الجامعة العربية تؤكد دعم الإعلام العربي وتعزيز دوره في التنمية    بدائل دول الخليج لإنقاذ اقتصادهم بعيدا عن مضيق هرمز    قرار إعفاء المفوض العام للجهاز الاستثماري للضمان يحمل نُذُر معركة قادمة مع وزير المالية    الدون علي اعتاب المجد القاري الثاني مع العالمي    الأهلي يمتع ويعود بريمنتادا في موقعة شيكان    المريخ يواصل المناورات للقاء بوغوسيرا ووصول الدفعة الثانية للفريق الرديف    لماذا مدد ترامب هدنة إيران؟.. "CNN" تكشف كواليس اللحظة الأخيرة قبل القرار    جوجل تطلق ميزة Gemini في متصفح Chrome فى 7 دول جديدة    4 هواتف أيفون لن يصل لها نظام التشغيل iOS 27    طائرة جديدة تعزز أسطول "تاركو" للطيران في بورتسودان    تعديلات دستورية تفتح الطريق أمام البرهان ليكون رئيساً للجمهورية بالسودان    والي الخرطوم يتوعد المخالفين ويؤكد الحسم لحماية الأمن    هاري كين يتصدر صراع أفضل لاعب فى العالم 2026.. ومحمد صلاح ضمن السباق    برشلونة يستهدف تأمين صدارة الدوري الإسباني ضد سيلتا فيجو    النصر والأهلي القطري في مواجهة نارية بنصف نهائي دوري أبطال أسيا 2    شاهد بالصورة والفيديو.. فنان سوداني يغني في حفل زفاف بالقاهرة وقاعة الفرح خالية من المعازيم والجمهور يسخر: (الكشة رجعت تاني ولا شنو)    ندوة لتكريم سلاف فواخرجى بمهرجان أسوان لسينما المرأة اليوم    عادة بسيطة تقلل التوتر وتحسن الصحة النفسية    شاهد بالفيديو.. وثقن لجمال مطار الخرطوم.. نساء سودانيات يتوشحن بعلم السودان ويعبرن عن سعادتهن الكبيرة بالعودة لأرض الوطن (وحياة الله حتى الموية طعمها غير)    شاهد بالفيديو.. نقاش حاد و "شتائم" بين التيكتوكر "المفترس" والناشطة "إحسان" وزوجها الجنوب سوداني الذي قام بتهريبها من أهلها    أطباء بلا حدود : علي ظهور الجمال والحمير … اللقاحات تصل جبل مرة    قرارات لجنة الانضباط برئاسة شوكت    محمد إمام يعود لتصوير فيلمه شمس الزناتى مطلع مايو المقبل وطرح البرومو قريبا    ما لا تعرفه عن سيدة الشاشة الخليجية الراحلة حياة الفهد    تكرار العدوى أو المرض.. أسباب شائعة لا تتجاهلها    هل تحتاج لعملية زراعة قلب؟.. خبراء يكشفون العلامات التحذيرية الخطيرة    البرهان ل"سلطان عٌمان" : موقف السودان ثابت    محافظ مشروع الجزيره :المليشيا نهبت ودمرت أصول المشروع بطريقة ممنهجة والخسائر بلغت 6 مليار دولار    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    إحباط محاولة تهريب في السودان    ترامب: استخراج اليورانيوم المخصّب من المنشآت النووية الإيرانية ستكون عملية صعبة    شاهد بالفيديو.. رداً على تصريحات أحمد موسى.. المستشار مرتضى منصور: (السودانيين فوق دماغنا)    إدخال البصات السفرية لحظيرة الميناء البري بالخرطوم وسحب 950 سيارة مدمرة حول السوق المركزي    رسميا: تحديد موعد كلاسيكو الليجا    ارتفاع في وارد محصول الذرة وانخفاض في الأسعار بالقضارف    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    عثمان ميرغني يكتب: الصورة مقلوبة    عاجل..إيران: فتح كامل لمضيق هرمز    السودان.. انخفاض معدل التضخم    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    إيران تهدد: موانئ الخليج لن تكون في مأمن إذا حوصرت موانئنا    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    السودان.. القبض على 4 ضباط    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبوبكر الأمين يروي قصة اعتقاله وأسرار التعذيب الوحشي للسياسيين المعارضين
نشر في الراكوبة يوم 31 - 01 - 2017

جرى اعتقالي في نوفمبر 1990 وضمي لمجموعة كبيرة من المعتقلين من مختلف المشارب على سطوح عمارة جهاز الأمن بالقيادة العامة وحولت من بعدها لبيت الأشباح الملاصق للجنة الاختيار للخدمة العامة جهة شارع البلدية وفي محله الأن تقوم عمارة يشغلها مركز تدريب تابع لجهاز الأمن . هذه الإفادة ليست ذكريات شخصية شاملة عن تلك التجربة ولكنها محاولة لتذكر بعض الوقائع التي شهدتها خلال ثلاثة عشر شهراً من الاعتقال بذلك المكان قبل ربع قرن من الزمان والتي تضمنت أشكالاً من التعذيب الذي مورس على المعتقلين هناك.
تميزت الفترة المذكورة عن سابقاتها أنها جاءت بعد الموجة الأولى للتعذيب الجماعي الوحشي للسياسيين المعارضين واغتيال الشهيد الشيوعي الدكتور علي فضل تحت التعذيب ، ومن بعد تصاعد الحملة ضد التعذيب على المستوى المحلي والعالمي مما أسهم في غل يد الجلاد وتوقف عمليات التعذيب الجماعي ثم العودة التدريجية لتلك الممارسات ، وقد كنت تعرفت قبل اعتقالي على أساليب التعذيب المعتمدة من خلال تلك الحملة التي قادها الحزب الشيوعي ومن خلال مادة غزيرة وفرها المعتقلون الذي تعرضوا للتعذيب بعد وصولهم سجن كوبر العمومي.
أول حالة تعذيب شهدتها كانت لمعتقل من قبل الأمن الإقتصادي وكنا لا نزال في سطوح عمارة الأمن وفي صباح باكر وقبل نهوض الجميع كنت اتمشى بالخارج فلمحت شخصاً يصعد السلم وعندما وصل للسطح لم يلق السلام بل توجه نحو مرقد شخص بعينه وقبض على موضع حساس من جسده وضغط عليه بشدة وكان يقول له كم المبلغ؟ وبعد إجابة ما، ترك المعِذب ضحيته ونزل.
وحتى ذلك الوقت لم يكن هناك فصل بين معتقلي القسم الاقتصادي والقسم السياسي وفي تلك الأيام كان هناك رجل أعمال ضمن المجموعة كان صعب عليه النوم وطال أرقه، وفي يوم ما حضر معتقلون متهمون بتدبير إنقلاب عسكري من جلسة محاكمتهم الأخيرة والتي نطق فيها قاضيهم بحكم الإعدام ، وأخبرونا بذلك ثم تناولوا عشائهم وناموا .. عندها انفجر رجل الأعمال بالصياح المتوتر قائلاً - ناس يحكموا عليهم بالإعدام ومعاهم ناس متهمين بالشيوعية نايمين يشخروا وانا ما قادر أغمض عيني لدقيقة في تهمة متعلقة بأكياس نايلون !! وتولى الزميل كمال حسين إعادته للهدوء مرة أخرى ، وفي الواقع فإن الزج بالناس مهما كانوا في مثل هذا الجو المرعب لهو نوع من التعذيب ايضاً وله وقع كبير خاصة على الأفراد من غير السياسيين وغير ذوي الخبرة والتجربة.
في الأيام الأولى لتحويلنا للبيت تعرضت لعقوبة من قبل الحرس كمندان حسن والذي تولى لوحده في ذلك الوقت معظم شئون المعتقلين الذين اوصدت على مجموعاتهم الغرف التي لا تُفتح إلا للصلاة وقضاء الحاجة ، وفي يوم من الايام جاء وفي معيته معتقلين جدد أدخلهم للغرفة التي كنت بها حيث كان الترحيب بأي وافد جديد أمراً طبيعاً ، لك يومها كانت التهمة أني تعرفت علي نائب رئيس الوزراء في العهد الديمقراطي الراحل السيد صمويل أرو، وكيف أني تجرأت ورحبت به في الغرفة وساعدته في أن يجد طريقة للحفاظ على بدلته التي خلعها واحتار أين يضعها فأشرت عليه بتعليقها على الباب فمضى إليه بطوله الفارع عليه الرحمة وتركها تتأرجح على ضلفة الباب وسخر من هذا الوضع، وربما كان ذلك التعليق هو ما أثار حفيظة الحرس فسألني إن كنت أعرف هذا الشخص ؟ أجبت بنعم قال من أين تعرفه ؟ قلت من التلفاز فكل السودان يعرف السيد صمويل أرو الزعيم الجنوبي البارز وطُلب مني أن احمل متعلقاتي واتبعه في ذلك الليل، وافضى بي ذلك الطريق لمكان مظلم وطلب مني الدخول ، كان الظلام حالكاً وما كنت أعلم أين المدخل ، ولكني سمعت اصواتاً تصدر من قلب الظلمة تقول مرحباً تفضل ، ودخلت ، كان واضحاً أن سكان تلك الظلمة اجتهدوا حتى افسحوا لي مكاناً وانصبت عليّ اسئلة التعارف سريعة كأنما كانوا يريدون أن يعرفوا إن كان بمقدورهم مواصلة ما انقطع من حديثهم ، وبعد صمت قليل وعبارات السلام ، استأنف راوٍ متمهل قصة كان من الواضح انها بالغة التشويق لأنهم انصرفوا عني وانصرف انتباهي معهم للحكاية ، كان ذلك الراوي يتحدث عن تجربته في إبان أحداث الجزيرة أبا الدامية عام 70 . كان الراوي هو السيد مكي يوسف النصيبة نائب رئيس المجلس الأربعيني لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم دورة أحمد عثمان مكي ونائب عن دائرة جنوب ربك (كنانة) (عن حزب الامة) في انتخابات عام 1986وسرعان ما انساني ذلك الحكي البديع تلك الظلمة الحالكة التي لفت المكان ورائحته المنفرة والذي تكّشف عن كونه مطبخاً افترش أرضه هؤلاء الرجال من الكوادر والذين كانوا وبرغم افتراشهم أرض هذا المطبخ القذر الذي تحوم حشراته من صراصير (الكوكوروش) فوق أجسادهم سعداء باجتماعهم وروحهم المعنوية عالية تفيض بالتحدي واللامبالاة بالمعتقل وقد اضمحلت فروقاتهم وخلافاتهم السياسية والايديولوجية ولا أنسى منهم المهندس صيام مدير مصنع الطوب الآلي بعطبرة ولا أذكر الآن بالضبط إن كان ضمنهم في ذلك المطبخ قادة نقابة عمال السكة حديد وعلى رأسهم النقابي علي عبد الله السيمت أم لا فالأمور تختلط بطول الوقت وقد رافقتهم في سطوح عمارة الأمن بالقيادة ومن بعد في بيت أشباح شارع البلدية لكنهم كانوا في غرف أخرى .
في الصباح بدا المشهد مأساوياً بحق فرجال بهذا القدر والمقام يحشرون في هذا المكان الوضيع ولكن شحنة الثقة والاستعلاء على سلطة هذا شأنها والتي أخذتها عن تلك المجموعة قد كفتني وفاضت كي أعبر التجربة ولا ريب أن تلك الروح معدية بشكل ما وقد سمعتهم يتحدثون بفخر عن الطريقة التي تعامل بها الشيخ الاتحادي الراحل مضوي محمد أحمد مع حراسه في ذات هذا الموقع . في الصباح تبادلنا النظر من خلل الباب نرقب حركة الحراس والمعتقلين الذين يظهرون في الجهة المقابلة حيث تقبع حجرة اسماها المعتقلون ( فندق جدعة ) وجدعة هو ضابط في القوات المسلحة كان لا يزال وقتها في بيت الأشباح حين حضوري وقد أمضى في تلك الغرفة ردحاً طويلاً من الزمان حتى اسموها عليه ويقال أن سبب اعتقاله رفضه التنازل عن حقه في عبور صينية الحركة لإبراهيم شمس الدين الذي كان يمر بها وكان مصيره الحبس في تلك الغرفة العارية والتي يهددون بها المعتقلين ويقال أن بها نمل أسود كثير وكبير لا يمكن النوم معه اطلاقاً. وكان يحبس بها في تلك الأيام الدكتور حسين حسن موسى القادم من سجن كوبر بسبب مشاركته في إضراب عن الطعام احتجاجاً على حرمان المعتقلين المرضى من الرعاية الصحية وقد شاهدته من خلال ثقب الباب يخرج مع الحرس ويعود وعرفت فيما بعد أنه قد أعيد لسجن كوبر.
من ضمن حالات التعذيب في المحابس الضيقة ما جري للمعتقل عبد الرحيم الفحيل المحامي الذي كان مقيداً بقيد حديدي في غرفة ضيقة جداً كانت لا تسمح للشخص بالتمدد وكانت تسمى (الصندوق) . ومن الذين حبسوا انفرادياً بمخزن قديم لفترة وصلت لعام ونصف الضابط مهندس الطيران بابكر محمد ابراهيم الشهير (ببكور).
اعادوني من المطبخ مرة أخرى لغرف البيت المكتظة بالمعتقلين ووضعت في غرفة كانت تسمى (مكة) كان بها الشيخ خالد محمد إبراهيم عليه الرحمة إمين هيئة شئون الأنصار حينها ومجموعة من المعتقلين قبل أن أرّحل لغرفة أخرى كانت تسمى (مجلس الوزراء ) لأنه كان بها ومن قبل حضور مجموعتنا الأفاضل من حزب الأمة الراحل الدكتور عمر نورالدائم والراحل السيد عبد السلام الخليفة والراحل محمد عمر الشهيد والسيد عبد اللطيف الجميعابي وآخرين كثر.
في تلك الأيام حظيت بزيارة من قبل أسرتي التي اجتهدت في الحصول عليها وكان ضابط الأمن المعروف محمد الأمين هو من أشرف على تنظيم ومراقبة تلك الزيارة أمام جريدة القوات المسلحة. وعند العودة من الزيارة تم تفتيشي قبل الدخول وعثر معي على ورق كان أصلاً في جيبي قبل خروجي ومن ضمنه ورقة بها عنوان دكتور عبد الكريم القوني الذي كان لا يزال معنا في البيت واستلزم ذلك عقاباً (بطابور) يبدو أنه كان الأول من نوعه بعد انقطاع لفترة عن مثل تلك الطوابير.
أثار استدعائي بين صلاتي المغرب والعشاء قلق المعتقلين وكان التعبير على وجوههم بليغاً مما حدا بي للتصميم بأن أمضي دون أخذل أحداً مهما كان الأمر ، وفي ساحة المنزل الشرقية وقف كمندان عمر في هيئته العملاقة واضعا يديه بكامل امتداها على سلك الغسيل وبدأ في سؤالي اسئلة كثيرة وعندما سأل عن موطني وكان يظنني من ناس العاصمة وجدته يعرف اسماء القري التي حول قريتنا مثل ود بلة وقنطرة ودبلة وكَنو وكدَسا وحشرات وجلسوا وكُرُنجوكا وهذا مما لا يتأتي إلا لمن عاش في المنطقة ثم سأل عن توجهي السياسي واضعاً مسدساً ضخماً على رأسي فقلت له شيوعي فصاح من بعيد لحراس آخرين .. "يا كمندان قال هو اشتراكي.." ولاحظت طبعاً تخفيفه للكلمة وكأنه لا يستطيع تردادها ، وأجابه كمندان آخر من بعيد أن " اكتلو .."
قال لي كمندان عمر ألا تخشى الموت قلت (ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً ولاتدري نفس بأي أرض تموت) ، قال تشهّد رددت الشهادة ضغط على زناد المسدس الفارغ ووجدني أنظر إليه بشكل عادي فقال لي "مبروك .. خلاص كتلناك ، أمشي احضر صلاة العشاء" وأضاف أنه يتوجب عليّ الانصراف بطريقة عسكرية وأخبرته أنني لا أعرف تلك الطريقة قال أعلمك وظل يعلمني وأفشل في التنفيذ بطريقة متعمدة حتى استيأس من عسكرتي وقال لي أنت (ملكي ساكت) وصرفني لصلاة العشاء .. وبعد تناول طعام العشاء عاد الكمندان للغرفة وقال لي على مسمع من الآخرين "راسك كبير ، تاكل التعليمات زي البسكويت " وقال ستكون هناك ليلة زحف حتى القصر الجمهوري.. قلت له هل القصر قريب من هنا ؟ .. قال "بطّل سؤال" ، لكنه لم يعد ولم يكن هناك زحف وقد وصلت الرسالة للمعتقلين بعودة الطوابير من جديد.
الجزء الثاني
في شهر مايو 1991 جرى اعتقال مجموعة من الطلاب الجنوبيين من منطقة الكلاكلة ولم نكن نعرف وقتها حقيقتهم عندما وصلوا ساحة البيت الجنوبية والتي تم فيها من بعد ذلك بناء زنازين استمرت لفترة قبل أن يعودوا ويزيلوها، وبمجرد وصول هذه الدفعة بدأوا في ضربهم بقسوة وكان صراخهم يتعالى كل حين واستمر ذلك لقرابة الشهر وكانوا ايضاً يقومون باعمال النظافة واحياناً باعمال شاقة لا ضرورة لها مثل حمل قطع ثقيلة وارجاعها لمكانها. وصادف أنني تمكنت من رؤيتهم في يوم جمعة وأحد ضباط الأمن يستجوبهم واحداً واحداً ومن خلال فرجة صغيرة بدت ملامحهم وكأنهم في الاربعينات من أعمارهم من فرط التعذيب المتنوع وبعد مدة توقفوا عن تعذيبهم وأخيراً تم ضمهم لمجموع المعتقلين في البيت وهنا استطعنا معرفة قصتهم المأساوية وهم طلاب في أعمار الثانوي العالي فتح عليهم شخص ما بلاغ كيدي بأنهم في الحركة الشعبية لتحرير السودان بسبب ما يقوم به عادة الشباب المراهق من تعبير عن علاقاتهم العاطفية العفوية، وتولت الاستخبارات العسكرية أمرهم وهناك كان السؤال عن السلاح هو محور التحقيق معهم وتم ضربهم بقسوة ولكن تبيّن لهم أن هؤلاء الصبية ، المولودون في الخرطوم ولم يشاهدوا الجنوب قط، لا توجد بينة تدينهم بنشاط التمرد فقرروا تحويلهم لجهاز الأمن ليتولى أمرهم وهنا قال ضباط الجهاز أن ناس الاستخبارات لا يعرفون الشغل وبدأوا معهم تلك الجولة القاسية من التعذيب والتي انتهت لذات النتيجة التي سبق للاستخبارات أن توصلت إليها فقاموا بتحويلهم للشرطة التي قال ضباطها أن رجال الاستخبارات والامن لايعرفون الشغل وسوف نؤكد ذلك لهم ومن ثم أدخلوا هؤلاء الشباب في دورة تعذيب أخرى انتهت إلى لاشيئ وتقرر أخيراً إطلاق سراحهم واللحاق بمدارسهم.
في 19 يوليو 1991 تم اعتقال التشكيليين صلاح سليمان وعلي الامين ومحمود جاه الله والمرضي عبد الله وعبد الواحد وراق من جوار محطة السكة حديد الخرطوم بحري وهم عائدون من أعمال رسم على حوائط منزل (خواجة) وطلب منهم ضابط الأمن صلاح صاغة وهو رئيس اتحاد سابق بجامعة السودان الصعود للعربة التي تحركت بهم لمكاتب الأمن بالخرطوم شرق جوار الطيران المدني حيث جرى ضربهم في غرفة مظلمة وضيقة بها بقايا اسمنت واسمعوا الفاظاً نابية وأيضاً ساهم في ضربهم وركلهم على ظهورهم خارج الغرفة فرد أمن ضخم الجثة يسمى بالطيب الجزار، وفي مساء اليوم الثاني سيقوا مغمضي العيون وتحت بطانية لسطوح العمارة الحمراء بمباني جهاز الأمن بالقيادة العامة وانضموا لمجموعات أخرى كان من ضمنها مجموعة عقد الجلاد الغنائية وكان برنامج الضرب يبدأ من المساء وحتى ساعات متأخرة من الليل ومعه حركات جيش رياضية ( 9 أستعد) و(أرنب نط) واستمر ذلك ليومين وبعدها تم توزيع المعتقلين على زنازين وأشرف معتقلون قدامي على العناية بالمجرحين من المعتقلين الجدد وسمح بالطعام والحمام لكن استمرت البذاءة والعبارات النابية حتى تم ترحيل أغلب المعتقلين لبيت الأشباح شارع البلدية الذي هو الآن إدارة التدريب بجهاز الأمن والمجاور لمحكمة الكومسا. وتم استقبال المعتقلين بالصفع والضرب وادخلوا لغرفة جراج قديم خلف (فندق جدعة) الآنف الذكر وفي غرفة حمام مساحتها ستة امتار مربعة حشر حوالي 32 معتقلاً في ظروف حرارة فصل الصيف وبدأ ضرب من الساعة الثامنة مساء وحتى آذان الصبح بالسياط والعكاكيز واستمر ذلك لأسبوع حتى تسلخت الجلود مع وجبة طعام واحدة ، وفي ذلك الجراج كان القرب من الباب ميزة كبرى حيث ينعم الواقف ببعض الهواء وتم تنظيم التبادل في الوقوف قرب الباب وقام شباب المعتقلين باستخدام كراتين كمراوح لكبار السن خشية اختناقهم، وبعد أسبوع استقبلنا هذه المجموعة في صالون البيت ما عدا شقيقي على الأمين الذي رأى القائمون على البيت فصله عني ووضع في مخزن بطاطين مع الضابط محمد بابكر ابراهيم الذي كان قد أتم حينها عاماً وثلاثة أشهر في تلك الغرفة التعيسة. ورغم التعذيب كانت معنويات مجموعة المعتقلين عالية ، وكنت أملك بعضاً من بدرة البنسلين وبذلتها لمجموعة التشكيليين لمداوة جراحهم ، وفي سياق هذه المسيرة تم فصل المعتقل عبد الواحد وراق عن التشكيليين وحول للاستخبارات العسكرية باعتبارة مصمماً بصحيفة القوات المسلحة. وبعد شهر تقريباً أُلحق علي الأمين بغرفة (مجلس الوزراء) وصادف ذلك خروج الدكتور عمر نوالدائم فآلت اليه بعضاً من متعلقاته فرشاً وغطاء وبعد أن أكمل التشكيليون في البيت ما يقارب الأربعين يوماً جرى إطلاق سراحهم .
عادت الطوابير وصارت يومية تقريباً حيث يمكن لأي من الحراس أن يجمع المعتقلين في أي وقت ليس لغرض محدد وإنما لمجرد القلقلة وكانوا يستغلون هذه التجمعات للتحدث في أي موضوع مما يسمى بفارغة الجيش وعادة ما يطلب من المعتقلين رفع الأيادي أو القيام بالحركات الرياضية الشاقة لكن كان هناك طابور خاص يقسم فيه عدس على المعتقلين ويطلب منهم عده و(رفع تمام) العدس لرئيس الميز وهنا لا يستطيع أحد العد الحقيقي وطبعاً لا يستطيع الحرس التأكد من صحة أي رقم ولمّا كنت رئيساً للميز في فترتي الأخيرة كنت ارفع تمام العدس بارقام وهمية وكان ذلك يسعدهم ويقبلونه لأن المطلوب ليس صحة الرقم ودقة العد وإنما تبديد السكينة وزرع التوتر وفي يوم من أيام أغسطس منذلك العام جرى طابور من نوع خاص تحولت مجرياته إلى مأساة مكتملة حين صدر أمر الحارس بالتجمع في صالة البيت والتي كنا نعد فيها الطعام وكانت هناك على النار حلتين من إدام الأسود تغليان تحضيراً لطعام الغداء ، وقف المعتقلون حول النار وطلب الحارس من شاب من أبناء جبال النوبة الخروج لوسط الحلقة وطلب من القيام بحركة تسمى (ست العرقي) وهي حركة صعبة يقبض فيها القائم بها بيد على الأذن من خلف الذراع الأخرى ويضع اصبع اليد الثانية على الأرض منحنياً ومن ثم يدور على محور اليد التي على الأرض وتؤدي هذه الحركة لاختلال في التوازن عند الوقوف ، قلت للحارس الزول دا لو عملها بقع في النار فقال لي دون تردد وهو المطلوب ، وعندما وقف الشاب بعد القيام بهذه الدورة فقد توازنه بالكامل وسقط مباشرة في الحلة وصرخ صرخة عظيمة من ألم عظيم وتفسخ جلده بصورة مرعبة وتناثر الجمر وبقايا الطعام في كل مكان وهرع الجميع لاسعافه بينما مضى الحارس خارجاً كأن لم يفعل شيء، وقد فشلت كل مطالباتنا بارساله للعناية الطبية وظل يتألم لشهور وهو غير قادر حتى على اطعام نفسه ولولا مابذله المعتقلين تجاهه لرحل عن الدنيا من غير شك وظلت هذه الواقعة باقية في ذاكرتي لا تمحوها الايام ولازلت اسمع تلك الصرخة تعبيرا وتلخيصاً للألام الكبيرة التي تحملها ابناء هذا الشعب في ظل نظام الانقاذ الفاشي.
في واقعات التعذيب اذكر كذلك تلك الحملة التي استهدفت السجاير والصعوط وكان المعتقل الذي يوجد لديه اي منهما يجبر على أكل السجاير وشراب خليط الصعوط مع الماء ، شاب من قرية التكلة كان قادماً من ليبيا وحضر وهو يحمل معه سجاير أجبر على التهام سجائره بالكامل ورجل شهم من ابناء دنقلا كان سائقا لشاحنة ومشغولا بنقل البضائع بين العاصمة ومنطقته ايفاءاً لطلبات المغتربين من ابناء المنطقة وقع في براثن الاعتقال و تهمته الأصلية أن من بين من ملكوا تلك الشاحنة الراحل فتحي شلا واتهم مباشرة بأنه يعمل لصالح المعارضة ، وفي ذلك اليوم المقيت كان عليه شرب مخلوط الصعوط وأدى ذلك به الي نوبات من القيء لا تنتهي وسعال وظللت معه الليل كله وفي قلق عظيم من أن يودى ذلك به ، وفي ساعات الصباح الباكر أظهر علامات التحسن وعاد وضعه للاستقرار ، وهذا الرجل اصفه بالشهامة لأنه في أحد ايام الحياة في المعتقل وكنا عدنا من صلاة الظهر للغرفة فوجدت أن هناك يد امتدت لحقيبة تخصني احتفظ فيها بمال الميز وفقدت المال ، وأفضيت بالأمر له باعتباره ممن يشاورون في الأمور الجليلة وأبديت له الرغبة في التبليغ لدى الحراس عن فقدان المال فقال لي ، إن التبليغ سوف يضر عدداً من المعتقلين من الجنوبيين باعتبارهم المتهمين الأوائل لأنهم لم يكونوا في الصلاة وسوف ينكلون بهم ويعذبونهم ، قلت له وما الحل قال انه سوف يتكفل بالمبلغ وفعلا دفع من ماله لفداء زملائه في الاعتقال من بطش عظيم. وفي تلك الايام أيضاً ابتكر حارس يسمى حسين وكان متخصصاً في التفتيش الفجائي طريقة مبتكرة للتعذيب بادخال المعتقل في بلاعة الصرف الصحي وقفلها عليه وهذا ما فعله بشاب يقال أنه من أسرة ابو العلا ، وناداني باعتباري رئيس الميز وقال لأشهد مروره عبر المجاري، قلت له بأن هذا الشاب سيموت بسبب الغازات السامة فالبلاعة ليس بها اوكسجين وكلها غاز ميثان قال حسين كدا أحسن من أن يسد علينا المجاري وعندما أخرج من هناك كان على وشك الاغماء. ومن حالات التعذيب ما تعرض له على السيد المحامي عندما دلقوا عليه جرادل من الماء البارد بعد رفضه القيام ب القفزة المسماة أرنب نط وذلك كله عقاباً له لأنه تحدث أمام الضابط في المرور عن مطالب المعتقلين ، واستمع الضابط لمطالبه باهتمام ودونها في الدفتر وحال خروجه تعرض للتعذيب من الحراس وكنت قلت لعلي السيد أن لا جدوى من ذلك فقد تحدث معهم من قبل الدكتور عمر نور الدائم عليه الرحمة بشجاعة متميزة وطالب بكل شيئ دون عائد . وليس هناك ما يؤكد أن الذي يمر على المعتقلين هو ضابط بالفعل وفي مرة تركونا في إتجاه الحائط وقالوا أن الضابط قادم ومن له شكوى عليه تقديمها ، ومن خلال انعكاس صورة ذلك الضابط على إحدى العُلب تبين أنه أحد السائقين في الجهاز. هذا من جانب لكن من جانب آخر فالضباط أنفسهم ليست لهم سلطة على الجنود كما هو الحال في أي قوات نظامية هنا تسقط الرتب والأقدمية وتسود علاقات التنظيم وظهر هذا في حالة تعذيب جندى من الجهاز اسمه ود الجاك اتهم بالتخابر وعندما رفض تلقي أوامر من جندي اقل منه رتبة تم ضربه بقسوة وأذكر أن حارس اسمه عثمان حذرنا من الاقتراب من الغرفة التي كان فيها وقال بطريقة وقحة "الزول دا في عنبر بروف عثمان مافي سستر تقرب منه" وفي الليل وصلناه وتحدثنا معه فقال انه بخير
هناك الكثير مما يستوجب الحكي خاصة طوابير الازعاج والسمر الاجباري والتجويع ولكن يحسن أن أذكر الشاب الذي قفز في مدرسة بامبده وسرق ماكينة طباعة ليبيعها في دلالة الجمعه..وقبض عليه وحولوهو للاعتقال كشيوعي متهم بطبع المنشورات او متعاون مع خليه شيوعيه .. وعذب ليعترف .. وهو لا يعرف حتى نطق اسم الماكينة وبقول ماكينة (تايبوس).
وهناك أيضاً قصة محزنة عن مجموعة من ابناء الجنوبيين ظلوا يتعرضون للتعذيب لكن بشكل فريد وهو الغناء الإجباري بالأوامر وكان ذلك الطقس يتم مقترنا بتتويج احدهم ملكاً ووضع أواني الطعام على رأسه وفي ذات الوقت يأتي صوت غناء الحاشية مليئاً بالمهانة وبالقهر والانكسار وخالي من أي بهجة:
ليه ليه يا زكيه
زكيه آبا آنا
ومثل ذلك إجبار مصري معتقل على الغناء :
زحمة يا دنيا زحمة
وآخر انواع الطوابير طابور الافراج فأنت لا تعرف إن كان هذا طابورك الأخير أم لا وفي ليلة من شهر فيراير 1992 أبقونا ونحن مجموعة صغيرة واقفين ورافعي الايادي وعند شروق الشمس تم اطلاق سراحنا.
أبوبكر الأمين محمد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.