شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة.. تيكتوكر مغربية حسناء ترد على تعليقات الجمهور بشأن علاقتها العاطفية وارتباطها بصديقها اليوتيوبر السوداني    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    إيطاليا تقترب من المونديال    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خلاص بكيتوا وانفضيتوا؟!
نشر في الراكوبة يوم 20 - 01 - 2013


تأمُلات
خلاص بكيتوا وانفضيتوا؟!
كمال الهدي
[email protected]
لا شك في أن محبة الناس لأي كائن بشري شيء جميل وهي هبة من الخالق عز وجل.
وما شهدناه في الأيام الفائتة من محبة للمطرب الشاب الراحل محمود عبد العزيز رحمه الله رحمة واسعة وأنزله منزلة الصديقين والشهداء شيء يفوق الوصف.
الحشود البشرية الهائلة التي تدافعت نحو دار الفقيد بالمزاد عكست المكانة الكبيرة التي أوجدها الراحل لنفسه وسط الكثير من مختلف شرائح أبناء الوطن.
رغم الحزن الكبير الذي لف الجميع، إلا أنني سعدت بتلك الحشود الكبيرة لأن وراءها بالطبع كم هائل من الدعوات ومعروف أن دعوة المسلم لأخيه المسلم المتوفي هي خير زاد له بعد رحيله.
والمغني عندما يتوفاه الله سبحانه وتعالى فإن أفضل طريقة للتعبير عن حبنا له هي أن ندعو له الواحد الأحد أن يتغمده بواسع رحمته ويفتح له أبواب جنانه.
وجميل جداً ما سمعناه وعرفناه عن الراحل محمود من أعمال بر وخير لا تحصى ولا تعد وبذل وعطاء خلال حياته القصيرة وهذا هو زاده الحقيقي بعد أن اختاره رب العزة إلى جواره.
كل كلام عن طيبة وبساطة وتواضع وحب محمود لفعل الخير مطلوب في هذا الوقت لأنه يحفز الجميع على الدعاء له ليل نهار، وكما نعلم جميعاً فإن الإكثار من الدعاء للميت فيه الكثير من الرحمة له.
لكن ما استغرب له هو تعامل شريحة واسعة من المثقفين مع وفاة الشخصيات المشهورة بشيء من المبالغة والإفراط.
فالبعض يحدثوننا عن محمود كقائد وناصح ومُشكل لوجدان الشباب، وهو حديث لا أظنه دقيقاً.
ومثل هذا الكلام يصب في رأيي في خانة ركوب المثقف والمفكر السوداني للموجة دائماً وهي إحدى الآفات التي يعانيها هذا البلد الممكون والمثقل بالجراح.
فمحمود عبد العزيز (رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الجنة) لم يكن مفكراً ولم يحظ بتعليم عال يؤهله للعب أي من الأدوار التي تناولها البعض.
صحيح أنه كان مطرباً متمكناً وصاحب صوت قوي وطروب ولديه قاعدة جماهيريه لا تخطئها العين، أما الحديث عن قيادة الشباب وخلافه فهو يتطلب نوعاً مختلفاً عن شخصية محمود رحمه الله.
فلماذا كلما مات نجم يحاول معظمنا ركوب الموجة والكتابة عنه بطريقة لا تكون دقيقة في الكثير من الأحيان؟!
عندما يركب المثقفون والمفكرون الموجة ويحاولون مجاراة أصحاب الأجندة الخاصة الذين لا مانع لديهم من التكسب على حساب مرض وموت وخصوصية نجوم المجتمع تصبح المأساة التي يعاني منها الوطن مضاعفة.
من حق أي واحد منا، بل المطلوب منا جميعاً أن ندعو لمحمود كشخص اختاره الله إلى جواره، وأن نذكر محاسنه.
وما أجمل الحديث عن عطائه اللا محدود ووقفته مع الفقراء والمحرومين واليتامى، وأعتقد أن هذا الجانب من حياته أكثر من كاف عندما نريد أن نذكر الناس بجمال هذا الإنسان.
لكن ما لا نحمده ولا نستسيغه هو أن يجاري كل واحد منا وسيلة إعلامية أو صحفي يريد أن يتكسب ولو على وفاة هذا الشاب الجميل.
فما ظللنا نتابعه منذ أيام مرض محمود الأخيرة وحتى وفاته المفجعة يشير بوضوح إلى رغبة البعض الشديدة في استمالة بعض محبي هذا الفتى رحمه الله.
وقد أصبحت هذه عادة محببة لبعض أجهزتنا الإعلامية والمؤسف أن بعض المثقفين والمفكرين وجدوا أنفسهم فيما يبدو مضطرين لمجاراتها حتى لا يفوتهم قطار الشعبية الواسعة.
وها نحن نلاحظ أن الجميع وبعد وفاة الفقيد الكبير يحاولون أخذ نصيبهم من الكعكة.
السياسيون لا يتورعون، فالمؤتمر الوطني ينسب محموداً له.. والحركة الشعبية تقول ضمناً أنه ولدها والمعارضون يرون أنه كان نصيرهم في حربهم ضد النظام.
والرياضيون أرادوا حقهم أيضاً فبعض أهل المريخ يذكرون الناس بمريخية محمود الآن وقد حاولوا بالأمس الاستفادة من وفاته في تحقيق المزيد من الحضور الجماهيري لمهرجانهم لأن ناس عصام الحاج يريدون المال بأي شكل.
ولعلكم شاهدتم شقيق المرحوم محمود جلوساً في المهرجان، وليته جاء لوحده، لكنه جلب معه صغيري المرحوم.
لا يمكنني أن أفهم مشاركة شقيق شخص في احتفال أو مهرجان بعد أيام فقط و ( البكاء ما زال حاراً).
وهذا يشير بوضوح إلى مشكلتنا الاجتماعية التي تفوق مشاكلنا السياسية والاقتصادية حدة وسوءاً.
وما أستغرب له أكثر هو هذا البكاء بحرقة ومرارة على الأفراد، وفقدان هذه العاطفة عندما يتعلق الأمر بوطن بأكمله.
من يقول أن محموداً ( رحمه الله) قد شكل وجدان محبيه من الشباب لا يبدو دقيقاً فيما ذهب له لأننا شاهدنا منظراً غير جميل بمطار الخرطوم من مجموعات من الشباب قاموا بكسر البوابة ودخلوا إلى مدرج الطائرة معرضين أنفسهم والآخرين للخطر ومتسببين في تأخير بعض الرحلات التي قد يكون فيها بعض المرضى المسافرين للاستشفاء خارج بلدنا الذي لم يعد قادراً على تقديم العناية الطبية ولو لنزلات البرد.
أليس غريباً أن يتصرف من يبكي على فراق مبدع بهذه الهمجية؟!
هذا تناقض غير محبب ويجب الوقوف عنده.
وما يجب الوقوف عنده أيضاً هو عواطفنا الجياشة وانفعالاتنا اللحظية التي لا تدوم طويلاً ولا يكون لها أي تبعات.
ولا أشك مطلقاً في أن كل الحشود البشرية التي ملأت بيت أسرة فقيد الشباب وكل ذلك البكاء وكل تلك الدموع الغالية ستنتهي بانتهاء مراسم الدفن.
حيث لم يحدث أن وظفنا حالات حزننا أو فرحنا فيما يمكن أن يفيد على المدى البعيد.
جميل جداً أن يجتمع كل أولئك الناس لحظة الإعلان عن وفاة محمود، لكنهم عبروا عن حزنهم بسلبيتنا المعهودة وسكبوا الدموع وما هي إلا أيام وستنسى غالبيتهم كل شيء.
لا أقول ذلك افتراءً على الناس، لكن لدينا تجارب سابقة، فالفنان الجميل والكبير والظاهرة الراحل مصطفى سيد أحمد شكت عائلته بعد وفاته أكثر من مرة من الإهمال، رغم أن قاعدة معجبيه وعدد من بكوه وحزنوا على فراقه لم يكونوا أقل مما شاهدناهم في اليومين الماضيين بعد وفاة محمود.
وكما نقول فالجواب يكفي عنوانه، فكل هذه الحشود البشرية لم ترسل ولو مجرد رسالة احتجاج بسيطة للمسئولين عن الأسباب التي فرضت على عائلة محمود تسفيره إلى الأردن وهو في تلك الحالة المتأخرة.
لم يتساءل الحزانى لماذا وصلت الأمور الصحية لدى الفقيد لتلك الدرجة رغم أنه كان طريح أحد أكبر المستشفيات الخاصة؟!
ولماذا لا توفر هذه الدولة - التي يتجمل وزير صحتها الولائي كل يوم عبر مختلف أجهزتنا الإعلامية- ولو القليل من الرعاية للمرضى.
وإذا كان النجوم مثل محمود تتأخر أحوالهم الصحية إلى هذه الدرجة التي تجعل القائمين على مستشفيات الخارج يقولون " ليته أتانا قبل أسبوع من الآن"، فما بالكم بالبسطاء الذين كان يساعدهم محمود نفسه قبل وفاته؟!
المفارقة أنه بالرغم من معاناة نجمنا الراحل بسبب الأخطاء الطبية في مستوصف خاص كبير جداً، كنا نسمع قبل إعلان وفاته بيوم واحد الوزير مأمون حميدة يؤكد أنهم يصرون على تحويل أقسام المخ والأعصاب من مستشفى الشعب لمستشفى إبراهيم مالك بغرض تقديم خدمة طبية راقية وذات مستويات غير متوفرة في أماكن أخرى!
إن لم تتوفر الخدمات الطبية الراقية في أحد أرقى المستشفيات الخاصة ولنجم معروف مثل محمود، فكيف نصدق أن حميدة سيوفرها بمستشفيات عامة.
أثناء نفس لقاء حميدة وبعد أن ( دردقت) له المذيعة بت المهندس وزميلها أمجد الكرة راح الوزير يحدثنا عن توطين العلاج مؤكداً أن السودانيين بعد الآن لن يحتاجوا للسفر بحثاً عن العلاج، إلا إذا كان الواحد منهم يملك المال ويريد أن يسافر.
وقبلها بساعات كنا قد سمعنا أن محموداً مات دماغياً في الأردن، فقلت في نفسي بالله الوزير ده ما بستحي! كيف يؤكد على توطين العلاج للبسطاء وهنا نحن نتابع أخبار أحد النجوم الكبار وقد تدهورت حالته بسبب الإهمال والأخطاء الطبية.
وفي محطة خارجية خلال نفس الحلقة حدثنا كل من مدير عام وأمين عام مستشفى حاج الصافي عن الخدمات الراقية التي يقدمها المستشفى وأكد أحدهما أن خدمات الطوارئ تقدم هناك مجاناً ولا يطلب من المريض دفع ( مليم أحمر).
كله كذب وافتراء وضحك على عقول المشاهدين وهي رسالة يفلح في تهيئة السبل لها عدد إعلاميينا ومذيعي قنواتنا الفضائية ويمارسون هذه العادة الرذيلة كل يوم بلا أدنى درجات الخجل.
وحسب علمي أن السيد الوزير مأمون حميدة يصر على أن يدفع أي مريض طوارئ المال أولاً قبل حصوله على الخدمة الطبية بغض النظر عن حالته.
هذا هو الوزير الهمام الذي يوزع الابتسامات يميناً ويساراً عندما يطل علينا عبر القنوات الفضائية ويتظاهر ناس أمجد بالإصغاء له بكل اهتمام وكأنهم يصدقون ما يقوله أو كأنهم لا يعيشون داخل هذا البلد ويعلمون تماماً ما يجري في مستشفياته.
أمر آخر يدعو للأسى هو ما مارسته بعض أجهزتنا الإعلامية مع عائلة الفقيد محمود وصغاره الذين كانوا يتبارون في إظهار صورهم للمتاجرة بمرض ووفاة والدهم.. وهو عار كبير على هذه الأجهزة.
فمثل هؤلاء الصغار ما كان يجب أن يتم تعريضهم لمثل هذه المواقف وليتهم تركوهم يعبرون عن حزنهم بشيء من الخصوصية.
في البلدان المتقدمة ( وهي على فكرة بلدان نصفها بأنها مادية) يعتبر مثل هذا السلوك أمراً يستوجب المقاضاة، أما عندنا في بلد الفوضى والعشوائية والعواطف غير المرشدة فالصغار يمكن أن يُحطموا نفسياً من أجل مكسب رخيص.
وليت هذه الأجهزة الإعلامية تقف مع هذا الأسرة بعد انحسار الأضواء، لكن ما أنا متأكد منه هو أن النسيان سيحدث إن عاجلاً أم آجلاً.
ولوزير ثقافتنا المبجل أقول الاستحوا ماتوا، فقبل أن تكتمل مراسم دفن الفقيد راح هذا الوزير يكلمنا عن جمعية خيرية باسمه، والغرض من إنشاء مثل هذه الجمعيات طبعاً لا يخفى على أحد.
قبل الحديث عن ( ساس يسوس) ومحاولات استغلال شعبية المتوفي لتحقيق أغراض سياسية علينا أن نواجه مشاكلنا الاجتماعية بكل شجاعة ووضوح، فما لم تعالج هذه المشاكل والظواهر الاجتماعية، لن تقوم لهذا الوطن قائمة اطلاقاً.
قد يقول قائل أن التردي الذي نعانيه مجتمعياً يعزي للأوضاع السياسية والاقتصادية السيئة، وهو ما اتفق معه لكن ليس بالمطلق.
صحيح أن التدهور والتخلي عن الكثير من قيمنا وتقاليدنا الجميلة كان كبيراً جداً خلال العقدين الأخيرين بسبب ما أسموه إعادة صياغة الإنسان السوداني.
لكن الشاهد أننا ومنذ عقود أبعد من ذلك نعاني من مشاكل اجتماعية وانتهازية على مستوى الأفراد و القيادات لا نريد أن نعترف بها.
ودونكم الخلافات الكبيرة والمستمرة منذ استقلال هذا البلد وحتى يومنا هذا، ولو كانت مختلف قياداتنا السياسية تتمتع بالإرادة وحب الوطن حقيقة لما وصلنا إلى ما نحن فيه الآن.
تعودنا أن نختلف حتى في أصغر وأتفه الأمور.. يعني عندما نهم بحفر أربعة أو ستة حفر لصيوان مناسبة نستغرق أحياناً عشر دقائق في النقاش حول المكان الذي يجب أن تكون فيه هذه الحفرة أو تلك، فهل تتوقعون من أناس مجبولين على الخلاف بهذا الشكل أن يحققوا سلاماً بين شطري الوطن الذي تمزق وانقسم بسبب أنانيتنا وتغليب مصالحنا الخاصة على المصالح العليا!
نقادنا ومن يعول عليهم بإحداث التغيير يعيشون بأكثر من وجه ولدى الواحد منهم ثلاث نسخ من الرأي حول القضية الواحدة، نسخة للاستخدام أمام صاحب القضية وثانية في المجالس الخاصة وثالثة أمام عامة الناس، وبرضو راجين لينا تغيير!
على سبيل المثال لا الحصر عندما أُثيرت مشكلة هيثم مع مجلس ومدرب الهلال كتب الكثيرون جداً عن هذه القضية وحرضوا الجماهير وقالوا أن القائد ( الرمز) يتعرض لمؤامرة كبيرة، لنعرف لاحقاً أن بعضهم كانوا يشاهدون بأم العين ومن داخل إستاد الهلال الاستهتار الذي مارسه هيثم أثناء التدريبات وشربه للقهوة وضحكه المستمر مع علاء الدين ( دي طبعاً شاهدنا عبر إحدى شاشات التلفزة خلال أحد التدريبات).
كما علمنا أن بعض الشخصيات ذات الحظوة حضرت بعض مواقف هيثم البائسة وحديثه غير اللائق مع مدربه، ولو أنهم امتلكوا الشجاعة الكافية وكشفوا للناس كل ذلك وقتها لما تصاعدت المشكلة بذلك الشكل ولما انقسم الأهلة ولما تعرض الهلال لحالة من عدم الاستقرار على مدى موسم كامل.
وضمن هذا السياق حدثني بالأمس صديق عائد من البلد بأنه التقى بأحد لاعبي الهلال وسأله عن شطب هيثم فقال له اللاعب أن زملاءه مبسوطين جداً لأن هيثم كان يتجبر عليهم ويهدد كل من يرضى عنه بالشطب من النادي مستنداً في ذلك على شعبيته الكبيرة.
قلت لصديقي ليتني كنت هناك في موقع الحدث لأنقل لكم هذه التفاصيل الصغيرة مثل تناول القهوة وغيرها حتى لا تتفاقم المشكلة بهذا الشكل، فقال لي لو كنت هناك كنت حا تعمل زيهم.. ( عوجة طبعاً).. طالما أن هيثماً يفعل كل هذا فلماذا نصر عليه؟! لعب 17 عاماً للهلال نعم.. لكن هل هو الذي صنع الهلال أم أن الهلال من صنعه؟!
كل واحد منا يتخوف من الآخر و ( يغتغت) على ما لديه من حقائق ومعلومات، حتى لا يغضب منه الناس، فكيف نتوقع أن يتقدم بلدنا ونحن علي هذا الحال؟!
السياسة ليست مجرد شعارات ونظريات تتضمنها الكتب، وهي لم تضع نفسها، بل يضعها البشر ولو عالجنا مشاكلنا الاجتماعية وخلصنا أنفسنا من هذه الشرور الكثيرة وغلبنا المصالح العليا لاستطعنا أن نضع سياسات تقود هذا البلد لبر الأمان، كما فعلت شعوب أخرى كانت أكثر تخلفاً منا.
فهنا مثلاً في سلطنة عمان التي أعيش فيها منذ سنوات تغيرت أمور كثيرة خلال فترة زمنية قصيرة للغاية وأنطلق البلد لأن قائده غلب مصلحة بلده على كل شيء آخر وذلك بسبب حبه لهذا البلد.
حُلت مشاكل قبلية أشد تعقيداً مما لدينا من خلافات وحدثت النهضة، لكن بالطبع ساعدهم في ذلك أن الناس يطيعون النظام ويعرفون معاني الانضباط، والاستثناء هنا هو أن يخالف أي كائن النظام.
وقد عشت على المستوى الشخصي حادثة أكدت لي احترام الكل هنا للقانون، فقبل سنوات وقع حادث مرور بيني وبين أحد شباب الأسرة المالكة وكان هو المخطئ لأنه صدم العربة التي كنت أقودها من الخلف، وبعد تحية بعضنا طلب مني أن نغادر المكان وتعهد بإصلاح العربة، لكنني أصريت على انتظار الشرطة، فما كان من الأخ فيصل البوسعيدي إلا أن أذعن بكل أدب لطلبي واتصل بالشرطة بنفسه.. وبعد حضور أفراد الشرطة ولما كان في طريقه للمطار للسفر لأداء العمرة استأذنهم بعد أن عرفهم بنفسه في أن يتابع الإجراء السائق الذي حضر للمكان بعد لحظات نظراً لقرب دارهم من مكان الحادث، وقد وافقوا على ذلك بعد أن استلموا منه رخصة القيادة وملكية العربية ورسموا الحادث، فودعني وانصرف لكن ليس قبل أن يسألني إذا كان بخاطري شيء يجلبه لي معه من السعودية فشكرته على مبادرته.. بعدها توجهنا لمركز الشرطة التي دونت كل شيء وبعد ذلك أعادوا لي رخصة القيادة وبطاقة ملكية العربة، بينما احتفظوا برخصته هو باعتباره المخطئ وقالوا له بعد أن يأتينا الأخ السوداني ويؤكد أنكم أصلحتم له عربته يمكن استلام رخصتك وملكية عربتك، وفي اليوم التالي تم إصلاح عربتي وانتهت القصة.
ما ذكرته أعلاه يحدث في بلد خليجي وهي بلدان نتحدث عنها نحن بسخرية باعتبار أن أنظمة الحكم فيها متوارثة.. لكن ماذا فعلنا نحن ببلدنا وكيف تعاطينا مع أحواله منذ استقلالنا وحتى هذا اليوم؟! يعني فصاحة والسلام!
هم يطيعون القانون والنظام، أما عندنا فالقاعدة هي أن تخالف النظام، وإن أطعته أو طالبت أي من الموظفين في أي من دوائرنا ووزارتنا بالتقيد به سيوجه لك سؤالاً من شاكلة: يا زول انت عايش وين؟!
أذكر أن صديقي الكابتن حسين عبد الحفيظ قال لي ذات مرة بعد عودته من إحدى الإجازات أنه تجادل مع صاحب مكتب لتأجير السيارات في الخرطوم بسبب مشكلة في العربة التي استأجرها منه فقال له حسين يا أخي إنت ما عندك مصداقية، فتخيلوا ماذا كان الرد؟! قال الرجل لحسين " يا خوي الكلام الكبار ده شنو انت ما قاعد معانا في البلد دي ولا شنو؟!
رحم الله محمود وألهم أسرته الصغيرة الصبر والسلوان ونسأل الله أن يجدوا من يقفون بجانبهم وقفة حقيقية بعيداً عن فكرة التكسب من شعبية والدهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.