حينما كنت أتصفح بنهم (سيرة الترحال عبر الأطلنطي) للأخ الصديق والدبلوماسي والكاتب خالد موسى دفع الله، استوقفني عنوانٌ أعاد ضخ الدم إلى أوردتي التي كانت مستقرة دونما هياج وهي تستجيب لتداخلات المد والجزر عند قراءة هذا السفر العميق حتى دلفت إلى ذلك العنوان (نيالا ... المدينة التي عطست جمالاً فلم يشمتها أحد). أبدأ بشكري لك أخي خالد وأنت تكتب عن هذه المدينة الفاضلة التي رسمت زواياها وخطوطها بدقة متناهية في أوصال جل من عاشوا بها ... إن لم يكن في كلهم ... فمسحتَ عن ذاكرتنا بعض الغبار ليبدو الزمن الجميل وأعدتَ إلينا شريط الذكريات التي تجري فينا مجرى الدم في العروق. لم يسجل قلبي خفقة عشق لمكان مثلما فعل لمدينة نيالا ولم يُبق عقلي مساحة استئثار بفكرةٍ ردحاً طويلاً من الزمان مثلما أبقى لنيالا. تذكرت هنا الكاتبة أحلام مستغانمي حين تقول: (الأكثر وجعاً ليس ما لم يكن يوماً لنا... بل ما امتلكناه برهة من الزمن وسيظل ينقصنا إلى الأبد). ستظل نيالا دوماً مدينة أخرى بالنسبة لي. أشباه المدن كثيرة، ولكنها استثناءٌ فلا تشبهها مدينة. أراها أمامي فرساً أصيلةً وهى تخرج تختال بدلالها من نهر الجمال السرمدي لتنفض عنها حبيبات الماء العالقة في شعر أعرافها وذيلها السابغ. أراها رغم جور الزمان وتكلس المكان فتاةً غراءَ مُموسقةً تصطف مع صويحباتها في انتظار إعلان اسم الفائزة بمسابقة ملكة جمال المدن. لم تتزين في صالون تجميل ولم يُغطِّ جيدَها الزمرد، بل تقف مبرأة من كل شيءٍ، تعرض فقط دواخلها الحبلى بقيم المجتمع في ذلك الزمان. لقد أصبت أخي خالد وأنت تعطيها الحق في أن تختال بتنوعها الفسيفسائي. كان في نيالا كل السودان ... بل لم نكن نعرف حينها أن السودان قبائل متفرقة وأقاليم متعددة ولهجات مختلفة. كان السودان بالنسبة لنا، ونحن صغار ثم على أبواب التحول الفسيولوجي، لحمة واحدة تمثله نيالا ومن ثم باقي المدن. كانت نيالا تضاريس مختلفة. شرقها جبلي تطلع منه الشمس مشرئبة مبتسمة ... أشعتها حانية غير لاسعة. جنائنها حُبلى بخيرٍ كثير .. أشجارها خضراء وظلالها وارفة ... كأمٍ رؤوم تضم أطفالها بعد نوبات شقاوة ولهو. يشطر المدينة واديها ... فهو ماردٌ تخرجه الأمطار الغزيرة من سباته العميق في قمقمه الرابض غرباً فيفور هائجاَ ويستشيط غضباً على امتداد مجراه حتى تهدأ ثورته بعد أن يبتلع ما يجده أمامه لا يفرق بين جماد ونبات وحيوان. أما غابة (كُنْدُوَّة) التي لم يبقَ من شجرها إلا جذور عميقة تحت الأرض استعصت على عوامل التعرية فلنا معها ذكريات الصبا والأيام الخوالي. تقع غابة كُنْدُوَّة ناحية الجنوب الشرقي من المدينة. تحتضن الأسر بحنوٍ تام وهم يُهْرَعون إليها للترواح والمؤانسة. لا أنسى ذلك اليوم الذي داهمنا فيه الوادي على حين غرة فسد علينا طريق العودة، فبتنا ليلتنا تلك في الغابة ونحن نتوسد التراب الذي أرسل إليه القمر خيوطه المبعثرة، فاستحال بياضاً كاشفاً ستر تلك الليلة فكانت سيمفونية رائعة من الأحاديث المشوقة لا خوف فيها من حيوان مفترس نهابه أو بشر يصوب سلاحاً نحونا فنرهب. كانت نيالا مجتمعاً مترابطاً متماسكاً ... لا أثر فيه لقبلية ولا مكان فيه لجهوية. نخرج صباحاً جميعنا إلى المدارس في زي واحد من قماش الدمورية ونعود ظهراً إلى منازلنا وقد أصاب القماشَ شيءٌ من بقايا طعام يتفق الجميع في مكوناته. نخرج بعدها عصراً للعب الكرة في أزقة الأحياء وشوارعها ثم نعود عند مغيب الشمس لنبدأ فترة المذاكرة التي سرعان ما تقصر عندما يداهمنا النعاس فنملأ صدورنا هواءً نطفئ به المصابيح استعداداً للنوم. لم يكن الليل موحشاً في نيالا.. كان أمناً وسلاماً... كان سكينة وطمأنينة. لم تعرف أسوار البيوت فيها أسلاكاً شائكة ولا كانت الأبواب عصية بأقفال معقدة. كان الليل سباتاً... وكفى! لله درك أخي خالد ... لقد أطلقت في دواخلي فقاعات الشجى فلست أدري أيحتمل القلب ركضاً ألملمها؟ ذكرت أسماء كثيرة أعادت إلى النفس بعضاً من ذكريات الماضي التي ما زالت أسافينها مغروسة بحبٍ في دواخلي. أرى الآن التاريخ يهرول إلى الوراء ليتوقف عند بعض الشخوص والأمكنة ... تنسرب من بين فتحات الزمن صورة مدرسة نيالا الغربية الابتدائية بفنائها الواسع الممتد غرباً وشرقاً. كان هذا الفناء يشهد حركة طابور الصباح بعد أن يقرع الجرس إيذاناً ببدء اليوم الدراسي. كان طابور الصباح بداية العملية التعليمية والتربوية معاً. يصطف الجميع فيبدأ درس النظام والانضباط دونما حاجة إلى حصة. يقف الأستاذ خطيباً بكل هيبته ليبدأ درس احترام المعلم والانصات لما يقول والعمل بما يأمر. تمضي السنون تباعاً لننتقل إلى مدرسة جنوب دارفور المتوسطة (ذات النهرين) التى شهدت مولد حقبة جديدة من أعمارنا والتي تعامل معها معلمونا بكل مهنية وهم يطبقون بسلاسة وعفوية كل قواعد التربية السليمة، فكانوا لنا المرشد والمنار ونحن نخوض أتون تيار مرحلة الشباب. لن تطمس الأيام أبداً ذكرى المربي الكبير الأستاذ السماني الشعراني، مدير المدرسة آنذاك، الذي كان في نفسه مدرسة متكاملة ننهل منها العلوم أنفعها والأخلاق أكملها. من بين الأسماء التي نقشت على جدران القلب وجودها الأبدي فى تلك المدينة أستاذنا الكبير علي خميس (عليه رحمة الله) مدير مدرسة نيالا الثانوية الذي غرس فينا حب الأمكنة فأحببنا مدرستنا كأمٍ لنا كيف لا وهي تُعدُّنا لِوُلُوج عالم الجامعات. لا يكتمل الحديث عن نيالا الثانوية دون ذكر أستاذنا الجليل كربيش (نسأل الله له الرحمة أيضاً) ذلك المعلم القامة، الذي كنا نهابه احتراماً فيبادل احترامنا له حباً وعطفاً وأبوة. أما رفاق الصبا والدراسة فهم كثرُ... الأخ عبد الله الربيع، الذي يحمل القرآن في صدره، حفظاً ومعرفة، فامتلك به نواصي اللغة وآدابها... الأخ عارف علي سعيد تكنة، القانوني والشاعر والإذاعي، الذي يمتلك رصيداً هائلاً من القصائد التي ينظمها بلغة قوية رصينة وهو لم يزل ابن عقدين من الزمان. أذكر أيضاً ذلك البرنامج الإذاعي (واحة الأدب) الذي كان يضم ثلاثتنا، الربيع وتكنة وشخصي، فكنا نلتقي كثيراً في مراحل إعداده لنتبادل الأفكار والرؤى. كان من يشرف على إعداد هذا البرنامج الأخ الصديق الشهيد عبد الحي الربيع، ذلك السمندل الذي غاب في أحداق تَلُوْدِي والذي ارتحل عن دنيانا مثل النُّوَّار خِلسة كما كتب عنه الأخ خالد موسى في مقاله الرصين الذي نشرته صحيفتا «الإنتباهة والسوداني». بكيت بكاءً مريراً كطفلٍ غرير لا يعرف ما يريد وأنا أتذكر عبد الحي الربيع... حط السوادُ رحاله على قلبي كأنه عباءة امرأة ثَكْلَى وكأنّ قدري أن أختم مقالتي بكاءً على فراق مدينتي نيالا وأنا أجتر ذكريات الماضي وذكرى استشهاد الصديق الرائع عبد الحي الربيع ذلك الإنسان الملاك الذي كان يحلق في مدن السودان المتناثرة أداءً لواجبه فحلقت روحه لتنكفئ على سفوح جبال تَلُوْدِي. نيالا أيتها المدينة الفاضلة... أُمْسِكُ عن الحديث عنكِ الآن... صار المداد دموعاً أغرقتني وقلمي!