تنفيذي حلفا يتفقد عدداً من المؤسسات بوحدة عبري    المملكة تتقدم للمرتبة ال22 عالميًا بتقرير السعادة العالمي    السودان يقدم واجب العزاء لكل من قطر وتركيا في ضحايا حادث المروحية المأساوي    التذبذب العالمي يربك سوق "الذهب" في مصر.. ماذا حدث؟    زعيم كوريا الشمالية يتعهد بأن بلاده لن تتخلى أبدا عن وضعها كدولة نووية    الولايات المتحدة تحظر أجهزة «الروتر» الجديدة المصنعة فى الخارج لأسباب تتعلق بالأمن القومى    تصعيد مجموعة من الشباب للفريق الأول بالأهلى.. اعرف التفاصيل    النجوم الأكثر جاذبية.. كريستيانو رونالدو يتصدر أوسم اللاعبين فى 2026    مبابي ينفي التكهنات ويؤكد جاهزيته لخوض كأس العالم    روضة الحاج: لكنَّني وكعادتي في الحربِ لا أستسلمُ!    هاجر أحمد توجه الشكر لمخرجة ومدير تصوير مسلسل أب ولكن    محمد علاء : حبيت طارق جدا فى توابع وتعبنى أكتر من شهاب فى عين سحرية    الصحة العالمية : إنقاذ 83 مليون مصاب بالسل فى العالم منذ عام 2000    شاهد بالصورة والفيديو.. مواطن كويتي يشيد بقرار حكومة بلاده بالإستعانة بأساتذة سودانيين: (هذا خبر يساوي مليون دينار)    شاهد بالفيديو.. المطرب يوسف البربري يمازح الفنانة إنصاف مدني في حفل جمعهما بالسعودية (إنصاف عزيزة عليا) وملكة الدلوكة ترد عليه: (كضاب)    شاهد.. ماذا قالت الفنانة ندى القلعة عن المطرب سجاد بحري!!    شاهد بالفيديو.. دكتور حمزة عوض الله يعلق على هزيمة الهلال: (كل قرارات حكم المباراة بما فيها ضربة الجزاء صحيحة والهلال أقصى نفسه بنفسه)    أكاديمية الاتحاد للكاراتية بعطبرة تشعل أجواء رمضان ببطولة حماسية مميزة    الطرابيش يتوج بطلاً للدورة الرمضانية بنادي سواكن بعد فوزه على الأمير    الكرمك ومنحدراتها الجبلية مناطق غنية بالذهب ومعدن الكروم والمطامع الدولية والإقليمية    فيديو والمادة"5″..الهلال السوداني يبعث بخطاب ل"كاف"    لجنة السيدات تكلف برهان تيه بالسفر إلى القاهرة للوقوف على النشاط واختيار منتخب الناشئات    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    مناوي: تعيين أمجد فريد يعكس توجهاً لتجديد العمل السياسي في السودان    تنفيذي الخرطوم: توفر الوقود وغاز الطبخ وعمل المخابز والمواصلات خلال اليوم الرابع من عيد الفطر    عثمان ميرغني يكتب: كيف نصنع "النخبة" السياسية.    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    ابتكار يعيد الحياة لوظائف البنكرياس    دراسة تؤكد تأثير صحة الأب على الحمل والجنين أكثر مما كان يعتقد    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جنوبيو العودة الطوعية.. رحلة الأهوال والموت (2)
نشر في الأحداث يوم 04 - 04 - 2012


الخرطوم: جبل الأولياء- أجوك عوض الله جابو
عندما ضاقت الأرض عليهم بما رحبت بفعل تصريحات الحكومة السودانية المتوعدة باقتراب اليوم الموعود لإجلائهم عن السودان، وبعد انتظارهم حكومة دولتهم الوليدة أملا في أن تنتشلهم من درك الهلع ودياجير ظلمة المجهول، أخيراً.. لائح الأمل في تباشير حملها إليهم سلاطين ومنسقو ولاياتهم عصر الجمعة 15 مارس حينما أخطروهم بضرورة تأهبهم للسفر بالخروج إلى الميادين وتجهيز أغراضهم لانتظار العربات التي ستنقلهم إلى دولتهم يوم السبت 16 مارس أي خلال ثماني وأربعين ساعة بعد التوقيع على المذكرة، كما ورد في ذات المذكرة التي حملت توقيع كل من (المركز القومي للنازحين ومفوضية العمل الطوعي والإنساني «ولاية الخرطوم» ومفوضية الإغاثة وإعادة التعمير دولة الجنوب) والتي وقعت في 14 مارس 2012م معنونة ب (خطة تنفيذ العودة الطوعية لمواطني دولة جنوب السودان «براً»). فما كان منهم إلا أن تباروا في الخروج والاستعداد في حرص وهمة لافتة؛ تلك الهمة التي أفضت إلى اشتباك النسوة فيما بينهن حيث كانت كل منهن الأحرص على المغادرة قبل غيرها... ومع بزوغ شمس اليوم الموعود للرحيل بعض المعسكرات حالفها الحظ فصدق الوعد وغادر أهلها بينما امتد انتظار البعض ليوم أو ثلاثة أو امتد انتظار بعضهم أسبوع ولا يزال الباقون يفترشون بسط الانتظار في تلك الميادين.. ولكن من ابتسم لهم الحظ يمموا وجوهم جهة الجنوب وهم يودعون السودان مدينة مدينة وقرية قرية وبعضهم يحدث نفسه بشيء من الأسى (لعل قدمي لن تطأ أرضك بعد يومي هذا دون تأشيرة «فيزا») كما قطعت بذلك السلطات الرسمية في الخرطوم.
وانطلقت الرحلة وفقا للمسار المرسوم لها حسب المذكرة المشار اليها وحددت خط سيرها ب (الخرطوم- كوستي الأبيض – أمر عدارة- كيلك – الخرصانة – هجليج – ميوم – بانتيو) ولم تبلغ ميوم ولا بانتيو لأنها توقفت عند هجليج وما أدراك ما هجليج.. تفاصيل رواها من كانوا في أتون نيران الحرب وبراثين المعاناة من أهل العودة الطوعية.
عندما اختلط الحابل بالنابل
في الحلقة الفائتة توقفنا عندما بدأ أحد سائقي سيارات الفوج في سرد ما حدث في هجليج. وواصل رواية ماحدث قائلا: علمنا بعد فوات الأوان أن من قابلناهم لم يكونوا موظفي المفوضية لاسيما بعد أن علمنا أن العربة التي كانت تقل موظفين المفوضية الحقيقيين عادت أدراجها فراراً باتجاه الشمال فور اندلاع الأحداث.
بعد لحظات من وصولنا سوق هجليج سقطت (دانة) وسط السوق وعندما تأزم الموقف أكثر وساد الهلع رأينا عددا من شباب المنطقة بزي مدني كانوا ملثمين يستغلون «مواتر» ويحملون أسلحة، والبعض الآخر كانوا يتجولون وسط العربات وما وافق هواهم طلبوا من سائقها أن يدخل بها الغابة فيفرغها من كل الامتعة التي كانت مشحونة ويتركون العربة تمضي لحال سبيلها.. وبينما الحال كذلك مرت بالقرب منا عربة (لاندكروزر) وكانت تتبعها ستة أخريات من نفس «الموديل» علمنا من تعليق المسلحين الذين يقفون بالقرب منا أن أحد قائدي القوات الجنوبية وصل، تظليل زجاج العربة لم يمكننا من رؤيته وفجأة سقطت دانة على العربة التي كانت تقله فطار عاليا وانتهى.. حاولت الدبابة أن تتحرك ولكن سرعان ما عاجلها صاروخ. وعندما استنتجنا من أصوات زخات الرصاص الملاحقة والدانات أن وطيس المعركة قد حمي واستحكمت حلقاتها تحركت عرباتنا فراراً بأقصى سرعة فما كان من البعض هناك إلا أن أطلقوا النار على إطارات العربات (تاتاتاتاتاتاتااخ) بكثافة لإتلاف الإطارات حتى يتسنى لهم نهب ما يريدون، فتعطلت بعض العربات، بينما كانت الاخريات تسير بسرعة جنونية دهست بعض الاطفال الذين فقدوا أهلهم كان أكثر من ثلاث عربات تسير على جسد الاطفال الواهنة فتسوي بهم الارض دون أن يتوقفوا، شاهدت عربة «قريس» أذكر انها كانت تسير ضمن فوج العربات قبل وقوع الحادث وكنت أعلم انها ملك لأحد الشباب من أبناء الدينكا وكان داخل القريس عددا من «اللابتوبات» لم ندر إلى أين اقتيد صاحبها ولكن أحد شبان المنطقة أدار محرك العربة «القريس» وتوجه صوب الغابة، وفي الاثناء قفز بعض الشباب من أولاد الدينكا داخل السيارة من الشباك؛ فما كان من المالك الجديد إلا أن أشهر السلاح في وجههم وصاح: (هووي إنتو مجانين ولا شنو، أنا العربية دي قلعتها لو ما دايرين تنزلوا هسة أنا برصصكم). فقفز الشباب مرة أخرى خارج «القريس».
العربات التي استطاعت الفرار (عسكرت) في أم عدارة وفي الصباح عاودنا أدراجنا إلى ربك.
وسألته هل وزع طعام على العائدين؟ فأجاب قائلاً لم يوزع لهم أي طعام، كانوا جوعى لا يملكون حتى ما يشترون به الطعام فقد جمعوا كل ما عندهم ودفعوه لجماعة من المسيرية استوقفونا وفرضوا على كل عربية دفع مبلغ 200 جنيه كشرط ليسمحوا لنا بالمغادرة سالمين.
لاحت لنا ملامح مدينة ربك عند الساعة 9 صباحا حيث كان في استقبالنا فصيل كامل من الجيش وقالوا (لينا طوالي من هنا والي الرنك) قلنا لهم: (عرباتنا منتهية وهؤلاء الناس لم يذوقوا أي طعام منذ أيام) أجابنا ضابط برتبة العقيد: (ديل جنوبيين ما حيشموا ريحة الخرطوم، من هنا وإلى الرنك طوالي). وبعد ذلك توجهنا إلى الرنك وعندما وصلنا صبيحة يوم الاربعاء 28 مارس الساعة الحادي عشرة، استوقفنا «ناس» البوابة وأخبرونا بأن تعليمات صدرت اليهم بإيقافنا، فأمضينا ليلتنا بها نفترش الارض، وعندما اشرقت شمس يوم الخميس 29 مارس وفي الساعة الحادية عشرة أخبرونا بأنهم تلقوا تعليمات جديدة تفيد بأن علينا التوجه صوب الخرطوم مرة أخرى.
وبينما كنت استمع بتركيز لرواية محدثي الذي كان يتحدث بصوت عالي قطع صوت سائق» البوكس» ما تواصل من حبل أحاديثنا (خلاص دا حدي، أنا داخل سوق الجبل ممكن تركبوا من هنا). شكرنا الرجل ونزلنا في «المثلث» لاحظت أن واحداً ممن كانوا معنا على متن «البوكس» كان ينظر إلينا ملياً.
وماهي إلا بضع دقائق وكنا على متن بص «الولاية» كان خاليا من الركاب عدا نفر قليل هنا وآخر هناك، لمحت الشاب الذي كان ينظر الينا بحذر يتنصت حديثنا وينظر الينا وهو يلمز صاحبه ويهمس له: (قول للزول دا ما يتكلم مع المرة دي). بيد أن المهموس في أذنه وبدلا عن توصيل الرسالة انفجر هو الآخر: (وما الذي يسكتنا هؤلاء الناس قاموا بخداعنا). بكل اطمئنان أدرت ظهري باتجاهه مستفهمه ومن هم؟.. دنا إلى بعض الشئ وقال بعد أن أعربت له عن صفتي: (يا أختي كان اتفاقنا مع ناس المفوضية انو العربات الماشة اويل بخمسة مليون. وواو بستة مليون ونصف.. وكواجوك بستة مليون. قبل مغادرتنا إلى اويل تم توزيع المبلغ الذي استلمناه من المفوضية نظير الرحلة، مالك العربية أخد مليونين من الخمسة ووضع احتياطي صيانة العربية ماشي وجاي مليونين ونصيب السائق من المشوار مليون، ولكن الآن العربية ضربت ثلاثة لساتك وجوز اللستك ب «مليون واربعمائة وخمسين» والخيط ب «ثمانمائة». الرقعة في الخرطوم ب «خمسة جنيه» وفي عدارة ب «خمسة وعشرين جنيه ، واذا احتجيت؛ سيد البنشر بقول ليك استنى يدخل جوه ويمرق ليك بسلاح في يده ويقول ليك ب «أربعين جنيه» وتحت التهديد مافي طريقة الا تدفع، ونحن صرفنا كل ما نملك في شراء الطعام للعائدين) ويواصل (ما كنا لنأكل وأمامنا أطفال ونساء جياع فبعد أن أنفقنا كل ما بطرفنا اضطرت بعض النسوة لبيع ما تبقى معهن من «باكتة» الدقيق ب «عشرين جنيه» فقط وعندما وصلنا ربك كنا معدمين تماما لا نملك حتى ما ندفعه لنقطة العبور. ولما قلنا للعقيد الذي طلب منا التوجه إلى الرنك لن نستطيع لأن من بين الركاب جرحى علق أحدهم (بستنوهم بس) فأجابته «نحن رجال أدونا طلقة ما بستنوننا زي الاطفال»). ولكن أحدهم قاطع مستدركا: (مسؤول المفوضية أخبرنا بأن حكومة الخرطوم ستقوم بتأمين الطوف حتى نصل حدود دولة الجنوب وبعد ذلك يتولى الامن في الجنوب مسؤولية تأميننا حتى نصل المحطة الاخيرة ولكن لم تسر معنا أي قوة أمنية، فقط رافقتنا شرطة المرور. بعض السلاطين رفضوا أعطاءنا «المانفستو» دون أن ندفع لهم مقابل فتركناهم، فلحقنا بعضهم في الجريف غرب، المفوضية قالت بأنها ستزود الناقلات بالوقود قبل التحرك ولكنها لم تفعل ولم توفر وجبات للعائدين كما وعدت ايضا. قطعت- المفوضية- بأن فريقا طبيا سيرافق الرحلة ولكن لم نر ولا ممرضا فالسيدة التي وضعت في الطريقة كانت محظوظة لأن من ضمن العائدات كانت هناك قابلة، لسنا شركات فمن يعوض خسارتنا لاسيما واننا رفضنا العرض الجديد الذي عرضته علينا. عاجلته بسؤال بعد أن صمت ماذا عرضت عليكم؟ عرضت علينا دفع مبلغ خمسمائه جنيه مقابل أن نقوم بترحيل العائدين من نقطة عبور جبل أولياء إلى الرنك ولكننا رفضنا، وغدا سنحضر لنفرغ العربات مما تبقى من الامتعة ونستلم عرباتنا.
وصلنا السجانة.. من كان يجلس بجواري تساءل بثقة: (لماذا أحضرنا السائق بشارع المطار) قلت هذا شارع السجانة. فأردف: (راسنا لافي الواحد من شدة الهلع ما مصدق إنو رجع الخرطوم). دقائق أخريات وكنا عند صينية شارع الحرية ولكن يبدو أن رأس محدثي لم يكف عن اللف بعد فما أن تراءت «داخلية حسيب» من خلف زجاج البص حتى طفق بسؤال آخر (وصلنا معمل استاك)؟. أجبته .. بل هذه داخلية حسيب فما كان منه الا وان أقسم: (والله العظيم تصدقي يا أخت نحن سواقين مواصلات داخلية وما قادرين نتعرف على الشوارع)!!.
افترقنا بعد أن أقسم أحدهم جهد إيمانه وأصر أن آخذ منه، ورقة من فئة العشرة جنيهات فلم أجد غير أن أبر قسمه. ودّعوني.. خطوات وعاود أحدهم أدراجه صوبي سألني: (لماذا تبدين كل ذلك الاهتمام بهذا الموضوع؛ مؤكد أنك ستكافأين بعربة. مازحته صادقة: (لو كان ما تقول صحيحا لمن قبلت أن آخذ العشرة جنية.. افترقنا.
صباح الجمعة 30 مارس غادرت المنزل في التاسعة.. بعد أن وصلت الخرطوم واستقليت «مواصلات» جبل الاولياء حاولت كما أمسى الاتصال ب «اقووك» لعل جديدا قد طرأ على ما رأيتهم عليه من حال ولكن يريد المرء أن يعطي مناه ويأبى الله الا ما يشاء هاتف «اقووك» كان مغلقا. ولكن الاجابة التي كنت أنشدها من الاتصال ب (اقووك) توفرت لي حال اتصالي اتصلت بموظف المفوضية مصطفى يوسف الذي أجابني: (أنا في طريقي إلى الجبل)... أذن أهل العودة الطوعية لا زالوا عالقين في نقطة العبور!!
معبر رفح سوداني عند نقطة عبور جبل الأولياء
عربات العودة الطوعية التي لا يتوه عنها أحد وقد ربطت عليها قطعة «دمورية» مكتوب عليها (برنامج العودة الطوعية الخ...) تحركت من المكان الذي كانت تقف فيه بالامس تحركت إلى أقصى الجنوب وكأن من أمر بذلك رام تأكيد إصراره على أن يعودوا جنوبا. لم يختلف حال المكان الذي حركوا اليه عن الاول ليس بينهم وبين أشعة الشمس الحارقة منذ الامس واقي سوى أسقف العربات الواقفة، ليست هناك حمامات لقضاء الحاجة أو أي ستار ليقصده الرجال والنساء والشباب. ووقفت بالمكان الذي كانوا يقفون فيه عربة المفوضية وأخرى لدوريات شرطة جبل أولياء ولاية النيل الابيض بجانب «دفار» كبير لأفراد شرطة مكافحة الشغب. نساء ورجال جنوبيون يتجهون صوب المعسكر يحمل بعضهم أكياس داخلها رغيف ومياه، فيما كانت بعض النسوة يحملن «أعمدة طعام».
عندما اقتربت من المدخل رأيتهم يستوقفون كل من يهم بالدخول ويتحدثون إلى الناس بصرامة وحدة بالغين.. فتجاهلت وجودهم وتظاهرت بعدم فهم ما يجري من منع الناس ولكن... بذات طريقة الأمس استوقفوني: (ماشة وين؟ المشي بغادي ممنوع). فتراجعت إلى الوراء قليلا ووقفت مع الواقفين.. بعض رجال وشباب وبنات صغيرات من داخل المسكر يحملون «جركانات» فارغة متجهين من الجنوب ناحية مدخل النقطة حيث ترابط الشرطة وعندما وصلوا البوابة قال: (ماشين وين؟ إنتو هسة ما طلعتو جبتو موية) رد رجل أربعيني كان يحمل «جركانة» فارغة: (ناس كتيرين دايرين موية). أخذ، ورد فسماح.
حينما كانت الجنسية مبرئة للزمم
كان الخيار الوحيد أمام الزائرين لرؤية أهلهم داخل المعسكر انتظار القادمين من داخل المعسكر لاستقبال أهلهم أو انتظار من خرجوا لجلب الماء ليطلبوا منهم إخبار المقصود من أهل المعسكر بأن لديه زوار.. طال الانتظار وطال. قلت لأحد رجال الشرطة كان يحمل عصاة في يده شأنه شأن الفريق الذي كان معه بينما كان الآخرون يحملون أسلحة: (ظرفي استثنائي.. فمن أقصدها داخل المعسكر أخت لي وضعت في الطريق وأحمل لها بعض ما تسير بها أمرها لأنها لا تملك أبيض ولا أسود). سألني العسكري: (معاك بطاقة أو جنسية)؟ أجبته بالنفي - كانوا يسمحون بالدخول في حالة إيداع الزائر بطاقة أو جنسية- أشار الجندي بأن اتجه للضابط لأحكي له ظرفي عله يسمح لي بالدخول. فتوجهت اليه كان يجلس إلى جنبه آخر وقصصت له القصة فتحدث إلى بهدوء معتذرا بلطف: (شوفي الناس الوراك دي كتيرة كيف ولو سمحت ليك ما حيرضوا) وأردف (عندك بطاقة أو جنسية) لم تختلف الإجابة الثانية عن الاولى فقال لي: (معليش). ابتعد قليلا.. يقف إلى جواري خلف الحاجز الخرصاني من اتجاه الشمال أناس كثر ولكن أحد العساكر أصر على أن نبتعد عن المكان أكثر وأكثر وكان (يُهش) الناس بالعصا التي كانت في يده وهو يقول: (لو دايرين أكعب من كدا بنوريكم ليهو). استفزتني طريقتة.. سألته وماذا ستروننا أكثر مما أريتمونا؛ بل ماذا نتوقع أصلا؟ حدق باتجاهي مليا وردد ذات عبارته (لو دايرين أكعب من كدا بنوريكم ليهو).
بكاء على الأحياء قبل الأموات
مؤكد أن كل من بداخل المعسكر لم يأتوا من بيت واحد لذلك كان طبيعيا أن يستغرق بحث «المرسال» وتعرفه على المزور وقتا ليس بالقصير وما أن يحضر المزور من داخل المعسكر وتصافح عينيه عين الزائر من أهله وما أن يبلغه حتى يرتموا في أحضان بعضهم البعض وترتفع أصواتهم في بكاء حار ويزداد النحيب فور شروع الأول في سرد رواية ما ألم بهم في (رحلة الأهوال والموت) جميعهم كانوا يبكون بلا استثناء رجالا ونساء. وكان رجال الشرطة يجيلون بصرهم في تلك المشاهد. أحداهن أتت للاطمئنان على ابنها الصغير الذي كان مسافرا مع جدته «والدتها» وما أن رأت والدتها قادمة من على البعد تحمل ابنها حتى انخرطت في نوبة بكاء جنونية وكانت تردد بلغة الدينكا: (دي إهانة شنو يا ربي).
انطوني شاب لم يبلغ العشرين من عمره ما أن صافح شقيقه الذي قدم من داخل المعسكر حتى انفجر هو الآخر يبكي بطريقة لفتت الكل لدرجة أننا جميعا ذهبنا اليه نهدئ من روعه بعد أن نحى بنفسه بعيدا يردد (مش الحكومة دا حنشتغل فيهو. ليه يهينونا كدا). فهمت من عبارته أن المصائب والنواب لم تنل منهم إلا لضعفهم، وان من يفعلون ما فعلوا من قهر استقووا بالسلطة. عقارب الساعة تشير إلى الرابعة عصر ولم يتسن لي دخول المعسكر بعد. كيف أعود وقد وعدت من وعدت داخل المعسكر أمس فضلا عن انهم لا يمانعون رواية ما لحقهم (طق طق طق). لم أبرح هجير الشمس منذ أن وصلت الساعة الحادية عشرة كنت استرق الاستماع لرواية الزوار الذين يتحدثون إلى أهلهم الزائرين. إلى أن استطعت أخيرا عبور الحاجز الخرصاني إلى داخل المعسكر. لم أصدق أني دخلت المعسكر أخيراً.. أسير بحذر ما تقدمت خطوة إلا وظننت أنهم سيستوقفوني كما حدث في المرتين السابقتين، تجنبت الالتفات إلى الوراء وما أن اقتربت من العائدين حتى تعرف على أحدهم، صافحني وقال سمحوا لك بالدخول بعد أن أوشكنا على الرحيل وأدارت بعض العربات محركاتها إيذانا ببدء التحرك.
يتبع


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.