«لم أتوقع يوما من الأيام أن أغادر منزلي وجيراني وأهلي ومكان عملي بهذه الطريقة» يقول الصحافي السوداني حمد الطاهر الذي أجبرته ظروف الحرب على النزوح من العاصمة الخرطوم إلى ولاية أخرى مع فقدانه لعمله ومعاناة من الضوائق الاقتصادية. 1. ويضيف ل«القدس العربي»: «لم أكن أتوقع أن أسكن في هذه الولاية تحت وطأة المعاناة وجشع أصحاب العقارات ولسعات البعوض ليلا وجيوش الذباب نهارا وبين زخات المطر التي حولت جوف البيوت المهترئة التي نسكن فيها رغم أسعارها الخرافية، بركة مياه». ويعاني الصحافيون السودانيون أوضاعا معيشية بالغة التعقيد بسبب الحرب، إذ فقد أغلبهم عملهم بسبب توقف صدور كل الصحف الورقية في البلاد منذ تاريخ اندلاع المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع في (15) أبريل/نيسان الماضي. كما يواجه من يعمل منها مراسلا لصحف إلكترونية أو أجنبية مشاكل أخرى مثل سوء شبكة الإنترنت وصعوبة التنقل والحصول على المعلومة والتضييق من كلا طرفي النزاع والاتهامات بالتواطؤ والقيام بأعمال جاسوسية لصالح الطرف الآخر. ويقول الطاهر «منذ اندلاع القتال قررنا أن لا نغادر منزلنا رغم تحليق الطائرات الحربية فوق رؤوسنا وأصوات المضادات الأرضية والمدفعية الثقيلة. ظللنا مرابطين، ولكن بعد اليوم (60) يوما قامت مجموعة مسلحة من قوات الدعم السريع بإطلاق النار قرب مواطنين أتوا من المسجد بعد صلاة العشاء وتجمعوا جوار منزلنا، مما تسبب في هلع أطفالي الصغار وقضوا ليلهم جلوسا على أسرتهم ولم تطبق أجفانهم بل أصبحوا لا يغادرون غرفتهم إلى فناء المنزل، لذلك قررنا أنا ووالدتهم مغادرة المنزل لأي وجهة». ويضيف: «لم يتم التخطيط للمغادرة بل أفرغنا حقائب الأطفال المدرسية من الكتب وألزمنا كل واحد منهم بإدخال ملابسه بها وحملها على ظهره وحملنا نحن ملابسنا فقط وتوجهنا عبر المواصلات إلى ولاية الجزيرة». ويتابع «في الصباح الباكر وصلنا إلى موقف المواصلات ويممنا وجوهنا شطر ولاية الجزيرة وسلكنا طريق كبري الفتيحاب والتقينا بارتكازات الجيش عند مدخل الكبري وكانت كل المسارات مغلقة بالحواجز الترابية والمتاريس مما صعب علينا عبروها، ولكن تجاوزناها بشق الأنفس حتى وصلنا إلى الخرطوم وبدأت المعاناة منذ أن تخطينا النفق، وما أن وصلنا شارع الغابة حتى غطت السماء سحابة كثيفة من الدخان المتصاعد ورائحة البارود أزكمت أنوفنا حتى وصلنا أول ارتكاز للجيش عند نفق جامعة السودان مقر معسكر الاستراتيجية وقام بإيقاف الحافلة التي تقلنا وسألنا :إلى أين تذهبون؟ وقمنا بإجابته وقلنا له نريد الذهاب إلى ولاية الجزيرة وقال يمكنكم أن تذهبوا بطريق الكلاكلة، ولكن عندما وصلنا الى تقاطع شارع الغابة مع المنطقة الصناعية وجّهنا ارتكاز آخر للجيش بأن هنالك اشتباكات ويجب عليكم أن لا تسلكوا هذا الطريق». وزاد:»بالفعل غيرنا طريقنا إلى الشارع الذي يمر بمقابر منطقة الرميلة ولكن قبل أن تصل الحافلة إلى مخازن السكر أو مخازن سلعتي تعرضنا إلى إطلاق نار كثيف ووقعنا بين نيران الجيش والدعم السريع وهذا ما أجبر السائق على تغيير طريقه إلى الشارع الذي يمر بسك العملة وكلية الدراما جامعة السودان، ولكن هنالك معظم الطرق كانت مغلقة بالمياه والارتكازات وبين كل شارع وآخر يخرج إلينا أفراد من الدعم السريع ويقولون من الذي أتى بكم إلى هنا، وكانت إجابتنا أننا نريد الذهاب إلى ولاية الجزيرة ويتبرعون لنا بوصف طريق جديد ولكن قبل أن نبارح الشارع تعترض طريقنا مجموعة أخرى وتوجه لنا الأسئلة ذاتها ويكون الجواب ذاته حتى قضينا يومنا ولم نخرج من منطقة (الخرطوم 3 والخرطوم 2) وبعد أكثر 9 ساعات من الدوران بين تلك الشوارع قرر السائق الرجوع بنا إلى أم درمان وأرجع لكل شخص قيمة التذكرة وعدنا إلى منازلنا بعد يوم عاصف وخلدنا إلى النوم». في اليوم التالي، لقي الطاهر معاناة أخرى في سبيل الخروج من العاصمة، مثلا في أحد ارتكازات الدعم السريع، قام أحد الأفراد بالإشارة للسائق بالتوقف، ولكن لم ينتبه مما دفع الأول لإشهار السلاح نحو المركبة مما دفع الركاب للصراخ للسائق بالتوقف والعودة إلى الارتكاز. وهناك ووفق رواياته صعد فرد الارتكاز إلى داخل الحافلة وقام بتوبيخ السائق وطالبه بإحضار أوراقه الثبوتية. لم تنته معاناة الطاهر عند هذا الحد، فقد أوقفوهم مرة أخرى في ارتكاز للدعم السريع في منطقة طيبة جنوبالخرطوم وقاموا بتفتيشهم وتفحص هوياتهم وأوراقهم الثبوتية وصب الجنود جام غضبهم على أحد الشباب الذي كان معهم واتهموه بأنه يتبع لاستخبارات الجيش، وطلبوا هاتفه رغم تأكيده لهم بأنه معلم وليس له علاقة بالجيش إلا أن أحدهم أصر على موقفه وأطلق عليه عددا من الأعيرة النارية تحت أقدامه حتى تصاعد الغبار وأجلسوه أرضا وفي الأثناء مرت طائرة للجيش وحلقت فوق رؤوسنا وقاموا بإطلاق المضادات عليها. بعد الخروج من الخرطوم بدأ الطاهر فصلا جديدا من حياة النزوح وجشع أصحاب العقارات والرحيل من منزل إلى منزل وكان يطمئن نفسه بحلم العودة إلى المنزل وانتهاء رحلة المعاناة، لكن هذا الحلم لم يصمد طويلا، فقد اتصل عليه أحد جيرانه في الخرطوم ليبلغه بأن منزله تعرض للسطو ودمرت أبوابه وسرقت جميع ممتلكاته. الطاهر الذي كان يعمل رئيسا لقسم الأخبار في موقع «السمر نيوز» أبلغه مالك الموقع بإيقاف العمل نتيجة الظروف وبهذا أصبح دون وظيفة ومأوى ودون ممتلكات. حكاية الطاهر ليست فريدة من نوعها وسط الصحافيين السودانيين، فقد نزح جلهم من الخرطوم وأوقفوا للتحري الطويل في نقاط التفتيش، في حين نهبت منازل بعضهم وتعرض آخرون للضرب والاعتقال خاصة من «الدعم السريع». ووثقت نقابة الصحافيين انتهاكات عديدة طالت العاملين في هذا القطاع مثل الاعتداء على الصحافي أحمد فضل ونهب سيارته من قبل قوات «حميدتي» كذلك اعتقال الصحافي نادر شلكاوي وتوقيف الصحافي شوقي عبد العظيم من قبل استخبارات الجيش في القضارف وأبوعبيدة برغوث من الجهة ذاتها في مدينة ود مدني وسط السودان وغيرهم. وأعلنت نقابة الصحافيين في وقت سابق، عن مقتل مصور صحافي في أمدرمان وصحافية في دارفور رميا بالرصاص بالتزامن مع القتال الدائر في البلاد. كذلك أفاد عدد من المؤسسات الإعلامية بتعرض مقارها للنهب من قبل قوات الدعم السريع، كان آخرها وكالة «تانا فور ميديا نيوز» التي قالت في بيان لها أمس الأول، إن عناصر من قوات «حميدتي» احتلوا مكاتبهم في العمارة الكويتية وسط الخرطوم ونشروا فيه قناصة.