الرئيسية
السياسية
الاقتصادية
الدولية
الرياضية
الاجتماعية
الثقافية
الدينية
الصحية
بالفيديو
قائمة الصحف
الانتباهة
الأحداث
الأهرام اليوم
الراكوبة
الرأي العام
السودان الإسلامي
السودان اليوم
السوداني
الصحافة
الصدى
الصيحة
المجهر السياسي
المركز السوداني للخدمات الصحفية
المشهد السوداني
النيلين
الوطن
آخر لحظة
باج نيوز
حريات
رماة الحدق
سودان تربيون
سودان سفاري
سودان موشن
سودانيات
سودانيزاونلاين
سودانيل
شبكة الشروق
قوون
كوش نيوز
كورة سودانية
وكالة السودان للأنباء
موضوع
كاتب
منطقة
القوات المسلّحة السودانية تعلن استرداد محطة مهمة
تشاد تتوعد بالرد على الهجوم على بلدة الطينة
المريخ ينازل موهانقا وعينه على إعتلاء الصدارة
لجنة المنطقة الجنوبية تصدر برمجة الدورة الثانية لدوري الدرجة الثالثة الجنوبية بكوستي
عثمان ميرغني يكتب: السودان وتحدي توحيد السلاح
مجمع الفقه الإسلامي غدا الخميس اليوم المتمم لشهر رمضان
بالصورة والفيديو.. ناشطة سودانية تحكي قصة ارتباطها وزواجها من نجم السوشيال ميديا "برهومي": (الشاريك وعايزك بحارب عشانك وعمرو م يلعب بيك)
شاهد بالصورة والفيديو.. تيكتوكر سودانية تثير ضجة واسعة: (نحنا النسوان بقينا كتار والرجال انعدموا والمصيبة ظهروا "كلجات" أصبحوا يضايقونا في الرجال الفضلوا)
شاهد بالفيديو.. وضعوها على "شوالات".. سودانيون يقومون برمي المصاحف الممزقة داخل النيل وسط خلافات وجدلاً واسعاً على مواقع التواصل
شاهد بالفيديو.. طلاب بجامعة بريطانية شهيرة يجمعون تبرعات للسودان بقيمة 21 ألف جنيه إسترليني
والي الخرطوم: ارتفاع نسبة النجاح هذا العام هو مؤشر جيد ومؤشر لعودة المواطنين الكثيفة الى ولاية الخرطوم
بعد تجريد منتخب بلاده من كأس أفريقيا..الاتحاد السنغالي يعلن أول قراراته
عثمان ميرغني يكتب: عودة لجنة التفكيك
تراجع معدّل التضخّم في السودان
مقرّ خاتم الأنبياء العسكري يتوّعد بردّ قويّ
ظهور لنجاة الصغيرة يفرح جمهورها.. والفنانة ترد
"رجعت الشغل تاني".. مطرب المهرجانات مسلم يعلن انتهاء أزمته
مشهد الولادة بمسلسل محمد إمام يثير غضباً.. والممثلة توضح
منع إقامة صلاة العيد بالميادين والساحات العامة بالنيل الأبيض
مع ارتفاع الأسعار.. 6 نصائح لجعل الوقود يدوم أكثر في سيارتك
تصميم جديد للملفات الشخصية ب "واتساب"
داركو نوفيتش : عودة قباني إضافة حقيقية للفريق
الإخوان والإرهاب .. الجنجويد والكباب!
ليس بِأَمانِيِّكُم، وَلَا ،،،
بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق
6 عادات يوصى بتجنبها في المساء لحماية القلب
عاجل.. اغتيال لاريجاني
دراسة : الأطعمة فائقة المعالجة تهدد كثافة العظام
ابتكار علاج لسرطان القناة الصفراوية من الحليب
ياسين أقطاي يكتب: كيف وقعت إيران في هذا الخطأ الإستراتيجي؟
رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع
المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة
شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية
لافروف قلق إزاء مستقبل نظام عدم انتشار الأسلحة النووية
أنشيلوتي: كروس وضع مبابي في مأزق.. وفينيسيوس رجل المباريات الكبرى
ريال مدريد يستعيد مبابي وبيلنغهام قبل ملاقاة مانشستر سيتي
توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط
الترجي يهزم الأهلي في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا
ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر
انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان
ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر
الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد
أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل
ترامب يرفض جهود الوساطة.. وإيران "لن نفاوض تحت النار"
قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر
بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف
إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب
في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة
د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)
السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"
طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته
ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء
صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان
أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة
شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم
شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم
السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة
السودان.. مباحث مكافحة سرقة السيارات تطلق تحذيرًا
شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
موافق
آمال عوّاد رضوان : حيفا والتّهجيرُ بعيونِ المُسنّةِ حلوة!
حريات
نشر في
حريات
يوم 27 - 07 - 2013
حيفا والتّهجيرُ بعيونِ المُسنّةِ حلوة!
آمال عوّاد رضوان
المُسنّةُ حلوة إلياس من قرية المغار، والدة البروفيسور الموسيقار الفنان تيسير إلياس، مِن مواليد عام 1920، التقيتُها قبلَ أشهرٍ قليلةٍ مِن وفاتِها، وقدْ تعدّتِ التّسعينَ مِنْ عُمرِها، ولا زالتْ بكاملِ أناقتِها وهيبتِها وذاكرتِها المُتيقّظةِ، فلاقتْني بترحابٍ وبوجهِها الأبيضِ البَشوشِ الباسمِ، تُغطّي رأسَها وضفيرتَها الطّويلةِ بمنديلٍ أبيضَ يُضفي عليها مسحةً من وقارٍ، وبكاملِ تركيزِها وحَواسِّها السمعيّةِ والبَصريّةِ، أمْضيْنا معًا في حوارٍ شيّقٍ، وحديثٍ مُوثَّقٍ بالصوتِ والصورة، بعضُه سردَتْهُ باللغةِ العربيّةِ، وبعضُه بلغةٍ إنجليزيّةٍ تُتقنِها بطلاقةٍ وتمَيُّزٍ. ولم تتوانَ أن تُؤدّي أغنيةَ عبدِ الوهاب "خيّي خيّي حبيبي يا خيّي"، أداءً جميلًا.
قالت: لي أربعة إخوة، وأنا أكبرُ إخوتي كنتُ أتحمّلُ مَسؤوليّتَهم، وحين مضتْ أمّي لتُسمِدَ لنا البرغل وتطحن، كنّا ننام على سطح البيت، وأختي كانت أصغرَنا، مَشتْ بسرعةٍ ووقعتْ عن السّطح أمامَ ناظريّ، فرأيتُها تغرقُ بدمِها، وأسرعتُ أنادي أمّي وأصرخُ، وحينَ حضرْتْ أمّي، كانتْ أختي قد فارقتْ الحياة!
ولأنّي البكرُ، صرتُ رفيقةَ والدي في كلّ مشاويرِهِ، فكنّا فلّاحين نعيشُ حياةَ الفلاحةِ والزراعةِ، وفي أحدِ الأيّامِ ركّبَني أبي على الجَمل، وأخذني معَهُ إلى حيفا، حيثُ كانَ إخوتي يتعلّمون، وكانَ لنا أقرباء هناك، فأحببتُ حيفا، وأخبرتُ والدي أنّي سأبقى عندَ إخوتي، وأتعلّمُ حيثُ يَتعلّمونَ.
بعدَ العودةِ إلى المغار، قرّرَ والدي الانتقالَ للسّكنِ في حيفا تلبيةً لرغبتي، فاستأجرَ بيتًا في حيفا، وصرتُ أتعلّمُ في مدرسةِ الراهباتِ باللغةِ الفرنسيّةِ، لكنّني كنتُ أعشقُ اللغةَ الإنجليزيّةَ. بدأتُ أتعلّمُ دروسًا إنجليزيّةً ليليّةً في مدرسةٍ ليليّةٍ خاصّةٍ، ودروسًا إنجليزيّةً خاصّةً في البيتِ، فقد أحضرَ لي أبي المعلّم موريس الطبراني، الذي كان يعلّمُ اللّغةَ الإنجليزيّةَ لإخوتي في مدرستِهم، وبسببِ الحربِ بينَ العربِ واليهودِ، وحوادثِ قتلِ الشبابِ العرب الذين يُدحدِلونهُم بالشّوارع، خِربتِ الحالة بينَ اليهودِ والعرب، وتوقّفتُ عن دراستي في مدرسةِ الراهباتِ بسببِ الأحداثِ الّتي طالتْها، وتوقّفَ الأستاذ الطبرانيّ عنِ المَجيءِ إلى بيتِنا، خوفًا مِن طلقةٍ ليليّةٍ تُصيبُهُ، فكانَ أخي البكرُ مُتمكّنًا مِنَ اللّغةِ الإنجليزيّةِ، وأصرّ أن يُعلّمَني هو الإنجليزيّةَ في البيتِ، مِن خلالِ المُخالطةِ، وصارَ لا يتكلّمُ معي إلّا باللغةِ الإنجليزيّةِ فقط، ممّا كان يتسبّبُ في غضبِ أبي وأمّي أحيانًا، لأنّهم لا يَفهمونَ ما نقولُهُ.
كنتُ أقومُ بخدمةِ إخوتي في حيفا، حينَ يعودُ أهلي إلى قريةِ المغار لفلاحةِ الأرض وزراعتِها، وأيضًا في مواسِمِ قطافِها. وكانَ الانتقالُ والسّفرُ إلى حيفا يحتاجُ إلى تصاريحَ مِن دائرةِ الشرطة، أو إلى تصاريحَ للإقامةِ لشهريْنِ وما فوق، وفي مرّةٍ دعتْني صديقتي إلى شاطئ البحر (بيت جاليم- بيت الأمواج)، ففرحتُ بدعوتِها، وحين مَضيْنا إلى البحر، تحلّقَ الجنودُ الإنجليزُ مِن حولِنا يَتحركشونَ بنا، فهربتُ منهم، وفقدتُ ثقتي بتلكَ الصديقةِ، وأخبرتُ أخي الكبيرَ، فأمرَني بقطعِ العلاقةِ بها، وبدأ يُفكّرُ بإعادتي إلى أهلي في القرية!
وعندما بدأتِ الحربُ بينَ الإنجليز والألمان، حاولَ أبي إرجاعَنا إلى المغار، خوفًا علينا مِنَ الحربِ، ولأنّ وسائلَ الاتّصالِ كانتْ مُنقطعةً، وأثناءَ الحربِ كانتِ البيوتُ تظلُّ مُعتمةً. لكنّ الغاراتِ الجوّيّةَ الّتي تقصدُ المَراكزَ الحكوميّةَ وليسَ المَدنيّينَ، كانتْ تضربُ عندما يَظهرُ القمرُ، ويَكشفُ معالمَ حيفا، فكانتْ تدعونا جارتُنا مؤجِّرةُ البيتِ إلى عَقدِها الصّغيرِ لنختبئَ معها، لأنّهُ قويٌّ ومتينٌ وسميكٌ، لا تقوى عليه الغاراتُ، فكنّا أطفالًا نرتجفُ خوفًا، فتَحضنُنا، وتدعو محمّدَ ونصرَتَهُ، ونحنُ ندعو مَريمَ العذراءِ وحِمايتَها، إلى أنْ تمّتِ الغلبةُ للإنجليز.
في سنّ الخامسة عشر مِن عمري، بدأ الشبابُ مِن حيفا يتقدّمونَ لخِطبتي، وكانَ لكلِّ منهم مَركزُهُ ووظيفتُهُ، لكنّي كنتُ أرفضُ فكرةَ الزّواج، كي أُتابعَ عِلمي، وكنتُ أتحجّجُ وأبْدي رغبتي بالزّواجِ مِن إنكليزيٍّ وليسَ من عربيٍّ، فيضحكُ أبي، ويَعدِلُ عن النيّةِ بتزويجي.
وفي يومٍ، تمّ الاتّفاقُ على تحديدِ موعدِ خطبتي بأحدِ المُوظّفينَ، وكانَ يَتيمًا لهُ ثلاثُ عمّاتٍ، وكلٌّ منهنَّ تطمعُ بهِ زوجًا لابنتِها، فأخبرَ والدي في اللحظاتِ الأخيرةِ، أنّ عمّاتِهِ لن يَحضرْنَ للخطبةِ، بسببِ رفضهِنّ العروس، فألغى والدي الخطبةَ ولم تتمّ، لكنّ النصيبَ ثبتَ على زوجي مِنَ البعنة، جارة دير الأسد في الجليل.
وقد تحدّثتْ أمّ راسم عن الانتدابِ البريطانيّ، وعن ثورةِ البراق في أوائلِ الثلاثينات، حينَ أُعدِمَ 26 مناضلًا فلسطينيًّا في سجن قلعة مدينة عكّا، وحَكمتْ بالسجنِ المُؤبّدِ على 23 فلسطينيًّا آخرين، وقد أعدَمَت عطا الزير، ومحمّد جمجوم، وفؤاد حجازي، وقبلَ إعدامِهم كانوا يَلبسونَ ثيابَ الإعدام الحمراء، ودون خوفٍ يُنشدونَ بفرحٍ قصيدةَ الشاعر السوري نجيب الريّس، وصارَ الثوّارُ يُغنّونَها في سجن عكّا، ووصلتْنا وصرنا نُردّدُها ونُغنّيها. وكقائدةٍ محاربةٍ، أنشدَتْها بإلقاءٍ خطابيٍّ قويٍّ، تبثُّ العزمَ في سامعيها:
يا ظلامَ السجنِ خيِّمْ/ إنّنا نهوى الظّلاما/ ليسَ بعدَ اللّيلِ إلّا/ فجرُ مَجدٍ يَتسامى/
إيهِ يا دارَ الفخارِ/ يا مقرَّ المُخلصينا/ قد هبَطْناكِ شبابًا/ لا يهابونَ المَنونا/
وتعاهدْنا جميعًا/ يومَ أقسمْنا اليمينا/ لن نخونَ العهدَ يومًا/ واتّخذْنا الصِّدقَ دينا/
أيّها الحُرّاسُ رِفقًا/ واسْمَعوا منّا الكلاما/ مَتِّعونا بهواءٍ/ كان مَنْعُهُ حَراما/
لستُ واللهِ نسيًّا/ ما تقاسيهِ بلادي/ فاشْهَدَنَّ يا نجمُ إنّي/ ذو وفاءٍ وودادِ/
يا رنينَ القيدِ زِدْني/ نغمةً تُشجي فؤادي/ إنّ في صوتِكَ معنًى/ للأسى والاضطهادِ/
لم أكنْ يومًا أثيمًا/ لم أَخُنْ يومًا نظاما/ إنّما حُبُّ بلادي/ في فؤادي قد أقاما
ثمّ تابعتْ تقولُ:
ولدتُ ابني البكرَ وابنتيْنِ في الزمنِ الإنجليزي في عكّا، ثمّ احتلّ الجيشُ اليهوديُّ بلادَنا، فهربنا الى البعنة، ولما وصل الجيش إلى البعنة، أرسلَ المُختارُ الناطورَ، يَطلبُ مِنَ الأهالي أن يُعلّقوا مَلاحفَ وشراشفَ بيضاءَ على سطوح البيوتِ، كإشارةٍ وعلامةٍ أنّنا مُسالمونَ، وأنّ البلدَ مُسالمةً لا تريدُ الدمَ!
حينَ دخلَ الجيشُ اليهوديُّ إلى البلدِ، طلبَ المختارُ مِنْ قطروزِهِ أنْ يُخرجَ الأهالي؛ أطفالًا ونساءً وكبارًا وصغارًا وشبابًا وشيوخًا مِن بيوتِهم، فتجمّعَ الأهلُ بينَ دير الأسدِ والبعنة، واختارَ الضّابطُ اليهوديُّ رَجُليْنِ؛ مسلمًا ومسيحيًّا، يَلبسان حطّة (كوفية)، رَموهُما بالرصاص على مَرأى الأطفالِ وأهلِ البلدَيْنِ، ودَحدَلوهُما مِن أعلى الشارع إلى أسفلِهِ، لترهيبِ وتخويفِ وترويعِ الأهل.
ثمّ قامَ الجيشُ اليهوديُّ يَلمّونَ الرجالَ والشبابَ للسّجون، وليَخدُموا في الجيشِ وفي الأعمالِ الشاقّةِ بالسُّخْرةِ، وصرَخوا في الشيوخِ والنساءِ كي نُغادرَ البلدَ، فأخذتُ دابّتي الحمارةَ وأطفالي، وقليلًا مِن الطحينِ والسكّرِ والحبوبِ، ولكن دونَ ثيابٍ، ومَضيتُ معَ النازحينَ في البَردِ، نُهرولُ ونولولُ ونبكي، ومَضيْنا صوْبَ لبنانَ وتحتَ المطر.
في طريقِنا، مرَرْنا بقريةِ نحَف الجليليّةِ، وإذا بالقتلى مُحمّلين على البقر، يَسوقُهُم الجيشُ في اتّجاهٍ واحدٍ، فخِفنا وصِرنا نُسرعُ الخطى للهروبِ، قبلَ أنْ يُصيبَنا ما أصابَ قتلانا، لكنّ دابّتي المُنهكةَ لم تَكُنْ تُعينُني، فأنزلتُ ابنتي عن ظهرِها وحمَلتُها، وبَقيَ طفلانِ على ظهرِ الدابّةِ، وحينَ مرّ بي رجُلٌ على فرسٍ، طلبتُ منهُ أنْ يُساعدَني، ويَأخذَ ابنتي معَهُ، فأخذَها ومَشيْنا ومَشيْنا، وطالتِ المَسافاتُ بيْنَنا، وغطّى عتمُ اللّيلِ المَساربَ والدّروبَ، ولمْ أعُدْ أرى أحدًا، فخفتُ وصِرتُ أبكي وأصرخُ وأنادي: يا الّلي أخدت بنتي على الفرررررس، دخيلَكْ رجِّع لي بنتي!
وعادَ لي صوْتُهُ مِن بعيدٍ: يا أختي، لا تخافي.. بنتك بأمان!
وظلَّ ينتظرُني، إلى أنْ سلّمَني إيّاها.
حين مَررْنا بقريةِ ساجور الجليلةِ بلدِ الدروز، لحِقنا بمَجموعتِنا ومَن لجَؤوا إليها، إذ كانَ الوضعُ هادئًا فيها، لأنّهم أصدقاءٌ لليهودِ، وظللتُ وحيدةً بعيدةً عنِ المَجموعةِ، أضُمُّ أطفال. وحينَ جلستُ أرتاحُ، "راحتِ السّكرة وجاءت الفكرة"، فأخذت أبكي وأحضن أطفالي!
حضرَ رجُلُ البيتِ يَطلُبُ منّي الانضمامَ إلى مجموعةِ بلدي، فأخبرتُهُ أنّي لا أعرفُ أحدًا منهم، وأنّي غريبةٌ عن البلد ومقطوعةٌ، وأنّي مِن قريةِ المغار، فعرفَ أهلي وعائلتي، وندَهَ زوجَتَهُ كي تفتحَ لي المَضافةَ قائلًا: هؤلاء أهلها ياما أكلتُ مِن خبزِهِم وخيْرِهِم!
وبرمشةِ عينٍ، دَشَعَتِ النّساءُ وأطفالُهُنَّ للمَضافةِ، وأكلَ الجميعُ وأكلتُ معَ أطفالي، بعدَما استشعرتُ قليلًا مِنَ الأمانِ، وبعدَما أطعَموا دابّتي واطمأنّ قلبي.
في الصباحِ قرّرنا أنْ نُغادرَ ونتابعَ المَسيرَ، لكن أحد الرجالِ طلبَ منّا التمهُّلَ والتصويت، هل نُشَمِّلُ للبنانَ، أم نعودُ إلى بلدِنا ونختارُ الموتَ فيه؟!
كانَ الصوتُ الأرجحُ يُنادي بالعودةِ والموْتِ، فعُدْنا للبلدِ على وجهِ اللهِ وبرَكتِهِ!
لكن بعدَ يومَيْن، عادَ 130 جنديًّا مِن الجيشِ اليهوديِّ للبلدِ، حينَ رأوا القناديلَ المُضاءةَ في اللّيل، وطلبوا مِنَ المُختارِ تفريغَ البلدِ مِنْ أهلِها اللّيلة، فوعدَهُمُ المُختارُ أنْ يكونَ في الغدِ ما يُريدونَهُ، وبسرعةٍ، أرسلَ النّاطورَ إلى البيوتِ، ليَجمَعَ مِن كلِّ بيتٍ ليرتيْن، ليُحضِّرَ وليمةً للجيشِ اليهوديّ، وأحضرَ المَشروباتِ الروحيّةَ لهُم، وعشّاهم، وحينَ سَكِرَ الضابطُ وجنودُهُ، طلبَ منهُ المُختارُ أنْ يُوَقِّعَ على وثيقةِ إبقاءِ الأهلِ في البلدِ، وهكذا نجا الأهلُ مِنَ التّشريدِ والتّغريبِ، وبقوْا في بلدِهِم!
بعدَ خمسةِ شهور، أخرَجوا الرّجالَ العربَ مِنَ السّجونِ، ولكن أعادوا إلى البلدِ فقط، مَنْ بَقِيتْ زوجَتُهُ وأطفالُهُ في البلدِ، ومَنْ رَحَلتْ نِساؤُهُم إلى لبنان، أخذوهُم بسيّاراتِ الجيشِ، وألْحَقوهُم بنِسائِهم إلى لبنان، وكبّوهُمْ على الحدود!
بعدَ الاحتلالِ، صارتْ هناكَ دكاكينُ إعاشةٍ في كلّ بلدٍ وبلدٍ، تُوزّعُ مُؤنًا أساسيّةً على أهلِ البلدِ، وبكمّيّاتٍ مُحدّدةٍ، بحسبِ عددِ أنفارِ الأسرة، وكانَ النّاسُ يَقفونَ في صفٍّ طويلٍ، وينتظرونَ دوْرَهُم، ليأخذوا نصيبَهُم مِنْ سُكّرٍ وزيْتٍ وطحينٍ وقهوة.
بمشوارِ حياتِنا يا ما عانينا وشفنا وذقنا، فلمّا كنّا في البعنة، كانتِ الحياةُ مُرّة وبدون ماء، وزوْجي كانَ يعملُ خارجَ البعنةِ ويعودُ ليلًا، فكنتُ أنتظرُ حتّى الظهر بعدما يَنام أولادي، وأمضي مِن البعنة إلى عين الماء في دير الأسد، وأمشي مسافةً طويلةً حتّى أُؤَمّنَ الماءَ في البيتِ للشّربِ والغسيلِ، وبسببِ الظروفِ الصعبة، انتقلناعام 1962 للسكن في مدينة شفاعمرو، ومكثنا في بيتِنا المُستأجَرِ أربعةَ شهورٍ بدون ماءٍ، ولكن كان لدينا جيران طيّبون، أخذنا مِن عندهم الماء، إلى أن أتمَمْنا مُعاملاتِ البلديّة، وصارَ في بيتِنا خطّ ماء!
انقر
هنا
لقراءة الخبر من مصدره.
مواضيع ذات صلة
النّاصرةُ تُكَرِّمُ الشّاعرَ الزّجّالَ سُعودَ الأسدي
الواقع اللغويّ وأزمة الهُويّة!
ميلاد ووفاة مَن رضعت من ثدي أمّها الميتة ثلاثة أيّام في النكبة!
عطر المكان يفوح وجعًا في قرى فلسطين المهجرة!
آمال عوّاد رضوان : بوحي ذاتي إبداعًا وحوارًا
أبلغ عن إشهار غير لائق