مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لقاء البشير وحصاد الهشيم!!
نشر في الراكوبة يوم 26 - 05 - 2017


بسم الله الرحمن الرحيم
جزء اساس من كوارث الحكم الدكتاتوري، يرجع للدكتاتور ذاته. وذلك من خلال تضخم الذات، الذي يتناسب طرديا مع مدة بقاءه علي سدة السلطة، وتاليا تتحول النرجسية من سلوك مفرط في حب الذات، وتنزيهها من النواقص والعيوب، وامتلاكها الحكمة وفصل الخطاب، الي نوع من النهج الكاريكاتوري او الاعتباطي الذي يتحكم في طريقة ادارة الدولة. او من ناحية اختياره لاعوانه والمقربين، والذين ترتفع درجة مؤهلاتهم، علي قدر اعترافهم بقدرات الدكتاتور الفذَّة، وبراعة قراءتهم لمزاجه! وتاليا ارضاء نزواته وغروره ورغباته، مهما كانت درجة غرائبيتها، والتسليم بقراراته مهما كانت درجة مفارقتها للواقع من حولها، وجهلها الفاضح او حتي غيبوبتها عن متطلبات اللحظة الحضارية التي يعيشها.
إذا صح هذا المدخل فهو يؤكد ثلاث حقائق. اولها، ان ارتفاع نجم نموذج طه عثمان. وثانيها، تصميم جهاز اعلام يعبد كائن كالبشير ويسبح بحمد النظام. وثالثها، تشكيل جهاز امن متعدد التراكيب والوظائف لحماية جلالته. ليس مصادفة، ولكنها حاجة اساسية او طبيعة مكملة لدائرة الدكتاتورية. واهمية هذا المدخل، انه قد يساعد علي تفسير كثير من الظواهر السلبية والمواقف المتناقضة، والقرارات الارتجالية او المتضاربة او الانفعالية والاصح الفضائحية، التي تتنزل علي الدولة كمؤسسات والمجتمع كحاجات واولويات، لتحيلهما الي عصف ماكول وعظام نخرة.
وفي ذات السياق وكما ظللت اكرر المرة تلو الاخري، ان اللقاءات الاعلامية التي تجري مع (فخامة!) البشير، ونماذجه المسرطنة في هذه البقعة الموبوءة من العالم، الغرض منها تضخيمي تبريري تلميعي تغيبي بامتياز! وتاليا ليس لها صلة نهائيا، لا بالاعلام كرسالة حضارية ولا بمعرفة الحقيقة كحق واحترام لوعي المواطن. وهذا في حال لم تعكس نوع من مظاهر الانفصام الراكزة في ثقافة هذه المنطقة، وهو ما ينعكس علي اللغة العربية ذاتها، كحامل للثقافة او كتعبير عن المدلول، حيث تكثر فيها الفاظ التفخيم والتعظيم والفخر والاعتزاز، المفارقة لحقائق الواقع! وكأن فحولة اللغة تعويض عن الخيبات الملازمة لاهلها؟! واستطرادا هو انفصام يطال السياسة والسلطة والاجتماع..الخ الشئ الذي جعل هذه المنطقة، وكأنها تعيش بقلبين في جوفها، الفشل والعجز علي مستوي المنجزات الحضارية، والنجاح والابداع علي مستوي الشكليات والشعارات والمظاهر والاحتفالات البذخية؟! والحال ان نموذج البشير والاعلام الرسمي ليس بدعة، ولكنه الاسوأ علي مستوي المنطقة! وعليه، لقاء البشير السابق مع الاعلام الاماراتي، مرورا بلقاء ود خوجلي التلفزيوني، وانتهاءً بلقاء جريدة الشرق القطرية، كلها تمتح من ذات الاناء، الناضح بالتضخيم الكاذب والنفاق المرسل والاسئلة الموجهة، او التي تتطلب نوع محدد من الاجوبة، لا يصدف انها مطلوبة سلفا؟ الشئ الذي جعل المشاهد او القارئ، قبل مهنية الرسالة الاعلامية، يتحسس راسه، وهذا عندما لا يتحسس (يصاب بالحساسية) جسمه ووعيه وضميره، وهو يتمتم كالممسوس بتعابير الدهشة والاسف الممض.
وبالعودة الي لقاء صحيفة الشرق القطرية، يُلاحظ الآتي،
اولا، ملخص الحوار الذي تصدر مقدمة اللقاء، يؤكد ما اشرنا اليه سابقا، وهو ان اللقاء تضخيم لدور قطر والاشادة بدورها وجهود قياداتها، اكثر منه تلمس لجذور المشكل السوداني او تناول لهموم مواطنيه الاساسية! والحال كذلك، البشير لا يمثل اكثر من وسيلة او اداة لتوصيل الرسالة القطرية، وذلك بغض النظر عن لغة التفخيم، او اتاحة الفرصة امام البشير لتبرير سياساته المعطوبة، التي ارجعت الدولة السودانية الي مرحلة العصور الحجرية.
ثانيا، في تفاصيل الدور القطري، تحدث البشير عن الدور التوفيقي لقطر، خصوصا في حرب الخليج الثانية، علما بانها حرب لم تكشف اكثر من تخلف ورجعية الانظمة التي تتحكم برقاب هذه الدول، وعداءها لذاتها ولبعضها البعض، وكم انها لم تستفد من تجربة حرب الخليج الاولي، التي اغتنمت منها الدول الغربية حصرا؟! وغير ان مفجر هذه الفتن وراعيها هو الدكتاتور الاعظم (صدام حسين) الذي لا يختلف عن البشير كثيرا، ان لم ينافسه في الدمار الذي طال دولهم وسحق مجتمعاتهم، إلا ان وصف دور قطر بالتوفيق هو تملق لا يليق. والسبب ان صدام حسين اعتدي همجيا علي الكويت، وهو ما يستوجب الوقوف ضده بحزم، لا يسمح باي مناورة توفيقية، ولا كذلك لتبرير اقبح من الذنب، كتبرير حكومة الانقاذ الاسلاموية، وهي تعلن عن موقفها المتخاذل بحجة التدخلات الخارجية؟! والحال، ان استدعاء التدخلات الخارجية هو مكون اصيل داخل المنظومة الاسلاموية، وذلك من خلال قصورها البنيوي الذي ينعكس علي ابعاد نظرتها القاصرة وقراءتها الرغبوية للبيئة الداخلية والمحيط الخارجي! او من خلال عدم اعترافها بواقع الحدود الدولية، ونزوعها للتدخلات في شئون كل الدول الاخري (رسالتها اممية او مرجعيتها قبل دولتية!) او من خلال براغماتيتها الفطرية التي تسوغ لها كل التجاوزات. بقول آخر، قفل المجال الداخلي امام النشاط السياسي (متلازمة الانقلاب) يفتح المجال واسعا امام التدخل الخارجي (ليس ثمة فراغ) وفي كل الاتجاهات وليس السياسة فقط! اي فعل المصادرة الداخلية، لا يعني امتلاك السياسة والاجتماع والاقتصاد..الخ للطغمة الانقلابية المسيطرة، ولكنه يعني اكثر، تسليمها لجهات اقوي تملك القدرة علي التأثير والحماية والرعاية؟ اي يجعل السلطة الضعيفة (اللاشرعية) عرضة لتنافس وتنازع واستغلال اقوياء الخارج. وعموما، في الحالة السودانية شكلت الصين الشيوعية، وبكل ما تحمله من اطماع وممارسات لا اخلاقية، الدرع الحامي والضامن والراعي لمنظومة الانقاذ الاسلاموية؟ وذلك حتي اشعار آخر، تسعي اليه الانقاذ حتف ظلفها، برهن مستقبل الدولة لرضا بلاد العام سام! ومن يري هرولة الانقاذ تجاه نيل تبريكات الادارة الامريكية، يشعر وكأن الانقاذ راغبة في هذا الاغتصاب منذ وقت مبكر وهي تتمنع.
ثالثا، لعل من اكثر من عوامل الانفصام تمظهرا، هو حديث البشير عن التدافعات الكثيرة والحلول الواضحة لقضايا العرب وعن استهداف المنطقة، وعن قوة اسرائيل بسبب ضعف العرب..الخ، فهكذا حديث انفصامي لا يتعامي عن جذور المشاكل، المتمثلة في وجود نظام البشير الاستبدادي وامثاله من الانظمة الرجعتخلفية، من خلال سلبها للسلطة واستباحتها للدولة واحتقارها للمجتمع؟ ولكنه يفترض ان العلاج من نفس جنس الداء؟! والسؤال الذي يفرض نفسه في هكذا اوضاع متردية، هل البشير كقائد فاسد وسفاح قاتل، تتحلق حوله بطانة اكثر فساد واجرام، لهم فرصة القيام باصلاح علي اي شكل كان؟ وناهيك عن استحالة الامكانية، هل يمكن ان ترد ارادة الاصلاح مجرد خاطرة في نفوس خربة معطونة في ماء الحقد والكراهية والضلال؟!
رابعا، حديث البشير عن ان انفصال الجنوب كان غرضه ضرب الاقتصاد الوطني، وليس حبا في الجنوب، من خلال حرمان (الشمال) من عائدات البترول التي تشكل 90% من النقد الاجنبي و40% من عائدات (ايرادات) الموازنة؟ حقيقة هكذا حديث علي عواهنه، غير انه يغرق حتي اذنيه في نظرية المؤامرة الاسطورية، إلا انه يخل بالحقائق الدامغة ويتعمد الهروب من الدور الفاعل للمنظومة الاسلاموية والعسكروية، وقبلها الجذور الثقافية والتراتبية الاجتماعية والمظالم التاريخية والترسبات النفسية، التي لعبت دور كبير في عملية الانفصال، لدرجة اصبح فيها الجنوب وانسانه، مطية لدخول الجنة، ووسيلة لحيازة النياشين والاوسمة العسكرية وملاحقها الامتيازية. والمؤسف اكثر ان الانقاذ نفسها ليست لديها رؤية اقتصادية من الاساس! الشئ الذي دفعها للبحث عن البترول كمورد ريعي، يُمكِّنها من السيطرة علي السلطة بطريقة سهلة، من خلال تقديم بعض الرشاوي للمواطنين؟! ولذلك بعد ذهاب البترول، لجأت الي حيلة الذهب وبيع اراضي الدولة للمستثمرين المشبوهين! (اي شأنها شأن الشخص العاطل الذي يعتاش علي بيع اصوله وممتلكاته الموروثة حتي يقضي عليه، عوضا عن استثمارها واستغلال ما تتيحه من فرص لحماية نفسه وابناءه من غدر الايام، وهو ما يوصف في دارج لغة اهلنا بانه، ولد ما نافع، وعلي ذات القياس تصبح حكومة الانقاذ، حكومة ما نافعة/خيبانة، لانها تنقصها المسؤولية والمعرفة والارادة والقيم، وتاليا هي منظومة فاسدة ومفسدة بامتياز!)
وفي ذات الاتجاه، لا تعزي مشكلة دارفور لعامل التدخل الخارجي، ولكنها تجسيِّد لمشكلة كل السودان، والتي تتمحور حول اعادة التوازن لمسألة السلطة والتوزيع العادل للثروة او التنمية المتوازنة! وما حركات دارفور المسلحة إلا التعبير الخشن عن حالة الرفض العام، الذي يشمل كل ارجاء الوطن المغلوبة علي امرها. وحتي اذا افترضنا ان سبب الانفصال او مشكلة دارفور يعود حصريا لعامل التدخل الخارجي؟ فهكذا عامل لا يمكن له العمل او النجاح، إلا من خلال توافر الثغرات في الجبهة الداخلية! وعلمتنا التجربة التاريخية ان اكبر مدخل لتوافر هذه الثغرات وتوسعها هي الانقلابات العسكرية! التي تحرم قطاعات كبيرة من المواطنين ومناطق شاسعة من البلاد، من تمثيل نفسها او التعبير عن وجودها، قبل ان تحيل السلطة والثروة الي اوليغارشية عقائدية او اجتماعية او طبقية او عسكرية او خليط منها، تحتكر القرار وتملك حرية (قلم) ان تكتب نفسها سعيدة ومميزة، من دون مسوغات موضوعية؟ وكل ذلك يتم بغض النظر والاصح غصبا عن اكلاف ذلك علي الشركاء في الوطن.
خامسا، فخامة الرئيس انت تقود سفينة السودان طوال هذه الفترة في عالم مضطرب، خاصة بعد اندلاع ثورات الشعوب او ما يسمي الربيع العربي، كيف عبرت بالسودان علي تنوعه واختلاف مشاربه السياسية هذه الرحلة؟
ألا يُذكر هكذا سؤال مدح مجاني، بنوعية اسئلة حسين خوجلي في ذاك اللقاء الشهير؟ لدرجة اذا طلب من البشير نفسه ان يصيغ سؤال باي كيفية تمنحه القدرة (علي التفسح فينا) لما استطاع ان يدرك نصف ابداع نفاق السؤال اعلاه؟! اما السؤال الذي يفرضه هكذا سؤال سابق؟ هل هو موجه للدكتور مهاتير محمد باني نهضة ماليزيا؟ ام موجه للسفاح البشير الذي احال نهار الدولة السودانية الي ليل، وكلفة بشرية ومادية ومعنوية يصعب حصرها او معرفة حجم تاثيرها علي حاضر ومستقبل البلاد؟! اما اجابة البشير فهذا ما يصعب احتماله حتي علي صاحب الاعصاب الفولاذية والبرود الانجليزي. من يصدق ان ما ذكر اعلاه قيل فيمن اعترف (بعضمة لسانه) انه تسبب في مقتل 10الف ضحية وولغ في دماء مواطنيه وان الله لن يسامحه، ومشهود عنه انه تحدي مواطنيه بالخروج الي الشارع ليعمل فيهم اسلحته وجنجويده، قبل ان يقر بجرمه في مقتل شهداء سبتمبر؟! وكذلك حوَّل ميزانية الدولة الي ميزانية حرب وسلطة، حيث تلتهم اجهزة الامن والدفاع 70% من الميزانية المحسوبة (هنالك اموال خارج الرصد) والاجهزة الدستورية 10% (وهي بدورها غير مساءلة لا ماليا ولا تشريعيا ولا رقابيا؟) ومن حرر السلع والخدمات في دولة تتلمس خطاها، وتغيب فيها فرص العمل والاستثمار امام المواطنين المعدمين! ومن يطلق علينا كلابه (الحاج آدم وبدر الدين محمود ومصطفي اسماعيل وغيرهم) لينهشوا من فقرنا وجوعنا وكرامتنا! ومن تسبب في دمار مشروع الجزيرة والسكة حديد والمواني البحرية وجل المشاريع الزراعية والصناعية والخدمية! ومن اهانَ منصب الرئاسة بالرقص و(العوارة) والهروب من المطارات والنبذ في اللقاءات، والانحطاط بالخطاب والهيبة الرئاسية ووو. ليتحدث بعد كل هذا عن التفاف شعبه حوله، وعن انتصاراته الوهمية عبر هذا الشعب الممكون الصابر، وعن خروج الجماهير (المدفوعة الاجر او بالخوف) للقائه، وعن انقسام ذات الجماهير حول سفره لقطر في فترة سابقة (يقصد خوفا عليه من الجنائية) وكأنه كافلهم من جوع وآمنهم من خوف؟!
اما حديثه عن المحكمة الجنائية التي تقصَّدت اسقاطه وتحريض المواطنين عليه، فرغم ان البعض اتخذ منها موقف حذر، ولكن ذلك ليس بسبب البشير، وانما خوفا من تداعيات اجراءات المحكمة علي تعقيد القضية السودانية، او استغلالها للتلاعب بعواطف البسطاء، او نتيجة لحساسية وطنية ضد الخارج بكافة اشكاله والوانه وادواته، اي كونه خارج فهو شر مطلق! أما الغالبية علي ما اعتقد (وبالاخص اللصيقة بالاوضاع السياسية) فهي من انصار محاكمة البشير امام المحكمة الجنائية الدولية، أقلاه حتي تستوي قيم العدالة التي يناضل من اجلها الشرفاء، والاهم حتي تمتنع ثقافة الافلات من العقاب، وما يستتبعها من توفير ضمانات للحياة والقانون وحقوق الانسان. وحتي علي افتراض ان المحكمة جائرة وتتقصد البشير شخصيا (علي ماذا لا ادري!) ألا تمثل حماية الوطن والدفاع عن مصالحه ضد الاخطار الخارجية، فرصة امام البشير ليفتديه بنفسه؟ وهذا بالطبع علي اعتباره يمتلك ذرة من الوطنية او الشجاعة؟!
اما قصة يأتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، إذا صح ايمانه بها او تمثله لها او امتثاله لموجباتها، فعلامَ قيامه بالانقلاب اساسا، واعدامه من حاول ان يغيره بنفس الاسلوب؟! ام هو ايمان تالٍ الوصول الي السلطة عبر الانقلاب؟! وعليه، هو يحاول ان يستمد شرعيته من السماء، بعد ان استحال الامر ارضا (شعبا).
سادسا، في موضوع رفع العقوبات ذكر البشير ان (CIA) هم من يطالبون برفع العقوبات (المقصود اسم السودان) من قائمة الدول الراعية للارهاب؟ وبدلا من ان يستجلي الصحفي المحاور، عن دوافع رفع (اسم السودان) من قبل (CIA)؟ وما هو الثمن المدفوع لهكذا تقارب بين الوكالة والحكومة السودانية؟ وهل يتسق مع شعارات اسلاموية، لكم رفعت في وجه المعارضة، ووصمت بالخيانة والعداء للشرع، لمجرد الاقتراب من مسؤول امريكي او منظمة مجتمع مدني، ناهيك عن وكالة الاستخبارت؟! والمحزن اكثر، ما مصير اولئك الذين ذهبوا الي محرقة الجنوب وهم يصدقون تلك الشعارات، التي كانت تصم الآذان، اقلاه فترة منتصف التسعينات (التي كنا شهود عيانها كطلبة تعساء ومهددين بهوس اولئك المجندين!)؟ ولكن الصحفي ترك كل ذلك، وبكل جرأة رد تهم الارهاب (التي تصدر عن حق في مواجهة نظام ارهابي بامتياز!) الي انها اتهام سياسي بدعم الارهاب؟ فتأمل حال ما يسمي صحافة عربية؟!
سابعا، حديث البشير عن انه ضحي بوحدة السودان من اجل السلام، يبدو ظاهريا انه اخلاقي، ولكن للاسف هو حديث ينقصه العمق الاستراتيجي وبعد النظر السياسي، وذلك لان الانفصال هو في حقيقته حالة عجز او توازن ضعف، وتاليا لا يخدم قضية السلام علي المدي الطويل بحال من الاحوال، وهذا في حال لم يفجر بصورة عاجلة الصراعات الداخلية والخلافات البينية وبشكل اشد ضرواة (وهو ما ذكره وحذر منه البعض حتي قبل حدوث الانفصال)؟! والسبب انه يحرف الوعي عن جذور المشاكل الاساسية (السلطوية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتاريخية) ويردها جميعا الي تمظهراتها السلبية (مسألة الهوية او القومية او العرقية او العقدية)؟! وتاليا، الابداع السياسي والمسؤولية الوطنية، تجسدها نزع مبررات الانفصال، وهو ما انجزته القوي المعارضة من خلال مؤتمر اسمراء للقضايا المصيرية، رغم اعترافها بحق تقرير المصير (كضامن للجدية في تنفيذ البنود) او من خلال مقدم الاتفاق الشهير بين الميرغني قرنق، والذي اجهضته الانقاذ بانقلابها المشئوم، ان لم يكن بدوره واحد من مبررات الانقلاب.
والحال، ان الاتجاه الاسلاموي مبدئيا، يري في الجنوب وانسانه وثقافته، عقبة كأدا في طريق اشواقه للدولة الاسلاموية الموعودة! وتاليا نظرته للجنوب ليست استعلائية فقط ولكنها انتقائية ايضا، حيث نجدها تتمحور حول، اما الموارد الاقتصادية كالبترول والثروة الحيوانية والغابية والمائية، او عقائدية بوضع انسانه في مرتبة اهل الذمة، الذين يدللون علي مدي سماحة الاتجاه الاسلامي، علي ان تبيح انتهاك حقوقهم كاملة اذا تمت المطالبة بها، او جيوبولتيكية كمدخل لنشر المشروع في الدول المجاورة؟! وعليه، يصبح حديث البشير عن مساعيهم للوحدة الجاذبة مع دولة الجنوب، او عن ان رغبة الانفصال هي جنوبية خالصة او غربية كاملة الدسم، هو حديث ليس عار من الصحة فقط، ولكنه يتقصَّد طمس الحقائق وتشويه الذاكرة التاريخة وازدراء البصيرة الوطنية (المدافعة عن الوحدة مبدئيا)! بدلالة اتاحة المجال امام تيار الطيب مصطفي ليعبر عن توجهه العنصري بكل ارتياح، وهذا عندما لا يجد الدعم الخفي من دوائر اسلاموية كثر، علي اعتبار الطيب مصطفي يعبر عن لا وعي (حقيقة) الاسلامويين او عن مسكوت الاسلاموية المراوغة، ورغبتها المرضية في وجود دولة صافية دينيا وعرقيا ولغويا؟!
اما ما يخرج البشير من ملة المسؤولية الوطنية، ويحشره في زمرة النصابين والانتهازية. فهو قوله (انجزنا اتفاقية السلام الشامل وابوجا والدوحة، وهي انجازات تستحق ان يعطوننا حقنا (ويقصد بذلك المجتمع الدولي!)) والسؤال الذي يفرض وجعه، هل انجازاته الموصوفة سابقا ترجع لواجباته ومسؤوليته الاصلية؟ ام هي مطلوبات وضغوط خارجية؟ وتاليا تستوجب الجوائز والعطايا من الخارج؟! والحال كذلك، ما هي واجبات البشير ومهامه تحديدا، هل هي الطبل والرقص؟ ام اطلاق التصريحات العشوائية والهوجاء في كل اتجاه؟ ام التهديدات المجانية للمعارضين؟ ام قبول التكريمات الاعتباطية في الداخل والخارج؟! ام الافتتاحات الدعائية للخيم الاستهلاكية والمعارض الوهمية، المفتوحة علي اللهف واللغف دون رحمة او حياء؟!
ثامنا، تحدث البشير عن تاثيرات رفع العقوبات الاقتصادية، وخلاصتها اهمية الدور الامريكي تجاريا واقتصاديا. والسؤال، لماذا كانت مناطحة الصخر منذ البداية؟ ومن يدفع ثمن العنتريات الفارغة السابقة؟ ولماذا لا يعترف البشير ايضا، ان توجهات المعارضة ومواقفها تجاه تحسين العلاقات الدولية، والموازنة بين المصالح والقدرات الداخلية والتعقيدات الخارجية، كجزء من حزمة اصلاحات عديدة، علي راسها اعادة الدولة السودانية الي المسار الديمقراطي الصحيح، بوصفه القاعدة او البنية التحتية الحاكمة، لاي اصلاح او مخرج حقيقي من ازمات البلاد، ومن ثمة الانطلاق بها الي رحاب التنمية والرخاء؟ كلها كانت صحيحة، قبل ان تكون مسؤولية وطنية ورؤية ناضجة، او اقلاه لا بديل عنها؟ وما يستتبع ذلك من دفع مستحقاتها.
اما في جانب الاستثمارات الحقيقية وامكانية فرص الاستثمار للاموال الخارجية، بما يتوافر للبلاد من موارد طبيعية وبشرية وانتاج زراعي وحيواني اضافة للطاقة والتعدين. فهكذا حديث موضوعي لا يبين عودة الوعي (لمنظومة لا وعية جوهريا) للبشير وجماعته، ولكنه يعني بكل بساطة، اعتراف صريح وواضح، بفشل مشاريع وخطابات وشعارات الانقاذ الفارغة! اي كأن الانقاذ تعيد انتاج خطاب الانقلاب من جديد، وهي تتحدث عن فرص التنمية ومحاربة الفساد..الخ! وهو ما يعدنا بدورة انقاذية اخري اكثر فسادا وارهابا ودمارا! والسبب ان انتاج مشروع انقاذ حضاري جديد، يعني قيامه علي تركة او ارضية فساد مهول، وليس علي ارضية صالحة وفرص واعدة كحال انقلاب (30 يونيو89).
وكما ذكرنا اكثر من مرة، ان معضلة التنمية الاساسية ليست في قلة الاموال، وكان قد توافر منها الكثير علي ايام عز تصدير البترول، ولكنها ترجع تحديدا لمنظومة الانقاذ الاستبدادية الحاكمة والتي يخترقها الفساد بالكامل! وتاليا بقاء هكذا منظومة تالفة، يعني ذهاب كل فرص وعائدات الاستثمار، مباشرة الي مصالحها الخاصة، سواء كافراد او جماعات او مؤسسات او اجهزة حماية! وهذا عندما لا تتحول انشطة الاستثمار (الحقيقية منها والوهمية) الي اكبر مدخل للفساد والنهب المقنن، لموارد الدولة واصولها وممتلكاتها، وصولا لمصادرة حق اجيال المستقبل.
وكما ذكرنا ايضا، ان الانقاذ لم تاتِ اصلا، لا لتطوير البلاد ولا لتنمية مواردها وفرصها ولا لترقية اوضاع المجتمع، بدليل تخريب ما هو موجود من مشاريع انتاجية وهيئات ومؤسسات خدمية، وهذا في حال لم يتم بيعها صوريا او استثمارها لصالح افراد وكيانات التنظيم. اما السبب الاساس لكل ذلك، فيعود لغياب المرجعية العمرانية اذا جاز التعبير، سواء في مستواها النظري (النظرية او البوصلة الموجهة) او التطبيقي (برامج واداوت مفصلة)! والمقصود، هشاشة الوعي والارادة الانتاجية وضمور الحساسية الابتكارية، في المبادئ او المنطلقات المؤسسة، للمنظومة الانقاذوية الاسلاموية، وهذا يعزي لفقر (غرور/جهل) الكوادر البشرية بشقيها المدنية والعسكرية! ومحصلة ذلك، ان جهودها تركزت حول نظرية السلطة وتدبير شئون الحكم، اما ما يلي ذلك فهو ياتي آليا حسب ظنها القاصر، او هي من شدة قصورها اطلقت الكذبة (المشروع الهلامي) وصدقتها! وبكلمة واحدة، السلطة مثلت لديها غاية وليست وسيلة. وباصطدامها مع ممانعات الواقع، شددت من حرصها الامني وصرفها العسكري وزعيقها الدعائي الاعلامي. وبما ان النوازع السلطوية وخصوصا في نسختها الانقلابوية/الاسلاموية الاكثر شراهة، تستبطن التفوق والتعالي والترفع، كان ذلك سببا كافٍ لاستباحة موارد الدولة بالكامل، وتاليا احتكارها لصالح الانصار والمحاسيب والانتهازية. اما التوجه ناحية العمليات الانتاجية والمشاريع الاستثمارية المدروسة، التي تحتاج للصرف والصبر وبذل الجهد والابداع، والاهم شركاء في العملية الانتاجية وعوائدها، فهذا ما يتصادم مع ثقافة السلطة ونزعة التسلط وشهوة الاحتكار، وهذه بدورها تعني فيما تعني، السيطرة والاستحواذ والسيادة، علي الدولة والموارد والمواطنين. والخلاصة، ان اقتصاد الانقاذ يفتقد للرؤية والمنهج والهدف، او هو اقتصاد اللامنطق اقتصادي، وبصيغة اكثر تخلف هو اقتصاد الفهلوة او وضع اليد! وعليه، ليس مصادفة ان يدور في فلك السمسرة والمضاربة والانشطة الطفيلية. وكدلالة بسيطة، ماذا تنتج الراسمالوية الانقاذوية، امثال جمال الوالي وود المأمون ووداد والكاردينال وغيرهم مما لا نعرف من بغاث الاسلاموية الطفيلية؟! وبكلمة مختصرة، نظرة الانقاذ لموارد الدولة هي نظرة سلطوية او ملكية، وليست نظرة اقتصادية او تنموية! وتاليا ليس هنالك فرصة اصلا امام لا تنمية ولا اصلاح ولا يحزنون، طالما بقيت الانقاذ كنظام ورموز.
تاسعا، برر البشير مشاركة الجيش السوداني في عاصفة الحزم، بانها واجباته تجاه الاشقاء. فغير ان واجب كهذا مقدم علي واجب الجيش في حماية حدود بلاده (حلايب والشفقة تحت الاحتلال!) وقبلها هو جيش يخوض تاريخيا صراعاته ضد مواطنيه، وينقلب علي السلطة الديمقراطية، ويشكل واحدة من اكبر عقبات تطور الدولة السودانية؟ إلا ان هكذا تبرير، يستوجب تدخل الجيش في كل الصراعات بين الاشقاء، وما اكثرها في بقعة ليس لها من وسائل لحل خلافتها، الطائفية والمناطقية والسلطوية والحدودية، سوي قعقعة السلاح. كما ان القاصي والداني، يعلم ان المبررات الحقيقية لمشاركة الجيش السوداني في عاصفة الحزم، هي مقايضة دماء جنود الجيش السوداني باموال الخليج، لتعويض خزائن وزارة المالية وكبار ضباط الجيش ورجالات الانقاذ، غياب بدائل مالية ريعية؟!
عاشرا، يعكس حديث البشير عن المحكمة الجنائية، كمية التشفي والغيظ والغضب منها، خاصة وهي من اقضت مضجعه واقلقت منامه، واحالت حياته وسلطته الي جحيم وكوابيس، ومطاردات دولية وحبس انفرادي بين جدران دولته، كما انها حولته الي رئيس منبوذ يتحاشاه قادة ومسؤولوا الدول الديمقراطية! وبغض النظر عن حديثه المكرور عن استهداف المحكمة للقادة الافارقة (او ارتشاء مسؤولتها كما يدعي!) إلا ان كل ذلك لا يلغي مفعول التهم، او يرفع عنه صفة المجرم الهارب والمطلوب للعدالة، وهو ما لن يتم إلا من خلال مثوله امامها، ليستبين الحق وتظهر الحقيقة عارية، كما حدث لآخرين علي نفس شاكلته. وهذا غير ان حديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، عن قبول البشير فصل الجنوب مقابل تخليصه من مأزق المحكمة، يبين مدي خوار (الفارس الجحجاح؟) واستعداده لمقايضة كل الوطن، مقابل خلاصه من محنة المحكمة، ولكن هيهات؟؟ والسؤال، هل بعد كل هذا، يحق له التحدث عن عمالة المعارضة، والاهم عن التدخلات الخارجية والحفاظ علي الارض والعرض وباطن الارض خير له من كذا وكذا، وغيرها من كليشهات محفوظة لا تعني في الواقع له شيئا؟!
حادي عشر، في موضوع العلاقة مع مصر، ذكر البشير فرية ترقي لمستوي تزييف الوقائع التاريخية، لتخفي تورط الانقاذ في اعمال خرقاء، كانت نتائجها وبال علي الدولة السودانية؟! والمقصود تحديدا ما ذكره حول، ان الدولة المصرية احتلت حلايب عندما كان الجيش السوداني يحتشد لصد تمرد الجنوب؟ مع ان الحقيقة المعلومة للكافة وبما فيهم البشير، ان احتلال حلايب كان بسبب محاولة اغتيال حسني مبارك الفاشلة، ومنذ تلك اللحظة وحكومة الانقاذ تتفادي هذه السيرة، وتتعامي عن تجاوزات الحكومة المصرية، وتتجاوب مع إبتزازتها السافرة؟! وعموما اذا كانت الحكومات المصرية المتعاقبة تاريخيا، تستغل موقف ضعف الحكومات السودانية الانقلابية، وعبرها تمرر مصالحها المتعارضة مع مصالح الدولة السودانية علي المدي القصير والمتوسط والطويل، فإن حكومة الانقاذ بصفة خاصة والبشير بصفة اكثر خصوصية، كانا اكثر الانظمة الانقلابية انبطاحا وتفريطا في ثروات الدولة السودانية ومصالح شعبها! وكلنا يتذكر اتفاق الحريات الاربع الذي يميل عمليا لكفة مصر، وما عرضته حكومة الانقاذ للمصريين من اراضٍ زراعية، وما قدمه البشير شخصيا للحكومة والشعب المصري من ابقار وعربات وسكر، في الوقت الذي يتضور فيه مواطنيه جوعا ومرضا؟! وحتي ما يبدو الآن من شراسة تبديها حكومة الانقاذ ضد الحكومة المصرية، لا تنبع من استعدادات وقدرات ذاتية، ولكنها مدفوعة من جانب الحكومة القطرية، التي اصبحت تتلاعب بحكومة الانقاذ، وتاليا ثروات وتاريخ الوطن في الداخل، وتوظفها لصالح مصالحها الداخلية الخاصة او الخارجية المشبوهة! وما الترحيب المصطنع بالبشير (ومن ضمنه نفاجات السفر الخارجية) إلا جزء من هذه الاسترتيجية الجديدة للحكومة القطرية، وما يُعلم عنها من دعم غير منكور للجماعات الاسلاموية، بغرض خلق اذرع لها في كل دول المنطقة.
ثاني عشر، حديث البشير عن عدم ترشيح نفسه لدورة انتحابية جديدة، ليس هنالك مبرر لتصديقه! والسبب لا يرجع لتنكره لوعوده في كل مرة، ولكن يرجع اساسا لحماية مصيره الشخصي، او تكييف وضعه مع بقاء سيف المحكمة الجنائية مسلط علي رقبته، فهنا وهنا فقط يكمن مربط الفرس! وليس الرئيس وتعهداته، ومتي كان الرئيس صادقا او يضع اعتبار لاقواله وافعاله؟!
ثالث عشر، الكلام عن انسانية ونزاهة عمر البشير من قبل المحرر، ليس خاطئ فقط، ولكنه تضليل يرقي لمرتبة المشاركة في الظلم والفساد! فهل المحرر قام بهذا اللقاء من دون اعداد مسبق لادواته او وجود خلفية عن حقيقة من يسأله؟ واذا صح ذلك، فما هي مبررات الاسئلة عن المحكمة الجنائية؟ ولماذا الاصرار علي اسئلة الفساد؟ ام ان المسألة تنفيس عن البشير، علي خلفية مدح الدور القطري؟! وعلي كلٍ، فهكذا مقدمة سؤال غير مسؤول بالمرة، يحمل في طياته مخرج للبشير للاغتسال من مسؤولياته، عن فساد منظومة بالكامل، تسببت بدورها في ضياع وطن واعد وشعب عريق، وهي كنوز لمن يقدر قيمتها ويبدع في ادارتها!
اما حديث البشير واجاباته عن الفساد ومحاربته وتدني نسبته، فهو نوع من الاستهبال والاستعباط، عندما لا يصل درجة الاستهتار والاستفزاز؟ ويمكن هكذا اجوبة مفارقة ان تقبل في حالة واحدة، إذا افترضنا ان من ينغمس في مستنقع الفساد، لا يمكن ان يشتم رائحته النتنة؟! بمعني، البشير كبيرهم الذي علمهم الفساد، اضافة الي انه الراعي الاكبر للفساد، وتاليا كل من يشاركه او يستضيفه او يدافع عنه او يمد له صلات من اي نوع، فهو شريك له في الفساد والجرائم والدمار؟ وعليه، تصبح الحكومة القطرية والحكومة البشيرية علي نفس الدرجة او المسافة من الشعب السوداني، وذلك سواء من خلال استثماراتها المشبوهة خصوصا في الآثار، او ودائعها التي لا يعلم حجمها او مقابلها او كيفية استردادها، او حرصها علي بقاء واستمرار حكومة البشير علي نفس الاداء؟!
وبمناسبة سيرة النزاهة والنظافة والطهارة، التي صدعت رؤوسنا منذ حلول عهد الصحابة الجدد (علي وزن المحافظين الجدد!) نطرح مجرد أسئلة بسيطة للبشير النزيه، هل من سلطات المراجع العام، مراجعة مؤسسة الرئاسة، او الكيانات التابعة لها؟ وهل المراجع العام يملك سلطة متابعة تقاريره الروتينية كل عام؟ اما السؤال الاهم، هل هنالك داخل الدولة من يجرؤ علي سؤال البشير او احد افراد اسرته المالكة، عن املاكهم او ذمتهم المالية، ؟ وهل هنالك دولة مختطفة ومصادرة بالكامل، تتاح فيها الفرصة او الحق لمساءلة مختطفها؟ ومتي كان سؤال رب الدولة جائز؟!
رابع عشر، كون البشير يعلن بنفسه، وبسذاجة يحسد عليها، عن مشاركته في القمة الامريكية الاسلامية العربية، لمجرد تلبيته لحزمة من المطلوبات الامريكية التي لا يعلم حدها او مداها (ولماذا تُحد اصلا، طالما توفرت الاستجابة والاستعداد والبطبطة!). وهو سلفا يحمل علي كاهله تركة ثقيلة، من التهم والسلوك المخالف للقوانين الدولية، التي تمس خاطر شفافية الدول الديمقراطية، وتجرح مشاعر وحساسية المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان. وكل هذا ان دل علي شئ، فهو يدل علي حقيقة صادمة، وهي ان طول بقاء البشير علي سدة السلطة، يعني المزيد من الاهانة والفضائح والطعن في شرعيته السياسية وصلاحيته القيادية من جهة، والمزيد من تقديم التنازلات المجانية من جهة مقابلة؟! وهذا ما جنته الانقاذ علي الدولة والمجتع. ولا حول ولا قوة الا بالله.
آخر الكلام
مسكين (الاسد النتر) وهو يعجز عن اصطياد مجرد صورة للذكري او لحظة لقاء عابرة، في قمة مشتهاة، ولا تبعد عن عرينه، سوي بضع ساعات؟!!
واخيرا (غايتو يا جماعة الخير ما معروف دي مصيبة شنو الواقعين فيها دي، التقول ماسكنا حضيري او نحس ود جماع، نتفكه من بلوي حسين خوجلي في الداخل، نقع في داهية صادق العماري في الخارج، قال شنو، قال فخامة الرئيس قال! وعليه وعلي جري تعبير الرائع حميد نتساءل، فخامة ايه يا ود الناس، فخامة ايه ما عندك راس!). رمضان كريم، وكل عام وانتم وبخير.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.