(أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تأريخ الصراع والعلاقات بين السودان ومصر 32 ق م -7 م
نشر في الراكوبة يوم 06 - 03 - 2021

اتسمت العلاقات السودانية المصرية بالصراع والحروب المتواصلة منذ بداية الصلات بين البلدين في العصور القديمة وحتى القرن التاسع عشر الميلادي. وسأحاول رسم صورة مصغرة لتأريخ ذلك الصراع مرتباً أحداثه زمنياً اعتماداً على المعطيات التاريخية الموثقة. وليس الغرض من ذلك تأجيج الصراع بين الجانبين، بل الغرض منه التعرف على خلفية تلك العلاقات بما يمكننا من النظر إليها من منطلق صورتها الحقيقية وتقييمها تقييماً سليماً يساعدنا على بناء علاقتنا على استراتيجية تستند على الحقائق والوقائع التاريخية لا على العواطف والخداع.
ويمكن تقسيم تاريخ الصراع والعلاقات بين السودان ومصر حتى القرن السابع الميلادي إلى قسمين:
القسم الأول: يبدأ بالفترة الواقعة بين قيام الدولة المصرية في القرن 32 ق م وحتى نهاية عصر الدولة الحديثة في القرن 11 ق م والذي يمثل نهاية العصر الفرعوني في تاريخ مصر القديم. ونطلق عليه: تاريخ الصراع في العصر الفرعوني
والقسم الثاني: يتتبع العلاقات بعد هذه المرحلة إلى الفترة التي أطلق عليها المصريون اسم فترة "الحكام الأجانب في مصر" والتي تمتد مرحلتها المبكرة من نهاية العصر الفرعوني وتنتهي بالفتح الاسلامي وتشمل القرون 11 ق م – 7 م.
الفترة الأولى بين القرنين 32 – 11 ق م
تاريخ الصراع في العصر الفرعوني ويمكن تناول هذا القسم من خلال المراحل التالية:
1. الصراع بين القرنين 32 – 22 ق م
2. الصراع بين القرنين 22 – 18 ق م
3. الصراع بين القرنين 18 – 11 ق م
تاريخ الصراع بين القرنين 32 – 22 ق م
تتناول هذه الفترة تاريخ الصراع بين السودان ومصر في عصر حكم الأسر المصرية الست الأولى. وقد سادت هذه الفترة الحروب المتتالية التي شنها المصريون على السودان كما وثقتها الآثار المصرية القديمة نتناول منها ما يلي:
عصر الأسرة الأولى: حملة عسكرية على السودان في عهد الملك مينا أول ملوك الأسرة الأولى. وجاء في لوحة عحا ثاني ملوك الأسرة الأولى إشارة إلى حملته "لضرب تاستي" أي السودان.( Breasted, P 36.) وواصل الملك جر أعمال سلفه الحربية بالهجوم على السودان. وكان المؤرخون يعتبرون نقش جبل الشيخ سليمان جنوب وادي حلفا يرجع إلى عصرها الملك، إلا أن كثر من المؤرخين رأوا أنه لا يخص هذا الملك، بل هو عبارة عن حروب بين قادة أو ملوك محليين في المنطقة. (Breasted, P 36.) ويعلل أحمد فخري لهذه الحروب المبكرة قائلاً: "يدل ذلك على اهتمام ملوك الأسرة الآوى بتأمين حدود مصر الجنوبية وفتحهم المنطقة الواقعة جنوب الشلال الأول من أجل التجارة" (أحمد فخري، ص 79.)
عصر الأسرة الثانية: حملة عسكرية على السودان كما ظهرت فيما تبقى من لوحة النصر – التي عثر عليها مهشمة – للملك خع سخم من ملوك الأسرة الثانية تُبين كما وضح سليم حسن "صورة العدو المقهور على أمره ظاهرة وعلى رأسه العلامة الدالة على لفظة "ستي" وذكر أن عالمي الآثار إمري وكيروان يعتقدان أن حملة خع سخم هذه أدت إلى نهاية الثقافة أ A-Group. (سليم حسن، ص 16)
عصر الأسرة الثالثة: شيد ملوك هذه الأسرة حصون في الفنتين (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن ص 15) لتعزيز قدراتها الدفاعية على الحدود
عصر الأسرة الرابعة: شن الملك سنفرو – والد خوفو مؤسس الهرم الأكبر – حملة عسكرية كبرة على السودان ذكر فيها أنه "دمر بلاد السود وأتى ب 7000 أسير من الرجال والنساء و 200000 ألف رأس من الماشية الصغيرة والكبيرة." (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن ص 17)
عصر الأسرة الخامسة: وُجِدت آثار للملكين ساحورع واسي في منطقة توماس شمال وادي حلفا وأسماء موظفين تضمنت ألقاب المشرف على الجنود والمشرف على السفينة تشير إلى أعمال حربية وقعت في هذه المناطق. (سليم حسن ص 20)
عصر الأسرة السادسة: وُجِد نقش في أول عصر هذه الاسرة في منطقة الفنتين يشير إلى تفتيش الحدود للوقوف على مدى قدراتها الدفاعية. وفي رحلته الثالثة أخضع حرخوف بلاد يام وتمحو. وذكر بيبي نخت أن جلالة الملك بيبي الثاني "أرسبني لأخرب بلاد ارثت … فذبحت منهم عدداً عظيماً ومن بينهم أولاد الرؤساء والضباط المتفوقين من المحاربين … ثم أرسلني جلالته لتهدئة الأحوال في هذه الممالك." وكون القائد وني جيشا من مناطق ارتث ومزاوي ويام وواوات وكاو وبلاد تمحو. كما وذكر وني أن "أمراء ارثت وواوات ويام والمزاوي يوردون الخشب لصناعة السفن" (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن صفحات 21، 27، 30، 34، 38 )
ويرى المؤرخون أن السبب الرئيس وراء تلك الحروب هو الوصول إلى مصادر ثروات السودان المتنوعة مثل الذهب والثروة الحيوانية والغابية. يقول سليم حسن (ص 122)
"كان هم المصري في بلاد النوبة منحصراً في استغلال مواردها الغفل وبخاصة مناجم الذهب التي كانت تزخر بها تلك الجهات، وكان على المصري للحصول على ذلك إما أن يستغل النوبي بطريقة منظمة فيستولي على ما في يديه من مواد غفل باعتبارها ضريبة يدفعها له، أو كان يعمل بالتعاون معه لاستخراجها، أو على الأقل كان لا يُمنع من الحصول على هذه المنتجات."
ويرى عالم الآثار جيمس بيكي "أن المصري أصبح في الأيام الأخيرة من عمر المملكة القديمة [حتى عصر الأسرة 6] كما رأينا مراراً وتكراراً يعتبر النوبي بربريا وغير متحضر بالنسبة إليه. وحيث كان يرى بلاد النوبة بلاداً مجهولة لابد من الولوج فيها والسيطرة عليها واخضاعها بغية الاتصال بالسودان والانتفاع بمنتجاتها وخيراتها" ويواصل بيكي " بيد أن رحلات أمراء وبارونات ألفنتين المستمرة إلى بلاد النوبة قد جعلت الشعب المصري يتعرف تدريجيا على خصائص تلك البلاد الواقعة وراء الشلال الأول." (جيمس بيكي، ص 11)
نتائج تلك الحروب
أدت بداية تلك الحروب إلى ضعف وانهيار مملكة تاستي، ثم ترتب على الحروب المتواصلة واستغلال ثروات البلاد المعدنية والزراعية والحيوانية إلى الحراك السكاني المتواصل وغياب المناخ الضروري للاستقرار مما أدى إلى ضعف البناء الاجتماعي والاقتصادي المطلوب لتطور الأنظمة السياسية. فلم تتمكن الأنظمة السودانية القائمة من توحيد البلاد والعمل على التنمية والتطور كما حدث في مصر بعد توحيد الصعيد والدلتا وقيام عصر الأسر. فنتائج تلك الحروب على السودان تمثلت في حرمانه من تطور نظمه وتحقيق وحدته فعاش في ممالك وإمارات صغيرة لم تتمكن من تطوير مواردها وتقدم حضاراتها.
كما لم تحقق سياسة المواجه العسكرية في الجانب المصري النتائج المستهدفة. فالحروب كلفت الدولة كثيراً، وفشلت مصر في إخضاع المناطق التي تسعى إلى استغلال مواردها رغم اقامة عدد كبير من القلاع والحصون لتأمين تلك المصالح. فبدأت في الفترة الأخيرة من عصر الأسرة السادسة في تغيير سياسة المواجهة والحروب، والسعي إلى تحقيق أهدافها وأطماعها في ثروات السودان بالوسائل السلمية والدبلوماسية. فأرسلت مصر الوفود والبعثات في الفترة الأخيرة من عصر تلك الأسرة لعل أشهرها بعث حرخوف، وتمكنت من تأمين مصالحها التجارية وغيرها. وتواصلت علاقاتها مع الممالك والامارات السودانية التي بلغ عددها في آثار الأسرة السادسة ثلاثة عشرة موضعاً بين مملكة وإمارة.
تأريخ الصراع بين القرنين 22 – 18 ق م
تبد أهذه الفترة بدخول مصر في مرحلة ضعف وانهيار بعد عصر الأسرة السادسة في القرن 22 ق م فيما يعرف في التاريخ المصري بفترة الانتقال الأولى. ولم تكن مصر في هذه الفترة في وضع يمكنها من التدخل في شؤون السودان. وتوقفت الحروب بين البلدين مما أدى إلى تطور الأوضاع السياسية فازدهرت حضارة وممالك السودان مثل مملكة كوش في كرمة ومملكة واوات في المنطقة التي يُطلق عليها حضارة المجموعة ج C-Group وحضارة المِجا التي يُطلق حضارة المقابر القُبّعِية Pan Grave. وضعف العلاقات التجارية والسياسية بين البلدين في هذه الفترة، لكن تواصلت العلاقات الاجتماعية والثقافية على المناطق الحدودية شمالاً حتى منطقة الاقصر الحالية
وعندما استعادت مصر وحدتها في القرن 22 ق م في عصر الأسرة الحادية عشرة عادت فترة التوتر والصراع بين البلدين، وتعرض السودان لعدد من الغزوات العسكرية. وسنعتمد هنا أيضاً على ما أورده عالم الآثار المصري الدكتور سليم حسن (تاريخ السودان المقارن صفحات 109 – 149) لأنه يعتمد في معلوماته بدرجة كبيرة على النصوص التي خلفها الملوك المصريين في آثارهم، ويعرض تلك النصوص في مواضع كثيرة في كتاباته.
ذكر سليم حسن أن شواهد الأحوال تدل على أن سياسة التوسع المصري جنوباً بدأت تظهر منذ العهد المبكر من تاريخ الأسرة الحادية عشرة. ووضح أن أهداف تلك السياسة كان منحصراً في استغلال ثروات الجنوب. ونورد مثالاً عن الأسلوب الذي نفذوا به تلك السياسة كما ذكر سليم حسن:
"وتدل شواهد الأحوال أن المصريين قد استخدموا العسف في فتح بلاد النوبة السفلى كما حدث ذلك في عهد الدولة الحديثة فيما بعد. فقد كان هَمّ الفاتحين استغلالها، ولذلك نجد النوبي الذي كان مستعدا أن يعمل للمصري قد أصبح يعامل معاملة سيئة."
ونقل سليم حسن نصاً يقول على لوح وجد في منطقة وادي الهودي 28 كم جنوب شرق أسوان في عهد الملك سنوسرت الثالث (الأسرة 12) جاء فيه
"إن كل نوبي سيدفع الجزية بمثابة خادم ويعمل على حسب مشيئة هذا الإله تماماً ستبقى سلالته أبدية" ويشرح ذلك قائلاً: "وبعبارة أخرى على كل نوبي أن يسير سيراً حسناً في تقديم محصولاته لمصر" ولم تكن عبودية السوداني منحصرة على الآلهة فقط، بل كما ذكر في مكان آخر أن "النوبة خدم وعبيد في بيوت الأسياد" (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن ص 433)
ويواصل الدكتور سليم حسن قائلاً:
"وكان السكان الوطنيون قد وقفوا في وجه أطماع المصريين بقوة ويأس شديدين، فقد رأى النوبيون في مطامع المصريين خطراً على استقلالهم، وخشيوا أن يتسلط المصريون عليهم ويخضعونهم لسلطانهم وبذلك يقضي على حريتهم كليةً … ولا أدل على ذلك أننا لم نجد في هذا الوقت [القرون 21 – 18] تبادلاً تجاريّاً بين البلدين يسير على طريق الود والمهادنة … وعلى ذلك لم يكن أمام مصر إلا أن تحتل بلاد النوبة احتلالاً عسكريّاً … أو "القبض عليها بيد من حديد " (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن ص 433)
وهكذا تمكنت مصر في مطلع القرن العشرين قبل الميلاد ولأول مرة في تاريخها وبعد أكثر من ألف سنة من بداية العصر الفرعوني من احتلال منطقة ما بين أسوان وحلفا عسكريا بعد أن خاضت العديد من المعارك وضمتها لحدودها نحو قرنين فقط. إذ لم يتعد هذا الاحتلال عصر الأسرة الثانية عشرة (1991 – 1786 ق م) أسس المصريون حلالها عددا كبيراً من الحصون أقام بها الجنود المصريين لمواجهة أي تحرك ضد وجودهم." ونتناول فيما يلي بعض تلك الحروب:
عصر الأسرة الحادية عشرة: لم تدون الآثار المصرية عدداً كبيراً من الحروب في عصر هذه الأسرة. ولم تنجح محاولاتها السيطرة على مناطق جنوب أسوان، ويبدو أنها أخضعت القليل من المنطق على النيل وفي مناطق انتاج الذهب في الصحراء الشرقية. فقد جاء في الآثار أنه:
1. تم العثور في آثار منتحتب الثاني على صور أسرى حرب من بلاد ستيو (المراد بها منطقة ما بين اسوان وحلفا) ومن بلاد نحسو (منطقة جنوب حلفا). وفي نقش آخر لنفس الملك ورد أن "النوبيون قد أصبحوا يدفعون الضرائب" واتضح في النص أن الذين كانوا يدفعون الضرائب هم أهل المزوي (أسلاف البجة الحاليين) في الصحراء الشرقية، وأهل واوات (جنوب أسوان) والتمحو (سكان الصحراء الغربية على الحدود الحالية بين السودان ومصر) (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص110-112)
2. في نقوش أخري في عهد الملك منتحتب الثالث نقوش تعرض فيها القائد العسكري لأعماله الحربية في السودان ((سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 13)
عصر الأسرة الثانية عشرة: دارت في عصر هذه الأسرة عدد من الحروب منها:
1. حروب امنمحات أول ملوك هذه الأسرة جاء في أحد آثاره: "لقد أذللت الأسْوَد واصطدت التماسيح وقهرت أهل واوات وأسرت قوم المزوي" ((سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 116)
2. أرسل سنوسرت الأول عدد من الحملات لقطع الحجارة من الصحراء الشرقية جنوب شرق اسوان. (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 127) ولم يكن في مقدور المصريين من دخول أي منطقة في الصحراء الشرقية إلا بمصاحبة قوة عسكرية. وكانت تلك الحملات تشتبك مع سكان الصحراء وتسخرهم في بعض الأحيان – لو تمكنت من ذلك – في أعمال القطع أو التنقيب.
3. أقام الملك سنوسرت الأول معبداً في منطقة وادي حلفا تخليدا لانتصاراته ووضح أنه كان يتحصل على جزية من بلاد مِزا. (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 صفحات 124، 126، 128)
4. أرسل الملك امنمحات الثاني حملات علي الصحراء الشرقة جنوب شرق اسوان وعلى الصحراء الغربية جنوب غرب اسوان لقطع الحجارة. . (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 134، 136)
5. أرسل الملك سنوسرت الثاني حملات على الصحراء الشرقية لإحضار الذهب
6. بدأ الملك سنوسرت الثالث عهده بغارات على القبائل السودانية على الحدود السودانية المصرية وقاد عدداً من الحملات يقال إنها بلغت حتى الشلال الثالث. جاء عن الحملة الأولى: أن جلالته "سار بجيشه لأعالي النهر ليهزم الكوشيين الخاسئين" وأوضح على لوحة الحدود في سمنة: " أيّ نحسي يتعداها في ذهابه نحو الشمال سواء أكان على البر أو في سفينة أو بحيوانات من أي نوع إلا إذا أتى بقصد التجارة أو معه رسالة ما، فإنه يعامل حينئذ معاملة حسنة، على شرط أن لا يسمح لسفينة فيها سود أن تتخطى سمنة ذاهبة إلى الشمال" (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 139 – 141)
وجاء في حملته الثانية أن "جلالته سار لهزيمة الكوشيين" وفي الحملة الثالثة شيد عدداً من الحصون منها ثمانية بين بوهين وسمنة، وكانوا يحتفلون في حصن سمنة بعيدين أحدهما يسمى "عيد طرد السود" والثاني يسمى "عيد شد وثاق المتوحشين"
وجاء على لوحة سمنة الثانية: "ولما كان الأسْود يُحكم بكلمة تخرج من الفم فإن الجواب الحاسم هو ردعه، وعندما يكون الانسان ماضي العزيمة في وجه الأسود فإنه يولي مدبراً …. على أن السود ليسوا بقوم أشدا لكنهم فقراء مكسوري القلوب … ولقد أسرت نساءهم وسقت ماشيتهم واقتحمت آبارهم وذبحت ثيرانهم وحصدت زرعهم وأشعلت النار فيما بقي منها" (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 144)
ويعلق سليم حسن على نتائج حروب سنوسرت الثالث في السودان قائلاً "أصبح سنوسرت من الآلهة الذين يعدون أرباباً لبلاد النوبة." وقد قاد سنوسرت الثالث عدداً من الحملات على بلاد السودان، ووصف السودانيين على مسلته في سمنة بأنهم "غير جديرين بالاحترام وجبناء وبؤساء" (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 146)
وقد جاء وصف بؤساء في أكثر من موضع في آثاره حتى التصق الاسم بالكوشيين "كوش البائسة" وقد ظهر اسم "كوش البائسة" في آثار عدد من الملوك مثل امنحتب الثالث وسيتي الأول ورمسيس الثاني. واستخدم هذا الوصف بعض الكتاب الغربيين في مؤلفاتهم. فقد عنون سمث (Smith, 2008) كتابه باسم: "كوش البائسة"
ويصف سليم حسن أوضاع الأماكن التي هزمjها جيوش المصريين فيقول: "كان المصريون يحطمون كل الممتلكات التي لم يكن في مقدور الهاربين حملها، ويستولون على ا لعبيد والنساء الذين تُرِكوا خلف الفارين. وكان الجنود يتتبعون المجرمين إلى بعض أماكن الآبار في داخل الصحراء." (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 146)
تاريخ الصراع بين القرنين 18 – 11 ق م
تدهورت الأوضاع في مصر في آخر القرن الثامن عشر وبدأت مرحلة ضعف جديدة بنهاية حكم الأسرة الثانية عشر عرفت في التاريخ المصري باسم فترة الانتقال الثانية. دخلت مصر في بداية هذه الفترة تحت حكم الهكسوس الذي يعتبر بداية الحكم الأجنبي على مصر.
ونوجز أحدات العلاقات بين البلدين في فترة حكم الهكسوس فيما يلي:
1. انتهى الاحتلال المصري لمناطق شمال السودان، وتوقفت الحروب بين البلدين، كما توقف تدخل مصر في شؤون السودان فأتيحت الفرصة لتطور الأنظمة السياسية المحلية في السودان.
2. كانت العلاقات طيبة بين الهكسوس في مصر وممالك السودان وازدهرت التجارة بين الطرفين
3. تمكنت مملكة كوش من قاعدتها في كرمة من تطوير انظمتها ووحدت المنطقة ووصلت حدودها حتى أسوان في القرن الثامن عشر قبل الميلاد.
وفي القرن السادس عشر استعادت مصر قوتها، وتمكنت من استعادة سيادتها وتخلصت من حكم الهكسوس، ثم شرعت في التوجه نحو تنفيذ اطماعها في السودان منذ بداية حكم الأسرة الثامنة عشر. وفي الوقت الذي تطورت فيه قوة وحضارة مملكة كوش الأولى ووحدت الممالك الشمالية حتى اسوان، يصف سليم حسن سكان شمال السودان بعد نهاية الاحتلال المصري قائلاً
"خلال فترة التحرير قد أصبحوا تابعين ثقافيا لمصر بسبب ضعف مقاومتهم الداخلية لها" وذكر أن مصر بعد أن استعادت قوتها "وضعت لنفسها سياسة توسع وفتوح، وعلى ذلك فإن الطريق أمام إرجاع السيادة المصرية القديمة على بلاد النوبة السفلى قد مُهدت". ويواصل قائلاً: "إن وحدة الثقافة العظيمة التي كانت بين أهل بلاد النوبة وأسيادهم المصريين الذين عادوا إلى بلادهم [يقصد بعد نهاية الاحتلال] قد سهلت الأمر أكثر من قبل. وبذلك أصبحت هذه البلاد قاعدة أكثر ملاءمة لتكوين امبراطورية مصرية عظيمة في الجنوب من التي كانت في عهد الدولة الوسطى" (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 273) (يقصد بذلك عصر الاسرتين 11و12)
وسنتابع هنا الصراع الذي دار بين البلدين في عصر الأسر 18 و19 و 20 برصد بعض حروب المصريين للتوسع – وكما عبروا عنه – لتكوين امبراطوريتهم العظيمة في السودان:
حروب الأسرة الثامنة عشر: تولى الحكم من هذه الأسرة أربعة عشرة ملكا سنتناول بعض حروب تسعة منهم.
1. بدأت حروب هذه الأسرة بحملة أحمس الأول أول ملوك الأسرة التي يظن أنها وصلت حتى الشلال الثاني.
2. تولى الحكم بعد أحمس امنحتب الأول الذي تقول عنه كتب التاريخ المصرية أنه "أعاد فتح بلاد النوبة" وتمكن من احتلال المنطقة الشمالية حتى جنوب حلفا. ووضعت المنطقة تحت حكم نائب الملك، الذي تلقب بابن الملك في كوش.
3. بدأت تحركات المقاومة في السودان ضد الاحتلال مما اضطر الملك تحتمس الأول إلى مواجهتها بحملات عسكرية، وقسم البلاد إلى خمسة وحدات إدارية تركها تحت إدارة أمراء محليين للمساعدة في انهاء الثورة ضد الاحتلال.
4. لم تثمر محاولات اخضاع السكان بالأساليب الادارية التي اتبعها تحتمس الاول، فتجدد الصراع ضد قوات الاحتلال في عصر تحتمس الثاني وكانت الثورة بقيادة أمير كوشي ذكرت المصادر المصرية انها نشبت في (خنت- حن- نفر) وهو اسم كان يطلقه المصريون على مناطق واسعة جنوب الشلال الثاني مما يشير إلى امكانية انتشار المقاومة في مناطق كثيرة.
5. رغم نجاح السلطات الحاكمة في هزيمة الثوار، إلا أن الثورات لم تتوقف ضد المحتلين والدليل على ذلك الحملات العسكرية المتتالية التي دخلت المنطقة مثل حملات الملكة حتشبسوت التي وصفت بالحروب العظيمة في بلاد النوبة
6. حملات تحتمس الثالث التي توغلت جنوباً حتى منطقة نبًتة. وظهرت صور أسراه الذين أتى بهم من "اونتيو – ستي" و "خنت – حن – نفر". ويعني ذلك أن الثورات ضد الاحتلال عمت منطقة شمال الشلال الثاني. وكانت البلاد في عصره مقسمة إلى قسمين اداريين: هما منطقة واوات جنوب الشلال الأول، ومنطقة كوش جنوب الشلال الثاني.
7. حملات امنحتب الثاني العسكرية التي حاربت ثوار الصحراء
8. حملات تحتمس الرابع أيضاً ضد ثوار الصحراء، وفي المناطق الداخلية من السودان كما يتضح في أحد نقوشه من أسماء المناطق التي حاربها وهي: "كوش" و "كاراي" و "ميو" و "أرم" و "جورس" و "ترك". وقد بدت ملابس بعضهم غريبة كما وصفها سليم حسن (مصر القديمة، ج 10 ص 308) "إذ يرتدي كل منهم قميصاً ذا ألوان وشالاً على أحد الكتفين وقرطاً ضخماً وأسورة معصم، ويلاحظ أن بعضهم زنجي خالص" وذكر أن كاراي لابد أن تكون بالقرب من نباتا وأن أرم جزء من بلاد كوش حسبما يفهم من نقوش تحتمس الثالث في الجزية." وذكر أن "ترك وارم يذكران معاً فلا تقع الواحدة منهما بعيدة عن الأخرى. ومن المشكوك فيه أن ارم هي الم بلغة الجالا." كم ذكر أيضاً أن تحتمس الرابع قضى على ثورة في بلاد واوات. (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 308)
9. حملة في عصر الملك امنحتب الثالث. وقد خفت حدة الصراح بين البلدين بعد عصر هذا الملك. ولا يدل ذلك على القضاء على المقاومة الداخلية، بل يرجع السبب إلى الاضطرابات والمشاكل الدينية التي عاشتها مصر في عصر الملك اخناتون الذي تولى العرش بعد امنحتب الثالث. ويبدو أن الأوضاع بعد اخناتون في مصر لم تكن قد استقرت بالصورة التي تجعل الحكام يتفرغون لمواجهة الثورات في السودان. والدليل على استمرار تلك الثورات هي الحملة الوحيدة التي ارسلت إلى السودان في عصر الملك حور محب آخر حاكم من ملوك هذه الأسرة.
حروب الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين: استمرت المقاومة ضد الاحتلال شديدة في الفترة الأولى من عصر الأسرة التاسعة، تم بدأ التدخل العسكري في السودان يقل ويتوقف لفترات طويلة حتى نهاية حكم الأسرة العشرين، وذلك بسبب الضعف الذي ساد الادارة المصرية وبخاصة في عصر الأسرة العشرين. فقد رُصِدت في الآثار المصرية اربعة حملات في أول عصر الأسرة التاسعة عشرة وحملة واحدة في أول عصر الأسرة العشرين كالآتي:
1. حملة الملك رمسيس الأول أول ملوك الأسرة على السودان أتت الحملة بأسرى كما يظهر في نقشه.
2. حملة الملك سيتي الأول وقد توغلت حتى اقليم ارم. وفي نقش آخر أنه "هزم عظماء كوش الخاسئة، وذكر قائمة بأسماء الأقوام التسعة الذين هزمهم.
3. حروب رمسيس الثني: أشهر ملوك الدولة الحديثة وآخر الملوك المصريين العظام. خاض حروب كثيرة. ذكر في أحد نقوشه في معبد أبو سمبل أنه "خرب البلاد الأجنبية الثائرة وهزم النوبيون في عقر دارهم، و أحضر جلالته عظماء كوش الخاسئة … ومن خواره يخترق بلاد النوبة، ومن حافره يدوس النوبيين، ومن قوته يخترقهم عندما يستولي بقوته على خنت – حن – نفر، ومن الفزع ما يصل إلى كاراي، أو من يجعل أرض كوش لا شيء". وفي معبد بيت الوالي منظر يتسلم فيه رمسيس الثاني جزية كبيرة ومنظر موقعة حربية. ويدل تردد ذكر عظماء وأمراء في الآثار المصرية حتى هذا الوقت (القرن 13 ق م كما في نقوش رمسيس الثاني وسيتي الأول) بعد قرنين من سقوط المملكة على أن مملكة كوش لم يتم القضاء عليها نهائياً. ويبدو منطقيا أن أمراءها كانوا يمارسون سلطاتهم في أماكن بعيدة من متناول قوات الاحتلال.
4. حملة الملك مرنبتاح لإخماد ثروة في واوات، ووصف نفسه في نقوش هذه الحملة بأنه "الثور القوي ضد كوش … الذي يذبح بلاد مزوي."
5. حملة رمسيس الثالث ثاني ملوك الأسرة العشرين، وآخر مرحلة من مراحل الصراع بين السودان ومصر في عصر الفراعنة الذي انتهي في القرن الحادي عشر قبل الميلاد بنهاية الدولة الحديثة وبداية عصر الحكام الأجانب على مصر
من كتاب: أحمد الياس، مراجعات في تاريخ السودان صفحات 40 – 53
ونواصل تاريخ الصراع الفترة الثانية القرن 11 ق م – 7 م
[email protected]
المراجع
أحمد فخري، مصر الفرعونية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية 1960.
جيمس بيكي، الآثار المصرية في وادي النيل: الجزء الخامس من فيلة إلى الخرطوم، ترجمة نور الدين الرازي.
سليم حسن، تاريخ السودان المقارن حتى عصر بيعنخي، القاهرة، شركة نهضة مصر للطباعة والنشر، 2004.
سليم حسن، مصر القديمة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994
* Breasted, H. History of Egypt from the Earliest times to the Persian Conquest, 2nd ed.
* Darnell, John Coleman The Inscription of Queen Kadimala at Semna: Texual Evidence for the Origins of the Napatan State. Yale Egyptology Studies 7, 2006.
* Eide et al, Fontes Histoiae Nobiorum, University of Bergin, 1996.
* Roy, Jane The Politics of Trade: Egypt and Lower Nubia in the 4th Millennium BC .Leiden, Boston: Brill, 2011.
* Smith, Stuart Tyson Wretched Kush: Ethnic Identities and Boundaries in Egypt's Nubian Empire. Rutledge 2008
* Torok, L. between two Worlds: the Frontier Region between Nubia and Egypt 3700 BC – 500 AD Leiden, 2009


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.