مناوي يتعهد بإشراك مكونات دارفور بمختلف تنوعها في حكم الإقليم    إستقرار في أسعار الذهب فوق مستوى 1800 دولار    تلفزيون لقمان !    هند الطاهر ترتب لأعمال غنائية ودرامية    شكاوى من ندرة وإرتفاع في السماد للعروة الصيفية    الحراك السياسي : الحرية و التغيير تضع (10) شروط للعبور    إضراب مفتوح للمعلمين عن أعمال الكنترول وتصحيح شهادة الأساس    توضيح من مجلس الشباب والرياضة .. فشل اتحاد الخرطوم في تسيير النشاط فأراد أن يجعل المجلس شماعة    بعثة المنتخب الوطني تصل الدوحة    السودان في كامل الجاهزية لمباغتة الليبي    حصاد الجولة 19.. حي الوادي يصفع ملوك الشمال ويحتكر برونزية الترتيب انتفاضة اندية المؤخرة وطرمبيل يقتحم قائمة الهدافين    في بلاغ انقلاب الإنقاذ .. التحريات تكشف عن هروب كرتي وصلاح كرار    ارتفاع سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 16 يونيو 2021 في البنك المركزي وعدد من البنوك    وزير الصحة يصادق على تحويل مستشفى الأسنان بالجزيرة الى مركز لتدريب الأطباء    المحفظة: نجحنا في توفير محروقات بقيمة 600 مليون دولار    طه مدثر يكتب: لم نجد الرفاهية ولم نجد فرصة للانتحار!!    ناهد قرناص تكتب: البامية ما ياها    ضبط شبكة وبحوزتها عدد (2213 )من حبوب الكبتاجون بالبحر الأحمر    القبض على صيدلي متورط في بيع أدوية مخدرة    حملات مشتركة للقوات النظامية بالجزيرة لمحاربة تجار السوق السوداء    تأجيل جلسة محكمة مدبري انقلاب الإنقاذ    تأكيداً لما أوردته (السوداني) لجنة أممية ترفض إزلة هلال من قائمة العقوبات    فولكر يبدأ جولة لدول الخليج وأمريكا لحشد الدعم المادي للسلام    سيدة تضع 5 توائم بولاية القضارف    أبرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة يوم الأربعاء الموافق 16 يونيو 2021م    المؤتمر السوداني : هنالك مطبخ آخر تدار فيه العملية الاقتصادية    وكيلة وزارة التربية والتعليم تحرم ألفاً من الطلاب السودانيين من الجلوس لامتحانات الشهادة بالقاهرة    359 ألف مواطن تم تطعيمه بلقاح كورونا بالخرطوم    محمد عبد الماجد يكتب: الحكومة رفعت (الدعم) عن المحروقات وفقدت (الدعم) من الشعب!!    والي شرق دارفور: حكومات المحليات مسؤولة عن حماية مشروعات الطاقة الشمسية    اختفاء منجبة التوائم ال 10 ورضّعها وزوجها يبحث عنهم    النسيان يهدد الذاكرة.. وهذه 6 أسباب لا علاقة لها بالشيخوخة    من خلال إجتماع ناجح ومثمر.. عودة الصفاء والوئام بين مجلس الشباب والرياضة والإتحاد المحلي للكرة* *والتأمين علي إستئناف النشاط الرياضي بالولاية    "نشره زوجها في 2017".. ضحية اعتداء جنسي تطارد فيديو اكتشفته بالصدفة منذ عام    يوم (قيامة الخرطوم) المرعب (2)!    نجم الدين الفاضل.. قطعة سكر ذابت في زحام الحياة!!    أمال النور: ما زلت عضواً في فرقة عقد الجلاد    عضو مجلس إداراة نادي الشرطة يحفز اللاعبين بمناسبة الفوز على الأهلي شندي    صواريخ حماس تطيح بنتنياهو    شكراً البرهان.. وبالسلامة صقور الجديان    تعليق النشاط.. المخطط والأهداف !!    أرقى أنواع منشطات الحياة والصحة النفسية والعضوية .. العلاج بالموسيقى.. حقيقة لا تقبل الجدل والإنكار!!    ساحة "أتني".. هل تُخمد مشاعل "المقاومة الثقافية" بأمر المُلاك؟    قضية فض اعتصام رابعة: محكمة مصرية تؤيد حكم الإعدام بحق 12 متهماً من قيادات الإخوان المسلمين    تفاصيل مثيرة في محاكمة طلاب طب بتهمة الإتجار بالمخدرات    بهذه الطريقة تشغلون واتساب على أكثر من رقم    نتنياهو يرفض مغادرة المقر الرسمي لرئيس الوزراء.. بماذا علق بينيت؟    تسريب إشعاعى يهدد العالم والسودان خارج منطقة الخطر    تمديد التسجيل للمشاركة في جائزة البردة 2021 حتى 26 يوليو    محبة اسمها رشيد    تفاصيل مثيرة في محاكمة طلاب طب بتهمة الإتجار في المخدرات    السعودية تشترط التحصين لدخول المراكز التجارية والمولات    ياسر عرمان يكتب إلى آخر الشّيوعيين ... سعدي يوسف    أربعاء الحلو وأخدان أمل هباني.. تدمير الإقتصاد والإعتقاد بالصدمة !!    وقعت فى الزنا ثم ندمت واستغفرت.. فماذا تفعل ليطمئن قلبها؟    هل يحق للمرأة التسجيل في الحج دون محرم مع عصبة من النساء ؟    من ثقب الباب باربيكيو الخفافيش!    "يجوز الترحم على الكافر".. مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السابق في مكة يثير جدلا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في رحيله الأبدي.. أبوعيسى يغمض جفنيه على حب الوطن
نشر في كوش نيوز يوم 13 - 04 - 2020

تسرب المرض والإرهاق إلى جسد الراحل فاروق أبوعيسى ومنعه من تكملة المشوار مع رفاقه من المناضلين، ولكن ظل أبوعيسى وهو بعيداً عن ممارسة العمل السياسي المباشر، حاضراً بمشورته وذهنه المتقد، كان مؤمناً بأن ثورة ديسمبر هي منعطف كبير في مسيرة التغيير نحو بناء السودان دولة المواطنة والحريات والديمقراطية.
من لا يعرف الأستاذ فاروق أبوعيسى؟ نقيب المحامين العرب، و رئيس هيئة قوى الإجماع الوطني، صاحب القدح المعلا في معارضة نظام المخلوع البشير، ظل أبوعيسى رمزاً من رموز الحركة الوطنية الطامحة إلى الحريات والديمقراطية وسيادة حكم القانون، لم يرتجف له رمش في إمعان النظر في ضرورة إسقاط نظام الإنقاذ الفاسد، ولم يبخل بإفراغ كل كنانته رمياً في صنم الشموليات والديكاتوريات البغيضة، أفنى زهرة شبابه هرولةً بين أزقة النضال العصي، ولم يغمض عيناه إلا بعد أن رأى ثورة شعبه بأم عينيه، كان مؤمناً بأن هذا الشعب سوف ينهض من غفوته ويدك حصون الطغاة، لم يساوره شك قط بأن الانتفاضة الشعبية حلم سوف يتحقق، حصن نفسه تماماً من المزايدات والمهادنات، وترفع كثيراً عن أية أحاديث سياسية تدور في فلك الهبوط الناعم، كان دائماً جريئاً شجاعاً في معارضته، لا يهاب السجون ولا المعتقلات، ولا تمنعه ظروفه الصحية من ممارسة الغضب النبيل، أنه فاروق أبوعيسى رجل بهامة الوطن الثورة، طالق الحياة في ذات ثورة، وترك من ورائه إرثاً وسفراً عميقاً ليهتدي به شباب الانتفاضة في رحلة بحثهم عن وطن بلا قيود وبلا مفسدين.
من الموسوعة
فاروق أبوعيسى، سياسي وقانوني، من مواليد مدينة ود مدني بولاية الجزيرة في العام 1933، درس المرحلة الأولية بمدرسة النهر الأولية، والتي كانت تعتبر المدرسة الحكومية الوحيدة في المدينة بجانب مدرسة أهلية أخرى، ومن ثم التحق بالأميرية الإبتدائية بود مدني ثم مدرسة حنتوب الثانوية والتي فُصل منها خلال الأشهر الأخيرة من دراسته بسبب نشاطه السياسي المناهض للإستعمار البريطاني للسودان. إنضم أبو عيسى للحزب الشيوعي السوداني أثناء دراسته بمدرسة حنتوب الثانوية، وذلك عبر رابطة الطلاب الشيوعيين، وكان جزء من مكتبها السياسي منذ عام 1950، وفي تلك الفترة كانت تسمى الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو). في مطلع خمسينات القرن الماضي، شارك ابوعيسى في الإضراب عن الدراسة الذي نفذه عدد كبير من الطلاب السودانيين، وذلك من أجل أن ينال الطلاب السودانيون اتحاداً عاماً، لكن المستعمر البريطاني رفض هذا الطلب، وتم فصله من المدرسة وحرمانه مع عدد من الطلاب من الامتحانات. امتحن أبو عيسى الشهادة الثانوية من مدرسة الأحفاد بأمدرمان، وكانت رغبته هي دراسة القانون في جامعة الخرطوم، إلا أنه لم يتمكن من ذلك، ما دفعه للإلتحاق بكلية الآداب، لكنه لم يستمر بها، ليقرر بعدها الذهاب إلى مصر حيث تم ترشيحه لدراسة الطب في القصر العيني بالقاهرة، إلا انه فضّل دراسة الحقوق في مدينة جامعة الإسكندرية والتي تخرج منها في العام 1957.
فارس المتاريس
لم تكن " المتاريس" التي برع فيها ثوار ثورة ديسمبر المجيدة، والتي أرهقوا بها الترسانة الأمنية لنظام المخلوع البشير، لم تكن سلاحاً حديثاً ومبتدعاً، لكنه كان هو الإرث السياسي الذي قاده الراحل أبو عيسي في ستينيات القرن الماضي، فعندما نحجت ثورة أكتوبر في العام 1964 وأجبرت الرئيس الراحل الجنرال إبراهيم عبود للتنحي، كانت هي الثورة الأم وكانت أكتوبر مهد الثورات والانتفاضات الشعبية، وقتها كانت شعوب المنطقة العربية والأفريقية لا تعرف معنى الربيع الثوري، نجح السودانيون في كسر حلقة الانقلاب العسكري، عبر ثورة أكتوبر التي راح ضحيتها الشهيد القرشي إمام الشهداء السودانيين في العصر الحديث من بعد الاستعمار. وبعد أيام قلائل من نجاح ثورة أكتوبر تحركت عناصر الثورة المضادة من المؤسسة العسكرية السودانية، وبدأت مجموعات من الضباط في التحرك لتنفيذ انقلاب على الثورة التي أطاحت بالجنرال إبراهيم عبود، وفي تلك الليلة قاد الراحل أبوعيسى الثوار في ذلك الزمن وشيدوا المتاريس في كل الطرقات لإعاقة تحرك الضباط الإنقلابيين، واشتهرت تلك الليلة في أدبيات السياسة السودانية بليلة المتارس والتي كان أحد جنودها ومهندسيها هو الراحل فاروق أبو عيسى.
مايوية أبوعيسى
كثير من السياسيين يصفون أبوعيسى بأنه (مايوي) بحكم مشاركته في نظام مايو برئاسة الراحل جعفر نميري، وعلى الرغم من أن القيادي السابق في الحزب الشيوعي السوداني، الراحل التجاني الطيب بابكر، قال في إحدى المناسبات الخاصة بتكريم أبوعيسى، عندما وقع انقلاب 1969 اختاره منظمو الانقلاب ضمن وزراء السلطة الجديدة, وفى الصراع الذى نشأ بين الحزب الشيوعى وتلك السلطة, وما صاحبه من صراع داخل الحزب تطور إلى أكبر انقسام فى تاريخه, انحاز فاروق إلى المجموعة الانتهازية , ولكنه لم يلبث معها إلا قليلاً , فخرج منها وعاد إلى موقعه الطبيعى فى صف الوطن والديمقراطية , و شارك بنشاط فى معارضة نظام مايو الأمر الذى قاده مره أخرى إلى المعتقلات والتعرض للسياسات القمعية. وتقول الموسوعة (ويكيبيديا)، شارك ابوعيسى في حكومة مايو، التي جاءت بعد الإنقلاب العسكري الذي قاده العقيد جعفر نميري في مايو من العام 1969، بالتحالف مع قوى اليسار المكونة من الحزب الشيوعي السودان والقوميين العرب، وتولى خلال تلك الفترة عدة مناصب وزارية منها وزارة الخارجية. في العام 1970 تم فصله من الحزب الشيوعي السوداني عقب اتهامه وعدد من قيادات الحزب بالمشاركة في الإنقسام الذي حدث في ذلك العام، وفي ديسمبر من العام 1983، فاز أبوعيسى بمنصب الأمين العام لإتحاد المحامين العرب، بعد أن هاجر من السودان واستقر في جمهورية مصر العربية، وتكرر فوزه في دورات متتالية استمرت حتى العام 2003. وخلال توليه منصب الأمين العام للإتحاد رفض قبول عضوية اتحاد المحامين السودانيين، بحجة استناده على قانون العمال، ولم تفلح جهود الحكومة واتحاد المحامين السودانيين من الانضمام لاتحاد المحامين العرب إلا في عام 2005 بعد اجازة قانون الاتحادات المهنية لسنة 2004.
ضد الإنقاذ
ظل أبوعيسى خارج السودان منذ استيلاء الجبهة القومية الإسلامية على الحكم عبر الإنقلاب العسكري الذي نفذته في العام 1989، وعاد للبلاد في العام 2005، عقب اتفاق السلام الذي أبرمته الحكومة السودانية آنذاك مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق، وأصبح أبو عيسى عضواً في البرلمان السوداني في ذلك العام ضمن المقاعد التي خُصصت للتجمع الوطني الديمقراطي، الذي كان يشغل فيه منصب مساعد الرئيس. بعد رجوعه للسودان يقال أن الحزب الشيوعي السوداني أعاد عضوية أبوعيسى، دون الإعلان عن ذلك، ليتولي رئاسة الهيئة العامة لتحالف قوى الإجماع الوطني، الذي يضم الحزب الشيوعي السوداني وأحزاباً أخرى. تعرض ابوعيسى للإعتقالات المتكررة خلال عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، وذلك بسبب نشاطه الفاعل في معارضة حكومته. كان أبوعيسى هو من أشد المعارضين في السودان لحكومة البشير، وكان دائماً يشدد بالمطالبة على إسقاطها وعدم الدخول معها في أية حوارات. واشتهر أبوعيسى في رفضه لسياسة ما يعرف ب(الهبوط الناعم) وظل أبوعيسى مراهناً على قدرة الحركة الجماهيرية السودانية في الانتفاضة ضد نظام الإنقاذ، لم يقعده عن هذا الحلم كل التعقيدات التي كانت تعتري المشهد السياسي آنذاك، للدرجة التي كان يظن فيها أهل النظام المخلوع بأن أبو عيسى أصابته أمراض الشيخوخة ولم يعد حصيفاً. شاءت الأقدار أن يكون أبوعيسى شاهداً على إعلان قوى الحرية والتغيير الذي قاد الحراك الثوري ضد نظام البشير، إلا أن تفجرت الثورة السودانية وتم إقتلاع نظام البشير عبر أكبر ثورة شعبية شهدها تاريخ السودان الحديث.
أواخر أيامه
تسرب المرض والإرهاق إلى جسد الراحل فاروق أبوعيسى ومنعه من تكملة المشوار مع رفاقه من المناضلين، ولكن ظل أبوعيسى وهو بعيداً عن ممارسة العمل السياسي المباشر، حاضراً بمشورته وذهنه المتقد، كان مؤمناً بأن ثورة ديسمبر هي منعطف كبير في مسيرة التغيير نحو بناء السودان دولة المواطنة والحريات والديمقراطية. وظل مراهناً على قدرة الشعب السوداني في استكمال أهداف ثورته، ومنع المتربصين وقوى الردة من العودة مجدداً إلى سدة الحكم عن طريق الانقلابات أو المؤامرات. رحل أبوعيسى والبلاد تنتاشها الأزمات من كل جانب، إلا أن قلوب السودانيين لا زالت ملأ بحب الثورة والوفاء لشهدائها الأبرار، ولا زال الحلم يتمدد بينهم يقاسمهم الهم والأمل.

عبدالناصر الحاج


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.