قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرئيس الأمريكى تُرَمب ودَرْسٌ قاسِى من النِسَاءِ فى اليومِ الأوَّلِ لإدارَتِه
نشر في الراكوبة يوم 24 - 01 - 2017

اليوم الأولُ فى أىِّ شىِّء هو يومٌ استثنَائى فى حياةِ الإنسان، وغالباً ما يخلدُ فى ذاكرته لمُدَّةٍ طويلة، وأن يبقَى فيها للأبدِ. بعد أن شهدت الدنيا حفلُ تنصيب الرئيس الأمريكى المُنتخَب دونالد تُرَمب يوم 20 يناير 2017م فى ذلك المشهد المُهِيب الذى هو فى حقيقتِه درسٌ نموذَجى ومجَّانِى فى كيفيةِ انتقال السلطة من إدارةٍ إلى أخرى فى أمريكا أعظمِ دولة فى العالم. واللحظات الختامية المُؤَثِّرة للإنتقال عندما وَدَّعَ الرئيس المُنتخب سَلَفهُ أوباما وشيَّعهُ إلى المروحِيَّة الرئاسية التى نقلته وحرمَهُ السيدة ميشيل إلى مقرِّهِما ومقَامِهما القادِم.. وأوباما يشرِّفُ البشرَ والحجَر أينما حلَّ لأنَّه سَمحٌ فى كلِّ أحوالِه، حَاكِماً ومحكُومَاً وإنساناً عادِيَّاً يحتفِى بالناسِ ويحبَّهُ الناسُ أينما ظهرَ وحَلَّ.
ثم نامَ الناسُ وأصبحوا صباح اليوم التالى 21 يناير 2017م، وهو اليوم الأول فى إدارةِ الرئيس دونالد تُرَمب ليتفَاجأوا بشوارعِ كل المُدن الأمريكية فى كُلِّ وُلايَاتِها وهى تغلِى كالمِرجَل تمتلئُ بنساءِ امريكا العظيمات أمتداداً لمسيرةِ رفض الذِراية والظُلم والقهر والتميِّيز التى بدأت باكراً فى مارس 1955م عندما رَفَضَت كلاوديت كولفين (Claudette Colvin) وهى طالبة مدرسةِ تبلغُ من العُمرِ(15)عاماً رفضت التَخَلِّى عن مقعدِها فى الحافلة لرجُلٍ أبيض إمتثالاً لقوانينِ جيم كراو (Jim Crow Laws) وكان دكتور مارتن لوثر كِنج الإبن ضِمن لجنة المجتمع الإفريقى الأمريكى فى برمنغهام التى تتابعُ هذه القضية.
وإمتداداً لرفضِ التميِّيز، فى الفاتحِ من ديسمبر 1955م أُلقِىَ القبضُ على السيِّدَة روزا باركس لرفضِها التَخلِّى عن مقعَدِها فى الحافلة قائلةً عِبَارتها الشهيرة: (لقد سئِمتُ هذا، لن أترُكَ مقعدِى!). فبدأت مُقاطعة Boycott أوتوبيس مُنتغمرى التى خطَّطَ لها وحَثَّ عليها (نيكسون) وقادَها مارتن لوثر كِنج، وسُرعانَ ما تبعه الأخرون وإستمرت المقاطعة (385 يوماً) وأصبح الوضع متوَتِّرَاً وتمَّ قصفُ منزل كِنج وأُلقِى القبضُ عليه خلال هذه الحملة. وقد إنتهت تلك الأزمة المتعلقة بمقاطعة أوتوبيس مُنتِغمرى بصُدورِ حُكمِ محكمة المقاطعة/ الولايات المتحدة الامريكية فى قضية (براودر ضد/ غايل) التى قَضت بإنهاءِ التفرِقة العنصرية فى جميع الحافلات العامَّة فى مونتغمرى.
واليوم نساء أمريكا يخرُجنَ إحتجاجاً على مُمارَساتِ الرئيس المُنتخب تُرَمب فى صباح اليوم الأول له فى المكتبِ البيضَاوى بالبيتِ الأبيض ليقُلنَ له (أرعَى بقيدَك).
ونضالات المرأة الأمريكية قديمة ومُتجدِّدَة لا يجهلُها أو يسخَرُ من دورِها إلَّا من لا يعرِفُها.
واليوم العالمى للمرأة هو اليوم الثامن من شهر مارس/ آذار من كُلِّ عام، وفيه يُحتفلُ عالميًا بالإنجازاتِ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للنساء. ويُرَجَّحُ انَّ اليوم العالمى للمرأة كان على إثرِ بعض الإضرابات النسائية التى حدثت فى الولايات المتحدة عام 1856م حيثُ خرج آلاف النساء للاحتجاج فى شوارع مدينة نيويورك على الظروفِ اللاإنسانية التى كُنَّ يُجبَرنَ على العملِ تحتها، ورغم أن الشرطة تدخلت بطريقة وحشية لتفريقِ المُتظاهرات إلَّا أنَّ المسيرة نجحت فى دفعِ المسئولين والسياسيين إلى طرحِ مُشكلة المرأة العاملة على جداولِ الأعمال اليومية.
ومسيرة النساء الأمريكيات ضد الريس المُنتخب تُرَمب صبيحة يومه الأول فى الحُكمِ 21 يناير 2017م سوف تجعلهُ يفكِّرُ ايجابياً عندما يتعلقُ الأمرُ بالمرأة لأنَّ تاريخ هذا الرجل حافِلٌ بمواقف سالِبة ضدَّ النساء.
وفى 8 مارس 1908م عادت الآلاف من عاملات النسيج للتظاهر من جديد في شوارع مدينة نيويورك لكنَّهُن حَمَلن هذه المرَّة قِطعَاً من الخُبزِ اليابس وباقاتٍ من الوُرُوُدِ فى خطوة رمزِيَّة لها دَلالتها وإختِرنَ لحركتِهُنَّ الاحتجاجية تلك شعار "خُبزٌ و وُرُود". طالبت المسيرة هذه المرة: 1) بتخفيض ساعات العمل، 2) وقفِ تشغيل الأطفال، 3) منحِ النساء حقُّ الإقتِرَاع.
ومُظاهرات الخُبز والوُرُوُد هى بداية تشكُّلِ حركة نسوية متحمِّسة داخل الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً بعد انضمام نساء من الطبقة المتوسطة إلى موجة المطالبة بالمساواةِ والإنصاف رفعن شعارات تطالِبُ بالحقوقِ السياسية وعلى رأسِها الحَقُّ فى الانتخَابِ.
وبدأ الاحتفال بالثامن من مارس كيوم للمرأة الأمريكية تخليداً لخروجِ مظاهرات نيويورك سنة 1909م وقد ساهمت النساء الأمريكيات فى دفعِ الدولِ الأوربية إلى تخصيص الثامن من مارس كيوم للمرأة وقد تبنَّى اقتراح الوفد الأمريكى بتخصيص يوم وآحِد فى السنة للاحتفالِ بالمرأة على الصعيد العالمى بعد نجاح التجربة داخل الولايات المتحدة.
على أنَّ الجمعية العامة للأممِ المتحدة إعتمدت يوم 8 مارس/ آذار من كُلِّ عام يوماً عالميَّا للمرأة فى العامِ 1977م وأصدرت قراراً بذلك عمَّمتهُ للجميع.
ورغم العقود السبعة من عمرِ الرئيس المُنتخب تُرَامب التى قضاها فى هذه الحياة الدنيا وحقَّقَ خلالها نجاحات كبيرة فى إدارةِ أعمالِه الخاصَّة فصارَ مليارديراً يُشارُ إليه بالبنَانِ، وساقهُ ذلك إلى مُغَامرة ومُقَامرةِ الدخول إلى البيتِ الأبيض رئيساً للدولة الأعظم فى هذا الكوكب. إلَّا أنَّه لم يلقِ بالاً لعظمة المرأة الأمريكية ونضالاتها عبر الزمان، والذى يجبُ أن ينتبِهَ له الرئيس تُرَامب هو أنَّ هناك فرقٌ كبير وبونٌ شاسِع بين النجاح فى إدارةِ الأعمال كتاجر يفلَحُ فى حصدِ المكسب المادِّى والرِبح ومُراكَمةُ الثروَات وتحقيق المجدِ على المُستوَى الشخصِى، وبين النجاح فى إدارةِ دولة كبيرة بحجم أمريكا! حيثُ الإرثُ الكبير من الحُرِّيِّةٍ والديمقراطية والتعدُّدِ، وحقوق الإنسان وحُكم القانون، والمُساواة المُطلَقة بين المواطنين، نساء ورجال، بِيض وسُود ومُلونِين، وعلى مُستوى جميع الأديان.
فى مسيرات 21 يناير 2017م رأينَا وسمِعنا الشعارات والخُطب البتْرَاء من رُموزِ النساءِ الأمريِّكيات يدافِعنَ عن مكاسبٍ تحقَّقت بنضالات وتضحياتِ النساءِ منذُ زمنٍ بعيد، وكيف أنَّ الرئيس المُنتخب هدَّد تلك المكَاسِب وزعزعها وضَعْضَعَها، بإحتقارِهِ وإهانتهِ للمرأة.
وليس ببعيدٍ عن ذاكِرةِ العالم الإهانة الشخصية التى وجَّهَها الرئيس المُنتخب تُرَمب لمُنافِستِه السيِّدة الفُضلى هيلارى كلينتون فى المُنَاظرةِ الرئاسِيَّةِ الثانية عندما أطلقَ فى وَجْهِها وعلى الهوَاءِ مباشرة عبارته الصَادِمة: (Such a nasty Woman)، كانت عبارة قاسية ومُفاجِأة وقعت كالصاعِقَة على الجميعِ، داخل وخارج أمريكا.. وثبَتَ للناسِ أنَّ الأمر قد خرج عن المألوف الذى عهِدَهُ الناسُ، وتبيَّنَ لهم الطوفانُ القادم الذى هو أكبرُ وأخطَرُ من مُجرَّدِ سباقٍ رئاسى إلى البيت الأبيض وقد ألِفَهُ الناسُ ولمرَّاتٍ عديدة بهرَهمُ فيها حضارِيَّة التنافس ونظافته.. ولا يوجَدُ فى العالم من لا يُعجبُ بسباقِ الانتخابات الرئاسية الأمريكية ومراحِلها ومناظرَاتِها وخُطب أبطالِها كأعظمِ إرثٍ لهذا الشعبُ العظيم تناقله عبر القرُون، والآن يكادُ يسقطُ صرِيعَاً.
وفى مسيراتِ السبت الهادِرة سمِعنا خُطَبَاً عصْمَاء فى إدانةِ الرئيس المُنتخب تُرامب ويافطات تحملُ تلك العبارة القاسية العدائية ضد منافسته السيدة المُحترمة هيلارى كلينتون فى إدانةٍ واستنكار شديد لمن اطلَقَها. وسوف يقضى الرئيس الأمريكى المُنتخَب جُلَّ ما تبقَّى له من عُمرٍ تُطَارِده لعنَةُ هذه العِبارة التى أطلقها وسمِعَها الجميع. وبنفسِ القدر سيحفظُ التاريخ للسيدةِ هيلارى أنّها سيِّدة عظيمة وحكِيمة ومُحترَمَة لأنّها فوَّتَت تلك اللحظة العصِيبة، ومرَّت فى ذلك الإمتحان بنجاحٍ منقطِعُ النظِير، ولم تتعثَّر أو تتوقّف عندها.
وأثبتت مدام هيلارى كلينتون للجميعِ انَّها سيِّدةٌ راكِزة وفوق الهفَوات، وأنَّها إرتفَعَت عالِيَاً عندما هبطَ مُنَافِسُها إلى أسفلِ سافِلِين، كما جاء وصفِها فى الخطابِ المُؤثِّر للسيدةِ الأولى مِيشيل أوباما. ولكن الشعبُ الأمريكى إختار لرئاستهِ هذه المرَّة من سقطَ فى امتحانِ القِيم، ما اكرَمَهُّن إلَّا كرِيم، وما أهَانَهُنَّ إلّا لئِيم. وما الفرقُ بينه وبين حكومة الدكتاتور السودانى عمر البشير الذى يمتَهِنُ كرامة نساء السودان قتلاً وإغتصاباً وحبساً وتعذيباً، وجلدَاً بالسياطِ على رُؤوسِ الأشهَاد؟ الإختلافُ فقط فى المِقدارِ، أمّا النوعُ فوآحِد..
والذى فاجأ الناس أنَّ الرئيسَ المُنتخب فى خطابِ تنصيبهِ المُقتضَب 20 يناير 2017م قال أنَّ السُلطةَ قد انتقلت منذُ لحظةَ تنصيبِهِ إلى الشعبِ الأمريكى!، كأنه أتى بالديمقراطيةِ وحُكمِ الشعب بالشعبِ للشعبِ إلى امريكا لأوَّلِ مَرَّة!، وإذا بنساءِ امريكا يخرُجنَ ضِدَّه فى مسيراتِ وتظاهُرَاتٍ هادِرة ومُتحدِّية، وعامَّة شمِلت كُلّ الولايات فى الصباحِ الباكر لأوَّلِ يومِ عمل فى إدارتِه!. فأى أنماط نقل السلطة إلى الشعبِ هذا الذى أعلنَ عنه الرئيس الأمريكى المُنتخب فى فاتِحة خطابِ تنصيبِه؟ والشعب يواجِهَهُ بالرفضِ إحتجاجاً وتظاهُراً منذ طُلوعِ فجرِ يومِه الأوَّل.
ننتظر لنرى كيف يحقق هذا الرئيس الأمريكى المُنتخب شعاراته التى رفعها وفاز بها!.. وقال فى خطابِ التنصيب أيضاً أنَّ أمريكا لن تحمِى بعد اليوم أحداً فى العالم مجَّانَاً، ولكن كيف تكون أمريكا قوٍيَّة وسيِّدة الدنيا وشرطيِّيها إن هى لم تحمِ الآخرين وتحفظ السِلم والأمن الدوليين؟ وتتدخَّلَ لحمايةِ المظلوم ونُصرةِ الملهُوف، وتأمينِ روعات الشعوب المغلُوبة من بطشِ حُكَّامُها القتلة مثل حكومة السودان؟
وقال أن إدارته ستشهدُ بناء المطارات والكبارى والطُرق والمشافِى فى أمريكا! وقد كشف الرئيسُ المُنتخب حقيقة ما كان يعلمُها الناس، وهى أنَّ أمريكا العُظمى تنقُصها البِنيات التحتية، وذكَّرَنِى بنائبِ الرئيس السودانى حسبو عبد الرحمن الذى يُسافر كثيراً يجوبُ الريف السودانى يوعِدُ الجماهير المقهورة هُناك بالمدارسِ وحفائر المياه والشفخانات يشترى بها أصواتهم لمصلحةِ حزبِه الحَاكِم.
ومن بابِ العِلم أنَّ امريكا بلدٌ مُكتمِلُ البِنية التحتِيَّة، ولكن الرئيس المُنتخب ولأنَّهُ رجلُ أعمال ينتجُ مواد البناء فإنَّهُ يقدِّمُ برنامجه وفق عقلِيَّة التاجِر الذى ينتج الحديد والسيخ والأسمنت ويريدُ أن يستَخْدِمُها فى إعادة بناءِ امريكا بما فى ذلك السُور العظيم الذى وعدَ ببِناءِه على حدودِ بلاده مع المكسيك، هى عقلية رجل الأعمال ومُقَاوِلُ البِنَاء.
الذى تحتاجه أمريكا كدولة عُظمى ذات إلتزامات كونية هى الحفاظُ على مجدِها الذى بلغته بالنجاحِ والعطاءِ والإرثِ المُشترك والتضحيات العظيمة لشعبها. ومكمنُ التحَدِّى لإدارةِ أمريكا فى القُدرةِ على الحفاظِ على تنوُّعِ شعبها المُتَّحِد وإدارة التنوُّعِ الخلَّاق. وإدارة ذلك التنوُّع لمصلحةِ امريكا والعالم كُلِّه، وأنَّ أىِّ تراجُع عن الدورِ الأمريكى العالمى كحامِية لحِمَى السِلم والأمن الدوليَّينِ، وأنَّها الوَصِّيَّة الرسميَّةِ على حقوقِ الإنسان والحريات العامة والديمقراطية والتبادُل السلمى للسلطة، ومُحاربة العنصرية وإضطهاد الأقليات ومحاولات إبادتهم، وتعزيز قيم المساواة بين البشر رغم إختلافاتهم. أىِّ تراجُع لأمريكا عن هذه الأدوار التى لعبتها بتوفيقٍ كبير خلال عقود طويلة سابقة كعَرَّاب للديمقراطية وحقوق الإنسان والتداوُلِ السلمى للسلطة ومراقبة الحُكم الرشيد، ومتابعة ومراقبة ومعاقبة المنتهكين والمسيئين لهذه القيم الكونية، إذا تخلَّت أمريكا عن حراسةِ هذا الإرث الأنسانى لمصلحةِ المجتمع الإنسانى على الأرض سيكون ذلك التخلِّى كارثة ماحِقة على البشرية وأفولٌ لنجمِ وسطوةِ أمريكا عِملاقةُ الخير والحقِّ والفضِيلة، وسوف يأفُلُ نجمُها ويتراجَعُ دورها الرِيادِى، وسيصعُد لاعبون أشرار جُدد ليحتَلُّوا الفراغ الذى سيتركهُ، وسيعُمُّ الظلمُ الأرضَ، وسيقهَرُ الطُغاةُ الضُعفَاء دون رقيبٍ أو حسيب، وتضِيعُ الحقوق وتُصادَرُ الحُرِّيَّات، وستمُوتُ المُروءَةَ والشعور بوُحدَةِ المجتمع الإنسانى وسينسى الناس معنى التكافُل والتراحُم والرفق والرحمة، ستعُمُّ الفوضى، ويهلَك النسلُ وتنتَهِى الدُنيا إلى ما لا يمكن أن يخطُرَ بِبَالِ بشر.
ومسيرات النساء الأمريكات الهادِرة التى إستفتَحُوا بها عهدِ الرئيس المنتخب وفى يومِه الأول لن تكونَ الأخيرة!، وأن يعلمْ أفادهُ الله أنَّ أمريكا الحالية القوِيَّة والمُنتشرة فى كُلِّ بقاع الدنيا تنصرُ المظلوم وتردعُ الظالم هى الضمانَةُ الأولى والأخيرة لسلامةِ الحياة والعيشِ الكريم فى عالمِ اليوم، وذلك يقتضى أن يرتفِعَ الرئيسُ المُنتخب من عقلِيَّةِ وفهمِ رجُلِ الأعمال (التاجر) الذى يحسب الأشياء بميزانِ الربحِ والخسارة، إلى عقليَّة وتدبيرِ رجل الدولة العظمى أمريكا مثل أسلافِه الذين حكَمُوا وِفقَ نظريَّةٍ شامِلة لحمايةِ وإسعادِ جميعِ أركان وسُكَّانِ المعمُورة، قيِّمَاً و وَصِيَّاً وضامِناً للحُرِّية والعدالة الإجتماعية والعيش الكريم لكُلِّ شعوبِ العالم.
ولإنَّ أمريكا هى كُلِّ العالم وأنها بلدُ المُهاجرين من كلِّ حدَبٍ وصوب، وهُم من بنُوا مجدَ امريكا وجعلُوها النموذج الذى يلتزِمُ بالحقِّ والعدلِ والرفَاهِ والفضيلة داخل وخارج أمريكا. وأن يعلمَ الرئيس المُنتخب تُرَمب أنَّه إذا تخلَّى عن الدورِ العالمى لأمريكا وإنكفأ على نفسه داخِلياً فإنَّ ذلك سيضُرُ بالأمنِ القومى الأمريكى، وبالأمنِ والسِلمِ الدوليين، وهما فى قمَّةِ مهامِ رئيس وحكومة الولايات المتحدة. وإن تخَلَّى عن دعمِ وحمايةِ العالم الخارجى فإنَّ الذينَ تخَلَّى عنهم لن يقفوا مكتوفين هناك ينتظِرُون حتفَهم لكنَّهم سيأتون إلى أمريكا يدُقُّونَ أبوابَها فى طلبِ الأمنَ من الخوفِ، والطعامَ من الجُوعِ، فإيِّهم خيرٌ لأمريكا أن تذهَبَ إليهم أم أن يأتُونَها سَعْياً؟.
عبد العزيز عثمان سام
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.