سعر الدولار في السودان اليوم الإثنين 15 أغسطس 2022 .. السوق الموازي    البرهان يُسلِّم (45) عربة للضباط و(113) ركشة لضباط الصف والجنود مُصابي العمليات الحربية    الدفاع يعيد قيد الخماسي وسط حضور إداري كبير والمتمة تكسب خدمات اللاعب محمد عبدالحفيظ    وزير الداخلية يطلع على مجمل الأوضاع الأمنية بالنيل الأبيض    شاهد بالفيديو.. خبيرة تجميل تكشف كواليس عن المذيعة تسابيح خاطر حدثت داخل المركز: (تسابيح لا تستطيع التوقف عن الكلام حتى بعد أن أضع لها "الروج" ) والمذيعة ترد بتدوينة خاصة    شاهد بالفيديو.. أول حفل للمطربه عائشه الجبل بعد عودة قانون النظام العام.. تغني بالحجاب وتردد أشهر الأغنيات السودانية وأكثرها احتراماً وساخرون: (الشعب السوداني ما بجي إلا بالسوط)    شاهد بالفيديو.. فنانة سودانية تصرخ خلال حفل حاشد (اوووب علي قالوا النظام العام رجع…النصيحة رجع الوجع) وساخرون يشمتون فيها (رجع للزيك ديل)    الصحة الخرطوم توجه بعدم الإعلان عن الأدوية والنباتات العشبية    ما بين الماضي والحاضر.. استعجال البطولات.. !!    اجازة تقرير اداء النصف الاول لحكومة ولاية كسلا    استعدادا للبطولة العربية.. منتخب الناشئين يتدرب بملعب وادي النيل    السكة حديد: تخصص عدد (5) وابورات جديده لولايات دارفور    بعد إضرابٍ دام"15″ يومًا..انسياب حركة الصادر والوارد ب"أرقين واشكيت"    تحديثات جديدة من غوغل على نتائج البحث.. تعرف على تفاصيلها    المجلس الأعلي للبيئة: إيجاد حلول عاجلة للمشاكل البيئية بالنيل الأبيض    أسعار مواد البناء والكهرباء بسوق السجانة اليوم الاثنين 15 أغسطس 2022م    الزولفاني: فرصة المريخ كبيرة لتخطي عقبة بطل جيبوتي    الأهلي شندي يفجر مفاجأة بضم بويا    رهان علي القوس والسهم ورفع الأثقال في بطولة التضامن    وحدة تنفيذ السدود : خروج (7) محطات رصد وقياس من الخدمة بولاية جنوب دارفور    الارصاد: سحب ركامية ممطرة بعدد من الولايات    مريم الصادق تكشف عن قرب التوصل إلى اتفاق سياسي    سناء حمد ل(إبراهيم الشيخ): جميعنا بحاجة لتقديم التنازلات    علاج جيني جديد قد يمنع فقدان السمع الوراثي    نجاح تجربة رائدة لزرع قرنية مصنوعة من جلد الخنزير    وفد جديد من الكونغرس يزور تايوان    فلوران في الخرطوم والهلال يستقبل 3 أجانب    كرم الله يحذر من انتقال أحداث النيل الأزرق للقضارف    حي الناظر الابيض يعيد قائده بعد صراع مع الاندية    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الأثنين" 15 أغسطس 2022    القبض على شبكة إجرامية متخصصة في ترويج الحبوب المخدرة (ترامادول)    الشرطة تسترد طفلة مختطفة بعد بيعها ب(50) ألف جنيه    الوليد بن طلال استثمر 500 مليون دولار في روسيا تزامنا مع بدء العملية العسكرية    تحذير لمستخدمي فيسبوك وإنستغرام.. هذه مصيدة لكشف بياناتكم    سعر الدولار في السودان اليوم الأحد 14 أغسطس 2022 .. السوق الموازي    مطارنا الفضيحة    إنطلاق ورشة تدريب المهندسين الطبيين لمراكز غسيل الكلى    شبيه لمصطفى سيدأحمد يتملك حوالي "1200" شريط كاسيت للراحل    صلاح الدين عووضة يكتب : وأنا!!    القبض على مجموعة مسلحة متهمة بسرقة منازل المواطنين بالخرطوم    فائدة مذهلة لصعود الدرج بدلًا من استخدام المصعد!    ضبط كميات كبيرة من الخمور المعدة للبيع بمروي    الانتباهة: تفاصيل أخطر عملية نهب مسلّح بالخرطوم    محامي قاتل الإعلامية شيماء جمال ينسحب من القضية    القبض على متهمين بنهب مواطن تحت تهديد السلاح الناري شمال بحري    السودان.. إعادة طفلة إلى أسرتها بعد بيعها بخمسين ألف جنيه    أم محمد.. (ولدك يمين يكفينا كلنا مغفرة)!!    الرياض تستضيف المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون نوفمبر المقبل    جمعية الروائيين السودانيين تصدر صحيفتها الالكترونية    الأمطار تغمر المسرح القومي ودمار لعدد من النصوص التاريخية    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    د. توفيق حميد يكتب: هل مات أيمن الظواهري قبل قتله في أفغانستان؟    الرئيس السريلانكي السابق في تايلاند    عبد الرحمن عبد الرسول..ولجنة تكريم فضفاضة ؟    حادثة "هاوية نهاية العالم" تثير ضجة في السعودية    الموفق من جعل له وديعة عند الله    ال(إف بى آى) تُداهم منزل دونالد ترامب في فلوريدا    الأمة القومي يُدين ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفيتوري ... عريان يرقص في الشمس

طه يوسف حسن. جنيف


في زنجيته وغربته، كان الفيتوري ضائعاً، بلا هوية، بلا وطن، يستشعر اللامكان وطناً له، فسحته السماء البعيدة، وحدوده فوق الزمان، فكان لونه حداً فاصلاً بينه وبين العالم، والدماء التي تجري في عروقه تشده إلى غير وطن معروف فهو عربي ليبي، وسوداني مصري، وهو الزنجي ربيب الغابات، وحقول الكاكاو مجردا من اي اضافات ... هذا اللهب الشعري الثائر خرج من غابات افريقيا تلك القارة التي تحيط بها ظلمات الجهل و آفاق الاستغراب.

في زيارتي لبلاد المغرب خلال شهر رمضان المبارك لم تصرفني مدنها العريقة مراكش و أقادير و الدار البيضاء عن زيارة الشاعر محمد الفيتوري في ضاحية سيدي العابد التي تتكئ في هدوء على ساحل المحيط الأطلسي على بعد بضعة كيلومترات من الرباط العاصمة الادارية للمغرب في بيت جميل رائع يتنسم شعرا ويستنشق رائحة المحيط جلس الفيتوري على الكرسي وهو متعب ، بدا واضحاً أنه يغالب آلامه اعتلت على وجهه ابتسامة عريضة عندما رأي صغيراتي إيلاف و أسيل حاول جاهدا ان يعبر عن وجوده وحضوره العقلي و البدني عندما اقتربت منه لألقي عليه تحية السلام.


محمد مفتاح رجب الفيتوريي الذي صنع جزء من وجدان الشعب السوداني، وجدته في زيارتي له قبيل عيد رمضان نصف مشلول في داره بعد ان أصيب قبل مدة بجلطة دماغية نتج عنها توقف يده اليمنى عن الكتابة يعيش بنصف ذاكرة ونصف هوية بعد ان سحبت منه ليبيا الثوار الجواز القذافي بعد ان عمل فترة طويلة في سلكها الدبوماسي يعيش بلا مورد يجتر أحزاناً، يتعايش مع الآلام بنصف ذاكرة . يقتات شعرا ترتله له زوجته المغربية (رجات ارماز) يسكن فيلا أطلق عليها إسم أبنته " أشرقت" ذات الخمسة عشر سنة . يعيش بعد أن أقعده المرض في ضاحية سيدي العابد بالقرب "تمارة" يناجي البحر بهمس وصمت بعد ان فقد النطق، علاقة محمد الفيتوري مع البحر قديمة منذ أن أمضى طفولته في الإسكندرية ، دخل البحر قاموسه الشخصي.

الفيتوري الوجه الابنوسي الذي نسجته الأقدار ليدخل دائرة التاريخ شاعرا ملهما ودبلوماسيا محنكا نشأته ورحلته الطويلة مع الأدب والسياسة والصحافة جعلته "شاعر التخوم" لا ينتمي إلى وطن نهائي، فهو يقيم على تخوم الخريطة العربية والأفريقية، وعلى تخوم العروبة والزنوجة فهو لهيب من الدم العربي الصحراوي المكهرب بقضايا أمة مازالت في حالة موت سريري منذ نصف قرن ليشكل الفيتوري بذلك حالة فريدة من الانتماء للونين مختلفين وتاريخين يصعب المزج بينهما.

دنيا لا يملكها الا من يملكها
أغنى سادتها الفقراء

الغافل من ظن الاشياء هي الاشياء
و العاقل من يأخذ منها على استحياء

وهنا ندرك أن سر هذه الحرارة في قصائده التي يشكل فيها التصادم والعناد والصرخة إيقاعا يكاد يكون منتظما، هي بسبب الجمرة الأفريقية في دم الفيتوري التي مازالت متقدة تلتهم عواطفه وتثور معها أحاسيسه مع مأساة انتعال ذلك الجسد الأفريقي كما عرتها رواية الجذور.

عاش الفيتوري فترة "فراغ إبداعي" منذ أواخر التسعينيات، وكغيره كانت الإحباطات السياسية والهزات التي شهدتها الساحة العربية سببا رئيسيا لذلك إضافة إلى المرض الذي أصابه.


انحسرت الأضواء عن الشاعر السوداني محمد الفيتوري بسبب ما نعانيه من اختلال فى القيم الجمالية واضطراب فى موازين الحياة، ولم تعد وسائل الإعلام تذكره إلا بإشاعات عن وفاته تتناقلها مواقع الإنترنت علما بان الشعراء لا يموتون.

في رحلة عمره وجد الفيتوري نفسه مثل عصفور غريب يتنقل من غصن الى غصن، ، لا يعرف أين هو بالضبط. احيانا فيالاسكندرية، حيث مراتع الصبا. و تارة في القاهرة حيث نقطة الإنطلاق في عالم الشعر الفسيح و اخرى في الخرطوم في ستينيات القرن الماضي حيث ذكريات درب القمر و المفكرة الريفية وصناعة القلم وبيروت في ثمانينات القرن الماضي حيث العمل الدبلوماسي والمناورات السياسية و اخيرا الرباط التي جاء اليها في منتصف الثمانينيات، وشاءت الأقدار أن يبقى فيها حتى الآن بعد أن أقعده المرض.

حصل صاحب "أحزان أفريقيا" على جنسية وجواز سفر ليبيين، بعد أن سحب منه نظام جعفر النميري جنسيته السودانية وجواز سفره. وعمل مستشارا ثقافيا في السفارة الليبية بإيطاليا، كما شغل منصب مستشار وسفير بالسفارة الليبية ببيروت، وعمل أيضا مستشارا سياسيا وإعلاميا بسفارة ليبيا بالمغرب و الان بلاهوية وعدت السلطات السودانية بمنحه جواز سفر سوداني ولكنها حتى الان لم تفعل و لعمري ان استخراج جواز لا يكلف الدولة غير بضعة ساعات ولكن ياترى كم يكلف مخاض قصيدة كتبها الفيتوري عن وطنه السودان.


في ديوانه الجديد الذي حمل عنوان "عريان يرقص في الشمس" وهو اخر عمل فكري له نجده يرقص عريانا في رسالة استهزاء بكل تابوهات الوجود في هذا الديوان الجديد الذي يشكل بعدا خياليا واسعا بدءا من الرقص إلى استخدام مفردة الشمس مع العري من مبدع تجاوز السبعين من عمره.

بعد رحلة إبداعية طويلة، ما زال محمد الفيتوري يتنفس شعرا رغم أنه لا يكتبه، ويتوق الى أن يعود للكتابة، فقد كان مبدعا ملتزما بالمعنى الإنساني للكلمة ومناضلا ومنحازا للإنسان أينما كان، وشاعر أفريقيا العربي بامتياز.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.