الشرطة الإسرائيلية تقتحم المسجد الأقصى    اتجاه لحصر متضرري منطقة السبلوقة الصناعية    انعقاد ملتقى وزراء الزراعة والاستثمار بالولايات اليوم    ارتفاع اللحوم وانخفاض الخضر بالخرطوم    بدء محاكمة لص سرق نقوداً من جيب نظامي    أمهات ضد سوء التغذية    المعارضة العام الحالي حاسماً    الوحدة جهراً وليست سراً .. !!بقلم: نور الدين عثمان    قوات مشار تستعد للسيطرة على نفط الجنوب    الهندي عزالدين: (وديعة) في (الحفظ والصون)، ممنوع الاقتراب منها.. والتصوير.. شأنها شان المواقع العسكرية!!    أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه    أحمد ساري طبظها!    اجور الاجهزة الامنية تعادل(30 ) مرة اجور الصحة و ( 18 ) مرة اجور التعليم    المرضى النفسيون ب(عبد العال الإدريسي) عندما تغلب الوصمة على الرحمة (2-2)    ورحل الصحفي والأديب العالمي «ماركيز» صاحب مائة عام من العزلة    منظمة دولية : حكومة المؤتمر الوطنى باعت اكثر من اربعة ملايين فدان لمستثمرين خليجيين    منتخبنا الوطني للشباب يواجه (السيلية) والوفد الإداري يشكر الجالية السودانية    «حاتم عبد الغفار» يستقيل من مجلس المريخ..!!    الاتحاد العام يوافق على تنظيم بطولة حوض النيل    الأزرق يتدرب على ملعب الخارجية    وفاة الطفلة ( ملاك) حديثة الولادة بعد قطع أذنها بمستشفي    منتخبنا الشاب يواجه السيلية اليوم و الغراقة بالأربعاء    ندوة الحزب الشيوعي : الالاف يحتشدون وهتافات الثورة تشق عنان السماء    حركة العدل والمساواة تنفي فرية اختطاف عاملين من اي حقل نفطي    إضافة الصف التاسع إلى مرحلة الأساس    ارتفاع أسعار الدولار .. ضرورة تنظيم الصادرات    فردوس عبد الحميد: مصر والسودان شعب واحد    بالفيديو.. شباب السودان يرقصون على أغنية «Happy» بشوارع الخرطوم    علاقة وثيقة بين نوعية الطعام وعمق النوم    ام وضاح : حذاري ثم حذاري !!    صاروخ ينقل مركبة شحن لمحطة الفضاء الدولية    التعذيب في تاريخ المسلمين (1) الدافع الرئيسي، ممارسوه وبعض الفنون؟    الخبير فيصل سيحة في أخطر حلقة للامبراطور نهار اليوم    شعر الزعيم    سر انزعاج غادة عبدالرازق من وقف عرض "حلاوة روح"    قلب «اليمني» في أم درمان    أحبة بلا عنوان    الانتحار    أوباما يبدأ خامس جولاته الآسيوية بعد غد الثلاثاء    إصابة شاب بجروح خطيرة أثناء فضه لمعركة بين عمه وآخرين    إصابة شاب بجروح خطيرة أثناء فضه لمعركة بين عمه وآخرين    الادعاء يستأنف قرار شطب الدعوى في قضية المحاربين القدامى    اتهام (نظامي) ضبط متلبساً بسرقة (خروف) داخل (زريبة)    الإعدام والمؤبد على (2) من تجار المخدرات بولاية النيل الأزرق    سعودي يقتات من النفايات منذ 30 عاماً    صحيفة كتالونية تهاجم مورينيو بسبب اعتراضه على الحكام في البريميير ليج !    ضبط 200 رأس بنقو داخل جوالات فحم    اهتمام رسمى وشعبى بزيارة وفد سعودى لموريتانيا    ارتفاع ضحايا العبارة الكورية الجنوبية الغارقة إلى 50 قتيلا    الإعلان عن حكومة عسكرية في جنوب السودان    الصادق المهدى وفن الممكن (5)    السعودية : وفاتان ترفعان ضحايا «كورونا» ل76.. والذُعر يتحول «فوبيا»!    مسرحية خلوها مستورة    كيف نتعامل مع المعرفة؟    قرارات جمهورية في مواجهة اوامر ربانية    الخليل وجعٌ يتجدد ومقاومة لا تتبدد    سؤال للشيخ عبدالحي يوسف:بعد ان اصلي ركعتي الاستخاره كيف اعرف ان هذه الامر فيه خير ام شر؟    أقراص التسمين .. تُباع على الأرض في الأسواق الطرفية ..!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

أطروحة " الكتاب الأسود".. من منظور نقدي

كان من أكثر مآخذنا على الحركات المسلحة في دارفور – في كثير من المقالات التي نشرناها- حالة الوهن الفكري .. وغياب الأفكار الخلاقة في أطروحاتها ،إذ بفحص البيانات والأدبيات التي أصدرتها تلك الحركات خلال السنوات العشر المنصرمة .. يتضح لنا إنها قد اكتفت في هذا الجانب على التسلسل النظري الرتيب ،على النسق الماركسي ، والذي يبدأ بالإعلان السياسي ( المانفستو) فبالبيان التأسيسي وينتهي بمقررات مؤتمر العام . ولم يبذل أي جهد على مستوى التنظير السياسي و التأصيل الفكري . وبمراجعة المطالب السياسية لجميع الحركات التي حوتها الوثائق السياسية السالفة الذكر نجدها مستلهمة - بوعي أحياناً وبدونه أحياناً أخرى- من أطروحات "الكتاب الأسود" ، ومن هنا نبعت أهمية دراسة هذه الوثيقة أي الكتاب الأسود- دراسة تفصيلية ، من أجل الإحاطة بملابسات صدوره وتفكيك مفاهيمه المركزية بغية استكشاف نظريته الداخلية .
و"الكتاب الأسود " وما أدراك ما "الكتاب الأسود "، كتاب مرقوم ! بمعنى مليء بالأرقام، صدر في صيف عام 2000م، في أوج تفاعلات أزمة حزب المؤتمر الوطني الحاكم، التي ظللت أسميتها ب( لعنة النادي الكاثوليكي)! ،كناية عن مكان عقد المؤتمر الذي جرى فيه الانقسام ، حيث انشطر الحزب إلى نصفين متكافئين تقريباً . النصف المعارض عرف ب(المنشية) إشارة للحي الذي يقيم فيه زعيمه الدكتور حسن الترابي قبل أن يأخذ اسم( المؤتمر الشعبي) فيما بعد. وعرف النصف الحاكم ب (القصر)للدلالة على مقر السلطة، وذلك قبل أن ينفرد بمسمى (المؤتمر الوطني).
في تلك الأجواء المكفهرة والمشحونة بالتوجسات والهواجس والمدلهمة بالاستقطابات الحادة ظهر "الكتاب الأسود" وزاد الأجواء زخماً ولغطاً، و(دغثاً على إبالة)! .الغُلاة من مؤيدي (الشعبي) وجدوا ضالتهم في أطروحات الكتاب و هالوا عليها أثواب القداسة وتبنوها ، بينما المتطرفون من مؤيدي (الوطني) اعتبروه كتاباً (نجسا ) ورجساً من أعمال الشيطان وشمروا الساعد لمحاربته . وفيما بين هذين الموقفين المتشنجين ضاعت الحقائق وغابت التحليلات الموضوعية ، ووجدت الذهنية السودانية المفطورة على التهويل فرصتها في التضخيم أمر الكتاب والإعلاء من شأنه ، وانقلب الجميع إلى سكارى وما هم بسكارى يركضون ويلهثون وراء "الكتاب الأسود" ،الفرد منهم يسألك ، قبل أن يلقي عليك التحية ، ألم تجد لي نسخة من "الكتاب الأسود"؟ هوس اللحظة الفارقة ، يجبرك أن تلهث مع اللاهثين حتى تشبع لهفتك ، فلهثت معهم حتى ظفرت بنسخة مستنسخة منه . ولكن مما لا ريب فيه أن كثيرين قد أصيبوا بخيبة أمل كبيرة،للبون الذي بدا شاسعاً بين مضمون الكتاب والرواج الذي وجده ، ولكن هذا لا يعني أن الكتاب لم يترك أثرا ، بل ترك أثرا عظيماً .
هذه الدراسة تعني ب(الأثر الذي تركه) ، وهي ، في البدء ،عبارة عن قراءة نقدية لأطروحات الكتاب ومحاولة للإجابة على السؤال المركزي : هل الاهتمام الذي وجده الكتاب لجهة صحة أطروحاته أم أن عواملَ أخرى قد تدخلت في الأمر ؟ وفي المستوى الثاني من القراءة نحاول أن نتبين كيف شكلت أطروحات الكتاب الأسود مصدر تغذية وإلهام وتهيئة الذهنية العامة لأهل دارفور لقبول عسكرة نضالهم .
وقبل الولوج في خضم الدراسة ارتأينا إثبات ثلاث حقائق نعتقد أنها قد أضافت المزيد من الأهمية علي الكتاب وهي :
أولاً :ورود كلمة (الأسود) في عنوان الكتاب ، وهي كلمة ذات حساسية وخاصية متفردة في الثقافة السودانية(رمزية اللون الأسود) ، قد ساهمت في ملامسة شعيرات التنبه في الراسب الثقافي واستدعت الإحن التاريخية من قاع الذهن وأضفت مزيد من الحيوية على أطروحات الكتاب.
ثانياً: لحظة الاحتقان ، و حالة الترقب والهيجان النفسي والانفعالية العالية والأجواء المشحونة التي صاحبت أزمة المؤتمر الوطني ؛ وفر هذا الظرف النفسي الموات للأفراد والجماعات الفضاءات التخيلية لاستمداد مادة التحليل من المخزون التصوري ومن المكبوتات والرواسب التاريخية التي كثيراً ما تخالف شرائط العقلانية وتحليل العلمي لأنه " علم من التاريخ البشرية أن الإنسان يتأثر في كثير من الفترات بموجات من الأعاصير الفكرية تزجيها ثم تسددها نحوه بيئة أو شهوة أو عصبية ،فينحرف بها عن إدراك الحقائق على وجهها الصحيح ، وبذلك تحدث الهوة بين الحقيقة في واقعها وبين ما تصورت به الأذهان وبقدر هذه الهوة يبعد الإنسان عن معرفة الحقيقة "
ثالثاً : طريقة توزيع الكتاب التي جاءت علي نمط توزيع النشرات السرِّية إذ يقول أحد المعلقين " فقد أطلقوه بسيناريو مثير (...) أحاطوه بالسرية والغموض وجعلوا منه محوراً جاذباً للاهتمام الشعبي (...) حتى من الفئات غير المسيَّسة .."(2) ويضيف معلق ثاني" أنا اعتقد أن صدور الكتاب سرِّاً هو الذي أسهم في إثارة كل هذا الزخم حوله"(3).
والمنهج الأساسي الذي نسير عليه لتحليل أطروحات الكتاب الأسود ومدى تأثيرها على فكر قادة الجماعات المسلحة في دارفور هو إجراء استقصاءات معمقة حول ملابسات صدوره و تفكيك المفاهيم والأفكار الرئيسية الواردة فيه وتعيين الثيمات الغائرة والمعاني الجوانية ؛ حتى نتمكن من تحديد مدى مطابقة أو مفارقة مدلول المفهوم الوارد للمعني المراد .
إن مجتمعاً يعيش في درج واطئ من سلم الحضاري وتغمره الأمية من أطراف رأسه إلى أخمص قدميه ، مثل المجتمع السوداني ، من الصعب أن يدرك سواد الناس فيه المدلول الحقيقي لمفهوم " الكتاب الأسود" ، لذلك قد أخذ البسطاء المعنى على ظاهره اللغوي واعتبروه كتاباً يخص (السود)! . و مما عقد الأمر وزاد في الالتباس توافق طرح الكتاب مع ازدياد الحديث وعلوه حول قضايا الظلم والتهميش والإقصاء والاستعلاء التي تشتكي منها ساكنة الأقاليم الطرفية ، وصادف أيضاً خلع بعض منظري الثقافة المركزية ( العربية –الإسلامية ) مفهوم (القوى السوداء) على سكان الأقاليم غير النيلية، الدكتور حسن مكي مثلاً.
ولم يدر في خلد هؤلاء البسطاء بأن (الكتاب الأسود) مصطلح سياسي محدد يعني: الملف الذي يحمل الحقائق السلبية (السوداء) حول قضية من القضايا أو جريمة من الجرائم بقصد إدانة ودمغ مرتكبها أمام الرأي العام وذلك لاستحالة أخذه إلى المحاكم والاقتصاص منه . وهو يعري ولا يستر ويحدد الاخفاقات ويفضح المستور بغرض إلهاب مشاعر الرأي العام ضد مؤسسة ما ووضعها موضع الدفاع عن النفس. وفي إطار جدلية الأبيض والأسود ، فإن المعادل المفهومي له هو" الكتاب الأبيض " الذي عادة ما يصدر لتبرئة الذمة ودحض الاتهامات وإجلاء الحقائق أمام الرأي العام ،أو إبداء نوايا حسنة ( بيضاء) تجاه حل المشكلة التي اتهم مصدر الكتاب القصور في حلها.
فلعبة الكتب البيضاء والسوداء مألوفة على مر العصور، ومن أشهر (الكتب السوداء) في التاريخ العربي الحديث ما أصدره الزعيم المصري مصطفى كامل حول حادثة"دنشواي" عام 1906م والذي أسماه " الملف الأسود" أورد فيه الحيف والظلم الذي حاق بأولئك الفلاحين الفقراء على يد الإنجليز والمحكمة الصورية التي أنشئوها. ولكن الحكومة البريطانية ردت على ملف مصطفى كامل ب(كتاب أبيض) حاولت فيه الدفاع عن موقف (حكومة جلالته) من الحادثة .
ولعل من أشهر جدليات "الأبيض "و"الأسود" في هذا إطار ما حدثت( للقضية الفلسطينية ) في بواكير نشئوها ففي عام 1930 م عندما طغت موجة من مشاعر العداء لبريطانيا في الأقطار العربية بسبب مشكلة فلسطين وكثافة هجرة اليهود إليها ، وخشية من ضرر يلحق بمصالحها حاولت بريطانيا التخفيف من حدة العداء ، وأصدر السير ماسفيلد وزير المستعمرات كتابا اسماه (الكتاب الأبيض) بذل فيه قصارى جهده ليوضح أن بريطانيا العظمى غير منحازة لليهود على حساب العرب وبل حمل الكتاب أفكاراً إيجابية لصلح العرب ، إلا أن المنظمات الصهيونية أطلقت عليه ( الكتاب الأسود) وقامت بضغوط هائلة واضطررت الحكومة البريطانية إلى التراجع وإعادة تحرير الكتاب بواسطة كاتب اسمه " ماكدولاند" الذي قام بتمييع كل ما كان محسوباً للعرب مما جعل العرب أن يطلقوا عليه " كتاب ماكدولاند الأسود" . واستمر عملية تبادل المواقع حتى قيام الثورة الفلسطينية الكبرى(36-1939م) حيث أصدرت بريطانيا كتاباً جديداً أسمته (الكتاب الأبيض ) أيضاً فيه شيء من الإنصاف للعرب ولكن اليهود أسموه (الكتاب الأسود)..الخ .
ومن أشهر الكتب البيضاء ما أصدرته الحكومة الأردنية لتوضيح موقفها من حرب الخليج الثانية ومسألة احتلال الكويت عام 1991م واتهامها بموالاة الحكومة العراقية (4) . إذن هذا هو السياق الذي يأتي به أي مشروع لكتاب أسود أو أبيض ، إذا كان الكتاب يحمل مضموناً سلبياً فهو أسود وإذا كان مضمونه إيجابياً فهو أبيض . فقد ألف الباحث السوداني صديق البادي كتاباً تحت عنوان (الإنقاذ في الميزان : أبيض -أسود) ، أي بمعنى إنجازات (أبيض) وإخفاقات (أسود).
ولاشك أن المؤلفين عنوا المعنى السياسي لمفهوم (الكتاب الأسود )الذي أوضحناه في السطور السابقة أي (ملف يحتوي علي بيانات تدين طرف ثاني) ولكن المفارقة أن الالتباس المفهومي حول مصطلح (الكتاب الأسود) قد خدم المؤلفين من حيث لا يدورن ، إذ جذب إليهم أعداد هائلة من البسطاء الذين فهموه بطريقتهم،أما إذا وعى الجميع بان الكتاب مجرد ملف يحوي بيانات حول " اختلال ميزان السلطة والثروة في السودان " لما التفت إليه إلا القليل من المهتمين ، وكان قد مر كما مرت عشرات العناوين أخرى شبيه .
ثانيا: مفهوم (غرب السُّودان /الإقليم الغربي)
من المفاهيم الأساسية التي استخدمها الكتاب بكثرة مفهوم (غرب السودان) وهو من أكثر المفاهيم شيوعاً في السياسة والإعلام ، ورغم غموضه والتباسه لم يجر أي محاولة لتوضيحه وتحديده ، وقد استخدمه (الكتاب الأسود) بكل غموضه والتباسه ،ووفق النمط المألوف للذهنية السودانية، أي نزوعها صوب الاستسهال و(التكويش)، واحتقار التأني ،والنفور من التدقيق والتحري .لذلك لم يورد الكتاب أي تعريف لمفهوم (غرب السودان) واكتفى بالقول العمومي الهلامي السائد في الإعلام :" الإقليم الغربي ويضم ولايات كردفان ودارفور " .وهو تسطيح وتبسيط درج عليه حتى بعض الأكاديميين إذ أذكر أن محاضراً يدعى خوجلي عبد الرحيم ألقى محاضرة في قاعة الصداقة في يوليو 1997 تحت عنوان (غرب السودان) وكان تعريفه ل(غرب السودان) هو :" الولايات الست بكردفان ودارفور ".وقد قرأت تعريفاً للسياسي المعروف حامد تورين يقول فيه أن الغرب هو: " الحدود الإدارية للولايات الست" .
ومنذ أن بدأت أزمة المؤتمر الوطني تلوح في الأفق أخذ بعض قيادات هذا الحزب ، خاصة أولئك القادمون من دارفور ، بالسعي المحموم نحو ترميز مفهوم الغرب وإعادة تأطير مدلوله في المخيلة الجماعية ، وظهرت محاولات تكوين كتلة ضاغطة باسم الغرب داخل أروقة المؤتمر ، وتأسيس هيكل مهلهل تحت مسمى " الكيان التنسيقي لولايات الغرب ".
وإن وضع المرء جانباً التكويشات السياسية والإدارية والإعلامية ؛ فمن العسير إن يتصور المرء مفهوم (غرب السودان) ذهنياً ويموقعه في مخيلته ، لأنه ملتبس حتى في تحديده الجغرافي ، وهو غرب لم يكن غرباً قبل الفتح التركي كما يقول المحامي اسحق شداد، وهو مفهوم قسري مفروض على الجميع من قبل سلطة الثقافة النيلية ، أي أنه نوع من إجبار الجغرافيا للتحدث باسم التاريخ كما يقول الباحث الفلسطيني مريد البرغوثي الذي شكا من غموض مصطلح (الضفة الغربية) وقال: " منذ عام 1967م تتحدث نشرات الأخبار عن (الضفة الغربية) ، لا يوجد ما يوضح (تلويث اللغة) أكثر مما يوضحه اصطلاح ( الضفة الغربية ) الذي عشنا معه سنوات دون تأمل مغزاه الحقيقي ضفة ماذا؟ وغربية بالنسبة لأي شرق؟ الإشارة هنا إلى نهر الأردن ، أي نحن ضفة نهر لا ضفة فلسطين ، ولو كانت الإشارة إلى فلسطين لتحدثوا عن الجزء الشرقي منها ، الضفة الغربية للنهر موضوع جغرافي وليست وطناً ولا بلداً"
فالعلة عينها يعتري مفهوم( غرب السودان)، لأن التصور الذهني يمتنع عن مطابقة الواقع السوسيو-ثقافي الماثل ؛ بالمقارنة مع مفهوم (جنوب السودان )مثلاً ، الذي تعرفه الحركة الشعبية بأنه"المناطق المأهولة بالزنوج والمزيج الأفريقي ويدينون على اختلافهم بالإسلام والمسيحية والديانات الأفريقية التقليدية وتشمل هذه المناطق الجنوب وأبيي وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق..." وهو تعريف سياسي وليس تعريفا جغرافياً للجنوب باعتراف الراحل جون قرنق نفسه . ورغم ما لهذا التعريف من تدليس وتكويش- بضم مناطق معروفة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً أنها جزء من شمال السودان بيد أنه اسلس وقعاً على الذهن من مفهوم ( غرب السودان )، لأن (الجنوب) ، رغم أنها كلمة يستدل بها على جهة جغرافية ؛ إلا إنها في إطار الثقافة السودانية مصطلح ذات سياق ومعنى. لذلك فإن (جنوب السودان) مفهوم ذات مدلول سوسيو ثقافي يحدد في كثير من أحيان معناه ذاتياً ، ليضفي على المواطن الجنوبي هوية مميزة في إطار النسيج السكاني الوطني الكلي بأنماطه المتعددة . لان المكان هو الانتماء الذي انطلق منه مسمى الجنوب الجغرافي ليعبر عن التميز والهوية والخصوصية التي تتباعد فيها المسافة عن الشعور الواصل مع الذاكرة الجماعية.
أما (غرب السودان) فيعجز الجميع عن تحديده ، حتى في نطاقه الجغرافي ، دعك عن السياق السوسيو ثقافي إذا تساءلنا مثلاً: من أين يبدأ (غرب السودان ) وإلى أين ينتهي؟ لا نجد إجابة لهذه التساؤلات إلا من بعض ذوي الذهنية التكويشية الذين قد يرمون في وجوهنا إجابات متسرعة من عينة: يبدأ من (المويلح) أو (الفتاشة))! ، أو من الشاطئ الغربي للنيل الأبيض مباشرة، وينتهي ربما إلى مغرب الشمس!. إنهم أناس سطحيون ليس في مقدورهم إعطاء مفهوم(غرب السودان ) معنى دقيقاً ، ويعجزون حتى عن تحديد حدوده الجغرافية ، لذلك يرد مفهوم (الغرب)في ألسنتهم في غاية من السيولة والتسيب ، ويفشل الذهن مهما قدح عن تمثيله بتعيين الحدود والتخوم .
وقد تولَّد عن مفهوم (غرب السودان) مصطلح (الغرَّابة) المسمى الجماعي لسكان (غرب السودان )! ولكن من حسن الطالع فأن محاولة تحديد ملامح الصورة النمطية (للغرابي) في الذهنية السودانية العامة أقل عسراً وعنتاً من أي جهد يمكن أن يبذل لتحديد مفهوم (الغرب) ، لان (الغرابي) معروف باسمه وسمته ولسانه وسحنته ، وقد وفي ملامحه أكثر (أفريقية) وفي لون بشرته أكثر سمرة ويتحدث الدارجة العربية السودانية بلكنة مميزة ، وغالباً ما يتجاهل فيها التقيد ببعض قواعد النحو ، مثل التذكير والتأنيث ،والمقاربة هنا دائماً مع (ابن النيل/ود البلد)! . وبقليل من التدقيق نجد أن هذه الصورة النمطية لا تنطبق إلا على سكان الغرب الأقصى الذي نسميه (دار فور) ولا ينسحب على سكان الغرب الأدنى الذي نسميه (كردفان) .
مثلما أن الغرب غير محدد جغرافياً فإن (الغرابة ) أيضاً غير محيزين ديموغرافياً ، لذلك يطلق مفهوم (الغرابة ) حتى على الشعوب التي تسكن إلى الغرب من دار فور ، إذ يقول عبد الله عبد الماجد إبراهيم بهذا الصدد : إن " كلمة الغرابة في سودان وادي النيل تطلق للدلالة على الشعوب القادمة من البلاد الواقعة غرب دارفور ويشمل التكرور والهوسا وسكان برنو ودار برقو" .
ويقفز معظم السياسيين والأكاديميين في السودان على هذا البعد الإشكالي لمفهوم (غرب السودان)، لأن تحديده سيحد من تحقيق مراميهم ، ولذلك غالباً ما ً يدلون بما يرغبون ، وإن كان لا يعكس ما هو كائن حقيقة ، مثلاً يقول المرحوم مكي على بلايل في إحدى مقالاته :" (...) إن الغرب بمحصلة حسابات الجغرافيا والتاريخ والتكوين السكاني يمثل نقطة الارتكاز الحقيقية لوحدة السودان (...) لا يوجد في الغرب أية تناقضات أساسية تبرر النزاعات الدامية التي تعوق الاستقرار والتنمية " وهي إفادة ليس فقط تتناقض تماماً مع كل المعطيات القائمة ؛ بل تناقض نفسها ، كيف تكون (النزاعات دامية) و(نقطة الارتكاز الحقيقية لوحدة السودان)؟. ويستمر مكي في الاستخدام العشوائي
للمصطلحات مثل (أبناء الغرب ) و(أرض الغرب) دون حرج أو تردد، إلا أنه عندما استخدم مصطلح (الشرق ) أضطر أن يفرز أي شرق يقصد وقال :"وما يقال عن الغرب يقال عن الشرق خاصة الجزء الجنوبي منه ..مناطق النيل الأزرق".
ويبدو أن وعي بعض الفاعلين بهلامية المصطلح الجغرافي (غرب السودان) يضطرهم إلى التنطع والحذلقة أحيانا، ها هو حامد تورين من دعاة (الغرب الكبير) عندما أعياه القدح الذهني لتصور الغرب الغائب ،اضطره إلى الاصطناع و الاختلاق إذ قول : الغرب هو كردفان ودارفور ولكن هذا يمثل الغرب الجغرافي أما الغرب الاجتماعي هو كل رقعة من أرض السودان فيها سكان غرب السودان أو الذين ينتمون إلى الغرب ثقافياً واجتماعياً وسياسياً ، هذا هو الغرب الاجتماعي والثقافي ويشكل ثلثي السودان (...) الغرب ليس عنصراً أو جنساً فهو السودان كله فيه الدماء الحامية والسامية والزنجية"(15) .و المؤسف حتى هذه الحذلقة الجوفاء ينسفه بصيحة شبيه بصرخة الشاعر الإنجليزي (روديارد كبيلنج" الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبداً ")ويقول : " غرب السودان لا يمكن إلا أن يكون غرباً والشرق لا يمكن إلا أن يكون شرقاً وكذلك جنوب السودان ". وقد كتب المحرر السياسي لصحيفة (الأزمنة) مرة قائلاً:" غرب السودان الذي تشكله ولايتا كردفان ودار فور الكبيرتان والذي تمثل " صرة السودان " وواسطة عقده جغرافيا واثنياً وهو المكان الوحيد في السودان الذي يصلح أن يكون مسرحاً لحوار الثقافات والأجناس السودانية" إنها حالة اغترابية تتقمص مزاج (الإنتلجنسيا) أثناء هبوط النوازل والمحن ويحاولون الهروب من الواقع المرير برصد آمالهم وأمانيهم ، أكثر من سرد الحقائق الماثلة ، والوقائع المتعينة ، ويتحدثون عما يجب أن يكون أكثر مما هو كائن .
ولكن من حسن الطالع أن ثمة قليل ممن حاولوا التنبيه إلى ما تكتنفه مصطلح (غرب السودان) من غموض والتباس ،وخطورة أخذه بعلاته دون تحديد أو تمحيص , من هؤلاء الباحث صديق البادي الذي يقول: " البعض يتحدث عن غرب السودان كأنه كتلة واحدة صماء بكماء ، ولكن الحقائق تؤكد أن غرب السودان لا تجمعه قبيلة واحدة فهو جماع قبائل كثيرة وعناصر مختلفة الجذور والأصول (...) ولايات غرب السودان الست واسعة الانتشار جغرافياً ولا يربط بينها رابط وعلى سيبل المثال فإن قبائل دار حامد والكبابيش والكواهلة والهواوير والمجانين هم بنو عمومة المُسلميَّة والأقرب وجدانياً لأمدرمان ، ويمكن أن يندمجوا وينصهروا بسهولة في المويلح وأمبدة وأمدرمان أكثر من اندماجهم في دارفور التي ربما اعتبروا فيها من الغرباء"
وفي تلخيص أكثر عمقاً ودقة يقول الصادق الفقيه:" لقد سألت أحد (الجلابة) الذين يعيشون في مدينة الفاشر في أقصى غرب السودان ، عندما رافقني في زيارة إلى متحف السلطان على دينار عام 1990م ، سألته عما يعنيه هذا الإرث التاريخي الذي خلفه علي دينار بالنسبة له ، فأجاب بلا تردد ، إن ما تركه علي دينار من شواهد شاخصة على عظمة دولته ومملكته ويعد مفخرة تاريخية لأهل دارفور مبتعداً بنفسه عن الارتباط العضوي أو وجداني بهذا الإرث التاريخي (الخاص)" . ويقيني أن هذا (الجلابي) نفسه إذا سئل رأيه عن الإرث الموجود في متحف (شيكان) في مدينة الأُبيِّض مثلاً ؛ لقال هذا إرث سوداني أصيل ، ولا شئ يدفعه بأن ينأى بنفسه.لأن كينونة الخصوصية والتميز التاريخي والثقافي والاجتماعي متوفرة في دارفور وغائبة في كردفان .
إذن، المعضلة الأساسية تتفرع من هنا ، الجمع القسري والتعسفي بين كردفان ودارفور أي( إجبار الجغرافيا للتحدث باسم التاريخ) كما ورد سابقاً .(الغرب) اتجاه جغرافي محض ،أما (كردفان ودارفور ) فكيانين إداريين تحويان في أحشائهما انساق اجتماعية وأنماط ثقافية وتجارب تاريخية متباينة تماماً ، ولا توجد أي وشيجة إضافية تقرن بينهما .
والغريب أن مؤلفي (الكتاب الأسود) وغيرهم من المولعين بالمنطق الجغرافي لم ينتبهوا إلى ما يجرَّه عليهم مثل هذا الجمع القسري بين كردفان ودارفور من متاعب ، وما يسببه لهم من خسارات سياسية ، ولو أخذنا أمثلة ومن التاريخ القريب فقط ، نجد كم من مرة انتفض الناس في دارفور ضد هذا الإلحاق الاعتباطي ، ففي عام 1980م عندما أصدر الرئيس الأسبق المرحوم جعفر نميري قراره الشهير بإنشاء (الإقليم الغربي)- (وقد ستخدم "الكتاب الأسود" ذات المصطلح على غرار الأقاليم : الشرقي والشمالي والجنوبي والأوسط ) وقرن كردفان بدارفور ،هبَّ نواب دارفور بمجلس الشعب القومي وتصدوا لهذا القرار الجائر ؛ حتى ظفروا في النهاية بقرار آخر يفك الارتباط بين الإقليمين. ولكن يبدو أن الرئيس لم يع الدرس جيداً ويستوعبه بالعمق المطلوب ،لذلك أردف خطأه السابق بآخر أكثر استفزازاً ،عندما أصدر قراراً بتعيين أحد أبناء كردفان ليكون حاكماً على دار فور ، هنا لم ينتظر الشعب في دار فور نوابه في الخرطوم ، وإنما قام بالانتفاضة المعروفة في يناير 1981م وتراجع الرئيس للمرة الثانية وعيَّن أحد أبناء دار فور حاكماً عليها.
إذن ليس ثمة خصوصية متعينة للعلاقة بين كردفان و دارفور الهم إلا المسافة والمساحة الجغرافية ، وهذه لتمثل قيمة إضافية لكردفان لتبتز القضارف أو سنار مثلاً في قربها عن دار فور ، لأنه لم يكن الاتجاه الجغرافي يوماً معياراً للجمع السوسيو ثقافي بين الأقاليم ، ولان جل نقاط الالتقاء والافتراق تقبع في هذا العمق السوسيو ثقافي ؛ فيمكننا تحديد أهم نقاط افتراق الإقليمين في الأبعاد التالية:
البُعد التاريخي
من الناحية التاريخية ؛ ظلت كردفان مرتبطة بالدولة السنارية واستمرت جزءاً منها ، منذ نشوء تلك الدولة في منتصف القرن السابع عشر متزامنة تماماً مع قيام سلطنة دارفور ، وقد هرمت سنار قبل دارفور ووهنت علاقات المركز بالأطراف ، مما مكنت عائلة نازحة من دارفور من إنشاء سلطة شبه مستقلة في كردفان عرفت بمملكة المسبعات ، وكانت هنالك صلة واهية وعلاقة اسمية بين دولة المسبعات وسلطنة دارفور ولكنها انقطعت بدخول قوات محمد بك الدفتردار كردفان عام 1821م، وبدء مشروع السودان الشرقي /النيلي ، الذي شمل حتى الجنوب بإنشاء مديرية خط الاستواء وقيام دولة البازنقر في بحر الغزال ، ولكن دارفور لم يكن جزءاً من هذا المشروع حتى غزوة الزبير باشا الجميعابي لها عام 1874م ، وضمها عنوة لذلك المشروع ، وظل أهل دار فور في حالة ثورة امتدت لربع قرن ؛ حتى تحرروا من الهيمنة النيلية كلياً عام 1899م إلا أن الإنجليز ولحساباتهم الخاصة أعادوا ضم دارفور م للسودان النيلي عام 1916م كآخر إقليم ينضم لهذا الكيان السياسي الجديد .
إن هذا المكون التاريخي ، تراث القرون الثلاثة من عمر سلطنة دارفور (1650-1916م) ، هو أساس خصوصية هذا الإقليم ، ولا يمكن تصور أي خصوصية لدارفور خارج إطار هذا التراث . ويعي أغلب الدارسين في حقل الدراسات الأفريقية هذه الخصوصية ، ولكن ثمة اضطراب وتباين فيما بينهم حول تعيين تموقع دارفور في الحزام السوداني وفق النسق التقسيمي المعروف لهذا الحزام ،أو بمعنى آخر : أهو من الأوفق جعلها ضمن (السودان الأوسط) أم نعدَّه من (الشرقي / النيلي)؟ ويبدو أحياناً كأن الخلاف يساير مشاريع الضم والفك، ولكن المؤكد أن كردفان لم تشهد أي جدال من هذا النوع ، لأنها في قرارة الجميع جزء أصيل من السودان النيلي .
أن اندماج إقليم كردفان في السودان الشرقي /النيلي حقيقة بديهية لا يقبل الجدال ، لان أرض (كردفال)- اسم كردفان بصيغته القديمة- هي بادية النيل الغربية ؛ كما هو سهل (البطانة) بمثابة بادية النيل الشرقية .ونعني بكردفان هنا شرق وشمال وغرب كردفان ؛ دون جنوبها المعروف ب(جبال النوبا) ؛وهي منطقة ذات خصوصية حصلت على اعتراف الجميع ، وتم تأطيرها وتقنينها في جميع الاتفاقات التي وقعت بين السلطة المركزية والحركات النوباوية ، متفردة أو متحالفة مع الحركات الجنوبية .
أما البنية السكانية في الأجزاء الأخرى من كردفان ؛ فهي تتكون إما من عرب أقحاح في القرى والبوادي أو عناصر مستعربة في المدن الكبيرة مثل( الأُبيِّض ، وأم روابة ، وبارا) حيث يقنطها أخلاط من القبائل النيلية (جلابة) وبقايا أتراك ومغاربة وأقباط وتكارنة ..الخ وهي ذات السمة الديموغرافية التي يتميز بها عموم المدن النيلية .
إن التميز والخصوصية الاجتماعية عادة ما تكون حساً شعبياً تسري في مفاصل المجتمع أفقياً ،وليس وعياً نخبوياً ينزل من علٍ، وهو سبب فيما نعتقد تبدد أصوات بعض النخب الكردفانية ،التي تحاول خلق التميز من العدم ، في البرية سدى وبلا صدى . إنه حس التميز والشعور بالخصوصية غير متوفر كلياً في المجتمع الكردفاني لأنه مستوعب بالكامل ، ثقافيا ووجدانيا ، في الكيان السوسيو ثقافي المركزي (النيلي) . كنت الحظ واستعجب للغضب والحنق الذي يعتري بعض الأفراد من دارفور تجاه ما يسمونه ب( تقاعس أهل كردفان في المشاركة في "الثورة" رغم أنهم مظلومون مثلنا ) !. أنهم أناس لا ينظرون إلى القضية إلا من أسطحها البرانية ،ويجعلونها محض ظلامات سياسية و مطالبات تنموية ، ويذرون ، أو يتجاهلون ، بعدها السوسيو ثقافي المعمق . وكان الدكتور منصور خالد بارئعاً في تعريفه لمصطلح "الشماليين" عندما قال :" أعني بالشماليين العناصر المسيسة التي تعيش في المراكز الحضرية وشبه حضرية في الشمالية والخرطوم والوسط والجزيرة والنيل الأزرق والأبيض وكردفان"(
إن الفرد الكردفاني لا يستسيغ أن ينعت بأنه (الغرابي) ، و لا يميل إلى التميز عن المحيط الاجتماعي النيلي ، ولا يخجل أو يرى خللا في ارتباطه الوثيق بمنظومة الثقافة النيلية ؛ بل هو محق عندما يرى الخلل في محاولة دفعه للاتجاه غربا ، وتوطينه في مجال ثقافي مغاير
حدثني من أثق في قوله إنه في العهد المايوي عقد بمدينة كادقلي في جنوب كردفان مؤتمراً تداولياً عن (تفعيل الموارد الذاتية للأقاليم ) وعند استعراض التوصيات تقدم أحد المسؤولين من كردفان اقتراحا غربياً وهو أن يتبرع إقليم كردفان بملغ مليون جنيه لدعم موازنة (الإقليم الشمالي) قلت-يقول محدثي-لأقرب جلسائي ماذا يحدث؟ردّ عليّ قائلاً " يا زول ذبذبة ناس دارفور دي ماعوزنها ! قروشنا وأديناها للشمالية أنت مالك؟!" قارن هذه الحادثة بالغلط الذي حدث عندما تبرعت حكومة ولاية دارفور بملغ 500مليون جنيه للصندوق القومي لدعم الشريعة!.
يمثل الفلكلور والتصوف معا أهم ركائز (الثقافة السودانية) إذ تتجلى المظاهر الفلكلورية أكثر في الثقافة الأطراف في صور من الموروثات المادية مثل الأزياء والمنتجات الحرفية أو غير المادية مثل الأغاني والحكايات ، بينما بنيان الثقافة النيلية هو (التراث الصوفي)الذي يسيطر على جميع جوانب الحياة الثقافية ومن هنا يمكننا أن نحدد نقطة الافتراق الثقافي بين كردفان ودارفور حيث تنتشر الطرق الصوفية في كردفان وتنعدم في دارفور . ولعل من أوضح نقاط الافتراق الثقافي ما يتجلى من تباين في وظيفة مؤسسة (الخلوة) في كل من الإقليمين، إذ تقوم الخلاوى في دار فور على التجريد الكلي ولا وظيفة أخرى لها إلا تحفيظ القرآن الكريم بينما وضع الخلوة في كردفان مختلف كلياً ومماثل تماماً لأوضاع الخلاوى في الأقاليم النيلية حيث يركزون على تعليم الصبية المدائح النبوية والأوراد الصوفية ولا يعرون اهتماماً كبيرا بتحفيظ القران الكريم وتدريس الفقه .ويعرف الناس عن الخلاوى الكردفانية مثل خلوة الشيخ البرعي ب(الزريبة) وخلوة الشيخ عبد الله ود العجوز ب(الرهد) وخلوة الشيخ محمد أحمد أبوعزة ب(ود عشانة)..الخ بأنها معاهد تخرج فرق المتصوفين والمداحين وأكثر من تخريج الحُفاظ و الوعاظ .
ولغياب الطرق الصوفية ،لم يلعب التصوف أي دور في تشكيل العقلي والنفسي للإنسان الدارفوري ولم تساهم في تكوينه الثقافي ، باستثناء (الطريقة التيجانية) وهي من أقل الطرق طقوساً وأقربها للمذاهب الشرعية التي يتبعها بعض سكان المناطق الحضرية الذين احتكوا بالثقافة (النيلية /الكردفانية ) ؛ من الصعب أن تجد شخصا في دارفور يمكنه فقه الأوراد الصوفية أو تذوق فن المدائح النبوية ، وبل قد تصاب الغالبية بالذهول إذا علمت أن النيليين والكردفانيين يعتبرون هذه المدائح جزء من (الثقافة الدينة).
يروى في هذا الإطار أن رجلاً أتى من دارفور إلى وسط السودان ودخل أحد مساجد فإذا بقوم (يرقصون) حول أحدهم يضرب بالدف فخرج صائحا يتساءل: يا إلهي لماذا يلعبون النقارة في الجامع؟! إن (العرضة) التي يؤديها المتصوفة في المناسبات الدينية ويؤديها بعض كبار المسئولين في المناسبات العامة ويتجاوب معها الجماهير النيلية والكردفانية يصعب على الإنسان الدارفوري العادي أن يستوعبها لأنه لا يلحقها برموز دينية أو سجايا فروسية لأن هذه المجالات -وفق ثقافته- جادة لا (لعب) فيها ولا (رقص).
وللارتباط الوثيق بين المدائح النبوية والأغاني السودانية الحديثة أصيبت الذائقة الفنية في دارفور بالكساح والإعاقة الدائمة لأنها غير قادرة على تجاوز سطوة سلطة الثقافة النيلية ولا تستطيع الإندماج والتثاقف معها لضعف الآليات والميكانيزمات الدافعة والجاذبة نحو الاستيعاب الكلي كما جرى لأهل كردفان ،وهو السبب المباشر في عدم بروز أي مطرب مشهور على المستوى القومي من دارفور ، لأن جل الفاعلين في هذا الميدان ، من المؤلفين والملحنين ، يستقون نصوصهم المغناة من تمثلات الثقافة النهرية و مرموزات الموروث التاريخي النيلي ، ولتلبية المطلوبات الفنية التي تتوافق مع التكوين النفسي والمزاجي للكلية الوجدانية (الذائقة) النيلية . ويمكن ملاحظة كثير من هذه المفردات تتمظهر حتى في السلوك اليومي العادي . وهو أمر الذي استوقف حتى مؤلفي(الكتاب الأسود) إذ هاجموا المسؤولين الذين يسقطون رموز ثقافتهم على لغة (العمل العام) التي يجب أن تكون محايدة وذلك في بقولهم : "حلفان بالطلاق وكذلك بحياة الشيخ الفلاني"!.
يقول مؤلف (الكتاب الأبيض)-الذي ألفه رداً على (الكتاب الأسود) -" إنني أعرف كثيراً من الفنانين والفنانات درجة أولى من أبناء الغرب يسمعوننا كثيراً من الأغاني التي تعكس ثقافة الغرب وكذلك يتغنون بأغاني الأقاليم الأخرى وأنا أعرف أيضاً كثير من الفنانين الذين هم ليسوا من الغرب يتغنون بأغاني من الغرب"(21). ومن الواضح إن هذا المسكين قد وقع في شرك قرن دارفور بكردفان وهو لا يقصد إلا فنانين من كردفان حيث لا يختلف الإيقاع ولا النغم عن الأغاني النيلية إلا في النسبة .
والمؤسف أن يقع صحفي في قامة عبد الله آدم خاطر في نفس الشرك عندما يقول " .. بحكم الاهتمام الثقافي والانتماء للغرب سعدت جداً ما جرى بين المطربين (عبد القادر سالم وعمر إحساس) استطاعا (...) أن يحسنا تقديم ثقافتنا في الغرب كمعادل قومي في مجال التطريب العاطفي (...) بعد تقديم مداخلات غنائية متنوعة إن العطاء الثقافي بين الغربين الأوسط (كردفان ) والأقصى ( دارفور) متكامل وخطوط التناغم بينهما واضحة"(22) . ومن الواضح أن الكاتب هنا يتحدث عما يعرف بإيقاع (حزام البقارة)، وهو إيقاع قائم بذاته ، ويصعب اعتباره رابطاً أو جامعاً لثقافتي دارفور و كردفان ،وليس ثمة شيء يمكن تسميته ب( ثقافة الغرب). ويقيني أن كثيراً من الباحثين الأكاديميين المتمرسين عندما يستخدمون مفهوم (ثقافة غرب السودان ) أنما يقصدون ( ثقافة دارفور) ، مثلاً عندما يقول الباحث الفلكلوري المعروف حاج بلال عمر( من جامعة الخرطوم) : "ثقافة غرب السودان (...)لا يمكن القول إنها ثقافة عربية إسلامية(...)على الرغم من أن سكان تلك البقاع مسلمون ،فيهم مسلمون عرب ومسلمون غير عرب وهؤلاء وأولئك لديهم سمات هي خليط من العربية والأفريقية مما أوجد ثقافة نصفية ويمكن أن نتحدث في الغرب عن (الإسلام الأفريقي)"(23) .ولا نتصور أن باحثاً ضليعاً مثل حاج بلال يخلط المفاهيم إلى حد يصف الإسلام في كردفان(بدون جبال النوبا بالطبع) بأنه (الأفريقي ) ، إذن ، هذه الوصفة لا تنطبق إلا على دارفور ولا تتوفر أي من السمات المذكورة في الفضاء الثقافي الكردفاني .
صفوة القول ، إن هذا الالتباس العظيم في مدلول مفهوم( غرب السودان) قد ساهم في انخفاض القيمة العلمية لأطروحات (الكتاب الأسود) وعملياً قد أضر الربط بقضايا الإقليمين معاً ،في حالة دارفور مثلاً فإن اختزال اسم مملكة عاشت أكثر من ثلاثة قرون ومازال إرثها الحضاري حي في القلوب وحاضر في الأذهان إلى مجرد اتجاه جغرافي غير محدد المعالم أدى إلى تمييع قضاياها العادلة وتعويمها مع القضايا الوطنية العامة التي لا تتمتع بأي ميزة إضافية . وقد بذلت الحركات المسلحة في دارفور خاصة (حركة العدل والمساواة) التي تضم عدداً من مؤلفي ( الكتاب الأسود) ضمن قيادتها جهودا خارقة لنقل الحرب إلى كردفان محاولة تأسيس حركة مسلحة باسم (شهامة) في مناطق المسيرية ، والهجوم على الميرم والغبيش وحمرة الشيخ ..الخ ولكن كلها باءت بالفشل الذريع لأن الحاضنة الاجتماعية الكردفانية ليست متوافقة مع الأطروحات الدارفورية فقط بل هي معادية لها، لذلك وقفت سدا منيعاً أمام كل تلك المحاولات اليائسة .
ثالثاً: مفهوم (شرق السودان/ الإقليم الشرقي)
من المفاهيم التي استخدمها (الكتاب الأسود )بكثرة و لكن بدون ضبط أو تحديد؛ مفهوم (شرق السودان ) أو (الإقليم الشرقي ) ، وإذا قررنا أن "نُشرَّقِنْ" الشرق- بلغة الراحل إدوارد سعيد- في المخيلة الجغرافية السودانية ، فثمة هنالك هوة كبيرة جداً بين الاصطلاح الإداري والمعنى السوسيوثقافي لمفهوم (شرق السودان). فمن الناحية الإدارية المحضة فإنك في الشرق حال عبورك نهر الرهد (قهوة خيارى) ولكن من المؤكد ستظل بدون شرق!، ذلك (الشرق) الذي يرتسم في ذهن كل سوداني ، سيظل مختفياً حتى تدخل بلدة (درديب) أو (أروما) قد تجد علامات له في كسلا ولكن غير كافية لتمثل الشرق بشكل مطابق للصورة الذهنية
في دلتا نهر القاش على الأقل.عندها يشرق الشرق ، الشرق الذي يعبر عنه بكثير من الرموز الثقافية والعلامات الفلكلورية مثل ارتداء الصديري والسروال (أبوتكة)، وتأبط العصا المعقوفة(المعكوفة) ، وتمنطق السيف المستقيم ،ووضع (الخُلال) في الشعر المودَّق ،ورقصة الرقبة ، وبيت السعف ، ولغة (البداويت) ،وال(دابيوا) (ماهوك) ، والدراجة العربية المميزة ، والأعلام المسبوقة بالأسماء الإناث (أبو آمنة)، (أبو فاطمة) ، (أبوحواء)...الخ والولاء للطريقة الختمية. هذه هي الصورة النمطية للشرق أو إنسان الشرق أو بالجملة ال(أدروب) الذي هو رمز أصيل في الثقافة السودانية المركزية ، حيث تستمد منه الثقافة النهرية كثير من النكات الفلكلورية والصور الكاريكاتورية التي توظف لأغراض الاستظراف والتسلية ، وهو هزل مقبول من كلا الطرفين لعدم وجود إي إحن تاريخية ،أو خبرات وتراكمات ثقافية واجتماعية مؤلمة كتلك التي ذرتها مقابلة (أولاد البلد -أولاد الغرب) التي من سهل استعادتها في حال أية محاولة (للتنكيت) على (ود الغرب )الذي قد يفسرها من باب (التحقير) والازدراء الذي جبل عليه (ود البلد).
وإذا أنحدر المرء من السهل الشرقي إلى ساحل البحر الأحمر يجد أن حضور الرموز الشرقية يبدأ في الاضمحلال وتلاشي ، خاصة في المدن القومية الكبيرة مثل بورتسودان وسواكن لتصبح بؤراً صغيرة تظهر هنا وهناك. إذن الشرق الذي في الأذهان هو منطقة (تلال البحر الأحمر ) ، أي ديار الهدندوة حصراً ، لا يشمل السهل ولا الساحل ، وليس الشرق الجغرافي /الإداري الذي أشير إليه في (الكتاب الأسود). وهي المنطقة التي تعاني من معضلة تنموية حقيقية وتنطبق عليها منطق (التهميش) السائد في السودان ،إذ تعتبر منطقة الهدندوة من أقل المناطق نموا في السودان إذ أن أكثر من 80% من أفرادها يعيشون تحت خط الفقر. والهدندوة قوم تقوقعوا في تلالهم حتى تقلص تناسلهم الطبيعي وتجمد حراكهم الاجتماعي ، و تبدي بعض الدراسات تخوفها بأن يكون شعب الهدندوة في عداد الشعوب المتراجعة مثل شعب (الأدوك) في جنوب النيل الأزرق الذي تراجع عدد نفوسه من ثلاثين ألف إلى ثلاثة آلاف نسمة فقط خلال السبعين سنة الماضية ومن الآيات الدالة على تراجع هذا الشعب هو أن 20%من أفراده مصابون بداء (الدرن) المهلك ، وهو مجتمع قليل العدد أصلاً ، إذ لا يتجاوز عدد أفراده عن نصف مليون .
ومن الظواهر الأنثروبولوجية المألوفة أنه في حالة تراجع شعب عريق تجد أن شعباً طارئاً يتقدم ليملأ الفراغ ويحل محله ،لذلك في الوقت الذي يتراجع الهدندوة نجد أن الرشايدة أو الزبيدية يتقدمون ، وهم يمثلون أحدث هجرة عربية عبرت من الجزيرة العربية إلى السودان . وعلى الرغم من أنها مجموعة محافظة ثقافياً ومتحوصلة إثنياً إذ يستحيل اختراقها والمساس ببنيتها الإجتماعية ، وهي ترفض الإدماج والاستيعاب حتى بالوسائل المشروعة مثل التعليم الحديث ؛ بيدها أنها نشطة اقتصادياً بشكل مدهش ، وهي ثرية جداً ، إذ تمتلك كميات هائلة من قطعان الإبل وقد تخصصوا في شبكات تهريب السلع ، (الحميدة) منها مثل: ( الأقمشة ، العطور ،المواد الغذائية ) عبر البحر من المملكة العربية السعودية ، فضلا عن احتكارهم تهريب العمال غير الشرعيين ، وتهريب السلع (الخبيثة) مثل ( الخمور ، الدخان ، المخدرات) عن طريق البر من دولة أرتريا . وعندما حاولت السلطات محاربة هذه الظاهرة كانت الرشايدة أقوى من أن تحاربهم دولة مركزية مهلهلة مثل السودان في أوضاعه الحالية ، إذ شكلت قوة عسكرية مسلحة لحماية هذا النشاط الذي يمثل أحد أعمدة ثرائها تحت اسم (الأسود الحرة)!. وفي الوقت الذي تعانت جبهة (مؤتمر البجة) المسلحة من مشاكل حاضتنها الإجتماعية (الهدندوة) مثلت (الأسود الحرة) قوة حية وقوية فيما سميت ب(جبهة الشرق) وتهافتت الحركات المسلحة في دار فور للتحالف معها باعتبارها حركة تدافع عن حقوق الرشايدة (المهمشين)! والمفارقة إنها تدافع عن حالة الانعزال والحقوق المكتسبة بما فيها التهريب ، فهم قوم جواز السفر وحده يرمز لسودانيتهم ، حتى عندما يتحدثون يستخدمون تعبيرات مثل (زبيدي ولا سوداني ) .
لأسباب تاريخية وثقافية واثنية فإن الصورة النمطية للشرق تكاد تبعد حتى العناصر الشرقية الأخرى مثل البني عامر وذلك لنشاطهم الجم وحراكهم الاجتماعي الصاعد وسرعة تأثرهم بالثقافة المركزية وموقفهم الإيجابي من التدامج في النسيج القومي.
وعلى الرغم من أننا نطلق مفهوم (البجة) على كلا العنصرين إلا أن التباينات بينهما كثيرة ، فالبني عامر ينتمون للعرق السامي بينما الهدندوة من الجنس الحامي ، والعلاقة بين المجموعتين تقوم على الصراع والمناكفة إذ تعتبر كل منهما نفسها الأكبر والأكثر انتشاراً وسيطر (للشرق ) الأمر ساعد في ذيوع المفهوم الجغرافي الشرق أكثر من المفهوم السوسيوثقافي.ففي جدال دار بين كاتبين من أبناء البجة أحدهما من البني عامر والثاني من الهدندوة يقول الأول " حدود الشرق تمتد من نهر عطبرة جنوباً إلى بئر شلاتين عند الحدود المصرية شمالاً ومن همشكوريب شرقاً إلى حدود ولاية نهر النيل غرباً , يمثل البجة 90% من السكان بينهم 60% من البني عامر "(ويرد عليه الهدندوي " قبائل الهدندوة تغطي أكثر مساحة الشرق حيث يمتد وجودها من خزان خشم القربة جنوباً وحتى الحدود المصرية شمالاً ومن ضفاف نهر عطبرة غرباً ؟إلى ساحل البحر الأحمر شرقاً وأكثر من 70% من سكان الشرق هدندوة"
وكما ثمة محاولات لمطابقة مفهوم ( إقليم البجة) التاريخي بمفهوم (الإقليم الشرقي )الحديث ، وقد" اتفق المؤرخون أن حدود البجة تبدأ من المناطق القربية من مدينة شندي (بعلوك) على شرق النيل وحتى أسوان في مصر ومصوع في أرتريا" ولكن هذا التحديد التاريخي أبعد ما يكون عن مدلول المفهوم الحالي للشرق . بيد أن الجانب الإيجابي في كل هذه التحديدات إنها أخرجت (كتلة القلابات) التاريخية التي نسميها الآن ب(القضارف) من نطاق الشرق واستساغ النسق إلى حد ما ، إذ تختفي المظاهر الشرقية من هذه الكتلة تماماً ،ولو تواضعوا قليلاً واخرجوا ( كتلة التاكا) التاريخية التي نسميها (كسلا)، التي لا نجد فيها إلا القليل من المظاهر الشرقية ؛ لاتسق التمثل الذهني بالكامل مع الواقع القائم ، باعتبار ان هاتين الكتلتين تمثلان مثالاً للتدامج القومي ، ثقافياً وديموغرافياً ، مع الوسط النيلي منذ الدولة السنارية .
إذن عندما يقول مؤلفو (الكتاب الأسود) أن (الإقليم الشرقي) قد لحق به مظلوم وحيف وتهميش بالإطلاق والتعميم وبدون التحديد والتخصيص،يصبح الافتراض غير واقعي ولا يقنع أحداً ؛ لأن هنالك من يرى أن بعض مناطقه تحظى ب(المحاباة)والتحيز لها ، نجد مثلاً حتى لعهد قريب أن المدينتين القضارف وكسلا وبعض البلدات التابعة لهما تتمتع بالطاقة الكهربائية المستديمة من ما يسمى ب(الشبكة القومية )،وهو الجزء الوحيد من السودان خارج إقليم الوسط ، ويشمل :(النيليين الأبيض والأزرق والجزيرة والخرطوم) يحوز على هذه الخدمة المهمة من مصدر شبه دائم حتى قبل بضع سنوات على الأقل ، فضلاً عن أن عملية إعادة توطين النوبة في نهر عطبرة (حلفا الجديدة)قد أحدثت حراكاً تنموياً وديموغرافياً وجعلت الإقليم أكثر التصاقاً بالنيل .
رابعاً: مفهوم (الشمالية/ الإقليم الشمالي)
إن الثيمة(Theme) الأساسية و الفكرة المركزية التي تمحورت حولها أطروحة (الكتاب الأسود) تتمثل في فرض مؤداه أن أبناء (الإقليم الشمالي) يستحوذون على السلطة والثروة منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا. "لم يحكم رئيس من خارج هذا الإقليم قط منذ فجر الاستقلال حتى اليوم"(27) وقد تمت معالجة جل القضايا انطلاقاً من هذا المنظور القاصر , ولم يخضع البيانات والمعطيات لعزياتها التاريخية والاجتماعية ومعالجة ديناميات تشكل المجتمع السوداني مذ قيام الدولة الحديثة .إن حصر النقاش في حيز الجغرافي الضيق اسمه (الشمالية) قد أفقد الفرضية فرص التحليل الموضوعي الذي يفضي إلى نتائج علمية . لأن حقائق التاريخ والمعطيات الاجتماعية أعتى من أن تنهزم أمام هذا المنطق الصوري ؛وأمام هذا القصور بيِّن، حتى لأنفسهم ، كثيراً ما يضطرون إلى تخريجات أكثر بؤساً وذلك مثل قولهم " إسماعيل الأزهري ومحمد احمد محجوب والصادق المهدي وعبد الرحمن سوار الذهب والجزولي دفع الله .. أصولهم قادمة من الشمالية" ، وهي أصول قد تعود بعضها إلى الجد الخامس.
ويعتبر هذا المنطق الصوري(السفسطائي )الذي قام عليه الكتاب هو نقطة الضعف المركزية فيه , وكان بقليل من تكبد العناء وتجشم العنت يمكن فحص الأرشيف التاريخي وتحليل الأدب المتراكم حول قضايا التهميش والظلم والإهمال التي تعرضت لها أطراف السودان للعثور على مصطلحات ومفاهيم أكثر دلالة وأدق تعبيراً وأحكم تصويراً لوصف المجموعات المحتكرة للسلطة والمهيمنة على الثروة في السودان .
ثمة مصطلحات كثيرة يعج بها هذا الأدب يمكن الانتخاب من بينها ما هو مناسب مثل: (المجموعة النهرية)و(الكتلة النيلية) و(جماعة الوسط النيلي)..الخ عوض التشبث بالاتجاه الجغرافي الفضفاض ( الشمال). ونجدهم حيثما يشعرون بضعف حجتهم يلجئون إلى التخريجات السطحية من جنس" وقد أرجعنا الولاة إلى أصولهم الأولى" و " ..وأن تم اختيارهم من الوسط فهم أصول قادمة من الإقليم الشمالي"(. إن هذا التحديد غير الموضوعي قد أوقعهم في كثير من التناقضات ، حيث أن من بديهيات التخلف والتطور ألا تقوم على الفرض الجغرافي الصارم ،أمر الذي يضطرهم أحياناً للعودة إلى الجادة الطبيعية والمسار المنطقي ، وإدخال بعض الاستثناءات في السياق مثل قولهم :" ..فإذا استثنينا الجنوب لظروفه فإننا نجد التنمية قد انحصرت في الشمال والخرطوم وجزء من الوسط وجزء من البحر الأحمر( للضرورة)"وقولهم "..المادة الإعلامية المقدمة طوال ساعات البث الإذاعي والتلفازي تتناول وتعالج القضايا وفق منظور الشمال والوسط" و" تمركزت الخدمات التعليمية في الخرطوم وأجزاء من الوسط"(و" تمركزت الخدمات في الوسط" و" .. تركزت كل السلطات في الشمال والوسط وأفرزت نزوح مجموعات من الولايات إلى الوسط وجزء من الشمال". ففي كل هذه النصوص يأتي (الشمال) دائماً مقروناً ب(الوسط)، وهو صنيع يتسق مع الفرض التقليدي بأن المنطقة المتهمة بالاستئثار على السلطة والثروة هي المعروفة ب(المثلث الذهبي) والذي قاعدته خط سكة حديد الذي يربط كوستي بسنار أو خط وهمي يربط الجبلين بالدمازين ، ورأسه في حلفا القديمة ، ولكن البعض يرى إخراج (الشمالية) من دائرة الاستئثار ووضعها في خانة التهميش عكس فرضية (الكتاب الأسود) ليكون رأس المثلث في الخرطوم. أما ضلعيه فيمتدان شرق وغرب النيل بمساحات ومسافات غير محددة؛ ليضم الشرقي كتلتي القلابات والتاكا ، والغربي سهل (كردفال) ؛ أي المنطقة التي درج أهل دارفور على أن يطلقوا على سكانها الاسم الجماعي (الجلابة). والجلابة في تعريف مختار عجوبة هم: "كل من ينتمي سكناً أو عرقاً إلى حوض النيل من الجبلين إلى الحدود لمصرية ومن ولاَّهم بالثقافة أو المصاهرة من القبائل البدوية المجاورة لهم" ، ويعرفهم عبد الله على إبراهيم بأنهم الجماعات التي تعيش على النيل والإقليم الأوسط والتي هيمنت ولا تزال على مقاليد الأمور في البلاد(37) فهم يميزون أنفسهم تاريخياً بأنهم (أولاد البلد)أو (العرب).
إذن هذه المنطقة بمثابة كتلة سوسيو ثقافية واحدة صماء يستحيل تفكيكها(بالمعنى الحرفي) إلى أجزاء متمايزة ومتناظرة. حتى مظاهر التخلف والتقدم التي تتجلى على بعض الأجزاء منها فهي نسبية ؛ إذ لا تظهر علاقة سببية بين التنمية الاقتصادية والتمثيل السياسي ، بمعنى أن في وعي سكان الأقل تمثيلاً سياسياً ولكنه حاز بشيء من التنمية أي ترسبات الشعور بالغبن والتهميش. عندما سئل عبد الله حمدنا الله عن تفسيره التاريخي للظاهرة التي تحدث عنها (الكتاب الأسود) وهي أن السلطة والمال في السودان ظل حكراً لثلاثة قبائل فقط؟ أجاب بقوله" أولاً أنا من منطقة الوسط ومن منطقة مثقفة جداً ...وقد أهملت طويلاً في التمثيل السياسي ولكن رغم ذلك لا أشعر بالغبن لأن الغبن يظهر حينما يشعر الإنسان بالحرمان" والمنطقة الوسطى لا تعاني من الحرمان.
وقد استخدم منصور خالد مصطلحات أكثر دقة لتوصيف حالة (استئثار/حرمان) التي تحدث عنها (الكتاب الأسود) في قوله : ".. فالصراع يجب أن لا ينظر إليه كصراع بين الشمال المستأثر بكل شئ والجنوب محروم من كل شئ وإنما بين المعدمين في الشمال والجنوب والشرق والغرب وبين طبقة اجتماعية في الشمال النيلي سيطرت على الاقتصاد والحكم وكرست النمط التنموي الموروث من عهد الاستعمار ونمت بين هذه الطبقة الاجتماعية وأهل الحكم علاقات مصلحية في أغلب الأحيان وطفيلية في بعضها(...)اهتم الاستعمار بموارد وسط السودان (المواد الخام التي كانت تحتاجها الصناعة) فأنشأ واهتم بمزارع القطن في الجزيرة والسكك الحديدية للربط بين المناطق عضوياً , وشرع في استثمار ثروات المناطق التي يمكن أن يحقق له أقصى جدوى اقتصادية مع إهمال تام للأطراف لذلك ورث الوسط العروبي الإسلامي أو الشمال النيلي -بمعناه الواسع- الإمكانات الاقتصادية ، وتضاعفت أسباب التخلف ونتائجه ليس في الجنوب فحسب و إنما في أقصى الشمال والشرق والغرب"
على الرغم من الوضوح وبديهية عدم إمكانية فصل شمال السودان عن وسطه تاريخياً وثقافياً ووظيفياً ؛ إلا أن (جماعة طلاب العدالة) ومؤلفي (الكتاب الأسود) تمسكوا بهذا الفرض الساذج للنهاية ، وأصروا بغباء على أن الظلم قد حاق حتى بالجزيرة والخرطوم ، ومحاولة طمس البديهية بالمنطق الشكلي " ولا يفوتنا أن نذكر أن جميع ممثلي الخرطوم أصولهم من الشمالية"(39) .
ولعل من أكثر الصفحات الكتاب ساذجة تلك المقاربة التي جرت حول عزل والي الخرطوم ابن الخرطوم (بدر الدين طه) وتنصيب (مجذوب الخليفة ) ابن شندي ؛ والتي لا تبعد عن الخرطوم سوى 50كلم وذلك في قولهم " والي الخرطوم السابق السيد بدر الدين طه وهو من أبناء الولاية (...) فكان لابد من الترصد له وإحصاء إخفاقاته وتضخيمها وإخراجها في صورة تنتهي بإعفائه وتعيين د. مجذوب الخليفة والياً بديلاً عنه وهو الذي تولى كبر صياغة المسرحية وإخراجها وهو (جعلتي) متعصب للجعلية أكثر من الجعليين أنفسهم" [يقول مختار عجوبة أن القصد من كلمة (جعلتي) إنهم " يسخرون من أصول مجذوب الخليفة الحلنقية (قبيلة تسكن مدينة كسلا)فيصفونه بجعلتي كناية عن الانتماء إلى إرتريا" باعتبار أن عدداً من اللاجئين الإرتريين عندما يتم التحري معهم في مسائل الإقامة يزعمون أنهم سودانيون من قبيلة الجعليين ولعدم معرفتهم بقواعد اللغة العربية يقول أحدهم "أنا جعلتي "بدلاً عن "جعلي"!. ]. وهي مقاربة قد انحطت بمنطق الكتاب إلى الحضيض من فرط بساطتها وشكليتها ؛ إذ كيف يمكن الفصل بين الخرطوم وشندي ؟
أن الخلط المفاهيم والمقاربات العفوية في التحليل نتجت أحياناً عن عمد وإصرار ولغرض التوظيف السياسي ، الأمر الذي نتج عنه هشاشة البناء الفكري للحركات المسلحة ؛حركة العدل والمساواة ، التي اعتمدت بشكل كلي على أطروحات (الكتاب الأسود) وكان حصادها الحصرم وقرط القتات .
ورغم أنه لا معنى لمثل هذا السؤال الآن بعد أن كشف المؤلفون أنفسهم ؛ ولكن لفائدة توثيق الجدل الثر الذي دار إبان صدور الكتاب عن طبيعة المؤلفين وعن أغراضهم الظاهرة والباطنة ، ولجهة القيمة التاريخية لرصد مثل هذه الأجواء التي ترافق اللحظات الحرجة ، إذن؛ لا غرو من سرد بعض تلك النقاشات وتحليلها ومحاولة اكتشاف المرجعيات التي تستند إليها والمرامي التي تحدوها .
لقد صدر فيما بعد منشور سري يحمل أسماءً يزعم كاتبه بأنهم من مؤلفي (الكتاب الأسود) وجلهم من أبناء دارفور ،والكثير من القرائن التي ظهرت لاحقاً أمكنتنا من تؤكد اشتراك بعض الأسماء بينما مازلنا نستعبد بعض الأخر.
قبل الاعتراف الصريح ( خاصة من قادة حركة العدل والمساواة )قد أجمعت أغلب التعليقات على أن طائفة مغبونة من أعضاء المؤتمر الوطني الذين التزموا جانب أمينه العام الدكتور حسن عبد الله الترابي هي التي قامت بتأليف الكتاب.وكان أهم الحجج المقدمة لتدليل على ذلك تناغم لغة الكتاب مع الخطاب المعهود للجبهة الإسلامية القومية مثل الهجوم الشديد على الطائفية " (...) الإرادة الشعبية وصوتها تمحورا في قطبين طائفيين (...) تسلماها على أطباق من الذهب ، وبدأت كل قيادة تحسس سبل الاستفادة من هذه القوة الجديدة ،في استدوام السلطة عندها، بعد الوصول بها إلى سدتها فبدأت ظاهرة تصدير النواب بأمر السادة إلى مناطق الولاءات العمياء ، إغلاقا لأي باب أو كوة يمكن أن يتسلل خيط ضوء فاضح لذلك الاستغلال والاستغفال". وبالإضافة إلى التحسر على (الإنقاذ) التي أكلت بنيها " وقد هدمت الإنقاذ ما بنته من سنين.. أسقطت الراية التي جمعت لها أهل السودان "(41) . وبل استخدم الكتاب نصوص ومفردات أيديولوجية حصرية للجبهة الإسلامية كما ورد في قولهم: " (...)أن يكون الحكم رسالياً : بمعنى أن يكون كل شئ لله ، أي وسيلة للتعبد والقربى لله تعالى ويتوخى الجميع فيه لأنفسهم مقام القدوة الحسنة وان يمارس الحكم تعبداً يرتفع به إلى مقام الإحسان ..ويكون الحكم وسيلة لبسط شرعة الله " .وفي قولهم :"(...) فالعالم الإسلامي اليوم متعلق الأنظار بالسودان وارتبطت أشواقه بنجاح التجربة في السودان"
لأن انشقاق المؤتمر الوطني قد سحب معه تداعيات إثنية وجهوية فإن بعض المعلقين أخذوا يركزون على هذا البعد مثل عبد اللطيف البوني الذي يقول :" أنه بهذا الكتاب قد وصل صراع الاثنيات والجهويات في السودان مدى ما كان سيصله لولا الصراع الدائر في داخل حزب المؤتمر الوطن ، الحزب الحاكم " ويضيف في موضع آخر " قد لا نبعد النجعة إذا قلنا إن هذا إفراز الصراع الذي دار بين القصر والمنشية"). ويقول تاج السر محمد صالح " إن ما ورد في (الكتاب الأسود) هو نوع من استخدام الكروت الضاغطة في معركة المؤتمر الوطني حيث يريد التيار الذي خارج السلطة أن يقض بها مضاجع من هم في السلطة بإثارة الفتن والقضايا الحرجة دون موضوعية ،والذين دفعوا بهذا الكتاب (...) لم يقصدوا المصلحة العامة لخدمة قضايا المظاليم المثارة في الريف ضد المركز ، وإنما قصدوا الصراع حول كعكة السلطة"(. ويضيف الهندي عز الدين " ما من شك أن الذين أصدروا (الكتاب الأسود) ينتمون إلى قبيلة الإسلاميين الموثوقين تنظيمياً والمأمونين على سر اللعبة(...) والمدخرين لليوم الأسود" . أما محمد إبراهيم الشوش فيذكر الترابي بالاسم ويحمل جناحه مسئولية تأليف الكتاب فيقول :" أن أصابع المحللين كلها تشير إلى جناح الدكتور حسن الترابي [هو الذي ألف الكتاب] في إطار الصراع حول السلطة ، ولو صدقت هذه التهمة لكانت وصمة عار وسبة الدهر في تاريخ رجل يقود حركة منسوبة إلى دين المحبة والرحمة كانت أولى مبادئه محاربة القبلية الرعناء"(48) حتى الترابي نفسه عندما سئل لم ينكر نسبة الكتاب إلى طائفة من الإسلاميين إذ قال :"لا أعلم مَنْ كَتَبَ هذا الكتاب [الكتاب الأسود] ، وأظن إنها جهة ما في الساحة الإسلامية كتبته، وتبيّنَ لي ذلك من لغة الكتاب نفسه(...)وقد سُئلت من قبل فقلت كان ينبغي لهم أن يظهروا في العلن(...)ولربما أخطأوا في نسبة بعض الأسماء إلى جهة في السودان "
ولاختلاط الخطاب الاسلامي بالجهوي ذهب بعض المعلقين إلى أن المؤلفين " جماعة تقع وسطاً بين الجبهة الإسلامية وتيار جهوي من حزب الأمة"( . ولعل ما أغرى هؤلاء للميل إلى مثل هذه الاستنتاجات ؛ هو الإطراء الذي وجهه الكتاب للسيد الصادق المهدي ووصفه بأنه الوحيد من حكام السودان الذي أنصف المناطق المهشمة ب(توزير) مجموعة من أبنائها في الحكومات التي ترأسها أو كما جاء في نص الكتاب " .. بهذا يكون الصادق المهدي هو الوحيد الذي قارب الكمال في تحقيق المشاركة الكاملة في الحكم والتمثيل الشامل لجميع أقاليم السودان ...ولأول مرة يتولى أحد أبناء الغرب والوسط منصب وزير المالية وهم: إبراهيم منعم منصور ود.بشير عمر ود.عمر نور الدائم "(51) والعبارة هنا لا تعاني فقط من خلط المفاهيم ( الغرب و الوسط) ،وإنما أيضاً تعاني من فقر في دقة المعلومة ، مثلاً منعم منصور كان وزيراً للمالية في العهد المايوي وليس في حكومات الصادق المهدي ،كما أن العودة إلى حشر (الإقليم الأوسط) في قائمة الأقاليم المهمشمة عوض جعله إقليماً مستأثرا بغالب مشاريع التنمية في السودان قد قلبتٌ الحقائق رأساً على العقب .
وبعكس من فرضية (الكتاب الأسود) وإحصائياته المنتقاة يرى بعض الفاعلين أن (الإقليم الأوسط) هو المحظوظ حتى في التمثيل السياسي مثلا يروي الراحل جون قرنق عن الجزولي دفع الله الذي تولى رئاسة الحكومة الإنتقالية عقب الانتفاضة مارس /أبريل عام 1985م إنه كتب إليه يقول "إنني فوجئت بأن ستة من وزراء حكومتي (نصف الحكومة تقريباً )كانوا من منطقة الجزيرة" قلت يومها -يقول قرنق- تلك ليست صدفة وإنما هي نتيجة طبيعية لاختلالات تقود إلى تمييز إقليم على أقاليم أخرى "
ويبدو أن التنويه والإطراء الذي حاز به السيد الصادق المهدي قد أغبط بعض قيادات حزب الأمة وطفقوا يشيدون به ، إذ يقول على حسن تاج الدين "إنه - أي(الكتاب الأسود)- قد أنصف(في صفحة 15) السيد الصادق المهدي وذكر إنه في أول مرة في التاريخ السودان أن السلطة توزع على كل أقاليم السودان في عهده ،وأنا فخور بذلك وأقول وبالصوت العالي : في الديموقراطية الثالثة ، في حكومة الصادق المهدي كان ثلث الحكومة من غرب السودان "(53) . ولكن لجون قرنق رأي آخر ، ويرى أن حركته هي السبب في تشكيل تلك الحكومة التي صارت مضرب المثل في قوميته ويقول" يجب أن يكال الثناء للحركة الشعبية لتحرير السودان التي أيقظت الساسة الشماليين من سباتهم ليضعوا في عين الاعتبار التوازن الجغرافي في توزيع الحقائب الوزارية ؛وحكومة الصادق المهدي الحالية أوضح مثال لذلك "
وعلى كل حال ، يبدو واضحاً أن قصد المؤلفين من حشر هذه النغمة الإيجابية لا يعدو كونه (تكويشاً) لإخفاء المقابلة العارية (أولاد البلد/أولاد الغرب) التي برزت في (المفاصلة النادي الكاثوليكي ) ولا علاقة له بأنصاف الصادق المهدي بعد الهجوم الضاري على الطائفية التي هو رمزاً لها بلا منازع .
ولولا الفجور في الخصومة بين جناحي المؤتمر الوطني لما وجد الكتاب الصدى الذي وجده ، ففي تحريات أجرتها مجلة (الدستور) في وسط طلاب دارفور في جامعة أمدرمان الإسلامية عقب صدور الكتاب لم تكن إفادات كلها موجبة تجاه الكتاب إذ يقول أحدهم :" أن الكتاب الأسود يعبِّر عن السياسيين وليس المواطنين " ويضيف ثاني:"أن هذا الكتاب مكرّس لخدمة أناس يتطلعون لمناصب سياسية كبيرة وتوسلوا بقضايا المواطن العادي " . ولكن كلما تمددت تفاعلات المفاصلة وتردد صداها في المجتمع كلما اقترب أهل دارفور من أطروحات الكتاب الأسود كدلائل لا تقبل الشك تبرز في وجه الخصوم لنجد إفادات من عينة : " الذين صاغوا (الكتاب الأسود) ليسوا جميعهم أعضاء في الحركة الإسلامية لأن الانقلاب الذي حدث في الرابع من رمضان [المفاصلة]ما هو إلا انقلاب قاده البحر ضدنا".
من الظواهر الاجتماعية المألوفة أن الجماعات ذات الطابع الأيديولوجي تتمكن في الغالب من تذويب الفوارق العرقية والإثنية بين أعضائها أو على الأقل تستطيع إسكاتها وزحلقتها إلى الخلف؛ بيد أنها عندما تذوق نعمة السلطة أو تكتوي بنار نقمتها تبتلى بالانشقاقات والانشطارات التي تساعد على طفو تلك المسكوتات إلى السطح . وبحدوث أزمة المؤتمر الوطني طفت كل التراكمات التاريخية على السطح ، وتداعت كل المقابلات والمعادلات والمواجهات ذات الأبعاد الجهوية والإثنية التي كانت مقموعة بواسطة الأيديولوجيا، وتوفرت للجميع ، وتم توظيفها من كل الأطراف .لقد دعم كل طرف موقفه باستدعاء المستبطنات من أفصص العقول الباطنية وسحب المقموعات من حنايا وحوايا اللاشعور وانتشال المكبوتات من قيعان اللاوعي . وفشل أي مخدر أخلاقي أو وطني أو إسلامي ،في كبح جماح الفلتات القاسية والمخجلة التي كانت لا تفلت إلا في الغرف المغلقة أو في الفلوات التي يغيب عنها أحد الأطراف .وهتكت كل المستورات وكشفت كل المحجوبات وبات كل شئ في العراء أو "في السهلة" -حسب تعبير الصحفي حسين خوجلي-. وهو نمط سلوكي مألوف في الطبيعة البشرية حيث لا ينفع التلميح والتنقيح والمداراة في الأوقات العصيبة لأنه مرتبط بغريزة الحياة وحيل الدفاع عن الذات وحفظ النوع ، وكانت مترتبات (المفاصلة) لدى البعض قصة حياة أو موت .
وفيما يلي أن نرصد أهم العلامات والآيات والإشارات و الإيحاءات الدّالة و المومئة لعمليات الطرد العنصري والفرز الجهوي والتحيز العرقي التي ترتبت عن (لعنة النادي الكاثوليكي ):
1-إبان أزمة التعديلات الدستورية التي سبقت (المفاصلة) النهائية بأيام قليلة كان وزيرا التعاون الدولي عبد الله حسن أحمد (من الوسط) والتجارة الخارجية آدم الطاهر حمدون (من دارفور) من أكثر الوزراء تضامناً مع أمين عام المؤتمر الوطني الدكتور حسن الترابي المتمسك بالتعديلات الدستورية بعكس من رأي القصر الرافض لها ، وقد تغيبا عن أول اجتماع لمجلس الوزراء بعض المفاصلة احتجاجاً على الإجراءات التي اتخذها الرئيس منها حل المجلس الوطني وإعلان حالة الطوارئ، ولكن بذلت مساعي حثيثة لإعادة الأول إلى موقعه حتى ظهر اسمه في التشكيلة الوزارية الجديدة ؛ بينما انصرف الثاني إلى منزله غير مأسوف عليه.
2- ورد في الصحف بأن ستة من أعضاء لجان الوساطة لحل الأزمة قرروا مقابلة رئيس الجمهورية ؛ إلا أن الرئيس طلب قائمة بأسمائهم وشطب اسم اللواء صلاح على الغالي (العضو الوحيد من دارفور) وسمح للبقية المرور إلى مكتبه.
3-عندما تقدم وزير شؤون مجلس الوزراء العميد(م) محمد الأمين خليفة رغم كونه من دارفور إلا أنه رفيق سلاح (انقلاب) ! لرئيس الجمهورية باستقالته (قُبِلَت فوراً ) وقد وردت في كل الصحف ً بذات الصيغة تقريبا وقد تناول رئيس الجمهورية في جل أحاديثه التي تلت المفاصلة أمر هذه الاستقالة وكيف أنه قبلها (فوراً )!. وفي المقابل ؛ عندما تقدَّم وزير الخارجية مصطفى عثمان إسماعيل( وهو من الوسط النيلي) باستقالته لذات السبب دار جدل كبير في بادئ الأمر حول لمَنْ قدمها؟ لرئيس الجمهورية أم للأمين العام للمؤتمر الوطني؟ حتى ظهر الصادق الفقيه المستشار الصحفي للرئيس و(قطع قول كل خطيب)! وأفاد بأن الوزير قدم استقالته للرئيس الذي رفضها رفضاً باتاً ؛ وهنا نجد الفارق الهائل بين محمولات مفردة "فوراً "التي تفيد (اذهب ولسنا في حاجة إليك) ومستبطنات كلمة "باتاً" التي تعني (نحن في أمس حاجة إليك).وقد عدل وزير الخارجية عن قرار الاستقالة وبقي في منصبه لخمس سنوات لاحقة . أي أن درجة الانفعال كان انتقائياً وتعود لدواعي الراسب الثقافي أكثر من الراهن السياسي.
4- أي مراقب حصيف قد لحظ إبان المفاصلة هجوم (فوق المقرر) على الشخصية السياسية الدارفورية المعروفة الدكتور علي الحاج محمد .فقد جاء في إحدى الصحف بأن الرئيس الجمهورية قد هاجم علي الحاج ومحمد الأمين خليفة لأنهما وقعا على " وثيقة مهزوزة" في محادثات السلام السابقة مع حركة التمرد!,وهو أمر مناقض للسائد في أدبيات الحركة الإسلامية الداخلية التي تشيد بذكاء علي الحاج ومهارته في جلب الجنوبيين إلى سكة السلام ولو باستخدام المال !. هذا الهجوم الإيحائي تطور إلى ما يشبه (الظاهرة) في الصحافة وبدا كأنه حملة (اغتيال معنوي) .إلى الحد أن وصفت إحدى الصحف علي الحاج بأنه "من الشخصيات الهشة والضعيفة وقليلة الوزن .." وإن ما يقوم به إنما "إتباعا لهوى النفس الأمارة بالسوء ويريد أن يدفع الأمور إلى فتنة لا تبقي ولا تذر"وعندما تصادف هجوم الحركة الشعبية على مدينة كسلا مع ندوة سياسية أقامها علي الحاج في ذات المدينة كتبت إحدى الصحف بالنبط العريض " علي الحاج شغل كسلا بندواته قبل هجوم قرنق على الشرق" .
وملاحظ أن المقاربة والمفاضلة دائماً تتم بين شخصيتي علي الحاج محمد و علي عثمان محمد طه أيهما يجب أن تتقدم ، ويتضح أن إحدى جزئيات المفاصلة يقوم على الخوف من أن الترابي بدأ يُقَرِّب علي الحاج على حساب علي عثمان" أراد أن يقرب الدكتور على الحاج ويسلمه الراية وقد تقدم أول خطوة في هذا الاتجاه عندما اختاره نائباً له في أمانة المؤتمر الوطني (...) الدكتور الترابي يريد لعلي الحاج أن يكون الرجل الثاني في الحركة الإسلامية وخليفة له") . وقد أدخل هذا الإحساس الخفي الروع والفزع في قلوب العناصر النيلية في المؤتمر الوطني رغم أنه ليس ثمة فرق بين الرجلين لا في العلم ولا السمت أو الحنكة السياسية ، ولكن لاستجابة لمفعول الراسب الثقافي تنتج هذه السلوكيات غير السوية .
و قد وصل التطرف حداً أن قالت إحدى الصحف إنه لم يبق للترابي من الجماهير سوى" ناس أبكر والدومة واساغة"!! وقد كنت في مدينة نيالا في هذا الظرف وكنت لاحظ مدى الغضب الذي يمور في نفوس الناس أجمعين إلى الحد حمل البعض القصاصات الصحفية في جيوبهم ويخرجونها في كل مناسبة قائلين (هل هذا معقول؟)
وعلى الرغم من الشكلية التي تبدو على بعض الظواهر ، خاصة للناظر إليها من السطح ، بيد إنها إشارات واسقاطات نابعة من أعماق اللاوعي حيث المكبوتات والمسكوتات التاريخية والكوابح الثقافية وقد أزالت أزمة المفاصلة كل الموانع والمقامع والرادعات التي كانت تحول دون انتثالها إلى السطح ،وهي محفزات سيكولوجية تفعل فعل السحر في نفوس الجماهير المتوجسة والمتوثبة بفعل تداعيات المفاصلة. وكان هذا التهيؤ النفسي والحضور الذهني العامل الأساس في أن يجد الحركات المسلحة في دارفور التأييد الكاسح من الأوساط الشعبية.
في هذا الظرف العصيب الذي شعر فيه أبناء دارفور بحالة من (الخذلان العظيم) ومن هول الإحساس بالمرارة كاد يفقدهم التوازن النفسي ، أخذت الذهنية الشعبية في البحث عن منقذ الزمان (المهدي المنتظر) الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن ملئت جوراً وحيفاً! ولا أحد ينقذهم من الضيم و(حقارة"أولاد البلد" )-[ نشأ هذا الشعور بشكل أساسي في أواخر الدولة المهدوية ومن الروايات أن الخليفة عيّن الحاردلو -وهو زعيم قبلي وشاعر معروف- حاملاً لأبريقه! وعندما علم الحاردلو بدنو الحملة الإنجليزية أنشد قائلاً:
ناساً قُباح من الغرب يوم جونا
جابو التصفية ومن البيوت مرقونا
أولاد ناساً عزاز زى الكلاب سوونا
يا يابا النقد يا الإنجليز يلفونا [ هكذا من المصدر وهي عبارة غير مفهومة بالنسبة لي]
وبدأ البحث عن شخصية بمواصفات خارقة ، وبذات النسق الذي خلع فيه الفكي عبد الله بن محمد آدم تورشين الفولاني أصلاً والتعاشي ولاء ثوب المهدوية على الفكي محمد أحمد بن عبد الله الفحل الدنقلاوي عام 1881م ، وجد الشعور الشعبي العارم في دارفور بغيته في الشيخ حسن عبد الله دفع الله الترابي البديري ( حفيد حمد ود النحيلان الذي أدعى المهدية في مكة في القرن السادس عشر الميلادي وحصبه الأهل مكة بالحجارة وطردوه من مدينتهم وصادف أن هطلت أمطار غزيرة ، وعاد ود النحيلان إلى قريته في شمال الجزيرة وزعم بأن الله استجاب دعوته وعقاب أهل مكة بالسيل العرم لنكرانهم مهديته " من طبقات ود ضيف الله بالتصرف " )!، ونصّبه مخلِّصاً للرعية وراعياً لقطيع هامل ، ووجه المفارقة أن السجل السياسي للرجل لا يحتوي على كسب مناصر يذكر لقضايا دارفور ، ولكن للذهنية الشعبية لها قدرة عجيبة في اختلاق الحيل التعويضية للتخلص من أي الحرج تحدثه مثل هذه المفارقة؛ إذ لجئت بكل يسر إلى منهج "التسطير/الأسطرة"-من الأسطورة- و اختلقت (نكتة اثنولوجية) مفادها: أن أصول الترابي تعود إلى قبائل البرقو في دار فور !!. والبرقو في الأصل سكان إقليم وداي في شرق تشاد)، ووداي اسم مملكة إسلامية أسسها رجل من السودان النيلي يدعى عبد الكريم صالح ويلقب ب(مجدد الإسلام) وتختلف المصادر في أصله وفصله ، وهو حيناً من القِمِرْ وحيناً آخر من الحَمَر وثالثاً تاجر جعلي من شندي .ومن اسمه أخذت طائفة من البرقو لقب (الصليحاب). وقد فشت هذه (النكتة الإثنولوجية) إبان المفاصلة في وسط أهل دارفور بصورة لا يمكن تفسيرها إلا من منظور (الباراسيكولوجي) الذي يفسر مزاعم الخوارق المعجزات وتخلي البشر عن آدميتهم وتحولهم إلى عجماوات .إن مثل هذه الحالة حالة التهيؤ الجماعي لاستقبال( المهدي المنتظر)! تغيب عنها أي قواعد للحجة والمنطق وشرائط العقلانية . لذلك تجدهم يؤكدون على زعمهم بدون تقديم أية حجة تاريخية ، ويسفهون من يجادلهم باللجوء إلى معطى مادي ساذج وهو الشبه الخَلقي-بفتح الخاء- بين سمت الشيخ الترابي ورفيقه إبراهيم السنوسي والأخير من البرقو الصليحاب!!.
عندما سُئل الترابي نفسه " إنك قلت في لقاء خاص مع بعض أعيان ووجهاء أبناء غرب السودان عقد في الخرطوم إنك من أصل برقاوي؟" رد بقوله :" هذا كذب محض ، فأنا أصلاً لا أحب التحدث عن القبيلة والقبلية وحتى القبيلة التي انتمي إليها لا أتحدث عنها . وأنا لا أستطيع أن أدعي إنني من منطقة الفلانية ، حيث ولدت شرقاً وتعلمت غرباً وشمالاً وجنوباً. فإنني لا أحب أن أتحدث بهذه الأشياء فضلاً عن أن أكذب إنني برقاوي ، فأنا لا احتاج إلى أن أتحدث عن القبيلة التي أنتمي إليها ، وهذا لا يعني إنني أسخر من قبيلة البرقو : لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ، قد يكون البرقاوي خيراً من الحلفاوي ، خيراً من النوباوي ..الخ". وعلى الرغم من هذا النفي فمن الواضح أن الترابي -بذكائه المعهود- قرر الاستفادة القصوى من الحالة المعنوية التي ترتبت على المفاصلة وقرَّب إليه عدداً من أبناء دارفور الذين فقدوا مواقعهم أو أولئك الطامعين إلى المراتب والذين كانوا يطمحون لمناصب جديدة، وتحلقوا حوله يذودون عنه سهام عشيرته الأقربين وظلم ذوي القربى . وكان الشعور بالمرارة الفائضة الذي تملك الأفراد عزلوا من مناصبهم وطردوا من المنازل الحكومية ونزعت منهم السيارات العمومية قد تم إسقاطه على حالة التخلف العام الذي يعيشه إقليم دارفور وصوِّر الأمر كأنه طلب للعدل والمساواة على هذا الأساس.
ومن القضايا التي حاول (الكتاب الأسود) أسطرتها وترميزها بإعادة المعالجة حادثة إعدام المهندس المرحوم داود يحى بولاد ، وقد ورد فيه- - " ونسأل الله الرحمة لأخينا داود بولاد ويتقبل الله جهده (جهاده)! وقد دفع حياته ثمناً لبُعد نظره ، وفداءً لوعيه المبكر الذي قاده لإدراك ما نحن فيه الآن قبل بضع سنين" . وهي صورة تماثل انتهازية قاتل ينتحب في جنازة ضحيته ويجزل الفضائل إليها.
ويبدو أن حالة من الشعور بالذنب (الكربلائية )من قتل هذا الرجل قد بدأت تنتاب كلا المعسكرين وخاصة أن الرجل قد أسر حياً واعدم بدون أي محاكمة ولم يعرف له قبر أو مراسم دفن ، حتى أن الرئيس نفسه قال مرة في لقاء جماهيري-أمام دهشة الجميع- إن الترابي هو الذي أمرنا بإعدام داود بولاد !. ومن الواضح إنه قصد من وراء إفشاء هذا السر الخطير ضرب صورة الترابي الإيجابية التي بدأت تتكون في ذهنية أهل دارفور .
.إذن ، هذه هي البيئة السيكولوجية والبنية الذهنية التي صادفت صدور (الكتاب الأسود) وساهمت في تمكين أطروحاته لدى جمهور الدارفوري. ومع صدمة الأرقام أغلق الباب أمام أي قراءة موضوعية للنظرية الداخلية للكتاب التي سربلت بطابع قداسي (طوطمي).
صدمة الأرقام والذهنية "المدكتلة" :(Digitalized Mind)
انطلاقاً من العقلية السودانية المسطحة والمولعة أبداً بالتضخيم والتهويل انبهرت الغالبية العظمى من القراء بالمنطق الرياضي الصارم الذي قامت عليه نظرية الكتاب ، وهالتها النسب والأرقام والإحصاءات التي وردت فيه ، مع عزوف تام عن بذل أدنى جهد لاستنطاق هذه الأرقام الصماء. وقد وجد بعض السياسيين في المنطق الرقمي دليلاً لا يكذب لصحة أطروحاتهم . يقول علي الحاج "إن الأرقام القيمة الموجودة في (الكتاب الأسود) الخاصة بتقسيم السلطة والثروة بين أبناء الشعب ، سوف أدافع عنها مع إنني لم أقم بتأليف الكتاب".
ويضيف أمين بناني" (الكتاب الأسود) من حيث المضمون أنا أؤيد كثيراً من الحقائق الموضوعية في الكتاب وهي حقائق عبرنا عنها في خطابنا السياسي خلال السنوات الماضية " . وحتى الباحث المعروف عبد اللطيف البوني ينبهر إلى حد السُكر ويقول :" أقول أن المعلومات الواردة في هذا الكتاب ... في غاية الأهمية ونعتبرها فتحاً جديداً في عالم البحث في بلادنا ". ويقول كاتب آخر " ولعل أهمية ما تناوله الكتاب هو تسليطه الضوء لقضايا ومضامين ظلت حبيسة الصدور وتنعقد دونها الألسن وتعجز عن الإفصاح والإبانة وصارت أشبه بالمناطق العسكرية التي يمنع منعاً باتاً الاقتراب والتصوير"(.
على الرغم من أن بيانات ومعطيات الكتاب صحيحة بشكل عام إلا أن من العيوب المنهجية إنها تعاني من غياب المصدر والتوثيق ، وكان من أهم نتائج صدمة الأرقام عدم مساءلة المؤلفين عن المصادر التي استقوا منها أرقامهم ، وأدلة ووثائق لبعض التهم المباشرة على الأقل . وقد تطوع بعض المعلقين بسد هذا النقص باختلاق أشياء لا وجود لها في الكتاب مثل قول أحد الكُتاب " أُخذ كل البيانات من مستندات رسمية ومحاضر ديوانية وجاءت المعلومات مدعومة بالوثائق". وفي الوقت الذي لا توجد في هذا الكتاب إلا وثيقة واحدة في صفحتي (53-54) ؛ وهي صورة (طبق الأصل) للقرار رقم (334) والخاص بتكوين اللجنة القومية لقسمة الموارد الصادر من رئاسة الجمهورية بتوصية من وزير العلاقات الاتحادية (السيد أحمد إبراهيم الطاهر)، والهدف من أيراد الوثيقة هو للتدليل على أن الغالبية أعضاء اللجنة من (الإقليم الشمالي) ، ولكن عين المفارقة أن الوزير الذي أوصى بتشكيل اللجنة ينتمي جهوياً إلى الإقليم الذي أسموه (غرباً).وهو قرار روتيني نشر في جميع الصحف في حينه.
إن الحالة السيكولوجية الخاصة للمؤلفين أدت إلى الاضطراب المنهجي في التنظير والذي قاد بدوره إلى حالات غريبة تقترب من حالات الفصام وجلد الذات ، وعلى الرغم من أن القاصي والداني يعلم بأن المؤلفين طائفة من أعضاء المؤتمر الوطني الذين كانوا يستمتعون بخيرات الدولة قبل المفاصلة نجدهم في الكتاب يدينون سلوكهم السابق دون إعطاء تبرير أو تفسير لماذا كانوا يفعلون ذلك ، كما جاء في قولهم : " مَنْ كان عازباً صار محصناً ومن كان موحداً صارت له المثنى والثلاث والرباع"، و"...شباب في العشرينات وأوائل الثلاثينات يعملون مدراء لإدارات وشركات ورؤساء لمؤسسات كبرى وذلك باسم الاستثمار بتلك المؤسسات وبامتيازات ومخصصات تحمد..."
وانطلاقاً من فرضيتهم البائسة ( الجزيرة منطقة مظلومة )انتقد مؤلفو الكتاب مشروع (توطين القمح في الشمالية)بشكل ينم عن فقر شديد في البيانات الحقيقة لمثل هذه القضايا .وقالوا:" فقد أوقفوا مواطن الجزيرة من زراعة القمح ولم يضمنوا له قوته من الشمالية ". وجاء في فقرة أخرى ما نصه "إيقاف زراعة القمح في الجزيرة والسعي لتوطينه في الشمالية " ويتجلى بؤس هذه الفرضيات ؛ أولاً: وكما أسلفنا إنه من الصعب فصل الجزيرة عن الشمالية ، ثانياً: أغلب الدراسات الخاصة بالمنظمات الدولية تنصح بعدم زراعة القمح جنوب الخرطوم لدواعي مناخية محضة ، باعتبار أن القمح محصول لا يرجى منه الكثير في البيئات الحارة . وقد انتقد عدد من الخبراء والسياسيين(هوجة )زراعة القمح في الجزيرة التي تقمصت سلطة الإنقاذ ، ومنهم السيد الصادق المهدي الذي وجد إطراء في الكتاب كما سلف إذ يقول:" إن النظام قد انتهج خطاً اقتصادياً ، دمر الاقتصاد الوطني بشعارات خاطئة مثل (نأكل مما نزع) كوسيلة لاستبدال زراعة القطن بزراعة القمح ، فهذا الشعار كان شعاراً مخرباً (...) ليس ذلك لأننا لا نريد أن (نأكل مما نزرع ) ولكن لأن هذه السياسة قد ارتبطت بصورة واضحة بزراعة القمح في مكان القطن .. بعيداً عن المعطيات الاقتصادية والبيئية أنه من المستحيل أن تنتج قمح من الجزيرة لتحقيق الاكتفاء الذاتي (...) ولا معنى لزراعة القمح على حساب القطن لأن عائد فدان واحد من إنتاج القطن تساوي ستة أفدنة من إنتاج القمح" .
وقد لاحظ عبد اللطيف البوني ، وهو من أبناء الجزيرة ، المأزق الذي وقع فيه المؤلفين في أمر الجزيرة ويقول أن المأزق الذي وقع فيه الكتاب إنه :إذا قال أن المواطن في الإقليم الأوسط يعيش في بحبوحة من العيش فيكون قد أخرج هذا الإقليم من التهميش الذي وضعه فيه ، وإذا سكت عن ذلك يحدث خللا في فرضيته الصورية ، ويوضح كل هذا مدى ضعف المنهج التحليلي الذي اتبعه المؤلفون كأنى بهم لم يسمعوا بالماركسية ومنهج التحليل الطبقي الوارد فيها (.
وإذا سرنا في التقاط سقطات الضعف المنهجي وضالة المعلومات الكتاب قد يطول بنا الحديث ؛ لذلك نكتفي برصد بعض صور التناقض والخلط الصارخة ، منها قولهم: "... تهميش المناصير والمحس وتمكين الشايقية والجعليين والدناقلة " وهو كلام مرسل (ساكت ) ليس له أي قيمة علمية لأن (المناصير) ما هم إلا طائفة من الجعليين و(المحس) ما هي إلا جماعة من النوبيين ومن العبث تمييز المناصير عن الجعليين الشماليين (الشايقية ) ومن العبط فرز المحس عن بقية النوبيين دناقلة كانوا أو سكوت.وقد سخرت الصحفية آمال عباس من هذه الفرضية الساذجة حين كتبت تقول: "(الكتاب الأسود) أراد أن يقول حتى الرباطاب [لم ترد في الكتاب ربما تقصد المناصير] مظلومين ومقهورين وهذا تلاعب بمشاعر الناس" . والمفارقة إن المؤلفين قد أشادوا بمعارضتها للحكومة ودعوا لها بطول العمر " رحمة الله على للأستاذة آمال عباس وأمد في عمرها". ومما يعد ضمن ضالة المعلومات قولهم "يجب أن يكون رئاسة الدولة تداولية وفق أقاليم البلاد كما هو الحال في نيجيريا" وهي معلومة مغلوطة بالكلية إذ أن رؤساء نيجيريا من لدن الحاج أبوبكر بيلاوا تفاوا رئيس وزراء نيجيريا الذي استلم السلطة عند الاستقلال(1960م) إلى رئيسها في وقت تألف الكتاب الجنرال المتقاعد أولسنقون أوباسانجو لم يصل أحداً منهم إلى سدة الحكم بالنظام المذكور ، ربما يقصدون سويسرا ربما!. ومن ذلك أيضاً قولهم " المراجعات التي أقدمت عليها الأستاذة إشراقة النور بالمصرف العربي للتنمية ورغم تلك الحقائق الدامغة المفجعة ، بقي المصرف كما هو ، ولكن السرعة التي تمت بها تصفية بنك نيما " والمماثلة هنا غير واردة ؛ لأن المصرف العربي للتنمية في أفريقيا مؤسسة دولية تساهم فيه 22دولة هي أعضاء جامعة الدول العربية وخاضعة لاتفاقية المقر و النظم الدولية والدبلوماسية ، ولا تستطيع الحكومة أن تفعل شيئاً حيالها مجرد أن صحفية كتبت مقالات حولها ؛ بينما بنك (نيما) مصرف حكومي (مساهمة مجموعة من الولايات ) تعرض لأكبر عملية اختلاس في تاريخ السودان حسب الأرقام التي نشرت في الصحف. كما ورد في الكتاب أن " الرائد معاش مارتن ملوال عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني الذي اغتيل سياسياً بتلفيق تهمة"رغم أن الملاحظة شكلية إلا أنه من المعروف أن (مارتن ملوال) منذ اشتراكه في الانقلاب 30 يونيو 1989هو برتبة العقيد وليس الرائد. وقد روى الرجل قصة إشراكه وليس اشتراكه في انقلاب الإنقاذ لإحدى الصحف نوردها هنا رغم أنها خارج سياق الموضوع ولكنها تكشف لنا رداءة بعض الجوانب السرية من الثقافة السودانية " كنت أغط في نوم عميق .. عندما جاءت زوجتي تقول مارتن قم بلد في انقلاب .. كأي ضابط في مثل هذه الظروف لبست زيي العسكري ولحقت بوحدتي ( التعاون العسكري ) فإذا بقائدنا العميد محمد عثمان محمد سعيد (مولانا) شاك السلاح ويقطع ممرات الوحدة جيئة و ذهبا .. وما أن راني حتى قال وين أنت ؟ قائدنا يبحث عنك ؟ قلت : من قائدكم ؟ زميلك السابق في سلاح المظلات العميد عمر حسن أحمد البشير ، قلت : أين هو الآن ؟ تعال معي إلى مكتب القائد العام، ما أن وقع نظره علي حتى قال: وين أنت يا العبد (!!)؟ نفتش عليك لضمك في مجلس قيادة الثورة ! قلت:عملتها يا عربي يا جلف ؟! وما لقيت غيري ؟ قال : أنا باقي العبيد بتاعك ديل ما معرفهم أعطني أسمائهم ) !! أنه أسوأ حوار يمكن أن يدور بين زميلين.. عندما سردت هذه القصة لأحد الأخوة مرة قال بكل برود " إنهم يمزحون لماذا أخذتها جد " ؟!.
لم يحدث في تاريخ السودان الحديث أن أحدثت إصدارة جدلاً كما حدث حيال الكتاب الأسود ، بعض التعليقات كانت معتدلة وموضوعية مثل قول أحدهم :"جاء الكتاب في صورة تقرير أو منشور مشتملاً على لغة الإحصائيات (...) وتبدو هذه الصورة للقارئ للوهلة الأولى موضوعية وواقعية ، وتسيطر على الألباب وتأسر القلوب ولكنها في عمقها وجوهرها لمن يتعمق في فهمها ويسبر غورها ما هي إلا دعوة صريحة لتقاسم مقاعد السلطة جهوياً".
حتى بعض مؤيدي أطروحات الكتاب عابوا على المؤلفين عدم استنطاق الأرقام وتحليلها مثل بشير آدم رحمة أحد قادة المؤتمر الشعبي الذي يقول : "أعيب على (الكتاب الأسود) عدم التحليل (...) فيجب أن ننظر إلى الأسباب لكي يكون التحليل إيجابياً فالتعليم والمقدرة المالية والتعاون والاتفاق الكافة في القرار (...) والزراعة والإنتاج ، هذه هي الخواص التي تحظى بها أهل الشمال (...) فهم أول من تعلم فالتعليم يخلق المساواة بالإضافة إلى الهجرة إلى المناطق النيلية الوسطى هذه هي الأسباب التي ميزتهم"
ويصف البروفيسور محمود حسن أحمد الكتاب بأنه قد صيغ " بلغة عربية ميسرة وعناوين منتظمة وطباعة أنيقة إلا أنه يفتقر إلى التحليل ، رغم اعتماده على المنهج الوصفي والتاريخي المقارن ، كان الوصول إلى النتائج من مقدمات خاطئة ، ترتكز على الكلمة القائمة على التحديد الجغرافي والإثني . كما يفتقر إلى المراجع في النظم السياسية وفي علم الاجتماع السياسي والفكر السياسي وخلا من التحليل السليم"
ثانياً :التعليقات المتحيزة
هنالك طائفة من المعلقين لجأت إلى الإدانة المطلقة وبل التطرف فيها ، ولم تخلو تعليقاتها من الاستدعاءات التاريخية ودمغ الكتاب جملة بوزر (العنصرية ) رغم أن محاولة المؤلفين لتفادي هذه السبة هي التي ذرت بقيمة الكتاب إلى الحضيض. يقول ضياء الدين داود: " الآن ثعابين العرقيات تخرج من جحورها وعقارب العنصريين تبث سمومها على امتداد الخارطة المليونية والحكومة لا تملك مقدرة إلا على (التلفت) يمنة ويسرة بعد أن فلتت الأمور من يدها وأصبحت الكتب المسمومة تخرج أنيقة المظهر جيدة الطباعة ويتم توزيعها أمام بوابات المساجد"
أما عصام أحمد البشير فيقول:"(الكتاب الأسود ) عنصري يعمل على تفتيت وحدة السودان وبعث روح العصبية ، ويزيد حرارة الصراع الداخلي وهو بمثابة نذر لاشتعال حرب أهلية ونزاع قبلي لا يعلمه إلا الله " وضيف عثمان عبد القادر عبد اللطيف " هذا الكتاب جزء من حركة عنصرية"ويبلغ المبالغة ذروتها في قول عبد الرزاق حارث" ( الكتاب الأسود) جيفة نتنة ودعوة عنصرية ". ويعيد عصام الصولي نمط الطرد الاجتماعي الذي يمارسه (حراس البوابات)من الطبقة النيلية تجاه مثقفي دارفور الذين يعيشون في الخرطوم الذي ينهض على اتهامهم بأنهم يستمتعون بخيرات العاصمة ويهملون أهلهم وذلك في قوله : " كيف نفسر مشاركة ساسة ومثقفي تلك البقاع المدعي أنها مهمشة وانخراطهم لأزمان طويلة في تيارات وأحزاب يتهمون قادتها بأنهم وراء تخلف وتراجع مناطقهم ؟ لماذا لم يؤثروا عليهم لإحداث قدر من التنمية ؟ لماذا رضوا أن يكونوا وزراء هامشيين لوزارات هامشية ؟ لماذا لم يرتفع صوتهم كل تلك السنوات ويلتفتوا لمناطقهم ليعرفوا أهي متخلفة أم لا؟ لماذا رضوا بطيب العيش الرغد في الخرطوم واحتلال الفلل والعمارات والمزارع والغادة الحسناء و الفارهات من السيارات ؟ لماذا حصروا أنفسهم في داخل شققهم وانكبوا لشأنهم الخاص إغراءً(!) واعماراً وبني جلدتهم يرزحون تحت نير الشمالي المستبد الذي سلب حقوقهم وأورثهم دار البوار"
وكان الحد الأقصى في التطرف في ما قاله أحد المتحدثين في ندوة أقيمت بمناسبة تكريم مجذوب الخلفية والي الخرطوم في حينها بتاريخ 1/5/2000م حيث قال : " شقى علينا الزمان بأناس أتوا بكتاب أسود مثل وجوههم "
وقد تولت صحيفة (الشارع السياسي) مهمة الرد على أطروحات الكتاب ولكن المؤسف إنها لم تلتزم الموضوعية على الإطلاق وكانت بعض التعليقات تمور بألفاظ والتعبيرات الجارحة مثل قول أحد المعلقين :" سّود الله قلوبهم أن المؤلفين كانوا بدرجة من الجبن والخسة جعلتهم يقذفون بكتابهم الأسود دون ذكر أسمائهم (...)مجموعة ساقطة من الرجال أرادت أن تنتهز فرصة الصراعات بين مجموعتي القصر والمنسية لتصطاد في المياه العكرة" . وظل رئيس تحرير صحيفة (الشارع السياسي) يسود الصفحات في سلسلة طويلة من المقالات للرد على (الكتاب الأسود) ، سالكاً منهج مقارعة الحجة بحجة من جنسها ،ورد الصاع بالصاع ومقاربة الرقم بالرقم ؛ وهو منهج سفسطائي عقيم لا يفضي بنا إلى التماس أي حقائق موضوعية.
وممن لجؤوأ إلى (حرب الأرقام ) ذلك الذي قال : إن ثمانية وعشرين ضابطاً الذين أعدموا في حادثة رمضان عام 1989م 89 % من الشمالية وأن 70% من ضباط الشرطة الذين أحيلوا للتقاعد من الدفعة 35 من الشمالية .. رغم ذلك لم يصدروا كتاباً أسوداً وهذا القرار لم يشمل أي ضابط من الغرب" . ويقول آخر "قسّم علي الحاج السودان إلى 26 ولاية وأعطى الشمالية ولايتين فقط والغرب ست ولايات "
لا توجد مقولة أعقم من قولهم (الأرقام لا تكذب) ، بالنظر إلى حتى الأرقام الواردة في (الكتاب الأسود) وبقليل من الذكاء في إعادة تحليلها، يبدو لنا الوضع كأن (السحر ينقلب على الساحر)! مثال لذلك نجد أن نسبة مشاركة الجنوبيين في الحكومات الوطنية ، وفق إحصائيات (الكتاب الأسود)، لا تقل عن 26% بينما الإقليم الذي أسموه ب( الأوسط) بما فيه ولاية الخرطوم لا تزيد نسبة مشاركته عن 6% هل معنى ذلك أن (الإقليم الأوسط )قد تعرض للظلم بصورة أبشع مما لحق بالجنوب ؟! ، إنه منطق الأرقام الصماء!.
وثمة من لجأ إلى الاستدعاءات التاريخية لإجراء مقارباته مثل محمد أحمد الطيب الذي يقول :"في رأي إن القضاء على ظاهرة (الكتاب الأسود) تحتاج منا للكثير من بينها الرد على مؤلفيه المجهولين بالحجة البينة دون إثارة الحزازات والحساسيات ، وبما أن الأمر خطير فيجب أن تتكاتف الجهود خاصة الحادبين على وحدة شمال السودان ، إذا ما اضطرنا الظروف إلى التضحية بالجنوب الغالي ونصيحتي إلى مؤلفي (الكتاب الأسود) هي : قراءة الجزء الأول من كتاب (تاريخ حياتي) لبابكر بدري وقراءة كل ما نشر في الصحف رداً عليهم(...) بعد ذلك سوف يكتشفون أنهم ليسوا بحاجة إلى إصدار كتابهم لأن ما ذكره بابكر بدري ( الذي شهد على نفسه قبل الآخرين ) يثبت إنه عندما وجد أعظم أسلافهم فرصة ذهبية مع ظروف مواتية كانت النتيجة عصبيات عنصرية أدت إلى حدوث مذابح في المتمة وغيرها (مَنْ يحاكم مَنْ؟ مَنْ تسبب في مذبحة المتمة ) وأخيراً انهيار الدولة . إن التاريخ والجغرافيا والقانون السماوي والوضعي بأن الذين عناهم الكتاب هم أحق من غيرهم فيما يتمتعون به الآن (!!) إلا إذا أرادوا أن يتم توزيع الوظائف من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات ، حسب الأقاليم بصرف نظر عن المؤهلات . إن الذين يتدثرون بثوب الحمل الوديع والفقير المظلوم لماذا لا يقارنوا مع ما فعله أسلافهم عندما وجدوا فرصة الحكم ؟ هل هنالك قسمة عادلة للسلطة ماذا حدث لزعماء الكبابيش والشكرية والجعليين وغيرهم عندما رفضوا الضيم ألم يعدم ود التوم في الأُبيِّض ؟ ويرسل ود النجومي أعظم قواد المهدية في حملة انتحارية ؟ لسبب بسيط هو لأنه من غير منطقة الحاكم ؟ ألم يسجن بقية الخلفاء ؟ ألم يسجن أبوسن ؟ ألم يذبح عبد الله ود سعد ؟ . واقترح أن يتم جمع كل ما كتب رداً على (الكتاب الأسود) في كتاب يسمى (الكتاب الأبيض) ( فيما بعد صدر كتاب بذات العنوان ( الكتاب الأبيض) ولكن لا قيمة له على الإطلاق حتى إنني عجزت أن اقتباس منه أية معلومة مفيدة تقريباً في إطار إعداد هذا المقال)
ومع إضافة مقتطفات ذات علاقة من مذكرات بابكر بدري حتى لا يفكر آخر بكتاب أسود أو رمادي . وأخيراً أين القرآن الذي يدّعون حفظه؟ ألم يمنع من إثارة مثل هذه الفتن؟"
خلاصة القول ،إن العبرة ليست في القيمة العلمية للكتاب وهي قليلة ، وإنما في الأثر المعنوي الذي تركه وهو عظيم، وهو أثر يتسق مع أحد أهم خصائص الذهنية السودانية هي نفور من الدقة والتعمق وعشق اللجاج والمنطق الصوري (منطق الأرقام لا تكذب). إذن من الجانب المعنوي/النفسي يعتبر( الكتاب الأسود) وثيقة عظيمة وذات أثر كبير حتى أن بعضهم يرى أن التطورات تشكيل الذهنية السياسية في السنوات القادمة تتوقف على كيفية الإجابة على الآثار التي ترتبت على صدور (الكتاب الأسود)، لأن هذا الكتاب أثار جدلاً سياسياً ربما تكون من أخطر نتائجه دفعه لحركة مطلبية واسعة تؤثر سياسياً واجتماعياً على السودان ، ذلك لأنه يمثل أهم ظاهرة سياسية يتم تداولها ومناقشتها في سنوات (الإنقاذ) الأخيرة.
و لأن رغبة التأليف لدى المؤلفين نبعت من موقف سياسي ماثل (المفاصلة) وليس من بُعد فكري معمق جعلوا بعض الفرضيات تمشي على رأسها عوض أن تقوم رجليها - (كما في مقولة ماركس لفروض هيجل)- فقد أصيبت الثيمة الأساسية في المقتل عندما حشرت الخرطوم والجزيرة والقضارف ..الخ ضمن نطاق التهميش مع المناطق الخمس التقليدية وهي : الجنوب ودارفور وجبال النوبة وأقصي جنوب النيل الأزرق(الكُرمك) وتلال البحر الأحمر وهي المناطق التي حملت السلاح في وجه الدولة المركزية ، وللأسف قد بنت الحركات المسلحة في دارفور وخاصة حركة العدل والمساواة أساسها الفكري على هذه القاعدة الهشة ولم تحصد في نهاية المطاف إلا الحصرم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.