً. والثانية أن هذه الهجمة يوجهها الأمن وقد سبق قرار يوم 24/12/2012م الذي استلمه المركز خطوات منها الاستدعاء وزيارة المركز ثم الإغلاق قائلا: لم استغرب القرار، فهو أمني وليس ثقافيا ولا مرتبط بالمنظمات وهذا واضح في تسلسل الجهات التي ارسل لها الخطاب فقد ورد أولا وزير الداخلية، ثم مدير جهاز الأمن والمخابرات، ثم مسجل عام الجماعات الثقافية، وأخيرا مدير مركز الدراسات السودانية. وأضاف: لم استغرب كثيرا لأن الوزير الذي اتخذ القرار ليست له أية صلة بالثقافة، ويلعب دور سمسار لا يتعامل مع بقية نشاطات الفنون والثقافة. والملاحظة الثالثة هي أن ما حدث يثبت غياب دولة القانون والدليل الأبلغ تدخل الأمن لمنع منظمات المجتمع المدني من وصول مفوضية حقوق الإنسان التي أنشئت من أجل حمايتها. وقال: لن أتحدث كثيراً عن القضاء فالقانون أصلا غائب والنظام حتى الآن لم يجد لنفسه أي نوع من الشرعية ولم تغنه الانتخابات المزورة ولا زال واقفاً لدى محطة 1989م جاء بالدبابة واستمر بالدبابة ولا قدرة له بالتالي على الحوار مع الآخر.
وقال الدكتور حيدر إنه في هذا الموقف الذي تعرض له المركز يود أن يشكر السيد الصادق المهدي وحزب الأمة لمبادرته وقال “هذا الحزب الذي اعتبره تقليدي، وهذا الزعيم الذي اعتبره تقليدي، على المستوى الشخصي نقدت السيد الصادق كثيرا وحتى اصدرت كتاباً في ذلك، ولكنه قامة كبيرة، أقلها التزامه بالديمقراطية أبداً وتضامنه ومؤازرته على مستوى إنساني وسياسي إذ على المستوى الشخصي كان الواحد يحتاج للمؤازرة” وأضاف حيدر: “هناك أحزاب تدعي الحداثة فالقة نفسها بها منذ الخمسينات ولكن لم تكلف نفسها بإصدار أي بيان أو حتى بالطريقة السودانية تقول كفارة مما يؤازر الناس. أحيي الصادق المهدي الذي يتجاوز الكثير من الأشياء. هذه تحية للصادق وفي نفس الوقت إدانة لتلك الحداثة التي لم تتخذ أي موقف”.
وقال دكتور حيدر: هذا يقودني للحديث عن المنظمات وقدرتها أن تكون حديثة، فالقوى الحديثة في السودان ونحن جزء منها، لديها انفصام واضح لدى الممارسة فما بين الخطاب والممارسة تضارب. منظمات المجتمع المدني تقول شيئا وتفعل شيئا آخر. القوى الحديثة لا تعبر عن مشاعرها الحقيقية، نحن لسنا صادقين. وقال مخاطبا رئيس الجلسة الدكتور حسن عبد العاطي “هذا الزعيم التقليدي الجالس قربك صادق جداً كاسمه. نحن لدينا قدرات أن نلبس أقنعة. أعطي مثال صغير لما حصل لدى إغلاق المراكز: حتى الآن لم يصدر اتحاد الكتاب أي بيان، صحيح حصل اجتماع بدار الاتحاد، ولكني كنت أتوقع أول جهة تتحرك وتصدر بيان قوي هي اتحاد الكتاب، وهذا شكل من أشكال العتاب”، ولدى تلخيص مداخلة دكتور حيدر للحضور الذين لم تكن المداخلة مسموعة لديهم قالت الأستاذة رباح الصادق التي قامت بالتلخيص: لعل الدكتور حيدر لم يطلع على المجهود الكبير الذي لعبه اتحاد الكتاب وقيادته في حملة المناصرة التي أنتجت كل المواقف الأخيرة.
وواصل الدكتور حيدر في نقد أداء المجتمع المدني السوداني وقال إن مما أقعد المجتمع المدني مسألة التشبيك، وفي الممارسة السودانية هو قريب من “الشِبْكَة” أكثر منه إلى الnetworking أو التوأمة فهناك شكل منافسة واضح جداً.
وقال إبراهيم إن هناك قضايا تحتاج منظمات المجتمع المدني أن تتوقف فيها مثلا قضية الفساد التي لا تحتاج إلى إثبات ولا دليل ويخرج أرقامها كل عام تقرير المراجع العام. في مصر قبل الثورة كون مجموعة من المحامين عملية (شايفنكم) لمتابعة الفساد. ومنظمات المجتمع المدني عليها أن تفتح ملف الفساد وتعمل به حملة واضحة تشغل به النظام فلا يشغل الناس بأنه نزيه وفاضل. وأن تترك منظمات المجتمع المدني حالة أن تكون دائما في حقل الدفاع باستمرار. وقال: مثلا الانتخابات كانت مزورة، أخرج حزب الأمة كتاب حجمه أكثر من 600 صفحة يصف التزوير ونفس الشيء فعله حاتم السر، لكن لم يذهب أي منهم للمحكمة والنتيجة لا يزال النظام يقول إنه جاء عن طريق الشعب.
ورأى دكتور حيدر إبراهيم الذي كان يتحدث للورشة عبر الاسكايب إن من عيوب منظمات المجتمع المدني الاعتماد على الحركية أكثر من الفكرية، فلا بد أن يكون لديها قدرة على التنظير والكتابة عن نفسها وتجربتها.
وحول الرؤية المستقبلية نادى دكتور حيدر بتحديد أولويات المجتمع المدني وموضوعاته لتصب في التحول الديمقراطي، فهناك نشاط لا يصب في ذلك. وقال إن الحقوق ليست فقط السياسية والمدنية بل وكذلك الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فلا بد من أولويات منظمة تؤدي للسير في التحول الديمقراطي وتهديد النظام غير القومي الذي فرّط الوطن، معتبرا الفساد من ضمن الملفات المطلوب التركيز عليها.
كما طالب باتخاذ آليات فعالة، فالورش التي تعقد في منظمات المجتمع المدني حاليا تتكرر فيها الوجوه وصار المتكلمون والمتلقون قوائم محفوظة فلا بد من تغيير الآليات والأجيال.
وعقب دكتور الباقر العفيف في نهاية الجلسة وأشار للقيود الحالية على حرية التعبير بوجود الرقابة في الصحف ومنع صحفيين بعينهم من الكتابة واحتكار الرأي لآخرين خطابهم “نتنفسه مع الهواء” وأضاف: حكومة تملك الفضاء كله وتحتكره لنفسها كيف تضيق بمنظمات محدودة لا قدرة لها للوصول للإعلام وحركتها داخل “حوشها”، مشيراً إلى أن أعلى متوسط لحضور الندوات لديهم في مركز الخاتم عدلان ما كان يزيد عن السبعين شخصاً. وتساءل: لماذا تنزعج الحكومة من نشاط كهذا؟ وأجاب: إنه إفلاس خطابها الكاذب وقوة خطاب هذه المنظمات، قول الحق. هذه المنظمات أصلا يجب أن تقول الحق للحكومة فمهمتها كما هو معروف عالميا Tell truth to power وهذا موجود في ثقافتنا الإسلامية “أفضل الجهاد كلمة حق لدى سلطان جائر”. هذا الدور حينما تقوم به هذه المنظمات تضيق الحكومة بهذا الدور المحدود، بؤرة الضوء الموجودة في حتة صغيرة تريد أن تطفئها! إنها تريد منظمات تابعة. ففي نفس الوقت الذي أغلق فيه مركز الخاتم عدلان تم وضع حجر الأساس لأروقة، وتم منح قطعة أرض في الخرطوم-2 لمركز التنوير المعرفي، فهذا هو مجتمعهم المدني الذي عملوه لينشر كلمة الحكومة.
وقال العفيف: لكن لدينا حقوق دستورية وترعاها الشرعة الدولية فلا بد أن نناضل من أجل انتزاع هذه الحقوق. يجب ألا نحاول أن نمارس الرقابة الذاتية. كثيرون يقولون لو انحنيت أمام العاصفة أو صمت ولم أذهب للإعلام فسوف أنجو. والحقيقة فإننا زاهدون في فضاء يأتي بهذه الطريقة. إما أن يكون لديّ الحق في أن أنتمي للمنظمة التي أريد ملتزما بأدب الخطاب والقانون والأخلاق، إما لديّ حق أنزعه، أو لا.
البعض في هذه الحكومة قالوا لنا لماذا لا تعملون في مجالات الإغاثة ومحو الأمية وحفر الآبار والمياه النقية والتدريب على الأعمال ولا داعي للتوعية. فالحكومات الشمولية ترغب في خدمات المجتمع المدني في رفع الفقر والإغاثة والحماية ومساعدة النازحين والقطاعات التي أفقرتها بسياساتها، ولكن ليس الكلام عن حقوق الإنسان ورفع الوعي وتغيير المفاهيم فهذه تجعل من الشعب متمرداً يمكن أن يقول لا.
الجلسة الثانية: النساء والشباب في المجتمع المدني
قدمت في هذه الجلسة ورقتان الأولى حول المبادرات والتنظيمات النسائية قدمتها البروفسيرة بلقيس بدري، والثانية حول دور الشباب في المجتمع المدني وأثره على التحول الديمقراطي قدمها الأستاذ محمد الأمين أحمد عبد النبي، ورأست الجلسة الأستاذة رباح الصادق.
بدأت الدكتورة بلقيس بدري بتعداد أنواع التنظيمات النسائية المختلفة، فمنها:
- نوع جديد من التنظيمات نشأت داخل بعض الطرق الصوفية تعمل في مجالي تنقية العلاقات مع الخالق، والأعمال الخيرية بمساعدة النساء في السجون، حوارات الطريقة وذلك بتقديم مساندة ومعاونة.
- تنظيمات دينية لكيانات ليست طرق صوفية، مثلا كيان الأنصار.
- منظمات مسجلة في جهات رسمية مختلفة: بعضها مسجل في مفوضية العمل الطوعي والإنساني، وبعضها في وزارة الثقافة، وبعضها في وزارة العدل، وبعضها في وزارة الخارجية، وبعضها مسجل كشركات غير ربحية.
- تنظيمات في مجالات أخرى تشكل تنظيما غير رسمي ولكنه قوي سواء في مجال حركي ملموس مثل مبادرة لا لقهر النساء، أو في الفضاء الافتراضي cyberspace أو الإنترنت، وهي غير مسجلة.
- تنظيمات النساء داخل اتحادات الجامعات أو الجمعيات داخل الجامعات.
- تنظيماتهن داخل نقابات كالمحامين والصحافيين، فالمحاميات، والصحافيات قمن بعمل تنظيمات ولكن أستاذات الجامعات لم يعملن لهن تنظيما بعد.
- تنظيماتهن داخل الأحزاب حيث توجد تنظيمات نسائية قوية دفعت بقضايا المرأة.
وقالت إنه حصل وسع في أشكال التنظيمات النسائية أو التنظيمات التي تعمل في قضايا النساء عموما. وإن النظام وأثناء مشاورات اتفاقية السلام انتبه في عام 2003م إلى منظمات المجتمع المدني التي يعتبرها المجتمع الدولي شريك أساسي في مجهودات بناء السلام، وبدأت الحكومة في إنشاء منظمات (قونقوز) فقفز عدد الجمعيات النسائية. وقالت د بلقيس إن عدد تلك المنظمات كان 3 حتى الديمقراطية الثالثة، وصار 16 أثناء فترة الديمقراطية والآن العدد يتراوح بين 37-42 منظمة لها اسم نسوي أو تركز على القضايا النسوية بصورة كبيرة.
وقالت بلقيس إن القضايا النسوية هي قضايا قومية مهمة وكبيرة، مثل ختان الإناث وسلامة الأمومة وتعليم البنات وتعليم بنات الرحّل والدفع بحقوق المرأة.
وناقشت بدري مسألة التنظيم النسائي الواحد الذي ينادي به البعض ورفضته باعتباره شكل من أشكال الانغلاق، وتطرقت لتجارب الاتحاد النسائي في الماضي وقالت إنه عاكس وعمل ضد التنظيمات التي سبقته، واتحاد نساء السودان الذي كان يعمل في إطار الحكومة المايوية وعارض معارضيها، واتحاد المرأة السودانية الحالي الذي برغم الحديث عنه كإطار جامع إلا أنه أخيرا سجل نفسه كجمعية طوعية، فلا توجد طريقة شرعية له ليمثل كل نساء السودان، ومع تباين الرؤى فلا مجال لجسم يجب كل التنظيمات. فالنساء قضاياهن مختلفة ووسائل تصديهن وأيديولوجياتهن مختلفة عليه لا يمكن الجميع أن يكن في جسم واحد. وقالت: انا مثلا لا يمكن أن يكون خطابي كخطاب شخص آخر يقول إن المرأة مكانها المناسب هو المنزل وزوجها وأطفالها وإلا سوف تقصر في واجبها، فهذا خطاب لا يستهويني ولا يمكن أن أندرج فيه، ولكن ضمن الديمقراطية أسمح لمثل هذا الخطاب لتتعدد الرؤى والأفكار والتكتيك في العمل.
واستدركت بدري قائلة: هذا لا يمنع من التوحد حول قضية معينة. مثال قضية الكوتة للنساء، توحد حولها الجميع كمبدأ وإن اختلفنا في كيفية تنفيذها. وواصلت: التنظيمات متعددة في تنظيمها ورؤاها وأساليبها وعلاقتها بالحكومة فبعضها تُعطى براح أكبر وأخرى لا تعطى نفس الدعم، ويختلفون كذلك في قدرتهم التنظيمية ومستوى الكوادر والقدرة على الحركة وإيجاد التمويل والاتصال بالعالم الخارجي وعمل تشبيك أكبر وهكذا.ويختلفون في الإمكانات المتاحة لهم. مثلا لا أقارن قدرة اتحاد المرأة في الاتصال بالقواعد وفتح أفرع في الريف فهو متاحة له إمكانيات أكبر من غيره من المنظمات محدودة الإمكانيات.
بالنسبة للرؤى المستقبلية قالت الدكتورة بلقيس لا بد كل الحكومات تعتبر منظمات المجتمع المدني هي ذراعها للوصول للمواطن من أجل الرفاهية والأمن وتحقيق الحقوق وحل القضايا. كذلك لا بد من الاهتمام بقضايا المرأة والتنظيمات النسائية التي تطرقت لها بالحل. هذه التنظيمات تطرقت لكافة القضايا بالنقاش والحل أكثر من مرة لكل قضية، فلم تترك قضية بدون بحث، القانون الجنائي، وقانون الأحوال الشخصية، ودور المرأة في الزراعة، والختان، وسلامة الأمومة، والزواج المبكر، والعنف بأشكاله اللفظي وعنف الأسرة وفي الشارع، الاغتصاب، نساء المعسكرات إلى آخر القضايا، كلها تم التطرق له لكن تظل الإرادة السياسية غائبة. صحيح هناك وزارات مختصة بهذه القضايا، والمنظمات النسائية بعضها مسجل في وزارة الثقافة ووزارة الرعاية الاجتماعية، ولكن تظل السياسات دون المطلوب. وما أمامنا الآن هو الضغط لتحقيق الإرادة. تجارب ضغط المجتمع المدني في العالم كثيرة، في الهند جلست النساء أمام البرلمان وهي دولة ديمقراطية يمكن بالجلوس أمام البرلمان وحمل لافتات أن تؤثر في متخذي القرار. في أمريكا اللاتينية سيرت المنظمات مسيرات ضخمة حدث ذلك أيضا في بنقلاديش والهند وهي أساليب ضغط على الحكومة بمسيرات سلمية تكتب مذكرات وترفع للجهات المختلفة فهناك مفوضيات مهتمة بهذه القضايا بما فيها مفوضية حقوق الإنسان وفي الهند هناك مفوضية خاصة بحقوق المرأة. ولكن مثل هذا التحرك لا يأتي بنتيجة إلا في نظام ديمقراطي.
لا بد من أن نطالب في الدستور القادم بتنصيص حقوق المرأة بشكل غير فضفاض كما في الدستور الحالي في مادة واحدة، تكون في نصوص في صلب وثيقة حقوق الإنسان على أن تشمل الوثيقة أيضا حقوق الجيل الثاني والثالث والرابع: الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمرأة والطفل والبيئة. وأن تكون هناك مفوضية خاصة بحقوق المرأة.
ونادت بدري بأن يكون هناك مؤتمر خاص يجمع كل المجموعات والتنظيمات النسائية لبلورة قضايا ومطالب المرأة وتحديد السياسات المطلوبة. وقالت إن تلك التنظيمات تهتم أيضا بالقضايا القومية فهي جزء لا يتجزأ من همها فلا تنحصر فقط في القضايا النسوية.
الشباب والمجتمع المدني
وتحدث الأستاذ محمد الأمين عبد النبي عن دور الشباب في المجتمع المدني ودوره في التحول الديمقراطي، وتطرق بداية للتفريق بين الشبابية باعتبارها فلسفة لتمكين الشباب وبين الشبابوية كمفهوم يحتوي على ادعاء أن الشباب يمكن أن يقودوا المجتمع بمعزل عن الفئات العمرية الأخرى.
وقال إن دور الشباب في المجتمع السوداني نشط منذ بروز الحركة السياسية السودانية وارتبط بمواجهة الاستعمار وكذلك بالحركة الطالبية. وقال إنه إبان “الإنقاذ” حدث استهداف كبير للشباب. وإن ثورة التعليم العالي كانت محاولة لاستغلال الشباب. ونتج ذلك عن ثقافة العنف والاهتمامات الفطيرة بين الشباب حتى اعتقد البعض أن الشباب فقد مقومات التغيير مما أدى للوصاية على الشباب.
وقال عبد النبي: لكن تمت إعادة الثقة في الدور الشبابي في فترة اتفاقية السلام وأثناء حركة التبشير بها وبالحقوق وبالدستور الانتقالي فالحركة الدؤوبة في المجتمع المدني كان الشباب هم المحور الأساسي فيها. وتلى ذلك دورهم المفصلي والمفتاحي في الانتخابات مما قاموا به من مناشط لتجنب العنف ومساعدة كافة خطوات الانتخابات وتعرية التزوير. وقال إنه عقدت في تلك الفترة أكثر من 700 سمنار شبابي. كذلك دور الشباب في القضايا العالقة بعد الانفصال فقد عقدت ورشة في جوبا لمدة 5 أيام حضرها شباب من الشمال وآخرون من الجنوب ناقشوا القضايا العالقة بصورة أفضل من الطرفين وبالرغم من أن حكومة الجنوب تبنت توصياتهم إلا أننا لم نرها في الواقع. كما أن الشباب لعبوا دورا في موضوع وقف نزيف الدم في دارفور وفي جنوب كردفان والنيل الأزرق والدعوة للتعايش السلمي ونشأت شبكات للتبشير بالحوار ومبادرات كبيرة في هذا الصدد. وقال إن الشباب ساهموا بالشعر والمسرح المتجول في شارع النيل وفي جنوب كردفان وكسلا والدمازين وغيرها، فكانت هناك فرق مسرحية تشاركية تمثل المسرح التفاعلي بين المجتمع والفرقة الشبابية. هذا إضافة للإسهام الكبير في الصحف (الإعلام التقليدي) أو الإعلام البديل كما في الإنترنت والتويتر ومنابر الحوار بالإنترنت وفيها طرح متقدم جداً في قضايا السلام والحوار.
وقال: برغم كل ذلك ما زالت الهوة كبيرة بين الكائن وما ينبغي أن يكون.
وتطرق لدراسة لصلاح جلال عام 2004م ذكر فيها أن نسبة السكان فوق 50 سنة يمثلون 10% فقط وما بين عمر (15-50) سنة نسبتهم 75% وما تحت عمر 15 سنة نسبتهم 15%، ولكن نجد نسبة ال10% تستحوز على الثروة والسلكة فيما يرزح 90% من الشعب السوداني في الاستبداد والفقر، وخلص إلى أن هذه الوضعية مجافية للديمقراطية، وهذا يؤثر سلبا على مشاركة الشباب في التحول الديمقراطي.
وقال إن السلطة الشمولية رسمت صورة نمطية للشباب فهناك تمييز كبير ضدهم. وقال إن المشكلة في العقلية التي تدير ملف الشباب فهناك ورشة في وزارة الشباب والرياضة أوقفت لأنها بحسب زعمهم تدعو الشباب للمنكر. وشكا من تنميط الشباب في حيز ضيق. في الشهر الماضي دعت منظمة (الشباب) للتوقيع على الميثاق الأفريقي، سأل وزير الشباب والرياضة: هل لم نوقع عليه بعد؟ وفي النهاية رفضوا التوقيع بنفس المسوغات التي بها رفضوا التوقيع على سيداو.
وأضاف عبد النبي: زيادة على ذلك هجرة الشباب بطريقة كارثية، فأكثر من 750 الف مهاجر في العام الماضي 90% منهم شباب.
وشكا عبد النبي من ضعف تمثيل الشباب في الأحزاب حيث لا يوجدون في الأجهزة التشريعية بل يقتصر وجودهم على الأجهزة التشريعية. وقال إنه لا توجد تنظيمات شبابية تعبر عن الشباب السوداني. ومع أن الشباب موجودون في منظمات المجتمع المدني بشكل فاعل لكن النظام الموجود شمولي يعيق عمل هذه المنظمات ولا يتيح للشباب حرية العمل.
وقال عبد النبي إن المجتمع المدني نشأ قبل الدولة نفسها في السودان فمكونات الهوية نمت من تحت لفوق (الإسلام والنصرانية قبله) وإن علاقة المجتمع المدني والشباب تبادلية، فالمنظمات تقوم على الشباب بينما صار المجتمع المدني هو متنفسهم وبالتالي نشأت شراكة متبادلة.
وتطرق لما سماه الردة بالرجوع للقبلية فأنت تجد شخص يعمل في المجتمع المدني لمدة 20 عاما ثم يصير رئيس لمجلس شورى قبيلة. ونادى بمقابلة هذه الردة بمشروعات تخاطب الواقع. كما تطرق لدراسة عن دور المجتمع المدني في ثورات الربيع العربي وقال هناك اتجاه أنها شاركت بفاعلية ولكن ما زال دور المجتمع المدني ضعيفا في ما بعد الثورة واستقرار الأوضاع بعدها. واتجاه آخر أن دورها كان هامشيا فالثوار اتخذوا وسائل تجاوزوا بها منظمات المجتمع المدني. بل قال البعض إن بعضها لعب دورا مخذلاً ودعم الطاغية والسلطات وصرفت أموال ضخمة لتحريك أدوار هامشية وصرف النظر عن أزمة السلطة. وقال إن منظمات المجتمع المدني لها دور كبير في السودان وفي رسم ما بعد التغيير وفي ثقافة اللا عنف والتوافق المجتمعي وغيرها من القضايا المطلوبة.
وفي النهاية تقدم بالتوصيات التالية:
- تعزيز مشاركة الشباب في مجتمعهم المحلي وهمومه وقضاياه ورفع أشكال الوصاية عليه وذلك بتطوير التشريعات لتتماشى مع المواثيق الدولية والإقليمية.
- إعداد قاعدة بيانات حديثة وشاملة للشباب السوداني وأوضاعهم لرصد انتهاكات الحقوق ومعرفة احتياجاتهم المختلفة.
- تنمية مقدراتهم ومهاراتهم الشخصية والعلمية والعملية.
- تمكين الشباب من التعبير عن آرائهم وأفكارهم في القضايا العامة.
- توفير البيئة الصالحة وإتاحة الفرص لهم في إدارة المنظمات والاهتمام بمشاكلهم.
- منحهم فرصة المشاركة في تحديد أولويات البلاد واتخاذ القرارات.
- مراجعة تنميط الشباب واعتبارهم أقل خبرة وبدون مقدرات وعديمي المسئولية أو زائدي الحماس ومتسرعين وغيرها من أوجه التنميط. فالقرار السليم يتطلب تضافر مهارات الشباب وخبرة الكبار على أساس الثقة المتبادلة والتحديث المستمر.
- تقوية الإرادة السياسية لتحقيق التوازن في المشاركة السياسية في كل منظمات المجتمع المدني كما ونوعا.
- تفعيل دور الإعلام للتوعية بمشاكل الشباب ومعوقات مشاركتهم في المنظمات.
- العمل على تغيير السياسات السالبة ودعم ومناصرة السياسات الإيجابية فيما يخص قضايا الشباب.
ولدى فتح باب النقاش لورقتي دور النساء والشباب تحدثت الدكتورة عشة الكارب وقالت: أحيي حزب الأمة بشكل خاص لأنه أظهر انحيازه شكل واضح لقضايا المرأة. وقد حدث إفراغ كبير للخدمة المدنية من النساء القياديات. أجري في دراسة تبين هذه الحقيقة ففي وزارة التربية والتعليم اكثر من 75% من القوى العاملة نساء ولكن لا توجد امرأة واحدة مديرة إدارة للتعليم في أي من ولايات السودان كلها كلهم رجال. فقد تعرضت النساء لسياسة إزاحة وتهميش باستمرار.
وأضافت: أوصي بفصل حقوق المرأة من حقوق الطفل لأن ذلك ظل يحصر قضايا المرأة في الأسرة ويبتعد عن حقوقها كمواطنة وإقصائها في المجال العام. كما أوصي بإضافة تاء التأنيث لكل وظائف النساء وهذه ظل حزب الأمة يهتم بها وظهر ذلك الآن لدى مخاطبة رئيسة الجلسة بالباشمهندسة فقد ظلت جهات كثيرة تصر على عدم تأنيث المناصب. وقالت: النساء موجودات في تنظيمات المجتمع المدني والتنظيمات الشبابية وهن فاعلات فيها.
وقال متداخل إن المسكوت عنه في منظمات المجتمع المدني يشكل منفذاً للحكومة يجب أن تتحلى المنظمات بالشفافية.
وتساءل المهندس إمام الحلو عن كيفية مشاركة الرجال في مساندة قضايا النساء إذا كانت المنظمات نسوية مقفولة على المرأة؟ وتحدثت الأستاذة طاهرة علي يوسف عن أن ما يضر عمل النساء الخوف من السلطة وعدم استعدادهن لمواجهة السلطة. بينما تساءل الأستاذ أبو هريرة عبد الرحمن من مركز الخاتم عدلان هل هناك أجندة شبابية وما هي؟ وقال إن الحركة النسوية أكثر رسوخا من الشبابية. وتحدث أ. أونور مطالبا بمشاركة الشباب في كافة القضايا وأن يكون لهم دور في نقاش الدستور.
وقالت الأستاذة رباح الصادق إن ورقة الشباب فرقت بين الشبابية والشبابوية في المقدمة ولكنها اتخذت نهجا شبابويا أصولياً في ضجرها من فئات عمرية على النحو الذي ساقته. وقالت إنه كان الأفضل لكاتب الورقة الرجوع للاحصاءات المعتمدة من التعداد السكاني الأخير بدلا عن ورقة أعدها في سيدني الحبيب صلاح جلال عام 2004م. كما طالبت بضرورة تبني تعريف للفئة العمرية المتخذة للشباب فحولها فوارق كثيرة فهناك في الأمم المتحدة تعريف يحد سن الشباب ب25 عاما، وهناك تعريفات إقليمية أخرى تجعل سن الشباب حتى 30 عاما، وفي حزب الأمة هناك من عرّف فئة الشباب حتى 45 عاماً فما هي التعريفات المتخذة؟ وأشارت لأن كاتب الورقة وهو ينتمي لحزب الأمة كان ينبغي عليه أن يحاول إلقاء الضوء على أحوال الشباب في جميع الأحزاب لمعرفة الأفضل لتشجيعه والأسوأ لعتابه، ففي حزب الأمة هناك وجود للشباب في المكتب السياسي أي الجهاز التشريعي بعكس ما قال إن الشباب لا يوجدون في المؤسسات التشريعية. فهناك كلية للطلاب فيها 4، وحصل الشباب على العضوية من كليات أخرى كثيرة وضربت المثال بالكلية القومية التي فاز فيها شباب. وقالت يمكن أن يكون الواقع غير مرضٍ للجميع ولكن بدون التفرقة بين الأول والأخير سوف نركم الجميع معاً ولن يكون هناك من فائدة لأي متقدم على غيره.
وعلقت البروف بلقيس على مسألة الفئة العمرية الشبابية وقالت إن هناك تعريف عربي جعل الشباب بين عمر 16 و40 عاماً ويمكن اعتماده وقالت إن اليونسيف اتخذت تعريفاً أن الشباب من العمر 10 سنوات وحتى 27 عاما. وعلق محمد الأمين على ذلك بالتأمين على ضرورة اتخاذ سن محدد لتعريف موضوعي للشباب. ولكنه رأى أن نسبة الشباب في المكتب السياسي لحزب الأمة لا تزال دون المطلوب، معتبرا انتقاد رباح لاستناد إحصائياته على ورقة أ. صلاح جلال ذهنية أبوية سوف تؤدي لمطالبة الشباب في النهاية بكوتة كما طالبت النساء بالكوتة في وجه الذهنية الذكورية.
الجلسة الثالثة: العلاقة التبادلية بين الأحزاب السياسية والمجتمع المدني
قدمت في هذه الجلسة ورقة الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة ورأست الجلسة الأستاذة سارة نقد الله رئيسة المكتب السياسي لحزب الأمة. نص ورقة الإمام كالتالي:
المقدمة:
أبدأ بتحرير المصطلحات وأقول: البشر يتكتلون في المجتمع على أسس أولية أي وراثية كالعشيرة، والملة؛ وأيديولوجية كالرابطة الفكرية؛ ومصلحية كالطبقة الاجتماعية.
الأحزاب السياسية هي آليات تعبر عن ذلك التكتل، وهي أدوات لمشاركة عضويتها فيها بهدف الوصول للسلطة أو معارضة السلطة القائمة لتحقيق مصلحة عضويتها وما تعتبره المصلحة العامة. وكل ما كان المجتمع تقليدياً كانت الأحزاب تعبر عن تكتلات أولية أي وراثية. وكلما كان المجتمع حديثاً كانت الأحزاب تعبر عن تكتلات أيديولوجية و/أو تكتلات مصلحية.
المجتمع المدني تكوين من منظمات طوعية تملأ المجال ما بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح معينة، وتدار ديموقراطياً. وهي تختلف عن الأحزاب السياسية لأنها لا تسعى للسلطة، وتختلف عن القبائل والطوائف الدينية لأنها لا تتكتل حول قاعدة وراثية، وتختلف عن النقابات لأنها لا ترتبط ولا تحصر عملها في مصلحة فئة مهنية معينة، وتختلف عن الشركات لأنها غير ربحية.
بصورة تجريدية فإن الحكومة المعاصرة يحكمها نموذجان: الأنموذج الديموقراطي وهو الذي يقوم على أربعة مبادئ: المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون. وفيه يتم الفصل بين السلطات التنفيذية و التشريعية والقضائية وتكفل الحريات الأساسية وعلى رأسها حرية التنظيم، والتعبير، والتنقل، والتجمّع، وفي ظله تتاح الظروف المثلى لنشأة ونمو المجتمع المدني كما عرفناه سابقا.
النموذج الآخر هو الحكم الشمولي وفيه تسيطر الإدارة الحاكمة على السلطات الثلاث. وتجعل كافة أدوات العمل العام بصورة مباشرة أو غير مباشرة واجهات لإرادة الحكام. ههنا لا مجال لمجتمع مدني كما عرفناه. وفي الواقع المعاصر الآن فإن نظم الحكم الممارسة في الحضارة الغربية هي المثل الاقرب للحكومة الديموقراطية، أقول الأقرب لأن فيها تشويهات منحرفة عن الأنموذج المثالي كما عرفناه.
أما المرجعية المعاصرة للنظم الشمولية فهي التجربة الستالينية في اليسار والتجربة الفاشستية في اليمين، وكلاهما نمط للسيطرة الشمولية بحيث يمكن أن نقول إن الستالينية هي فاشستية اليسار. ونقول إن الفاشستية هي ستالينية اليمين.
اليكم في ما يلي أطروحتي عبر ثماني نقاط:
النقطة الأولى: العلاقة بين الأحزاب والمنظمات في الغرب:
المجتمع الغربي الحديث ديموقراطي ولكنها ديموقراطية تركز على الجانب السياسي بينما للمشاركة الحقيقية شروط لا تحققها التجربة بنفس القدر، شروط متعلقة بالجانب الاجتماعي وما فيه من حدة الفوارق الاقتصادية التي تشوه المشاركة. وشروط متعلقة بالديموقراطية البيئية وما يلزم من مراعاة سلامة البيئة. وشروط متعلقة بالحقوق الثقافية وما يلزم من توازن لمشاركة الجماعات الثقافية في المجتمع.
ومع هذه العيوب فإن الديموقراطية الغربية هي التي وفرت حاضنة لنشأة ونمو المجتمع المدني، وقد نما هذا المجتمع المدني و ترعرع في مجالات الاهتمام بالمرافعة والعمل المدني لمعالجة تلك العيوب فنشأت منظمات في مجالات حقوق الانسان، الدراسات، تفريخ الأفكار، البيئة الطبيعية، الخدمات الاجتماعية، التدريب، درء الكوارث، مراقبة محايدة للأنشطة السياسية كالانتخابات وهلم جرا. منظمات غير حكومية صار لها في المجتمعات الغربية وزن كبير في كل تلك المجالات. ففيما يتعلق بمجال الفكر والدراسة يوجد في العالم اليوم حوالي 5000 منظمة أغلبها في أمريكا وأوروبا، ففي أمريكا مثلا منظمة بروكنز متخصصة في العلوم الاجتماعية والاقتصاد. وكارنيقي متخصصة في السياسة والعلاقات الخارجية. وراند كوربريشن تركز على دراسات في كافة المجالات. وهنالك منظمات منتسبة لأحزاب سياسية مثل المؤسسة الجمهورية العالمية (IRI) والمؤسسة الوطنية للديمقراطية (NDI) والأولى تابعة للحزب الجمهوري والثانية للحزب الديمقراطي الأمريكيين. وهناك منظمات تمولها الحكومة مثل الصندوق الوطني للديموقراطية (NED)، ومنظمات منتسبة لبعض الشركات الكبرى مثل فورد فاونديشن.
من حيث التمويل فإن لبعض هذه المنظمات علاقات بالأحزاب السياسية، وبعضها يحظى بإعفاء ضريبي وما ينتج من أفكار يحظى باهتمام كبير، ففي أمريكا مثلا صدر عن مركز بحث يميني المشروع لقرن أمريكي جديد، تبنى أفكاره يمين الحزب الجمهوري وكان أساسا لسياسات الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن. وهناك مركز يساري وهو مركز التقدم الأمريكي نشأ فيه اقتراح صوابية أن يكون لأمريكا رئيس من أصل أفريقي . كما أن مؤسسة بروكنز في عام 1947م اقترحت فكرة خطة مارشال للأخذ بيد الاقتصاد الأوروبي بعد الحرب.
وفي أوربا كذلك نشأت منظمات مجتمع مدني بعضها منتسب لأحزاب سياسية مثل فريدريش إيبرت الألمانية وانتساببها للحزب الديموقراطي الاجتماعي، وبعضها مستقل مثل ماكس بلانك.
واكثر المنظمات استقلالاً أوروبية مثل منظمة العفو الدولية ومركزها في بريطانيا، والشفافية العالمية ومركزها في ألمانيا، وأطباء بلا حدود ومركزها فرنسا.
وبعض منظمات المجتمع المدني بعد أن أدى اهتمامها ببعض القضايا إلى ترويج كبير تجاوزت مجالها وكونت أحزاباً سياسية كحزب الخضر في عدد من البلدان الأوربية للدفاع عن سلامة البيئة الطبيعية خاصة ضد التلوث النووي وتلوث المناخ.
منظمات المجتمع المدني الغربية هذه صار لها وزن كبير داخل أقطارها وعالمياً، ونشرت ثقافة المجتمع المدني عالمياً بكل الوسائل المعنوية والمادية. وصار لثقافة المجتمع المدني وزن دولي كبير بحيث صارت في مجال الأسرة الدولية تعتبر القوة الثالثة أي بعد الدولة، والأمم المتحدة.
نستطيع أن نقول إن بعض منظمات المجتمع المدني أو المنظمات الطوعية أي غير الحكومية مستقل حقاً مثل الصليب الأحمر، والعفو الدولية، والشفافية الدولية، وأطباء بلا حدود. وبعضها مرتبط مباشرة بالتبشير الديني، وبعضها مخترق سياسياً، وبعضها مخترق أمنياً، لذلك لزمت الدراسة الموضوعية للتمييز في قائمة خضراء، وأخرى رمادية، وأخرى سوداء.
النقطة الثانية: الأحزاب السودانية
الأحزاب السياسية في بلادنا تنطوي على عيوب، وسوف أتناول ههنا ثلاثة مجموعات من الأحزاب.
المجموعة الأولى: الأحزاب التاريخية: هذه بعض الناس يسمونها الطائفية. الطائفية في المشرق تعني الفرق من سنة، وشيعة، ودروز وعلويين وصابئة وغيرها. وفي مصر تعني الاختلاف الديني من مسلمين وأقباط. في السودان التعبير استخدمته أحزاب القوى الحديثة والنظم الدكتاتورية للنيل منها. هذه الأحزاب في السودان نشأت بعد قيام مؤتمر الخريجين العام الذي بدأ كمنظمة مجتمع مدني ثم تطور فصار منبراً سياسياً جامعاً للخريجين. هؤلاء انقسموا إزاء مصير السودان أيصير مستقلاً أم متحداً مع مصر؟ وفي التطلع لعناصر من الخريجين تحالف الأنصار مع الفريق المنادي للاستقلال وكونوا حزب الأمة تحت شعار السودان للسودانيين.
وفي المقابل التمس الفريق الآخر تأييداً شعبياً بالتحالف مع الختمية، وعبر مراحل كونوا برعاية الرئيس محمد نجيب في القاهرة الحزب الوطني الاتحادي.
هذان الحزبان صارا يمثلان تحالفاً بين خريجين، وجماعة دينية، وطرق صوفية، وقبائل.
كان ينقص هذين الحزبين أمران:
الأول: استقطاب القوى الحديثة.
والثاني: مراعاة التوازن الإثني والجهوري.
وربما كان بإمكانهما التطور السياسي، مثلما حدث لحزب الأمة –مثلاً- فالهيئة البرلمانية لحزب الأمة في أوائل عهده كانت غالبيتها من زعامات عشائرية. ولكنها في مرحلة لاحقة في أواخر الستينات صارت غالبيتها من الخريجين. كما أن الحزب في البداية لم يهتم بالتوازن الجهوي، ولكنه بعد ذلك اهتم فانضمت إليه جبهة نهضة دارفور. ولكن هذه الفرصة للتطور أجهضت نتيجة للعوامل التي جعلت فترة استقلال السودان وطولها حتى الآن 57 عاماً، تحتل 46 عاماً منها نظم أوتقراطية.
المجموعة الثانية: أحزاب القوى الحديثة: وأهم هذه حزبان: الحزب الشيوعي، وحزب الاتجاه الإسلامي الذي تعددت أسماؤه.
القوى الحديثة من طلاب، وعمال، ومهنيين لم تكن كلها مسيسة، ولكن الأجزاء المسيسة منها انخرطت في الغالب في أحد هذين الاتجاهين.
الحزب الشيوعي، ولعدم وجود قوة شعبية معينة تسنده، ولأنه انطلق من مفاهيم طبقية غير متوافرة في الواقع الاجتماعي السوداني اهتم بتسييس الأنشطة الحديثة الطلابية والعمالية والنقابية والنسوية، وأية تنظيمات من المجتمع المدني.
واتخذ التنظيم الإسلامي الحديث نفس الأسلوب، فصار الحزبان يتعاركان عبر الأنشطة الحديثة الطالبية، النقابية، والنسوية، وحتى عبر منظمات المجتمع المدني، وبما أن المواجهة بينهما منذ البداية كانت صفرية، وبما أنهما أدركا أنهما لن يستطيعا تحقيق أهدافهما السياسية عبر الآلية الديمقراطية، فإنهما نقلا صراعهما إلى الساحة العسكرية، ووقف اليسار مع انقلاب 1969م، ودبر الحزب الإسلامي انقلاب يونيو 1989م. وفي الحالين أقاما نظما شمولية الأول بآليات ستالينية والثاني بآليات فاشستية.
كان إقحام القوات القوات المسلحة في المعترك السياسي خطيئة كبرى بدأها السيد عبد الله خليل لأنه قدر أنها ضرورية لحسم خلاف مع حزبه، ولتلافي مخاطر وطنية قدرها. ولأسباب متعلقة بتظلم الحزب الشيوعي من حرمانه من حقوقه السياسية، وبتمدد النشاط الناصري في السودان اندفعت عناصر يسارية نحو انقلاب مايو 1969م، وعندما وقع اندفع الحزب الشيوعي في تأييده، وحاول توظيفه لتصفية خصومه والتحكم في مصير البلاد على أساس نظام شمولي.
ولأسباب رأتها أقدمت الجبهة الإسلامية القومية على تدبير انقلاب يونيو 1989م، وأقامت نظاماً شمولياً استمر لأطول فترة حكم حتى الآن.
الانقلابات الثلاثة أكدت معنىً سوسيولوجياً معلوماً، وهو أن أية جهة تعتمد على جهة مسلحة لتحقيق أهدافها السياسية ستجد أن العناصر المسلحة لن تتعامل معهم بالندية، وهذا ما اكتشفه الذين دعموا الضباط الأحرار في مصر، ومؤسس البعث السيد ميشيل عفلق، ووثق له منيف الرزاز في كتاب “التجربة المرة”. في السودان بعد مدة وجيزة اعتقل الانقلابيون السيد عبد الله خليل، وكان مصير قيادة الحزب الشيوعي والجبهة الإسلامية القومية ما كان.
المجموعة الثالثة: الأحزاب المسلحة: وهي مجموعة أحزاب التظلم من الأحادية بأبعادها الدينية والإثنية، وهي الآن أحزاب حركة تحرير السودان، والعدل والمساواة، والعدالة والتحرير، وجبهة الشرق، والحركة الشعبية قطاع الشمال. هذه الأحزاب تمثل قوى اجتماعية لا شك ولديها قضايا وظلامات لا شك وتدعمها تشكيلات مسلحة.
النقطة الثالثة: القيود على العمل الحزبي:
النظام الحاكم منذ يونيو 1989م طبق شمولية صارمة عن طريقها حرم حرية التنظيم فحل الأحزاب واستبدل النقابات بتكوين جامع خاضع للحزب الحاكم، وسيطر على أجهزة الإعلام، وسيطر على مؤسسات الدولة، وسيطر على النظام الاقتصادي في البلاد، وذلك عبر سياسة التمكين، وعن طريقها سيس الإدارة الأهلية واخترق الطرق الصوفية. ودو مراجعة لهذا التمكين الشمولي دخل في اتفاقية السلام المسمى شامل، وفيها احتفظ لنفسه بالصوت الغالب تنفيذيا وتشريعيا وقضائيا، واشترط الإبقاء على معالم التمكين كافة إلى أن تستبدل إن لزم.
سمح النظام للأحزاب السياسية بالعمل، ولكن في مجال مقيد للغاية:
‌أ) القوات النظامية والخدمة المدنية تحت قيادات تابعة للحزب الحاكم.
‌ب) النشاط الاقتصادي تحت سيطرة سياسية جففت مصادر الأحزاب السياسية الأخرى واستقطبت الأنشطة الاقتصادية لصالح الحزب الحاكم عبر شركات تابعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة للحزب الحاكم أو لأجهزة سيطرة رسمية. وعبر محاباة لنشاط الموالين، ومجافاة لنشاط الآخرين.
‌ج) قانون تسجيل الأحزاب في صورته الأخيرة لسنة 2007م يخضع الأحزاب لمجلس شئون الأحزاب، وهو مجلس يعين رئيسه وأعضاءه رئيس الجمهورية، وهو رئيس الحزب الحاكم. وينص القانون على عدم جواز الأفراد الآتية صفاتهم الانضمام لعمل حزبي: القوات المسلحة، القضاء، القيادات العليا في الخدمة المدنية، والدبلوماسيون.وبماأن قيادة القوات المسلحة هي قيادة الحزب الحاكم فإن تبعية قيادات تلك المؤسسات للحزب الحاكم تحصيل حاصل.
وفي شروط تأسيس الأحزاب عدم تبعية تشكيلات عسكرية للحزب، ولكن هناك تشكيلات عسكرية تابعة للحزب الحاكم.
وقانون تكوين الأحزاب ينص على دعم حكومي للأحزاب كما نص على ذلك قانون الانتخابات على أن يدخل هذا الدعم في الميزانية العامة دون جدوى.
هذا معناه أن سياسة التمكين التي طبقت بصورة منهجية لتدمير الأحزاب السياسية لم تراجع، وقانون الأحزاب السياسية يفرض وصاية كاملة عبر قانون تسجيل الأحزاب على الأحزاب السياسية.
هذه الظروف تمنع التطور السياسي في البلاد، وبالتالي تطور الأحزاب السياسية، فالحزب الحاكم متمترس بالتمكين.أما أحزاب المجموعة الأولى أي التاريخية، والمجموعة الثانية أي الحديثة، فبموجب الأجهزة والقوانين تعمل في نطاق محدود للغاية ما يخنق التطور السياسي في البلاد.
النقطة الرابعة: القيود على عمل المنظمات:
النظم الشمولية تكون منظمات اسما هي منظمات مجتمع مدني، ولكنها فعلاً هي واجهات لعمل حكومي دعائي أو أمني، وبموجب اتفاقيات ثنائية تسمح لمنظمات تابعة للصليب الأحمر وللأمم المتحدة، ولكن فيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني فإنها تخضعها لقانون العمل الطوعي والإنساني لسنة 2006م. هذا القانون يخضع العمل الطوعي تماما للإرادة السياسية، وبالتالي للحزب الحاكم. فالمفوض يعينه الوزير، ومسجل المنظمات يعينه الوزير، وتميل المنظمة يكون عبروثيقة تحدد المصادر تجيزها المفوضية. والمسجل، وهو موظف لدى الوزير، عنده حق إلغاء تسجيل المنظمة. ولا تتلقى المنظمة أموالاً من الخارج أو من شخص أجنبي بالداخل إلا بموافقة الوزير، وهذا يعني أن مثل هذه الأموال لا يسمح بها إلا لمنظمات يرضاها الحزب الحاكم. كذلك لوزير المالية بموجب القانون، وبتوصية من الوزير إعفاء أية منظمة عن الجمارك أو الرسوم أو الضرائب، وهذه سلطة تمارس لصالح منظمات معينة.
ومع السيطرة السياسية على النشاط الاقتصادي فإن أية منظمة غير مرضيٍّ عليها لن تجد تمويلاً محلياً، اللهم إلا بعض المنظمات المعتمدة على وقفية، مثل وقفية السلمابي.
لذلك لجأت منظمات مجتمع مدني لتمويل خارجي، وهي مصدر يقع تحت سيطرة الوزير.
هذا معناه أن أي تطور لمجتمع مدني، مثل تطور المجتمع السياسي، مخنوق؛ وفي الحالين هذا بالضبط هو النظام شرق الأوسطي الذي هب في وجهه “الربيع العربي”، وهو نظام يقنن تحكم الحزب الحاكم في النشاط السياسي والنشاط المدني.
النقطة الخامسة: أعراض الاحتقان:
هذا الاحتقان هو المسئول عن التشويه الذي لحق بالعمل العام في السودان.
ففي غياب هياكل سياسية اجتماعية ومنظمات نيابية حقيقية وأحزاب سياسية فاعلة يلجأ الناس إلى انتماءاتهم الأولية كالعشيرة والجهة، وفي غياب فرص حقيقية للعمل السياسي الديمقراطي يلجأ الناس للعمل السري والعمل المسلح، وأي عمل مسلح ضد دولة سوف يلجيء أصحابه للاستعانة بجهات أجنبية، فتسليح وتموين شخص واحد دعك من فصيل مسلح كامل مكلف للغاية. والعمل الطوعي المدني مع حالة التجفيف الموجودة سوف يلجأ لتمويلات أجنبية سواء كانت حميدة أو خبيثة.
ولكن هذه الظواهر أعراض وليست أسباب، وعلينا ألا نقف عند الأعراض، بل نتطرق للأسباب. ما لم نفعل ذلك فإن الأعراض سوف تستمر بصورة أو أخرى. وربما أدى الاحتقان لمحاولات انقلابية. كذلك المحاولات الانقلابية أعراض توجب البحث عن الأسباب لإزالتها، لا سيما والمعلوم أن أية محاولات بالعنف لإقامة نظام جديد إن فشلت فسوف تعطي أجهزة الأمن مبرراً لمزيد من القمع. وإن نجحت فإن الذين نجحوا في الإطاحة بالنظام سوف يفرضون وصاية جديدة لن تسمح لا بالتطور السياسي ولا بحرية المجتمع المدني.
النقطة السادسة: مآلات محتملة:
ضعف المجتمع السياسي المعارض، والمجتمع المدني غير التابع للحكومة، وجعل بعض الغافلين يتحدثون عن ضعف المعارضة، ويعدون ذلك برداً وسلاماً للحزب الحاكم.
ولكن النظم ربما تهاوت من ثقل المشاكل التي خلقتها أخطاؤها السياسية مثلما حدث في تونس ومصر في وقت فيه كانت المعارضة المرئية في غاية الضعف.
إن جبهة التطلع لنظام جديد في السودان عريضة للغاية، مكونة من: استنزاف جبهات العمل المسلح، تراكم الحركة المطلبية، المعارضة السياسية والمدنية، تردي الحالة الاقتصادية، تفشي الفساد، نسبة العطالة والفقر، تطلعات داخل النظام، والحصار الخارجي.
هذه العوامل ربما أدت لانتفاضة غير محسوبة التوقيت وغير محسوبة النتائج، وربما أدت للتوافق على عمل استباقي ينتشل السودان من مصير مدمر إذا استمرت الأوضاع كما هي الآن، وينتشله من مغامرات محملة هي الأخرى بأسباب التدمير.
النقطة السابعة: العقد الاجتماعي المطلوب:
القيادة لا تعني حبس الرؤية في الواقع بل كما قال أحد الحكماء القيادة أن تلهم غيرك أن يأملوا، ويتعلموا، ويعملوا. ومن هذا المنطلق أقول:
النظام الجديد المنشود يتطلب هندسة اجتماعية كلية يؤدي لعقد اجتماعي جديد يقوم على:
‌أ) إصلاح حزبي بموجبه ترفع الوصاية الحزبية على مؤسسات الدولة والمجتمع. وتلتزم الأحزاب التاريخية بإصلاح يحقق المؤسسية والديمقراطية ويفتح المجال للقوى الحديثة. وبموجبه تتخلى أحزاب القوى الحديثة نهائيا عن الأشواق والوسائل الشمولية. وبموجبه تتحول الأحزاب الجديدة عن وسائل العنف وتكون لنفسها أحزابا مدنية أو تتحالف مع الأحزاب القائمة على أسس مشتركة.
‌ب) تحرر مؤسسات الدولة النظامية والمدنية من أية وصاية لتعمل وفق ضوابطها.
‌ج) تكفل حرية التنظيم لا سيما للعمل النقابي.
‌د) تكفل حرية التنظيم للمجتمع المدني لتتمدد في المساحة المدنية ما بين الأسرة والدولة باستثناء مجال الأحزاب والنقابات والشركات.
‌ه) مباديء تنموية تشبع الحاجة المادية والعدالة الاجتماعية، وتواجه مشاكل الفقر والعطالة بصورة حازمة.
‌و) أسس لتطوير الكيانات التقليدية الدينية والقبلية على أساس يحقق فيها المشاركة والمساءلة.
‌ز) معادلة توفق بين التأصيل والتحديث.
‌ح) التزام بعلاقات إقليمية ودولية تراعي المستجدات.
على أن يجسد هذا العقد الاجتماعي دستور تدخل في إبرامه القوى الاجتماعية كافة، ويتضمن الاستجابة للمطالب الجهوية المشروعة داخل وحدة السودان، ويبرم في مناخ تحميه الحريات العامة.
في هذا النهج نستفيد من كل تجاربنا ونرسم معالم نظام جديد يحقق السلام والتنمية والعدل والمساواة، وإلا فإن الاحتقان الحالي في حد ذاته ينذر بالويل والثبور، ومن نتائجه إفراز مغامرات مدمرة.
النقطة الثامنة: في جدوى اللا عنف:
بعض الناس يرون قبول الواقع، أو الإطاحة به بالقوة؛ هما الخياران الوحيدان المتاحان. كتب بيتر أكرمان وجاك دوفال كتاباً بعنوان: قرن من النزاع بلا عنف. في هذا الكتاب وثقا لعدد كبير من الحركات التي حققت نظاما جديداً عادلاً دون عنف. بدءاً من حركات في بدايةالقرن العشرين، إلى حركات في النصف الأخير منه. مثلاً: حركة التضامن التي قادها ليخ والنسا في بولندا، وأدت إلى قيام نظام جديد عن طريق العمل المدني الذي بدأ في 1981م، وما حدث في تشيلي فيما بعد؛ وما حدث في جنوب أفريقيا، وما أدى إليه من نظام جديد في جنوب أفريقيا.
وفي نهاية الكتاب بعد استعراض كثير من هذه الحركات قالا: خيار العمل بلا عنف ليس مجرد الخيار الأخلاقي، بل السبب أنهم أدركوا أن العمل عن طريق العنف إذا فشل فالنتائج مدمرة وإذا نجح فالنتائج نزاع على السلطة يلجأ لتصفية الحسابات بالعنف، فالدخول في دوامة العنف.
وقالا: “إن فرص نجاح نهج المقاومة بلا عنف يفشل عندما يحاول إدخال العنف في إستراتيجيته. عندما يهاجم النظام عسكرياً فإن فرص النظام أن يجد سنداً داخلياً وأن يستخدم القهر ضد خصومه تتضاعف”.
ونحن في السودان شهدنا جدوى العمل المدني في تحقيق استقلال البلاد، وفي أكتوبر 1964م، وفي رجب/أبريل 1985م، وإن أدى لتوافق على مشروع المستقبل فقد حدث ذلك كثيراً في جنوب أفريقيا وفي أسبانيا.
ختاماً
الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني كلها أدوات للعمل العام لا تقوم بأدوارها الحقيقية إلا في ظل نظام ديمقراطي، وفي ظل النظام الديمقراطي تملأ منظمات المجتمع المدني مجالاً خارج نطاق عمل الأحزاب، وإن كانت بعض منظمات المجتمع المدني قد تتمدد في المجال السياسي بما يجعلها تنافس العمل الحزبي، وبعض الأحزاب تتوجس خيفة من النشاط المدني، كما أن بعض الأحزاب قد تنشيء منظمات مجتمع مدني، ولكن إذا توافرت حرية التنظيم فسوف تنشأ علاقات تبادلية صحية بين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وفي حالة الحرمان من حرية التنظيم فالمصائب يجمعن المصابين، ما يهيء ظروفاً موضوعية لتعاون كل المحرومين من حرية التنظيم من أجل العمل المشترك لاستردادها. وإزاء الهدف القومي المنشود لنظام جديد يحقق حرية التنظيم في ظل دستور جديد فالعمل المشترك بين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وكافة أدوات العمل العام المحرومة واجب وطني. (انتهت الورقة)
بعد ذلك فتح باب النقاش فسأل الأستاذ صديق الأنصاري عن سبب هجمة النظام على قوى المعارضة والمراكز الثقافية بهذا الشكل الشرس، كما تحدثت الدكتورة بلقيس بدري وقالت من أين جاء السيد الصادق المهدي بالكلام أن القوى الحديثة بعيدة من حزب الأمة؟ إذا كانت القوى الحديثة هي القوى المتحدثة عن حقوق الإنسان وحقوق النساء والمهمشين وغيرها فحزب الأمة رائد القوى الحديثة في السودان، أنا شخصيا لا اعتبر نفسي تقليدية في أي شيء وأجد نفسي في حزب الأمة.
ورداً على ذلك قال الإمام إن حديث دكتورة بلقيس صحيح من ناحية استقطاب كثيرين من القوى الحديثة ولكن علينا الاعتراف أن هناك قطاع هام وكبير من القوى الحديثة لا يزال بعيداً عنا نحن نلاقيهم في المهاجر وفي منابر كثيرة ولا زال في نفسهم شيء من حتى، شعورهم أنهم يحتاجون للمزيد للالتحاق بالحزب. أتطلع لأننا لا نجد تحفظا بين كثير من قوى التغيير فتأتي إلينا. واسم حزبنا هو حزب الأمة القومي الجديد وذلك لفتح الباب للجميع، وهكذا سجلناه.
بالنسبة للحديث حول موقف النظام قال إن النظام شاعر بقلق أكثر من أي فترة مضت لسببين:
الأول أن أفكار المعارضين صارت تجد صدىً داخل الحزب الحاكم نفسه، فهناك تململ ومذكرات وقد كانوا مرصوصين كالبنيان المرصوص. وهناك بينهم الآن ثلاثة اتجاهات: بعضهم يريد العودة لما كان في التسعينات باعتباره الوقت الذهبي لوحدتهم، والاتجاه الثاني يرى أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ويطالب باستمرار الموجود حالياً تماما مثلما يفعل الجعل (أبو الجعران) الذي نظر لأولاده وهم يدبون فوق الحائط فقال “أولادنا في الحيط زي اللوي في الخيط” والاتجاه الثالث هم الذين يتكلمون بلغة التغيير. وهذا الوضع يسبب لهم قلق شديد جداً وهو مزعج لهم.
الثاني: هناك إحساس لكل متابع مثلا الذي يطلع على الجرائد يتأكد أنه مع عدم وحدة صف المعارضة فهناك وحدة هدف، وهي وحدة هدف ترجّع صداها الأسرة الدولية بشكل أكبر من أي وقت مضى.
وحدة الهدف في المعارضين واختلاف الرؤية في الحكام تزعجهم. الأمن دائما يفكر بمنطق المخاوف ووضع حد لها. المراكز التي أغلقت ليست بسبب التمويل من الخارج ولكن أنشطتها صارت منبرا لعمل معارض كثيرون ممن يشاركون في انشطتها يتحدثون بمنطق المعارضة. ووحدة العمل المعارض مزعجة لهم.
هناك وحدة هدف في كل المعارضين بدون وحدة صف. تحدثنا كثيرا منذ زمان عن ضرورة وحدة الصف باعتبار أن آلية ذلك الوحيدة هو هيكلة فاعلة وقدمنا مشروع هيكلة واتفاق على البرنامج، طرحناه كثيرا وفي النهاية طبعناه في كتيب ولكن حتى الآن لم يحدث الاتفاق على الحد الأدنى المطلوب لوحدة البرنامج. ما حصل في لندن في 14/11/2012م كان خطوة في ذلك الاتجاه التقيت الأخ ياسر عرمان وآخرين واتفقنا أن الحل يجب أن يكون سياسيا وقلت أننا سوف نعمل من أجل هيكل لضبط حركة القوى الطالبة للتغيير.
بالنسبة لما قيل حول ضرورة الفضائية للمعارضة، لقد عملنا مشروع دراسة للفضائية لكن ليست لدينا قدرات لها. لو اتفقت المعارضة على الهيكل فيمكن أن يتفق كل الناس على دفع جنيه التغيير أو دولار التغيير للمهجريين بحيث يدفع كل شخص نصيبه في التغيير وهذا ممكن أن يؤدي لعمل كبير. لكن لا بد من الاتفاق على هيكل أولاً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.