قيام الجمعية العمومية لمساهي شركة سينما كوستي الأهلية    دعوة للإجتماع العام لشركة النيل للأسمنت المحدودة    الخارجية : لا إصابات بفيروس (كورونا) وسط الجالية بالصين    الخارجية : لا إصابات بفيروس (كورونا) وسط الجالية بالصين    يا حَلاتِنْ: ضُلُّ الفيِلْ .. بقلم: عادل سيد أحمد    جمهور برشلونة يرغب في رحيل ثنائي الفريق    يوفنتوس يسقط أمام نابولي بهدفين    ريال مدريد يحصد فوزا ثمينا وينفرد بصدارة الليغا    الأهلي ينعش آماله بفوز صعب على النجم الساحلي بأبطال أفريقيا    أمير تاج السر : تغيير العناوين الإبداعية    مبادرات: هل نشيد نصباً تذكارياً له خوار ؟ أم نصباً رقمياً ؟ .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    الحل هو الحب .. بقلم: أحمد علام    بيان تعزية من حركة /جيش تحرير السودان المتحدة    مُحَاكمة البَغَلْ الكَرْنَفَالِي المُجَنَّح سَتُثري قانُون الغَاب- مقتطف من كتابي ريحة الموج والنوارس- يصدر عن دار عزة    ابرز عناوين الصحف السياسية الصادرة اليوم الاثنين 27 يناير 2020م    والي شمال كردفان يصدر عدد من القرارات لحفظ الامن    إعفاء (16) قيادياً في هيئة (التلفزيون والإذاعة) السودانية    قفزة كبيرة للدولار في سوق العملات الأجنبية    البدوي يدعو المبعوث الامريكي للتعاون مع السودان لازالة العقبات الاقتصادية    قراءة تحليلية لتاريخ الأزمة السودانية الاقتصادية السونامية ما قبل و بعد الثورة 2_2 .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    أنا ما كيشه ! .. بقلم: الفاتح جبرا    تهريب كميات كبيرة من الدقيق عبر بعض مطاحن الغلال    الهلال يهزم بلاتينيوم الزمبابوي بهدف الضي ويعزز فرص تأهله للدور التالي في دوري الأبطال    مكتوب استثنائي لامرأة خاصة .. بقلم: عادل عبدالرحمن عمر    إسرائيل الدولة الدينية المدنية .. بقلم: شهاب طه    الفاخر تنفي احتكارها لتصدير الذهب    تجهيز اسعافات للطوارئ ومركز للعزل استعدادا لمجابهة أي ظهور لمرض (كورونا)    ميركل تعلن دعمها للقاء ألماني تركي روسي فرنسي حول سوريا    فيروس كورونا يضرب الطاقم الطبي الصيني بالتزامن مع ظهوره في دول مجاورة    الإمارات ردا على تقرير اختراق هاتف بيزوس: استهداف السعودية مجددا لن ينجح    تعلموا من الاستاذ محمود: الانسان بين التسيير والحرية .. بقلم: عصام جزولي    قتل الشعب بسلاح الشعب .. بقلم: حيدر المكاشفي    ضبط شبكة اجرامية تتاجر في الأسلحة والذخائر    قيادي ب"التغيير": أعضاء قحت لا يتدخلون في عمل الجهاز التنفيذي    إصابة وزير الأوقاف في حادث مروري بالخرطوم    الشرطة: انفجار عبوة قرنيت بحوزة نظامي أدت لوفاته وأربعة اخرين وإصابة أكثر من خمسة وعشرين من الحضور بإصابات متفاوتة    السيليكا.. صلات مفترضة مع الإرهابيين .. بقلم: كوربو نيوز .. ترجمها عن الفرنسية ناجي شريف بابكر    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    يدخل الحاكم التاريخ بعمله لا بعمره .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    الشُّرْطَةُ وَالاستفزاز (ضَرَبْنِي وبَكَىَٰ وَسَبَقْنِي اشتكى) .. بقلم: فَيْصَلْ بَسَمَةْ    الرشيد: جمعية القرآن الكريم تمتلك مناجم ذهب بولاية نهر النيل    عدت إلى الوطن (السودان) وعاد الحبيب المنتظر (2) .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    استأصلوا هذا الورم الخبيث .. بقلم: إسماعيل عبد الله    إرهاب الدولة الإسلامية وإرهاب أمريكا.. تطابق الوسائل واختلاف الأيديولوجيا!! .. بقلم: إستيفن شانج    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    "المجلس الدولي" يدعو السودان للتوعية بخطر نقص "اليود"    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





(السيد) إسماعيل الأزهري.. (المكلوم)!
نشر في الراكوبة يوم 19 - 02 - 2013

قبيحة هي أفعالنا السياسية إذا ارتدت ثوب خصومة وتعطرت بروائح الشحناء تتدلى على رقبتها قلادة (مشكوكة) جماجم مدممة، فكيف راق لمن كتبوا (توفي اليوم معلم الرياضيات بالمدارس الثانوية الأستاذ إسماعيل الأزهري) بل وحاموا كصقر رماها الجوع من علِ مانعين تسيير جنازة معلم الرياضيات ليفقد حينها العقل السياسي السوداني واحدة من ملامحه المميزة له وهي عدم الفجر في الخصومة واستخدام ميراثنا من التسامح الاجتماعي ذلك الذي يرفض العنف اللفظي دع عنك قمائة لا دليل لها في كتاب المعرفة السودانية، إلا أنها لحظة انسلت من ذهنٍ قاس ومخيف الطلعة، وهذا الرجل الذي نعوه بمثل تلك الكلمات الخجلة من تسطيرها، خابت حينها وانذلت، ومن عاش ذلك الوقت اعتصرته المرارة وهو يرى السلطة السياسية المتيسرة (من يسار) والمتخمة زيفاً شعارات وأبواق مفتوحة (على البحري) - التطهير واجب وطني - سايرين سايرين في طريق لينين! (لينين منو؟)- وكذلك الاحتفال بمئوية لينين في (الخرطوم!)، نحتفل بمئوية فلاديمير لينين ونمنع جماهير الشعب من السير في جنازة رافع علم الاستقلال!..
نسعى في هذه المقالات أن نتحدث عن تحليل الخطاب السياسي عند رجل السياسة السودانية، منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم، وأدواتنا في ذلك توظيف فلسفة اللغة وتحليل الخطاب في دراسة المخيال السياسي، إننا هنا نمارس (نقد العل السياسي السوداني) ونرى أن ذلك سيفتح الباب للحوار، وصولاً لتحليل أمثل لأزماتنا السياسية، ولا يحركنا في ذلك الطعن حول قيم تاريخية، تعودنا أن نتعودها بالاحتفال كل رأس عام، دون أن يتبع ذلك ممارسة مدرسية لحقيقة أدوارهم التاريخية وطبيعة المعرفة التي كانت تحركهم حينها، وسنبدأ بالسيد إسماعيل الأزهري، لما للرجل من مكانة واسعة في نفوسنا، وإن كانت تقترب إلى حالة من التقديس لدوره، دون أن نعي تمام الوعي حجم دوره، ومقدراته وما تسببت به أفعاله من مضار ومنافع للعقل السياسي السوداني.
إعداد المكلوم وهروب الصانع:
يعد السيد إسماعيل الأزهري الإسماعيلي (نسبة لطائفة صوفية) (1901- 1969م) رمزاً وطنياً نستذكره عند كل أول عام فالشرف الذي ناله برفعه للعلم الوطني (وإن كان نازعه فيه السيد المحجوب) والأزهري زعيم الأمة السودانية، بدأ حياته معلماً وأجيال كثيرة تخرجت على يديه، والأزهري السياسي والمعلم والمثقف والمهموم بقضايا وطنه، ومن يشكك في وطنيته، كمن ينكر ضوء الشمس من رمد، وكذلك لا يحق لأحد أن يصنع منه صنماً ويمنع عن ذاكرتنا الخوض برفق ووعي، وليس من الضروري أن تكون كل أفعال الرجل محط تقديس وتقدير، وما نكتبه عنه يدخل في هذا الباب؛ باب تنقية الذائقة النقدية وتحسين أدائها، لماذا؟ طمعاً في معرفة أعمق بواقعنا، فالأزهري شخصية سودانية عريضة الوصف والصفة، عميقة الحضور، ويبدو أن غالب ما كتب عنه إما (مدحاً) مشوب بعاطفة وهذا أمر لا بأس به، وإما تزييفاً لحضوره، أما نحن فمطلبنا بسيط أن نعيد إحياء الرجل عبر تفقد حافظته السياسية والاجتماعية، وحقيقة ما غاب عن احتفائنا بالأزهري، إن الرجل كان يملك عقلاً سياسياً قادراً على التعاطي مع موجبات واقع وتاريخية انتمائه القومي، الأزهري رجل براغماتي من الدرجة الأولى، الفعل لديه يساوي النتائج، ولكن أيضاً لم يعرف عن الأزهري أنه صاحب فكر سياسي متقدم، بل لم يستطع الرجل أن يستثمر موقعه التاريخي بذكاء، وذلك في ظننا، وهو كذلك جزء من فشل المثقف في بدايات الحراك الوطني ولا يتحمل مسئولية وحده، ومن فشل ذلك أن المثقف يتحمل مسئولية الفشل في إدارة حوار الهوية وذلك في تحالفها مع قوى (متخلفة) وهي القوى الموصوفة بالحديثة أو من يجب أن يقودوا التنوير والتحديث في البلاد ، فقد عانى المثقف السوداني أوهام الحداثة دون أن يستعد لها أو أن يملك قوتها الفكري (كان الأزهري نفسه أقل الناس إدراكاً لدوره كزعيم لحركة المثقفين من جيل الاستقلال، فقد كان هو شخصياً أضعف الحلقات في تكوين المثقف السوداني) السودان والمأزق التاريخي - محمد أبو القاسم حاج حمد ص 18.
وللرجل عقل خطابي كأبناء جيله فيه انحياز تام للغة على حساب الواقع، فخطابه في الذكرى الأولى لنيل الاستقلال (..إننا نقف اليوم على عتبات الحرية نستدبر ماضياً كالحاً أغبر لنستقبل عهداً مشرقا أزهر..) إن هذا الخطاب المنثور المسجوع والضارب في قلب علم البلاغة تقدم به الأزهري لمواطنيه الأحرار، وهو هنا لا يخاطب العقل السوداني بل يتوجه بالخطاب نحو بناء لغوي مركب (لقد ران الاستعمار على البلاد بكلاكله... خطاب الاستقلال 1956م) واللغة هنا تعيش حالة من الانفصام عن الواقع؛ لقد كان الأزهري يتحدث بعقله الباطن، عقله المنفعل بزخرف اللغة دون عالميتها ومدنها البشرية، إنه عالم اللغة الذي يشكل ذهنية الأعرابي، فالمعني ليس مهماً بقدر أهمية توظيف مفردات معجمية، خاوية من روح المعاني، فكيف يتفهم "مواطنيه الأحرار" (..لقد انطوت صفحة الماضي البغيض وأشرقت شمس المستقبل السعيد.. مرجع سابق) ، أنه هنا يمارس باللغة دوراً يغيب فيه منطق الأقاويل الخطابية، فهو يلتمس من سامعيه الاقتناع بأي رأي كان يقصده ويرمي إليه، ( إنني أعلنها من فوق هذا المكان عالية مدوية بأنكم أصبحتم منذ اليوم أحراراً) كان الزعيم يوظف اللغة بامتياز، إن فعل التصديق الذي ران الأزهري لإثباته مستخدماً فخيم الألفاظ ووافر المصطلحات قصد به تخييل الواقع، فأي حرية تلك التي لا تتجلى في إنزال الناس منازلهم؟!، ومخاطبتهم بما يفهمون من المعاني، إن برهان الحرية التي قال به الزعيم برهان مشوب لأنه يحتمل الجدل في صدق الواقع من كذبه، (فاستثمروا في نفوسكم معاني الحرية ... وليست الحرية أعلاماً ترفع ولا هي صكوك توقع بل هي إيمان وعزة تملأ النفوس وتعمر القلوب)، إن عبارات الزعيم أقرب للواعظية التي يمارسها الشيخ داخل حلبة درسه ويعلم علم اليقين أن الأنظار ستظل مثبتة على مخارج نطقه للكلمات، ولا مجال للنقاش (فالسؤال يظل غائباً في المعرفة الصوفية..) وهنا فالزعيم مارس الخطابة على مستوى الجدل (مواطني الأحرار..بني وطني الأعزاء الأبرار: شكراً لكم!، ...استطعنا ... في عامين أن نستخلص لكم الحرية.. ، خطاب الاستقلال يناير 1956م)، لعلنا وبمقارنة بسيطة نجد بأن - الحرية ليست هي صكوك توقع، بل إيمان وعزة.. - وبين العبارة أعلاه (نستخلص) لكم الحرية، لا تتفقان من زاوية النظر اللغوي المجرد، فكيف يدعي الزعيم استخلاصه لمواطنيه الأبرار الحرية من أيدي الاستعمار، أهي شيء خلاف الصكوك التي يمنحها الأب (في المسيحية) غفراناً لذنوب أبناء الرب؟.
لقد سيطر "اللاشعور السياسي"، على العقل السياسي متمثلاً في لغة الزعيم ، ولكي نفهم ذلك علينا أن نقف عند فرويد (1856 - 1939م) " اللاشعور هو منطقة واسعة من الجهاز النفسي تضم الدوافع الغريزية والرغبات المكبوتة، وهو مسئول عن قسم كبير من سلوك الفرد البشري ويكشف عن نفسه من خلال الأحلام (في صباح الأول من يناير 1956م، وبعد أن مسحنا عار ستين عاماً من المذلة والخنوع..) وفلتات اللسان (أذقناه!! صنوفاً من الاحتقار! والإرهاب!!!، وبعد أن خضناه معه معارك حامية الوطيس!، ... ضربنا بالسياط!..) وغيرها من الأفعال الإرادية... هناك سلوك صادر عن اللاشعور لا تتحكم فيه إرادة المرء بل يفلت من الرقابة الشعورية، رقابة الأنا (في ضحوة ذلك اليوم - الأول من يناير 1956م- احتلت جحافلنا!! قصر الحاكم العام .. وأنزلنا من على سارية ذلك القصر عَلَمي الحكم الثنائي ورفعنا علمكم الخفاق.. خطاب الاستقلال يناير 1966م) ليلبي حاجات غريزية دفينة". أترى كان الزعيم ينظر لنفسه كشيخ لا يساوي باطنه ظاهره؟ أم كان يرنو ببصره بعيداً كناصر سوداني؟ إن الرجل كان يتحرك بمحاذاة الأطر الموضوعية للحقيقة التاريخية!، أم كان يظن بأن اللغة تكفي في حالة النشوة بالاحتفال!؟.
وبعد رفع علم الاستقلال أسقطت حكومته بسرعة ماكرة، ولكنه عاد ليرتب أوراقه، واستمرت القصة حتى قيام ما يعرف ب(ثورة) أكتوبر 1964م التي أسقطت حكم الفريق عبود ورفاقه (الفريق عبود ورفاقه جاءت بهم الأحزاب السياسية، ولم ينقلبوا على الشرعية)، ثم جاء حل الحزب الشيوعي السوداني ومصادرة دوره، ويبدو أن الذاكرة الحمراء تأبت إلا أن ترد هذا الصاع بأصواع كثر، بل وبتشفي مُرهق وعسير، فقامت باستدعاء الجيش مرة أخرى، وهنا لم يتم القبض على رئيس الوزراء (المحجوب) أما الزعيم الأزهري فقد أرسل إلى السجن ولم يخرج إلا ليتلقى العزاء في أخيه، ثم ليعود ويسلم الروح، هي لحظات عسيرة على الفهم، الرجل انكلمت أحشائه، واستحقر جهده، وأوذي أشد إيذاء، إيذاء قبيح، قبيح، ولو كان في بلاد أخرى لصنع له تمثال يمجد لحظة رفعه علم الاستقلال، وليس بالضرورة أن يمجد في شخصه، فهو رمز لأمة استعمرت وصودرت إرادتها فجاء وخلصها، والغريب أن تغييب مورس على تاريخ الرجل، فقلة هي الكتب التي رصدت لحظات وعيه واكتشفت طبقات فكره، إلا اللهم شذرات هنا وهناك، والأزهري الزعيم المكلوم تكررت لحظات خيباته وذلك منذ انشقاقه وتأسيس كيان حزبي خاص، ثم إسقاطه على يد السيدين (الميرغني - المهدي) ثم لحظة مايو 1969م، ترى كيف كان يقضي أيامه الأخيرة في السجن؟ هل أعاد التفكير فيما مارسه من حضور في الساحة ووضع نقاط وأدلى بزفرات لرفقائه داخل الزنزانة؟
رحم الله الزعيم الأزهري وجزاه الكثير من رحمته وغفرانه لما قدمه لوطنه وأمته، وذهب إلى ربه فقيراً ولكن سيرته أغلى بكثير..
الصحافة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.