المريخ يهزم الثغر بدوري بورتسودان    سؤال إلى الأمن الاقتصادي بجهاز المخابرات العامة    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    المريخ كسلا يحدد موعد جمعيته العمومية    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    جوادريولا يفقد البوصلة وارتيتا يفعل بند الفوز بأي ثمن    سلاح المهندسين يسلم إدارة المتاحف والآثار مقتنيات تاريخية وكنوزا أثرية نهبتها مليشيا آل دقلو المتمردة وتم استردادها    عدوان وثأر، بين رائعين وأشرار !!    الصادق الرزيقي يكتب: الخلاف بين موسى هلال وحميدتي لماذا وكيف (3)    هري بورتور    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (شاهد يحسم)    هجوم مسلّح في جنوب السودان    مجلس الوزراء يُجيز الخطة الخمسية لحكومة الأمل 2026 – 2030م    الناطق الرسمي للقوات الخاصة يكشف تعليمات بشأن التصوير    صاحب لقطة شهيرة مع مورينيو.. من هو ساكرامنتو مساعد محمد وهبي مدرب المغرب الجديد؟    الصحة تحذر : الفيلر والبوتكس والخيوط تجرى تحت إشراف استشاري    اكتشاف 37 بروتينًا لإبطاء الشيخوخة لدى المُعمرين    بسبب الأعلى مشاهدة.. حرب باردة بين عمرو سعد والمخرج محمد سامي    أربيلوا يعترف : الأجواء في ريال مدريد "ليست إيجابية"    خلايا الأسنان اللبنية تُعالج الشلل الدماغي    عثمان ميرغني يكتب: أين أخطأت إيران؟    شاهد بالفيديو.. أغرب قصة يمكن سماعها.. سيدة سودانية تقع في غرام شاب بعد نزوحها من الخرطوم وقبل الإرتباط به اكتشفت أنه إبنها    شاهد بالفيديو.. لماذا تدعم الإمارات مليشيا الدعم السريع؟ إعلامي مصري شهير يكشف الأسباب!!    بالصورة.. بعد أن أذاقها مرارة الظلم والإتهامات.. شاهد أول تصريح من الفنانة إيمان الشريف بعد إلقاء القبض على التيكتوكر "بارود" وإيداعه في السجن    شاهد بالصورة والفيديو.. جنود بالجيش السوداني يصنعون "العصيدة" بنفس حماسهم في القتال    بالصورة.. التمديد للجنة تسيير المريخ بقيادة مجاهد سهل لعام آخر واضافة أسطورة النادي للقائمة    التربح من تيك توك بين الحلال والحرام.. علي جمعة يوضح    القوات المسلحة تحرر مدينة بارا من سيطرة ميليشيا الدعم السريع المتمردة    روسيا تدق ناقوس الخطر: حرب إيران قد تدمر الاستقرار العالمي    تحركات ملحوظة في سعر الريال السعودي    البرهان يمتدح الأدوار العظيمة للقيادة الجوالة في تعزيز انتصارات حرب الكرامة    بعثة نادي الهلال تتوجه للمغرب لمواجهة نهضة بركان    هند صبري: دوري في "مناعة" يحمل مناطق رمادية وتناقضات إنسانية    عاجل.. قطر تعلن عن تهديد وتطالب المواطنين بالبقاء في المنازل    الدولار يواصل الصعود والذهب يرتفع    دراسة : التعرض لضجيج المرور ولو ليلة واحدة يضر بالقلب    بودرة التلك تُسبّب سرطانات الرئة والمبيض    (60) مليار دولار خسائر القطاع الصناعي في السودان جراء الحرب    بيان مهم للطاقة في السودان بشأن الوقود    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    الحرب الإيرانية وارتداداتها المحتملة على السودان    هلال كوستي يواصل تألقه الثقافي في ليالي رمضان.. وأغاني الغربة والحنين تشعل دار النادي    تواصل ارتفاع اسعار محصول الذرة بالقضارف    تعطيل الشحن..أسعار النفط تقفز إلى مستويات عالية    وزير الصحة يشيد بجهود الصليب الأحمر في دعم الخدمات الطبية بالسودان    "شركات الفكة" في الواجهة... اتهامات بتجاوزات في تصاديق استيراد الوقود بالسودان    فرق الإنقاذ البري بقوات الدفاع المدني ولاية الجزيرة تنتشل جثماناً من بئر بمستشفى الكلي في أبو عشر بعد عملية دقيقة معقدة    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    السودان.. مباحث مكافحة سرقة السيارات تطلق تحذيرًا    جديد واقعة بدلة الرقص في مصر.. أقوال الفتاة وإحالة المتهمين للجنايات    بالصورة.. الفنان مأمون سوار الدهب يكتب عن علاقته بشيخ الأمين ويتحدث عن الصورة المثيرة لشيخه مع المطربة هدى عربي    ألقت رضيعها بالقمامة فنهشته الكلاب أمامها…جريمة تشغل الليبيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التجاني حاج موسى : كنت من القيادات الثقافية في الإنقاذ طوال عشرين عاماً.. ولست نادماً
نشر في النيلين يوم 19 - 12 - 2013

(طلعت القمرا.. أخير يا عشايا تودينا لأهلنا) ... التجاني حاج موسى مدرسة شعرية عذبة تغنى لها (محمد ميرغني ومحمد أحمد عوض وأبو عركي البخيت والبلابل ومحمود عبدالعزيز وصلاح مصطفى وخوجلي عثمان والنور الجيلاني وآخرون كثر)..
هذا الرجل قصيدة سمراء هامسة تتجول بيننا لا تراه إلا هاشاً باشاً خفيض الصوت دائم التبسم لديه الشعر سلوك إنساني لذا يشبه نصوصه الى حد التلاصق!
في هذا الحوار تطرقنا لحياته بحلوها ومرها، لامسنا اليتم الباكر وتوقفنا عند ذكريات الطفولة والحب الأول بارتعاشاته ومخاوف خفقان القلب للمرة الأولى، ثم وضعنا القلم على حي العباسية الذي رفد الأغنية السودانية بالثلاثي (زيدان إبراهيم وعمر الشاعر) قناديل أضاءت أغنيات لم يغازل صهيلها غيرهم..
التجاني حاج موسى مدرسة شعرية عذبة تغنى لها (محمد ميرغني ومحمد أحمد عوض وأبو عركي البخيت والبلابل ومحمود عبدالعزيز وصلاح مصطفى وخوجلي عثمان والنور الجيلاني وآخرون كثر).. كان يشكل مع كل مغنٍ حالة مغايرة وغير متشابهة مع غيره!
في هذا الحوار أزاح النقاب عن حياته الخاصة ونستطيع أن نقرأ من وراء السطور آراءه السياسية وميوله الحزبية ولو أنه لم يصرح، وذكر بمنتوجه في مجال المسرح وأدب الطفل وعن الأسباب التي جعلته يقلع عن الشعر الفصيح ويساكن العامية.. وعن تحليله لظاهرة تمرد الأدباء والفنانين على العُرف وعن رسالة يبعث بها عبر هذا الحوار الى وزير الثقافقة !.. وعن.. وعن..
نبدأ معك منذ الطفولة الباكرة (في استرجاع عميق) ما هي أبرز ملامح الناس والأشياء في الدويم حيث مسقط رأسك؟
كما تفضلتي أنا من مواليد الدويم عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، والمنزل الذي شهد ميلادي وطفولتي لا زال قائماً وعندما بدأت الإدراك علمت أني (يتيم الأب) فوالدي عليه رحمة الله فارق الدنيا وأنا في الثانية من عمري، وأنا ابن امرأة مكافحة رفضت الزواج وعاشت شبابها أرملة وفضلت بيع اللقيمات والطعمية وصناعة السعف من أجل تربيتي وحتى لا أشعر بالنقص والفراغ الذي تركه الوالد.. وأنا أحدثك الآن أكاد أرى المنزل الذي ولدت وترعرعت فيه كان ملكاً لوالدي عشت فيه مع أمي وخالاتي الثلاث وكان البيت أشبه بخلية النحل الجميع يعمل ويكد ويعرق.. كانت أسرة فقيرة وأكاد أسمع الآن ضحكات والدتي وخالاتي (زمزم وزينب وعرفة) وهن يغزلن خيوط الطواقي أو يضفرن السعف في مرح طفولي يتغلب على تجهم الفقر والفاقة، وخالاتي الثلاث تزوجن من جمهورية مصر وكنت أشعر بأبنائهم وبناتهم مثل الإخوة والأخوات والأشقاء.
اليتم شعور قاسٍ (الحاجة دار السلام) اجتهدت في الإنفاق عليك، لكن هل كانت متساهلة أم صارمة معك في طفولتك الأولى؟
في طفولتي الباكرة كنت أشعر أنني رجل في الأربعين من العمر، وكانت والدتي تردد على مسامعي أنت (راجلي وولدي)، وأذكر في أول يوم أردت الالتحاق بالمدرسة الأولية وأنا في السادسة من العمر أرادت أن ترافقني الى المدرسة فانتهرتها قائلاً: (أنا راجل بمشي براي)، ولمعهد التربية بخت الرضا فضل كبير في صقلي إنسانياً وثقافياً..
تحدثت عن فقر الأسرة وانخراط جميع أفرادها في عمل متواصل لأجل توفير لقمة العيش، بالتأكيد لم تكن هنالك مكتبة في البيت والاهتمام الثقافي يُعد رفاهية، فكيف حققت الاختلاف؟
منذ الأولية حتى الثانوي درست في معهد التربية بخت الرضا وكانت به مكتبة ضخمة، ونحن أطفال صغار شاهدنا عروض مسرحية حماك بيث وشكسبير وعدد من رموز المسرح العالمي وكنا نشترك كومبارس مع الأساتذة في هذه المسرحيات، وأذكر حتى الآن العيد السنوي للمعهد وقرأنا كل القصص والروايات الإنجليزية وفي المرحلة الثانوية بدأت كتابة الشعر وبدأت مقلداً لعظميات القصائد العربية وكاتباً في رويها ثم تحررت من هذا المسلك وبدأت في كتابة شعري المختص.
هنالك مقولة التف حولها عدد من الأدباء والفلاسفة مفادها أن الآداب العظيمة وليدة الآلام العظيمة، كيف تجد هذه المقولة؟
هي مرادفة للمعاناة تخلق الإبداع، لكن مجتمعاتنا تحصر الألم في (الجيب)، بينما الألم الروحي والنفسي أشد مرارة وتوحشاً، مثلاً (بوذا) الفيلسوف الشهير نشأ منعماً وبطراً ولكن كانت نفسه حزينة ومنكفئة لأنه أحس بأوجاع الجوعى والمحرومين والحزانى، والأدب والفن هما حالتان ملازمتان للتأمل الذي يولد الحزن، والفن عندي احتراق إنساني يضئ لآخرين عتمة آلامهم ولكن لا يجد المبدع لعذاباته سلواناً، المهم أنا أسقطت أوجاعي على الفنون وكنت أرأس الجمعية الأدبية كل اثنين وأنا بعد طالب في المدرسة كنت أرسل قصائدي بالبريد للصحف وكان الناشر أستاذي محمد يوسف موسى وما أن تنشر لي قصيدة حتى أشتري (عشر نسخ) وأشعر بفرح لا يوصف في المرحلة الوسطى كنت أكتب بالفصحى و..
لابد أن تكون هنالك قصة حب (صغيرة ولامعة) عشتها في الدويم قادت الصبي مجبراً الى دهاليز الشعر؟
أيوة.. نعم.. طبعاً كانت بنت الجيران كنا صغار ومعبأين بالشعر والأدب، لكن عموماً مراهقتنا كانت هادئة وخالية من النزعة المادية والدويم وقتها مدينة صغيرة محاطة بسياجات قوية والحب كان في القلب بس!.. سمعتي بأغنية (طلعت القمرا.. أخير يا عشايا تودينا لأهلنا) كان كده بالضبط فكل بنت في الدويم هي أختك ولكن يمكن أن تكون إحداهن أختك علناً وحبيبتك في الخفاء، وتجربة حبي الأولى كتبت فيها (قصر الشوق)، (باب الريدة وانسدَّ وقصر الشوق واتهد تمر أيام ونقعد نحسب في المدة) الحبيبة جاء أحدهم مغترباً وحملها وذهب، المهم حتى أغنية (ليه كل العذاب ليه كل الألم)..
في حوار تلفزيوني أجريته مع الراحل (زيدان إبراهيم) ذكر أنك كنت شاعر (عربية فصحى) وطلب منك الكتابة بالعامية حتى يتغنى لك واستجبت لطلبه، ب(قصر الشوق)؟
الله يرحمه صدق، هو طلب مني ذلك وفي الأصل القصيدة كانت مكتوبة وموجودة في الدويم وكنت أستحي من تقديمها كانت مكتوبة وموجودة في الدويم، وكنت أستحي من تقديمها باعتبارها (ذكريات خاصة) وعندما طلب مني قصيدة بالعامية ذهبت الى الدويم وأحضرت أصل النص، وبعد نجاح القصيدة المغناة أيقنت أن العامية هي صاحبة الجماهيرية الأعلى والراحل المقيم زيدان إبراهيم أنا مدين له مدى الحياة لأنه حرك الساكن.
حدثنا عن (حي العباسية) الذي احتضنك في الشباب الباكر وشكلت فيه برفقة زيدان وعمر الشاعر مثلثاً إبداعياً عذباً؟
أعتقد أني شخص محظوظ لدرجة بعيدة، أولاً مدينة الدويم تلكم المنارة العلمية والقرية الوادعة حيث الأندية الصغيرة بذرت في داخلي حب الثقافة والشعر، ثانياً (حي العباسية) الأمدرماني العريق الذي شكلنا فيه مثلثاً كما ذكرتي بالإضافة الى وجود الشاعر الفخم صلاح أحمد إبراهيم والمرحوم الفاتح كسلاوي وعلى مقربة من بيتي عوض أحمد خليفة.. المهم أنه كان حياً مفخخ بالدهشة، وأذكر أننا كنا نحتفي بميلاد أي أغنية جديدة ونقيم احتفالاً (عديل كده) ونقيم الورش ونتبادل الآراء، وكما أسلفت أنا محظوظ ابن الدويم يأتي الى العاصمة فيتحضن من قبل زيدان إبراهيم وبسببه قدمت الأغنيات، وبعد مرحلة (الهواة) أتت مرحلة الاحتراف واهتممت بأن يكون الشعر رسالة وتربية وكتبت أكثر من (250 نصاً) للأطفال رأى أكثر من (80 نصاً النور التغني)، منهم على سبيل المثال (دنيتنا الجميلة ومتشكرين ومقدرين) الى جانب مسرحيات (أمي العزيزة) وكان الراحل (محمود عبدالعزيز) أحد أبطالها.
رغم توغلك في الثقافة ودراستك للقانون لا زلت غارقاً حتى أذنيك في معضلة الأدب الشفاهي فكل ما أخبرتنا به آنفاً لم يرَ النور في إصدارات؟
أنا زعلان من ناس الإذاعة والتلفزيون لأنهم لا يولون أدب الطفل أدنى اهتمام مثلاً مسرحية (أمي العزيزة) مسجلة في التلفزيون القومي ولكنها لم تبث ولا مرة واحدة! نحن بحاجة للتنوير والتبشير بأدب الطفل، فالخطاب الثقافي للطفل هزيل والأجهزة زاهدة لماذا لا أدري لكن قطع شك التوثيق مسألة مهمة للغاية، الحمدلله الغناء المسجل في الإذاعة سيظل موجوداً وموثقاً لكني أفكر جاداً في طباعة أدب الأطفال (شعر ومسرح) في مطبوعات مخصصة وبالمقابل المبدع السوداني غير متفرغ، فالشعر وحده لا يوفر لي المطالب الأولية ولابد لي من عمل آخر، السودان حتى الآن لم يفقه كنه صناعة الثقافة، خارج السودان تتبنى جهات حكومية أو خاصة نفقات الطباعة وريع المطبوع يجعل المبدع يعيش في رغد من العيش.
عندما أتيت من الدويم الى (الزهرة المونقة) طالباً جامعياً في شرخ الشباب الأول، أيضاً كانت لك أقاصيص عاطفية دافئة في الجامعة ولدت قصائد عذاب؟
طبعاً هذه فترة ذروة الشباب، كانت لدي بعض التجارب العاطفية الشخصية التي (باءت بالفشل) فخرجت قصائد مثل (جاي تفتش الماضي) هذه قصة حقيقية حصلت في الجامعة وكذلك (أظلم من ظلم) و(من بعد ما فات الأوان) و(تباريح الهوى).. عموماً في الجامعة عشت تجربتين لم تكللا بالنجاح، وعموماً اكتشفت تعاطف الجمهور مع أغنيات (الشواكيش) وفي فترة كانت الرسائل العتابية بين الأحبة تحمل مقاطع من قصائدي مثلاً (مسامحك ما عشان عينيك، عشان تتعلم الغفران وتصفح لو زمن جار بيك).
أعذب الشعر أصدقه، ظلت تجاربك الواقعية منهلاً رائعاً لشعرك نرى بعض الجمل المبهمة هنا وهناك مثل (حاجات تانية حامياني) شنو الحاجات دي؟
(ضاحكاً).. ما متذكر الآن، لكن مؤكد كانت شيئاً هامشاً وخافتاً وصغيراً ولكنه يلح على ذاكرتك بعنف فعقب كل تجربة حب وبعد أن تخمد النيران المشعرة تتجول بين رماد الذكريات فتلسعك جمرة صغيرة لا زالت حبة وقد تكون لكمة أو عطر أو منديل أو صورة.. المهم شئ صغير مثل عود الثقاب يشعل شيئاً كبيراً مثل الحريق.
هل الشعر (عاطفة محضة) أم وسيلة توظف لمناهضة الواقع السياسي، هل هو فن أم تبشير؟
في مرحلة معينة الشاعر يكتب في لحظة تداعي وجداني وبعد نضوج التجربة والوصول الى الاحتراف يستطيع أن يكتب قصيدة حسب (الطلب) ولا أرى عيباً أن يأتي شخص ويطلب قصيدة في مناسبة خاصة به و...
هل حدث أن كتبت قصيدة تعبر بها عن لسان حال شخص آخر؟
نعم.. قصيدة (واحشني) التي يشدو بها أبو عركي البخيت فهي تجربة خاصة صغتها له شعراً، كذلك أغنية البلابل (حبايبنا) هي تعبير نيابة عن الأخت الفنانة هادية طلسم وبالتالي يستطيع الشاعر أن يجسد أحاسيس الآخر، هذا من الزاوية العاطفية، أما الناحية السياسية فأنا لا أحب السياسة ولكني أعشق الوطن لذا كتبت قصائد وطنية، وبالمناسبة أنا لم أنخرط في تنظيم سياسي راتب، لكن في الثانوي أعجبت بالقومية العربية وبعدها انعتقت منهم وفتنت بالتجربة الإسلامية، ثم انعتقت من الالتزام الحزبي الصارم، أما فترة الجامعة كان هنالك غزل مع اليساريين لكن الجيد في الأمر أن كل الأيدلوجيات المطروحة وقفنا عليها وانتهينا الى نتيجة أنه ينبغي على المبدع ألا يحبس نفسه في أيدلوجيا محددة، فالمبدع نفسه مشروع كبير يجب أن يطل من نوافذ متعددة، ورغم ذلك كتبت قصائد وطنية كما أسلفت مثلاً (بحبك يا سوداني) للراحل المقيم خوجلي عثمان وحوت وجهة نظر سياسية وحدوية تدعو لقيمة حب الأوطان، كذلك عملت مع الموسيقار صلاح مصطفى أوبريت كان يتحدث عن الحرب، حاولت أن أطرح من خلاله وجهة نظري كمواطن مناهض للحروب (يا ماشي للميدان كلم أخوي عثمان قول ليهو ناس البيت والحلة والجيران .. مستنين جيتك ودي الحنة في رمضان والحاجة بتقول ليك لو روحك الطاهرة سلمتها الديان .. برضو الفرح حيتم وعروسك الحلوة حتكون هي السودان ابشر عديلة وزين بكرة الحرب حتقيف .. ويقيف معاها نزيف .. ويعم بلدنا خريف .. هطَّال بيروي الطين) هذه ملحمة تغنى بها خوجلي عثمان وعثمان مصطفى وعابدة الشيخ والمرحوم عبدالله دينق وحمد الريح لكنها لا تبث الآن نهائياً، فكل الكلام الذي ذكرته عن تغافل التلفزيون مع أدب الأطفال أسقطه الآن كاملاً على تعامله مع الأغنيات الوطنية.
إذا انتقلنا من الخاص الى العام السؤال يعبر عنك شخصياً ولكنك معايش وشاهد عيان على تجارب مبدعين كثر تمردوا على العرف وغيره وأضروا بالذات وهذه الأمثلة يمكن أن نسقطها على المبدعين العالميين جاكسون، وبوب مارلي، وداليدا ووينتي هيوستن وغيرهم.. برأيك ما هي الأسباب؟
المبدع شخص استثنائي وشفيف الدواخل، أولاً ليس كل مبدع مدمن أو منتحر، ولكن في المقابل لا تستطيع أن تنفي وجود عدد مقدر من هذه النماذج وأعتقد أن المبدع بمثاليته العالية وشفافيته المفرطة ربما يلجأ الى (الإدمان) مثلاً وهو ما تفضلتي وأشرتي اليه (بالإضرار بالذات) فهذه النماذج ذوات معذبة رافضة للواقع، ولكنها عاجزة عن التغيير لا لسوء فيها ولكن (اليد الواحدة ما بتصفق) نتيجة شفافيتها فإن الآلام تخترقها أكثر ولأن قلوبهم بيضاء فإن آثار الصدمات تنطبع عليهم أكثر لذا يلجأ البعض للهروب من الواقع بأدوات تؤذيه هو دون غيره وأعتقد أنه موضوع يحتاج الى دراسات أعمق وأكثر استفاضة ولدينا عدة أمثلة احترقت في السودان فقط في دنيا الشعر والأدب (إدريس جماع ومعاوية محمد نور .. وغيرهم)..
رافقتك لأقل من خمسة أمتار وشاهدت إقبال الناس عليك وتفقدهم لأحوالك بصراحة ماذا أخذت منك الشهرة وماذا أضافت؟
محبة الناس هبة من الله، وهي تدفعني لتقديم المزيد، فمجرد أي طفل وامرأة عجوز تستوقفني في الشارع وتشيد بإحدى أغنياتي هذا يفعل فيَّ الأفاعيل (صراحة يعني) ولكي أن تتخيلي وفاة والدتي (الحاجة دار السلام) في السابع من رمضان الماضي جموع بشرية مهولة من البسطاء والمثقفين والساسة ورموز المجتمع فشعرت أن أغنية بسيطة وعفوية مثل (أمي يا دار السلام) حولتها من كلمات الى شرايين وأوردة وأنفاس تسعى بين الناس ولو أردنا إسقاط هذا الأمر على الواقع أقول إن الشعر والثقافة لديهما القدرة على التغيير الإيجابي للسودان فالماكينة التي تدفع بقاطرة الاقتصاد والسياسة وكل شئ هي (الثقافة) وأستطيع أن أسوق أدلة مقنعة أن أسباب مشاكل السودان ثقافية في المقام الأول، وبإهمالها تفاقمت وتمددت.
الموسيقار المصري محمد عبدالوهاب كان يردد (زواج المبدع مشكلة عزوفه عن الزواج كارثة) وقبيلة الشعراء بالذات أميل إلى (التعددية العاطفية) تجربة الزواج والانتماء (لحزب عاطفي واحد) كيف تقومها بشفافية؟
أنا محظوظ ومدين لزوجتي التي قضيت معها أكثر من ثلاثة عقود فهي إكرام وإنعام من الله ورغم أننا لم ننجب إلا أنها (رفيقة الدرب الطويل من قلبي ديمة بقدرك .. مؤكد مستحيل في يوم أسيبك أبدلك) تغنى بها محمد أحمد عوض (بيتك نضيف راشيهو نور وعيشتك هنا عيشة السرور وأنا من لقيتك يا نداي قام فرحي نما واكتمل ونتقاسم الأحزان سوا ونتقاسم الأفراح سوا
في قربنا أو في النوى القاسية بتهون لي معاك في عشنا الهادي الأمين).. هذه الأغنية كتبتها لزوجتي وحبيبتي ورفيقة دربي وتغنى بها محمد أحمد عوض وثنائي الدبيبة.. الشاهد في الأمر أني أؤمن بأن هنالك أقدار لا فكاك منها، لما تشوفي المعادلة دي وهبني الله زوجة صالحة ولم يهبني أطفالاً هذه هي الحياة لا تستطيع أن تحقق كل شئ لكن أن تستطيع تحقيق مفهوم (السُّكنى) بينك والشريك الآخر هذه منتهى النعمة وأنا بقول جملة أخيرة، زوجتي استحالت الى نساء عدة وأغنتني بها عن من سواها.
كلمة أخيرة؟
أقول أنا أحد الذين اختارتهم الإنقاذ من الضرائب في بدايتها وشغلت مواقع قيادية من آخرها (الأمين العام للمجلس الاتحادي للمصنفات الأدبية والفنية) أكثر من عشرين عاماً كنت قيادياً في هذه الإنقاذ، داير أقول أنا لست نادماً على هذه الفترة، فقد استطعت أن أنوب عن قبيلة الإبداع على مستوى سدة الحكم ولأن لدي رسالة لوزير الثقافة نحن بالمعاش ونستطيع أن نكون معك ونعطيك خبراتنا المتواضعة في كيف يمكن أن تدار العملية العملية الثقافية في السودان وأتمنى له التوفيق وأن يهيئ الله سبحانه وتعالى للوطن ظروفاً اقتصادية أفضل حتى تتوفر المعينات المادية للعملية الثقافية في السودان.
مشكور وسعدنا بلقائك؟
الله يكرمك.. وأجمل المنى والتحايا لكل قراء الجريدة ولك ابنتي العزيزة.
صحيفة الجريدة
عفراء فتح الرحمن


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.