مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.






نشر في الراكوبة يوم 02 - 01 - 2017

لا يختلف عاقلان من أن الثورة قادمة لا محالة. وأن تجربة العصيانين السابقين قد أرعب النظام و هزَّ كيانه وأحدث نهوضا كبيرا في حركة الجماهير و أدي إلي تماسكها ووحدة شعارات كل قواها الحيَّة من مجموعات شبابية وكيانات مهنية وأحزاب سياسية وحركات مسلحة ومنظمات مجتمع مدني وجبهات إقليمية. و سيتزايد عدد الكيانات المنضوية إلي قوي الثورة كلما تزايد نهوض الحركة الجماهيرية و كلما تكررت الدعوة ليوم جديد للعصيان. و سَيُحدِث هذا النهوض بالضرورة مزيدا من التطور ليس فقط في اتساع قاعدة قوي الثورة بل أيضا في أدوات نضالها و أسلحتها السلمية المستخدمة.
لسنا هنا لتقييم نتائج تجربتي العصيان فقد قتلها العديد من الكتاب بحثا و كلها أجمعت علي نجاحه. إلا أنه من المهم الإجابة علي بعض الأسئلة المهمة التي تدور في أذهان بعض شرائح جماهير شعبنا وتستغلها أجهزة الأمن في تخذيل الجماهير وتخويفها برسم صورة قاتمة لما سيحدث بعد إسقاط النظام. وهي أسئلة مشروعة لابد من الإجابة عليها بوضوح.
السؤآل الأول: هل يستطيع شعبنا إسقاط النظام بالعصيان المدني بنفس طريقة 27 نوفمبر و 19 ديسمبر 2016م؟
في تقديرنا أنه سؤآل لا يمكن الإجابة عليه بنعم أو لا باعتبار أن تجربتي العصيان السابقتين تختلف عن تجربة العصيان المدني الذي تم في ثورة أكتوبر 1964م وفي إنتفاضة مارس/أبريل 1985م.
ففي أكتوبر و مارس/أبريل جاء العصيان المدني مصحوبا بمظاهرات و حركة احتجاجات علي مستوي الشارع أي إنتفاضة شعبية سبقت حركة القوي المنظمة بدأت محدودة و متفرقة و لكنها سرعان ما اتسعت لتعم كل أنحاء العاصمة والأقاليم الأخري بالذات المدن الكبري. و تحول العصيان المدني بهذا الشكل المصحوب بمظاهرات واسعة إلي اضراب سياسي عام عندما لحقت به القوي المنظمة ممثلة في النقابات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الأمر الذي أحدث شللا كاملا للنظامين الديكتاتوريين الحاكمين أنذاك وأدي إلي إسقاطهما.
ورغم هذا الإختلاف الجوهري فقد تتسع تجارب العصيان في المرات القادمة من عصيان عن العمل فقط و البقاء في المنازل إلي عدم الإنصياع الكامل لأوامر الدولة و قراراتها، ومقاطعتها إقتصاديا، ويكون مصحوبا بمظاهرات قد تبدأ في الأحياء وتتسع شيئا فشيئا كلما اتسعت حركة الجماهير ولحقت شرائح جديدة من الشعب بركب الثورة. فليس هنالك ثمة طريق واحد للثورة، وليس بمقدور أحد رسم خريطة كنتورية تحدد بدقة مسارها وساعة إنطلاقها ولحظة إنتصارها. فكما ذكرنا في مقال سابق عقب إنتفاضة سبتمبر 2013م الخالدة، لم يكن هنالك شخص كان بمقدوره التنبؤ، حتي قبل خمسة أيام فقط من تاريخها، باندلاع انتفاضة شعبنا الظافرة في مارس/أبريل 1985م. بل أن شائع القول في كثير من مجالس الناس وقتها، بعد حالة اليأس التي أصابت الكثيرين جراء 16 عاما من القمع والتجويع وانتهاك الحرمات، هو أن نظام نميري قد استحكمت حلقاته في قِبل بلادنا الأربعة وأصبح قَدَرَاً مسلطا علي شعبنا لا فكاك منه. ولا يوجد في رحم الشعب السوداني بتنوعه وعظمته بديلا له. وحتي بعد أن بدأت الاحتجاجات صغيرة، محدودة، ومتفرقة في 26 مارس 1985م بقيادة الشباب والطلاب لم يكن بمقدور أحد أن يجزم بحتمية اتساعها وتحولها إلي انتفاضة شاملة تطيح بالنظام.
وبالتالي فإن الإجابة علي السؤآل هي أن الثورة قادمة لا محالة. و أن تجربتي 27 نوفمبر و 19 ديسمبر قد حفرتا لهما خندقا عميقا في ذاكرة شعبنا و أصبحت جزءا من تراكم نضالاته المتقدمة التي لا تنقطع ضد حكومة الإنقاذ. ومن أبرز تلك التراكمات إضراب الأطباء في 26 نوفمبر 1989م، الذي قدم فيه أطبائنا الشرفاء الشهيد علي فضل، إضراب عمال السكة حديد 1990م، حركة شهداء رمضان 1990م، ديسمبر 2009م، يونيو 2011م، يونيو/يوليو 2012م، سبتمبر 2013م، انتفاضة طلاب الجامعات أبريل 2016م، النضال البطولي لمزارعي الجزيرة و المناقل، الوقفات الإحتجاجية المتكررة للصحفيين والمحامين و الصيادلة و النساء، إضراب الأطباء في أكتوبر 2016م، والإضرابات المتفرقة التي لم تنقطع وسط حركة الطلبة ووسط الكيانات الإقليمية في الشمالية، الجريف، شرق النيل و غيرها. و سوف تؤدي هذه النضالات وما سيأتي من بعدها إلي مراكمة تجارب شعبنا الثورية حتي تصل إلي مرحلة الإنفجار ولحظة الفعل الثوري الحاسم الذي يطيح بالنظام.
فعلي الرغم من عدم قدرة أحد التنبؤ بموعد اندلاع انتفاضة مارس/أبريل إلا أنها لم تكن وليدة للصدفة و لم تأتي من فراغ، ولكنها كانت محصلة لصمود شعبنا و تراكمات نضاله المستمر لستة عشر عاما ضد دكتاتورية مايو. ومن أبرز تلك التراكمات 16 نوفمبر 1970م، أغسطس 1973م، 19 يوليو 1971م، 5 سبتمبر 1975م، 2 يوليو 1976م، انتفاضة يناير 1980م، انتفاضة دارفور، انتفاضة يناير 1982م التي سقط فيها الشهيد طه يوسف عبيد في مدني.
ثورة اكتوبر أيضا كانت تحولا نوعيا مدهشا للعالم أجمع عصيِّا علي استيعاب حكم جنرالات النظام العسكري وتتويجا لتراكمات متواصلة لنضالات شعبنا منذ عشية انقلاب 16 نوفمبر 1958م إلي يوم النصر الخالد في 21 أكتوبر 1964م.
السؤآل الثاني: من هو البديل بعد إسقاط النظام؟
هذا السؤآل من الأسئلة المشروعة التي ترد اليوم في أذهان الناس و هو يعبِّر عن عدة مخاوف مشروعة لقطاعات واسعة من جماهير شعبنا بما فيهم المجموعات الشبابية التي لعبت الدور الطليعي في العصيانين. تتمثل تلك المخاوف في:
أولا: أن تسرق الأحزاب السياسية الثورة بعد أن ينجح الشباب في إسقاط النظام و بالذات الأحزاب الطائفية الكبيرة التي كانت تمثل الإئتلاف الحاكم في تجربتي الديمقراطية بعد أكتوبر 1964م وبعد مارس/أبريل 1985م و أن يتكرر مثلث الشر مرة أخري (نهوض في حركة الجماهير يؤدي لثورة شعبية يدفع فيها الشعب خاصة الشباب ثمنا غاليا، تطرح شعارات متقدمة، تفرز نظام ديمقراطي يكون للأحزاب الطائفية الحظ الأوفر في السلطة، تتجاهل مصالح الشعب وتقوم بإجهاض شعارات الثورة أو الإنتفاضة و من ثم تنكص عن الديمقراطية عندما يشتد بها الخناق تحت ضغط الجماهير فتقوم بالتآمر علي الديمقراطية إما بتسليم السلطة للعساكر أو تغض الطرف عن انقلاب عسكري يتم التخطيط له تحت مرمي و مسمع منها و لا تحرك ساكنا و بالتالي لا تتمكن الديمقراطية من إكمال حتي دورتها الأولي).
ثانيا: مخاوف الشباب من أن يُبعَدَوا عن المشاركة في عملية الإصلاح ورسم مستقبل البلاد كما حدث في ثورات تونس ومصر. هذا الشعور خلق اتجاه سلبي وسط الشباب ينادي باستبعاد الأحزاب السياسية وفصل حركة الشباب عن الأحزاب.
ثالثا: مخاوف بعض قطاعات الشعب كما عبَّرت بعض الفيديوهات المصنوعة بحنكة من قبل أجهزة الأمن من أن مناضلي الكيبورد من المغتربين والمهاجرين الذين يعيشون في نعيم ويتقاضون رواتبهم بالعملات الصعبة يوظفون الميديا لتحريض الشعب الغلبان بالداخل لإسقاط النظام ثم يأتوا ليسرقوا ثمرة نضاله ويهيمنوا علي السلطة بعد سقوط النظام.
رابعا: مخاوف بعض قطاعات شعبنا من أن تتحول البلاد بعد سقوط النظام إلي نموذج صومالي أو ليبي خاصة وأن المعارضة تضم حركات دارفور المسلحة والحركة الشعبية وأنها تسعي للسلطة وهي تحمل أحقادا قد تُحوِّل السودان لمنطقة مستعرة للحروب الأهلية. وأن النظام قد جند مليشيات لحمايته أصبحت تهدد أمن المواطنين في كل مناطق السودان و آخرها أحداث القطينة و أحداث الكلاكلة. وأن هذه المليشيات ستشكل خطرا علي النظام الديمقراطي بعد اسقاط النظام خاصة مع عدم وجود استراتيجية محددة للتعامل معها لدي قوي المعارضة، و مع جهاز الأمن الذي أصبح متحكما في كل شئ في البلاد. وأن الجيش قد تم تدميره وأصبح مواليا لسلطة الإنقاذ ولا يتوقع منه دور إيجابي في الثورة القادمة.
نحاول فيما يلي الإجابة علي السؤآل الخاص بالبديل والمخاوف المترتبة عليه:
1- لابد من الإشارة أولا إلي أن النظام عبر قياداته وأجهزته الأمنية وآلته الإعلامية الضخمة هو الذي يروِّج لمثل هذه المخاوف ويسعي لترسيخها في أذهان الناس لكي يقتنعوا بأن البشير وسلطة الإنقاذ الحاكمة هي الأفضل للسودان في ظل الظروف الحالية وأنها هي التي تستطيع وحدها حماية البلاد من الحروب الأهلية والصوملة.
2- من المهم أن نتفق جميعا علي أن البديل الرئيسي أولا وأخيرا هو الديمقراطية. بمعني الحريات الديمقراطية وصياغة الدستور و القوانين التي ترسِّخ حقوق الإنسان والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وبناء المؤسسات الديمقراطية التي تحمي الديمقراطية وتمنع أي جهة كانت أن تنقلب عليها. وبما أن هذا سيتم عبر عمل شاق يستمر لعدة سنوات فمن الضرورة أن تكون هنالك فترة إنتقالية أربعة أو خمسة سنوات يتم خلالها عمل كل ما هو مذكور عاليا من خلال لجنة من القانونيين المشهود لهم بالوطنية والنزاهة والكفاءة يقومون بصياغة مسودة للدستور الدائم تمهيدا لتقديمها لمؤتمر دستوري يضم كل القوي الشبابية والسياسية والمهنية والمدنية. ويتم إجازة الدستور الدائم للبلاد بعد نشره في كل الصحف من خلال إستفتاء شعبي نزيه يراعي فيه مشاركة كل جماهير الشعب السوداني. أما حكومة الفترة الإنتقالية فيجب الإتفاق عليها من الآن دون أي مجاملات. فإصلاح الوطن قضية لا تحتمل التسويات أو الترضيات. وبالتالي يجب أن يتم إختيارها من شخصيات يراعي فيها النزاهة والوطنية و الكفاءات العلمية والخبرات العملية. وشعبنا بالتأكيد زاخر بمثل هذه الكفاءات. وأن يراعي فيها تمثيل الشباب بنفس المعايير المذكورة. بعد إنتهاء الفترة الإنتقالية تُجرَي أنتخابات حرة نزيهة. تعمل القوي التي يختارها الشعب لتنفيذ برامجها التي وعدت بها دون المساس بالدستور أو بالمؤسسات الديمقراطية أو جهاز الدولة. والدستور يجب أن ينص علي أن التعيين في الوظائف يجب أن يخضع لمعايير الكفاءة والخبرة والنزاهة فقط منعا لما كان يحدث في تجاربنا الديمقراطية السابقة من أن الجهة ذات الأغلبية تقوم بفصل الكفاءات من القوي السياسية الأخري و تعين مكانهم أتباعهم و محسوبيهم. وهنالك العديد من أمثلة الكفاءات التي تم فصلها أو استبعادها بسبب المحسوبية و الترضيات السياسية.
3- أما فيما يتعلق بالصوملة التي تروج له أجهزة الأمن فالثورة السودانية تكتسب سماتها الخاصة من واقع التنوع الثقافي و العرقي الذي يذخر به شعبنا ومن تاريخه العريق و حضارته الضاربة في القدم، وإرثه الثوري الممتد منذ حضارة كوش ونضال محاربيها السود الأقوياء، ومن تلاحم شعبنا في الثورة المهدية وفي الأهازيج التي نظمها أحفاد دينق في جنوب السودان مناصرة للإمام المهدي، وثورة ود حبوبة، وثورة 1924م بقيادة علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ ورفاقهم، وبملاحم النضال الوطني ضد الإستعمار، وفي ثورة اكتوبر وانتفاضة مارس/أبريل. فشعبنا متحضر ومنفتح علي بعضه البعض وعلي كافة شعوب العالم وأكثر قدرة علي التعايش السلمي. وتكتسب سماتها الخاصة أيضا من كونها أكثر تقدما في سياقها التاريخي من ثورات الربيع العربي التي استطاعت فيها الشعوب العربية في تونس ومصر وليبيا من إسقاط الأنظمة الديكتاتورية العسكرية التي صعدت إلي السلطة بشعارات الاشتراكية و القومية كامتداد تاريخي لما تم الاصطلاح عليه تاريخيا بحركة النهضة العربية و حكمت هذه البلدان لأكثر من ثلاثين عاما و أدت إلي صعود حركة الأخوان المسلمين في تلك البلدان إلي السلطة. في الوقت الذي استطاعت فيه الثورة السودانية اسقاط نفس الديكتاتورية العسكرية التي صعدت للحكم في السودان تحت شعارات الاشتراكية و القومية العربية قبل أكثر من 21 عاما و جربَّت حكم الأخوان المسلمين 27 عاما. و لذلك ستكون الثورة السودانية القادمة ثورة سلمية عبر الإنتفاضة الشعبية والعصيان المدني والإضراب السياسي الشامل وستفرز واقعا ديمقراطيا سلميا لا مجال فيه للحروب الأهلية. فمن أهم شعارات كافة القوي السياسية المعارضة بما فيها الحركات المسلحة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق نفسها هي تحقيق السلام وإزالة آثار الحرب و تسليم السلاح والعمل علي تكوين جيش وطني قومي يتم فيه استيعاب كل قوات الحركات المسلحة تحت قيادة عسكرية وطنية موحدة تقوم علي التقاليد التي أرساها السابقون من قيادات و ضباط صف و جنود القوات المسلحة علي مر تاريخ بلادنا الحديث. جيش قومي لحماية الشعب و الوطن بعيدا عن التدخل في السياسة والحكم طبقا للدستور الدائم للبلاد وهو لا يقل وطنية عن جيشي تونس ومصر اللذان وقفا في الحياد مع ثورات شعوبهم وحموها وقد سبقهم جيشنا لذلك في ثورتي أكتوبر ومارس/أبريل وسيعيد نفس التجربة في الثورة القادمة.
4- أما فيما يتعلق بمليشيات الدعم السريع فستنقطع مصادر تمويلها بمجرد سقوط النظام وحل جهاز الأمن وكل الأجهزة والمؤسسات التابعة له واستعادت كل ممتلكاتها لصالح الشعب وتأسيس جهاز أمن قومي جديد تحت قيادة شخصيات وطنية من قوات الشرطة أو الجيش مشهود لها بالوطنية والنزاهة والكفاءة وفقا لمعايير لا تقل عن المعايير التي يستند إليها تعيين رئيس القضاء ويتم استيعاب الخريجين من شباب الثورة فيه حيث تستفيد البلاد من مهاراتهم في تكنلوجيا الإتصالات. ويكون هدفه الأساسي تجميع المعلومات لحماية الوطن والمواطن وليس لحماية السلطة الحاكمة. كما أن محاربة مليشيات الدعم السريع يبدأ أولا بإزالة الأسباب الرئيسية التي أدت لتكوينها وذلك بالتنمية الإقتصادية المتوازنة ووضع جزء كبير من موازنة الدولة لتنمية الريف من الناحية الإقتصادية، وكذلك من الناحية الخدمية وذلك بتكثيف التعليم والتوسع في تأسيس مراكز تطوير المجتمعات الريفية منطلقين من تجربة معهد التربية بخت الرضاء ومعهد التربية الدلنج، وتطوير المؤسسات الصحية والإهتمام بالشباب والرياضة وتطوير الثقافات واللهجات المحلية والإهتمام بالمرأة وبرعاية الطفل. وبالضرورة أن تتم مطالبة تلك المليشيات بإلقاء السلاح و التسليم باعتبار أن الغالبية العظمي من قوات تلك المليشيات هم أطفال وشباب إنخرطوا في تلك المليشيات لظروف إقتصادية قاهرة ولعدم توافر التعليم والصحة لهم كجزء من التدهور الإقتصادي والإجتماعي العام الذي خلَّفه نظام الإنقاذ. وفي نفس الوقت يتولي الجيش والشرطة حماية المواطنين من هجمات تلك القوات وحماية المشاريع الإقتصادية ومناطق التعدين لتجفيف مصادر تمويل تلك المليشيات وإجبارها علي التسليم والإنخراط في عملية التنمية. أما قيادات تلك المليشيات فيتم ملاحقتها ومحاكمتها علي الجرائم التي ارتكبتها في حق المواطنين وفقا للقانون. أما المرارة والضغائن التي خلَّفها القتل والدمار والإبادة الجماعية يتم التعامل معها بتطبيق العدالة الإنتقالية كما جربتها رواندا وجنوب إفريقيا.
5- و فيما يتعلق بالمهاجرين و المغتربين فهم أولا: إما خرجوا من السودان لظروف إقتصادية عجزت فيها الدولة عن توفير سبل العيش الكريم لهم، أو شردتهم السلطة نفسها من وظائفهم للصالح العام، أو خرجوا لظروف الملاحقة السياسية. كما أن العمل بالخارج في حد ذاته يمثل ظرفا استثنائيا مصحوبا بالمعاناة والحرمان من البلد والأهل باعتباره منفاً إختيارياً لا يجد المواطن الذي يقدم إليه بداً منه. وأن الغالبية العظمي من السودانيين العاملين بالخارج إما مشردين أو لاجئين أو أسري أو عاملين بحد الكفاف بالذات في قطاع العمالة والرعي وشركات الخدمات الأمنية. وغالبيتهم من العاملين بالحد الأدني الذي يوفر لهم بالكاد المأكل والمشرب والتعليم والصحة. وهنالك العديد جدا منهم من يعيش علي الصدقات التي تقدمها المنظمات الخيرية في كثير من البلدان التي يعيشون فيها. و القليل جدا منهم من تتوافر لهم وظائف مرموقة ويعيشون وضعا إجتماعيا مرضيا ولهم مدخرات أفضل من غيرهم. وثانيا: فقد ناضلوا نضال له معناه وتأثيره بفضح النظام في مواقع الشبكة العنكبوتية الوطنية وعلي رأسها الراكوبة، سودانيزاونلاين، حريات، سودانايل، وغيرها من المواقع الوطنية، والعديد من صفحات الفيس بوك و التي أصبحت منابر أصيلة للنضال ضد النظام وسمة من سمات الثورة السودانية. وعلي الرغم من محاولات النظام المستمرة التقليل من أهميتها إلا أنها أصبحت واقعا ملموسا له دوره الخطير في فضح النظام و تعريته وفي الاسهام في تعبئة الجماهير و يجد النظام اليوم نفسه عاجزا عن تلجيمها اسوة بإغلاق الصحف و تكميم الأفواه في الداخل. ثالثا: كما أسهموا أيضا بلفت الرأي العام العالمي للجرائم التي ارتكبتها الإنقاذ ونجحوا في تنظيم حملات التضامن العالمي مع قضايا شعبنا. هذا فضلا عن الدعم المالي لأسرهم وأصدقائهم ومعارفهم بالداخل. ورابعا: كما أن من بينهم خبرات وكفاءات شردتها سلطة الإنقاذ يحتاجها الوطن مستقبلا في عملية الإصلاح والتنمية وبالضرورة أن تعمل الحكومة الإنتقالية القادمة علي وضع خطة تنظم هجرتهم المعاكسة للبلد لينخرطوا في عملية التنمية والإصلاح. فالعنصر البشري المؤهل و المدرب هو أحد أهم عناصر التنمية الإقتصادية في أي بلد من البلدان.
السؤآل الثالث: من هم الذين يقودون الثورة أو عملية إسقاط النظام؟
من المعروف للجميع أن المجموعات الشبابية هي التي نظمت نفسها وقادت الدعوة والتعبئة للعصيانين السابقين. وعلي الرغم من أن القوي السياسية والمهنية والحركات المسلحة قد دعمتها بالتأييد والمناصرة ولحقت بعملية التعبئة فيما بعد، إلا أن المجموعات الشبابية كان لها الدور الطليعي في كل ذلك من خلال عمل منظم مبتكر بشكل أدهش جماهير شعبنا وأدهش العالم بأسره أولا: في قدرة هؤلاء الشباب علي استخدام وسائط تكنلوجيا الإتصالات لتقديم بانوراما ثورية حقيقية استطاعوا من خلالها إستعادة ثقة الشعب في نفسه وكسر حاجز الخوف والتردد. إلا أنه برغم ذلك فقد برزت بعض الإتجاهات السلبية بين حركة الشباب كما أسلفنا تنادي بابعاد الأحزاب السياسية و الحركات المسلحة. و قد استغلت أجهزة الأمن ذلك وسعت للترويج له عبر نفس وسائط الإتصال الإجتماعي وعبر أجهزة الدولة الإعلامية بهدف شق وحدة الشعب تمهيدا لإخماد جذوة الثورة. ولتصحيح ذلك يجب أن نبين أن قيادة الشباب لثورات شعبنا ليس أمرا جديدا. فالشباب كانوا دائما طلائع التغيير ورأس الرمح في كل تجارب شعبنا الثورية. فالشهيد القرشي عندما قدم روحه الطاهرة كأول شهداء ثورة أكتوبر كان في ريعان شبابه و لم يتجاوز عمره ال 19 عاما. علي عبد اللطيف وعبد الفضل الماظ أبطال ثورة 1924م لم يتجاوز عمريهما ال 27 و 28 عاما. بل قد كانت الطفلة مشاعر محمد عبد الله التي لم يتجاوز عمرها ال 18 شهرا أول شهيد سقط في إنتفاضة مارس/أبريل. والغالبية العظمي من شهداء شعبنا خلال نضاله الطويل ضد سلطة الإنقاذ كانوا من الشباب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وفي معارك الحركة الطلابية التي ما فتئت تقدم الشهيد تلو الشهيد. شهداء إنتفاضة سبتمبر 2013م الخالدة كلهم من الشباب. فالشباب هم أمل الأمة وطلائع التغيير دائما وقادة المستقبل وكانوا يقومون دائما بنفس الدور الذي يقوم به شبابنا اليوم. الإختلاف الوحيد يتجلي في قدرة شباب اليوم علي تسخير ما أنتجه العقل البشري من تطور غير متناهي في وسائط الإتصالات لتعبئة الشعب ولقيادة الثورة بوسائل سلمية مبتكرة تجنب شعبنا الخسائر في الأرواح في مواجهة سلطة دموية لا تتورع في إبادة شعبها. وبالتالي فإن قيادة الثورة القادمة هم طلائع الشباب وكافة القوي المنظمة من أحزاب سياسية وحركات مسلحة وتنظيمات مهنية ومنظمات مجتمع مدني ومنظمات نسوية وجبهات إقليمية. وعلي شبابنا التصدي لأي إتجاه لشق الصف الوطني وتشتيت وحدة الجماهير.
فإذا كان غياب المركز الموحد لقوي المعارضة قبل إندلاع إنتفاضة مارس/أبريل يعد أحد أهم سلبياتها التي مهدت فيما بعد الطريق لقوي المشروع الحضاري المعادية للشعب إجهاض شعارات الإنتفاضة والتراجع عنها. فإن نجاح الثورة القادمة يبدأ بتكوين مركز موحد للمعارضة يمثل الشباب فيه رأس الرمح ويضم كل القوي السياسية والحركات المسلحة و التنظيمات النقابية ومنظمات المجتمع المدني والجبهات الإقليمية في الشرق والشمال والغرب والجنوب والوسط.
السؤآل الرابع: ماذا بعد إسقاط النظام؟
و هو سؤآل من أهم الأسئلة التي تدور في أذهان الناس والإجابة عليه تكمن (بجانب ما تم ذكره سابقا بشأن الحكومة الإنتقالية و المؤتمر الدستوري) في أن يقوم المركز الموحد للمعارضة علي أساس برنامج سياسي وإقتصادي وإجتماعي وثقافي وأمني موحد للفترة الإنتقالية تكون الأولوية فيه للإصلاح الإقتصادي والتنموي والإرتقاء بالتعليم والصحة والرعاية الإجتماعية وحماية البيئة ووقف الحرب وإزالة آثارها ومحاربة الفساد وارجاع ما تم نهبه من أموال الشعب وثرواته. بمعني أن يقدم المركز الموحد للمعارضة برنامج واضح يتم تمليكه لكل جماهير شعبنا. و أن يتضمن هذا البرنامج الذي يتم تمليكه للجماهير المعايير التي سيتم بها إختيار الحكومة الإنتقالية و المهام الموكلة عليها. و بالتالي تناضل الجماهير من أجل إسقاط النظام وهي علي دراية تامة بالبديل القادم و البرنامج التنموي الذي سيكون هدف للجميع من أجل إصلاح الوطن و الإرتقاء به لمصاف الدول المتقدمة.
عاش نضال شعبنا المعلم
عاشت مسيرة الثورة السودانية
و المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.