بعد ساعة واحدة من وداع فريقه لدوري الأبطال.. نائب رئيس نادي الهلال "العليقي" يعلن استقالته وإعتزاله العمل الرياضي بتدوينة مؤثرة    «سلمان للإغاثة» يوزع (6800) كيس من الأرز في السودان    شرطة الرياض تضبط 7 مقيمين باكستانيين لممارستهم التسول    وفاة روبرت مولر المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي    تطور في حالة هاني شاكر الصحية.. تحسن كبير ويعود إلى مصر قريباً    أسرار الخبراء لشعر يبدو أكثر كثافة فوراً    شاهد بالفيديو.. الفنان محمد بشير يشعل حفل جماهيري في السعودية حضره جمهور غفير بالأغنية الشهيرة "بلبلة بلبلة"    استبعاد قائد الأخضر سالم الدوسري من معسكر جدة بسبب إصابة في الركبة    هزيمة الهلال السوداني.. نهضة بركان وصن داونز يكملان عقد نصف نهائي دوري أبطال أفريقيا    شاهد بالفيديو.. الفنان محمد بشير يشعل حفل جماهيري في السعودية حضره جمهور غفير بالأغنية الشهيرة "بلبلة بلبلة"    آخرها سفاح التجمع.. أفلام منعت بمصر بينها عمل لعادل إمام والجندي    "لم تفارقه طيلة مرضه".. رسالة بخط عبدالحليم تنشر لأول مرة    صقور الجديان تواجه الأخضر السعودي في (فيفا دي) مرتين    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تعبر عن غضبها من ظاهرة خطف الأطفال لأموال النقطة من المطربين: (الأمهات بحرشوهم واتكلمت مع واحدة منهم)    السعودية تطرد الملحق العسكري الإيراني ومساعده وثلاثة أعضاء في البعثة الدبلوماسية وتعتبرهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم    مناوي: تعيين أمجد فريد يعكس توجهاً لتجديد العمل السياسي في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. تحت مسمى "حق الملح".. سوداني يهدي زوجته أطقم من الذهب الفاخر تقديراً لوقفتها ومعاناتها في تجهيز مائدة رمضان    4 كلمات.. رونالدو يبعث برسالة لجماهير النصر    تنفيذي الخرطوم: توفر الوقود وغاز الطبخ وعمل المخابز والمواصلات خلال اليوم الرابع من عيد الفطر    عثمان ميرغني يكتب: كيف نصنع "النخبة" السياسية.    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأهلي المصري يعلن إعادة تقييم وهيكلة قطاع كرة القدم في النادي    "تمبور" يتحدّث عن خطوة الميليشيا بفتح جبهة جديدة    ريجكامب: علينا أن نتطلع للأمام رغم قسوة هذه الليلة. يجب أن نكون أقوياء وننظر إلى المستقبل    السوباط: استقالة العليقي مرفوضه وادعو الجماهير للتماسك    طهران ترد على تهديدات ترمب    خطوبة ملك أحمد زاهر من نجل الإعلامي عمرو الليثي    ابتكار يعيد الحياة لوظائف البنكرياس    دراسة تؤكد تأثير صحة الأب على الحمل والجنين أكثر مما كان يعتقد    الأطعمة فائقة المعالجة تقلل فرص الحمل لدى النساء    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حروف من ذاكرة الحنين: في ربوع الطيب صالح: عبقرية المكان .. بقلم: د. عبدالرحيم عبد الحليم
نشر في سودانيل يوم 19 - 06 - 2018

بالنسبة الى تلاميذ السنة الرابعة بمدرسة كورتي الأولية في ذلك اليوم من أيام الستينات، كان ذلك اليوم من أيام الجمعة يوماً خاصاً بالنسبة اليهم. لقد بدا عليهم فرح طاغ فوعد أستاذ عبد الله القادم من بلدة قنتي سيتحول بعد سويعات الى حلم بأخذهم في رحلة مدرسية طويلة الى «الدبة». انهم طلاب العام الرابع ومن حقهم على المدرسة التي تعود الناس منها انجاح جميع الطلبة في رحلتهم الى المرحلة الوسطى، أن تتيح لهم من الرفاء ولو كان عنتاً على ظهر لوري «الهوستن» الذي سيقوده سائق قدير من قرية الغريبة القريبة من كورتي اسمه «علي أحمودي». ثم أن يوم الجمعة ليس عادياً في أدبياتهم فهو يوم الراحة من عنت الحساب الأملائي وسياط الناظر عثمان أبو شوك المحرقة، وتلك سياط كانت أشجار النيم الضخمة بالمدرسة وفية في انتاجها مثلما كان النسيم القادم من صحراء بيوضة وفياً في حمل شذاها المعطر بالخوف والرهبة في نفوس التلاميذ الى الأثير. ويوم الجمعة بالنسبة للتلاميذ يوم يشوبه حنين غامض وآسر الى أزمنة السفر الى المدن البعيدة، فالباخرتان «الجلاء وكربكان» تمخران عباب النهر ما بين كريمة ودنقلا وتمخران بذلك عباب الطنابير الحنونة للعاشقين، اذ هي تتخطف رموش الحبيبة بعيداً الى البنادر:
يوم الجمعة ودع وقام
وخلا أعضاى تزيد آلام
هذا مثلما للجمعة حضور آسر بالنسبة الى المصلين في جامع كورتي العتيق القديم، اذ بنهاية الصلاة ومبتداها يخضب الشيخ ود النقيب المكان بنذر من «النور البراق»:
فيا ربنا بارك وصل وسلما
على المصطفى والآل والصحب دائماً
صلاة تفوق المسك عطراً مفخماً
إن الأذن العاشقة التي يطربها النور البراق والأنف العاشقة التي يأتيها عبير النيم والسدر والسيسبان والطلح الصباحي القادم من نسائم بيوضة ووادي المقدم هي أذن خبيرة بأسرار أصوات اللواري وتنغيمها الحزين وهي تجاهد لتفك عجلاتها الضخمة من اسار تلال الرمل العاتية على الضفة الأخرى للنهر، اما قادمة من كريمة لتفرغ حمولتها من القادمين بعد غيبة أو متجهة اليها لتفرغ جوفها في عربات قطار البخار العتيق في رحلاته الطويلة عبر الصحراء تارة مفارقا للنيل وتارة مقترباً منه محيياً ومغازلاً ومرافقاً قبل أن يتوقف ليملأ الكماسرة أزيار الماء الضخمة لدى سندة أو محطة كبيرة. قطار تفوح من عرباته رائحة اللحم المحمر والقراصة المتمرة زاداً للمسافرين وشنط الصفيح الملأى بطحين القمح وقوارير السمن وأكياس الفول المصري للأحباء هنالك في العواصم. تلاميذ مدرسة كورتي الأولية في اتجاههم الى الدبة انما يعبرون القرى كغيرهم من الذين كتب عليهم السفر كما كتب على الذين من قبلهم، فالترحال الى جوف المدن البعيدة أصبح قدراً في مكان كان مصدر استقرار وخيراً للناس في أزمنة سحيقة. ان عبور القرى شيء يستوي فيه التلميذ وسائق اللوري في تلك المنطقة والعاشق كحسن الدابي القائل:
أتكرن وأبقى فلاتي
وراك يا زهرة الشاطي
وتلاميذ مدرسة كورتي الابتدائية أنفسهم هم احد نتاجات ذلك السفر، اذ تجمعهم على اختلاف قراهم على ضفتى النهر داخلية المدرسة مثلما تجمع زملاء لهم يأتون من المدارس الصغرى المجاورة للدخول الى السنة الرابعة في فصل رابع مواز لصف المدرسة الرابع الأصلي واسمه «رابعة راس» . الضوضاء تسود المكان والطلاب يتحلقون بنفاذ صبر حول لوري الهوستن. البعض عهد اليه بتجميع الحطب مما يؤمنه الى ضباط الداخلية اعراب مجاورون مثل جقود العربي وآدم البوم وغيرهم. المساعد «جنقة» صورة ملازمة للوري قرية الغريبة كزملاء له على لواري الضفة الغربية للنهر وسائقوها عطاية وعبيد الله وجابر السواق وهنا على ضفة كورتي الى جانب علي أحمودي هناك أحمدي من منصوركتي وصابر جرا الذي خلده شاعر المنطقة الراحل عبد الله محمد خير . من زملاء المساعد جنقة على الضفة الأخرى عبد الغفار حاج خميس ورحمن ود حميد وطلب ود حوة وابراهيم قمرن وبشير اب اضنين وغيرهم وقليل منهم وجدوا فرصة الترقي الى سائقين. وبينما يعود الطلاب الذين قاموا بتحضير الحطب ووضعه على تندة اللوري، يكون آخرون قد تأكدوا من سلامة قرب الماء على حين يلوح من بعيد العم «مطر» الفراش قادماً بكبش ومستعيناً بحلل نحاسية ضخمة قامت الطاهية مكة وعواسات الداخلية اليمن وفردوس وسلامة سيدو بتنظيفها. الأستاذ عبد الله يشرف الآن على صعود التلاميذ الى ظهر اللوري . معظمهم بعمائم بيضاء قصيرة وجلاليب دمورية يظهر عليها بوضوح انتمائها الى القطن السوداني عبر بقايا البذرة اللاصقة فيها والمعبرة عن نفسها في شكل ذرات دقيقة تذكرك بقصيدة الشاعر التيجاني:
هذه الذرة كم تحمل في العالم سراً
ومع اكتمال صعود التلاميذ واغلاق المساعد جنقة لباب اللوري، يكون السائق علي احمودي قد أكمل وضع ملفحته وتحسس حقة الصعوط المستديرة في جيبه وله سكين مجلدة لا تفارق ذراعه وهنا يستدير اللوري حول الداخلية في دائرة يردد خلالها الطلاب حول حرم المدرسة وداخليتها نشيداً منغماً بصوت عذب جميل:
بلادي بلادي فداك دمي
وهبت حياتي فدى أسلمي
هذا قبل أن يعطي الأستاذ عبد الله محمد عبد الله الاشارة الى التلاميذ بتغيير النشيد الى مدرستي:
صباح الخير مدرستي
صباح الخير والنور
اليك اشتقت في أمسي
فزاد اليوم تفكيري
تحين انطلاقة اللوري للدخول الى مجراه قبيل قرية مقنارتي ماراً بشجيرات العشر والسلم والطلح وصخور الجرانيت والحجر الرملي التي تحيط بالمكان مروراً بلافتة تقول: «مدرسة كورتي الأولية تأسست العام 1938م» بمبانيها البيض على غير مبعدة من مباني المدرسة الوسطى وذاك حرم مبيض اللون يرقد ما بين صحراء بيوضة ويعانق خد النيل على شط رملي كظبي ناعس. ان اللوري الهوستن ليسجل في ذاكرته كلما مر بالنيل مثلما يمر القطار البخاري منظر مراكب شراعية تفرد أجنحة داكنة من حين الى آخر وربما كان من بينها مركب ود كرنقيل السفرية التي غابت عن المشهد منذ أن بدأ النهر في معاقرة مواسم الجفاف وتعفر خده بجزر رملية جعلت أشجار الطرفة والسنط تهب لتتسيد الموقف على حساب العمق والعذوبة هنا وهناك في مجرى النهر. ومع امتقاع وجه النهر بالجزر الرملية يهاجر الناس صوب المدن البعيدة حيث ينفض السامر ويرتحل العاشقون مدركين لآخر رحلات الجلاء وكربكان وعطارد والزهرة. ومع ايناع زهور الفول والقمح يكون موسم آخر قد بدأ في اعلان قدومه والناس هنا وهناك يقومون على التذرية ومن بعيد يسمع الطلاب المتجهين الى الدبة صوت ضراية بعيدة تهب من حصادها» للغاشي والماشي» تماما كما كان الجدود في مروي والبركل يقدمون موائد الشمس للعجزة والفقراء والمحتاجين في مملكة وقفت شاهدة على حضارة أمة أنتجت أحلى أساور ذهب في التاريخ ... مملكة مروي.
2
يكون للوري الغريبة بقيادة علي أحمودي أزيز يشوبه حنين خاص ويقولون هناك إن ذلك الصوت مبعثه ادخال علبة «كوز» صغير الى جزء بالماكينة فتحدث ذلك الأزيز المنغوم وما التنغيم الا جزءاً من حناجر المغنين والمداح. قبل شهر وقف صوت منغوم على مسرح مدرسة كورتي الأولية وكان ذاك صوت نبع من بين تلك الجزر والتلال .. اسحق كرم الله:
النار أم لهيب جذابة
يا زهرة جناين الغابة
لم تكن أغاني اسحق كرم الله ببعيدة عن اللوري المتجه الى الدبة. على «تندة» اللوري أمسك المساعد بشير اب اضنين طنبوره ليكسر رتابة الأناشيد المدرسية التي جفت من كثرة ترديدها حلوق التلاميذ:
شفتلي زهرة واقفة فريدة
العشاق قالولي عنيدة
برضك يا قليبي تريدا
ربنا في جمالا يزيدا
في تلك اللحظة يكون اللوري قد مر على كوخ اعرابي ملتح صامت منعزل يعرف عنه اصطياد الثعالب وذبحها ولربما عاجله بعض أقياء الطلبة من بعيد... آدم صبرة... آدم صبرة وربما تكون المشاغلة صادرة عن اعرابي قصير يدعى عبد الله ود أبخشيم فيبادر هو الى اشباعهم شتماً ولعناً من بعيد قبل أن ترتاح عجلات اللوري الهوستن في مجراها أسفل قرية مقنارتي، جواري وأم بكول. هذه محطات يتحد فيها الصخر والنخل والنيل والصحراء ليكون الناتج انسان هذه المنطقة في هذا الشمال الغامض الساحر الحزين الذي اختزل كل المواسم في موسم واحد هو موسم الدميرة، حيث يحمر خد الضفاف وتكتنز نخلة في عيد لقاحها الأول بسبائط البركاوي وبت تمود وينقل النسيم العابر أصوات الطنابير والآذان وأعياد الحصاد وصيحا ت وأهازيج المحتفين به. وقد ينقل الى الناس من بعيد ذات ليل من حسن الدابي طنبوراً بعيداً:
التمودة الوسط الشتل
ياخي لا راسا بتتوكل
3
يتيح لوري الغريبة في عبوره للمنحنيات الضيقة الرملية منها والصخرية للتلاميذ المرتحلين الى الدبة، رؤية النهر حاسر الرأس عند كل جمال منحسراً عن الضفاف في وقفة حساب بين الصادر والوارد بين النهر والطبيعة منذ بداية تعاقده على مد الطبيعة بالخصوبة والعذوبة يخلف بعدها على الجروف حناء سميكة من الطمى. وقد يئن اللوري الضخم أنيناً محزوناً حين تنغرس عجلاته الضخمة في شرك من كثيب رمل مخادع فيهب المساعدية جنقة وبشير اب أضنين الى رمي «صاجاتهم» الثقيلة ببراعة وسرعة لإقالة اللوري الأسير من عثرته وتخليصه من الرمل بعد جهد جهيد. على الضفاف صبية يغيرون مواقع «الجبابيد» للحاق بالماء وزهور الفول واللوبيا والترمس تغازل الحفر باطلالات خجولة ملؤها الحمد والرضاء لموسم فيضاني مبارك. أصوات ماكينات الرى تهتف مرسلة الى أعماق الحيضان ماء أٍرجوانيا داكنا الى حيث يريد الله تعالى للزروع والضروع أن تدر وتنمو. ان بشير أب اضنين عادة كلف مدنف بأغاني وردي واضحاك التلاميذ في سوق كورتي بطريقته المضحكة محاولاً تقليد الفنان الكبير ولكنه واللوري يجتاز منحنى ضيقا بعد أم بكول ليدخل قرية كرمكول ليعبر طولها الموازي للنهر بنحو ثلاثة كيلومترات من الشمال الى الجنوب يغير لحنه فجأة الى مديح. قبل برهة كان أب اضنين يجري على طنبوره نغماً قديماً من أغاني المنطقة:
يا قصيبة حمد الملك
يا الأبوك رباك بالضحك
عمرو ما نهرك وزعلك
يا الله هوى
ليلي انا
رحلة طلاب كورتي الي الدبة في الزمن الزاهي....
----------
كنا نراه الآن يمارس عادته في الانتقال المفاجيء من موضوع الى آخر في منتقلا الى المديح دون تنبيه والأستاذ عبد الله مرافق الرحلة يتغاضي عن سلوكه مادام في ذلك تخفيفا من مشقة أن تسافر من كورتي الى الدبة عل متن ذلك اللوري :
صلاة في سلام
على قوس الأنام
مجير الكرب طه
اذا ماج الزحام
محمد من تحلى
بأوصاف الكرام
ربما الذي أهاج خواطر المساعد بشير وحرك حنينا عارما داخله هو رؤيته لتلك القباب البعيدة التي تطرز ثنيات تلك القرية "كرمكول". ان مايدهش في هذه القرية ليس وداعتها ولا قدرتها على امساك الصحراء من رسن وامساك النيل من عنان آخر وكأنها تدرك رسالتها منذ الأزل في خلق ذلك التوازن الأخاذ بين الحياة والفناء ، ولا قدرتها السحرية على البقاء وقد تمايل نخلها العجوز هرما وتهاوت سقوف البيوت واستكانت أشجار الدوم الطويلة لهجعة أبدية فصارت منقعرة ترقد في أسى لتسد ممرات القرية. ان المدهش في القرية هو أن تتخذ من التوازن طابعا لها فهنا تتمازج أصوات المادحين والمغنيين وبركات التلاوة ومقامات الانشاد وعبوس المواسم وابتسامات الغيوم . وبين هذا وذاك يحوى المكان صدى عطرا عماده مجموعة آثار قديمة من بينها قصر "المانجولك" ذلك الاسم النوبي الذي اقترن بالمملك القديمة في الشمال اضافة الى تركة العمد الذين شغلوا جزءا من روايات الطيب صالح . ولئن قال التيجاني في هذه الأمة :
هذه أمة يفيض بها القيثار فاسمع شجونه وانكساره
فهذا اقليم يفيض بالعمد والمشايخ ... فهناك آل وقيع الله في جلاس وآل كمبال في كورتي وآل أبو شوك حيث توجد رئاسة فرع البديرية في قنتي وفي كوري ومورة والتكر هناك العمدة أب كروق وفي الأراك العمدة حسن طه سورج. وأؤلئك هم من يولمون لحاج الماحي وود حليب والمادحين العابرين مثل حاج حمد الذي ولد مع ميلاد حرازة حمد في جلاس مع انطلاقة الدعوة المهدية وتلك حرازة يكاد حجمها أن يصل الى حجم تبلدية هائلة تقف شاهدة على أن الرجال في هذه المنطقة كالأشجار تؤرخ للتأريخ وللوطن ولدورة الحياة وتاريخ الابداع البشري فيها .أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟؟. ان الرمز الكبير الطيب صالح مدرك لعبقرية هذا المكان فوجود أهله هنا كما يقول له تراكماته الانسانية ووشائجه ذات التأثير العميق على العالم قاطبة . في زيارته الى سد مروي في عودته التاريخية الى الوطن ، وقف مع الصفاقين مشدودا" بحمحمة الصفاقين" على حد تعبيره. انه هنا يرى الموج العاتي يخرج من بين ثنيات السد العظيم ليفيض الى حيث ينتظر نخل عجوز في كرمكول لم يتمايل يوما سفاهة وان عم الخراب وانفض السامر وارتحل العشاق وخلت الديار.
5
تبدو هذه القرى الواقعة على ضفتي النهر وكأنها اتحدت فيما بينها على الصبر الجميل والزهد و الحزن و مثلما اتحدت على انبات الصالحين والأولياء والشعراء والكتاب. تستطيع من على تل صغير في كورتي أن ترى في خاصرة جبل الصلاح "كلنكانكول" قبة السيد محمد على العجيمي حيث يبدو لك جسمها المخروطي الفضي الصقيل كصاروخ معد للانطلاق نحو السماء . ان الصورة لتكون أكثر اكتمالا حين يأتي داخل اطارها جبل كلنكانكول فيبدو وكأنه اتفق مع النهر على الاشتراك في ضم القرى على الضفتين ضمة حنونة فتصنع القرى بين النهر والجبل اطارا دراميا يرمز للانسان الآتي من هذا المكان فهو في رحابة النهر وصلابة الجبل. ان الطلاب المتجهين على متن لوري الغريبة من كورتي الى الدبة يعرفون على صغر سنهم اتساع هذا الاقليم الشمالي الآسر. ربما كان مبتدا أقليم الطيب صالح من مروي ، البركل ، الكرو، الدهسيرة الأراك ، الحجير ، المقل ، الكرفاب ، البرصه وأم درق والبار وجلاس وهنا على ضفة كورتي مساوي وأوسلي والباسا والغريبة والحلة البيضاء وكورتي وهنا تور الأراك وخلاوي الغريبة والبرصة وهنا الشيخ الفقير ود محمود في الأركي والحسن ود حمد خير وخدر حجروهنا حاج عيسي اب قرن والشيخ حسن ود بيل جد الأستاذ محمود محمد طه. هنا ضريح الشيخ ود الكندري الذي أرادت المشيئة أن يأتي عابدا زاهدا ليكون ضريحه البسيط قرية الأركي لدى درب الترك . هنا النعام آدم واسماعين حسن وهنا بلاص وبندة ومحمد كرم الله . من صحراء الهواوير جاء الفنان النعام آدم الى هذه المنطقة قبل مايربو عن ستين عاما لينتقل بها من حداء الصحراء مشعلا فيها حنين النوق عبر الربابة مغنيا عبره للحبيبة والوطن ومشاعل الشوق الجارف الى خدود الحبيبة التي لمعت كبارق ثغر متبسم . ولئن كان غناؤهم في كورتي تقبيلا للرماح في أول انكسار لجيش الترك الغازي فهذه أيضا من بركات الأولياء الصالحين في هذه المنطقة ... حاج الماحي وطبول الأحمدية وراياتهم من خلال خلوة الشيخ أحمد صالح فضل في مورة . هنا حيث يمدح الصبية منشدين :
وقال آنست نارا
ليلا فبشرت أهلي
قلت أمكثوا فلعلي
أجد هداى لعلي
ولكنهم أيضا يمسكون برباباتهم " سمح الزى الباري أمو دابو جدي" و "المنقا منقولا " و "أسفاى " . في فضاءت هذا الاقليم الساحر الغامض ، لقد صنع الطيب صالح ابداعه بعد ان تهجى حجارة الأسوار في البركل ويقف متأملا لجماليات الخط المروي في الكرو واختزنت روحه سر هذا النقش البديع وأسراره الغامضة الموحية . انه يتأمل قسمات الأجداد على تلك الصخور شاربا من محاية الابداع لدى أبي دماك وعاشقا حاضرا عبر المكان لمناسبات القرابين في دير الغزالة ثم أنه يختزن عند رجوعه من لقاء التاريخ في معبد الكرو محطاته ونقوشه الأثرية الموحية أنفاس طار بعيد ربما كان قادما من الضفة الأخرى عابرا الى أذن الطيب العاشقة مع أصوات القمري وحنين الأسلاك وخرير الجداول . هنا حيث خلد الوتر الطار وحيث صار الوتر وسيطا بين عيون المحبوبة وعالم السياسة ، حيث كانت مباريات العشق والعاشقين بين حسن الدابي وخدر محمود وعبد الله محمد خير وهناك كان للنعام آدم على أضواء القمر والرتائن حديثا الى الحبيبة:
من نيرانا محروق
قلبي شاتلنو على الشروق
نظرة من عينيكي الزروق
ترهب المحجوب وزروق
ومن المكان هذا كانت ضربات قلب العاشق تعبر حجب الزمن والمسافة لتعبر عبر الريح المرسلة مع جن سليمان من النيل الى التايمز حيث يحملها الشاعر حسن الدابي أثقال نقل أحمال الشوق وربما أوزاره الى حبيبة نائية :
قلبي بالدقات والأنين
تعترف وتشهدلو بيج بين
ولم يكن شاعرهم القديم في أغنية "ليلي أنا " التراثية الا عليما بمواصفات الحرير الراقي حتي لا يغالطه مغالط يأتي بنوع أجمل لا يتوفر لدى المعشوقة فحريرها أنعم من ذلك الحرير القادم من هضبة التبت:
يا حرير الصح مو "تبيت"
سيدو قال بالأمتار أبيت
هنا حيث ترتاح اللغة الفصحي في مجاريها البيانية طيعة سلسة في حديث الناس في اقليم عرف الناس فيه بالتصغير حبا أو تعظيما :
ابقى زرزورن "غتيت"
وانقد أم راس في" السبيط "
هذه أرض جاء عنها في عرس الزين " رائحة الأرض تملأ أنفك فتذكرك برائحة النخل حين يتهيأ للقاح . الأرض ساكنة مبتلة ولكنك تحس أن بطنها ينطوي على سر عظيم كأنه امرأة عارمة الشهوة تستعد لملاقاة بعلها"
أنظر الى هذا التصوير السينمائي الناصع في بندر شاه" حيث أورده الدكتور حسن أبشر الطيب في "الطيب صالح : دراسات نقدية:
كان القمر يبتسم بطريقة ما وكان الضوء كأنه نبع لن يجف أبدا وكانت أصوات الحياة في ود حامد متناسقة متماسكة تجعلك تحس بأن للموت معنى آخر من معاني الحياة لا أكثر. كل شيء موجود وسيظل موجودا . لن تنشب حرب ولن تسفك دماء وسوف تلد النساء بلا ألم والموتى سوف يدفنون بلا بكاء"
6
مساعد لوري الغريبة الذي يحمل تلاميذ مدرسة كورتي الى الدبة وان سمى بشير أب اضين الى أن بصره الثاقب حمل اليه من بعيد قباب الدواليب في كرمكول واستلهام الآثار الصوفية في هذا الاقليم العبقري يكاد أن يستوي فيه الناس لكنه عند أديبنا العالمي يبدو أكثر نصاعة على حد قول الدكتور محمد ابراهيم الشوش. يستلهم رمزنا العالمي ذلك الأثر الصوفي فيسلط اشعاعاً قوياً على طاقة الحب الذي لا يعرف قيداً أو حداً عبر العديد من شخوص رواياته وكرامات النخلة وأضرحة الأولياء والأسرار الصوفية الغامضة المبهمة في شخصيات مثل الحنين وأضرحة الأولياء ونبوءات الشيخ دوليب وما الى ذلك من ايحاءات صوفية عميقة . وكما يرى الدكتور طارق الطيب فذاك رجل يستمد عالمه الفني من الشفاهي في الحوار والشعبي في الوصف بلغة أصيلة وأسلوب حديث في التركيب من خلال معايشات دنيوية و تأملات وتوكلات قدرية. ونرى الطيب صالح وهو سقف الرواية في العالم يترنم بمديح حاج الماحي ويستشهد به ويبز به أقرانه واني لأذكر تلك المقابلة مع احدى القنوات الفضائية حينما أبدت له المذيعة استغرابها من تملك السوداننين من ناصية اللغة العربية ليكون جوابه شافيا "بل الغريب ألا يكونون كذلك ". ان رمزنا العالمي يترنم بمديح حاج الماحي متسائلا " من كان يظن أن صوت الماحي سيصل بعد أكثر من مئة عام الى ضفاف السين؟" حين وقف أحفاده في فرقة من المنشدين في معهد العالم العربي في باريس "في جلاليبهم البيضاء وعمائمهم وعباءاتهم يضربون على دفوفهم وينشدون من شعر حاج الماحي بتلك الأصوات الرنانة المقنعة المملوءة بالشجن والحبور والحزن كأنها أنهار تتدفق من منابع سحيقة من أعماق التاريخ:
عيب شبابي الماسرح والله لابشوقن جرح
قام العبيد من نومو صح لقى جنبو لبنا في قدح
سمى وشرب زين اتنتح حمد الاله حالو انصلح
جد في السؤال لى ربو لح قال يا كريم بابو انفتح
7
عدما بلغت رحلة تلاميذ مدرسة كورتي الأولية تمامها على شاطيء النيل في الدبة ، تجمع التلاميذ في ظلال تلك أشجار الجميز الضخمة حول حلة كبيرة أحكم فيها الفراش أحمد مطر وضع لحم الخروف وعلى الشط حمل التلميذ فيصل خدر طنبوره:
يا راحل جفيت مالك
نسيت والله انشغل بالك
كأوزة عملاقة أقبلت الباخرة كردفان تشق عباب الماء الأرجواني في رحلتها نحو الشمال وعلى الشط صبي مشاكس يلقي بسنارة طويلة الى عمق النهر ممنيا نفسه بصيد ثمين وهاتفا :
يا عشا البيت يا قطع الخيت
يسعجل أستاذ عبد الله التلاميذ وقد انتصف النهار للاستعداد لزيارة مدارس ومعالم مدينة الدبة . سيكون رجوعهم الى كورتي عصرا وعندما يكبرون سيذكرون أنهم مروا عبر مولد الرمز العالمي في كرمكول . تمنوا لو عاد بهم الزمن لكى يروا مرة أخرى دومة ود حامد عند مدخل القرية قبل أن يجتازها اللوري عابراً تلك الانحناءة الضيقة بين النيل والجبل الى مدينة الدبة. لربما يقرأون له مستقبلاً "المضيئون كالنجوم " ويسافرون معه عبر حواضر العالم . ولربما ا ستمعوا اليه في ساحات منتديات الثقافة في المربد وأصيلة والجنادرية، فرمزنا هناك هو حديقة الورد العربي المزهر حيث يكون القوم صرعى بقوارير سياحته الساحرة المدهشة في فراديس المتنبي والبحتري والمعري من دون أن ينسى عبقرية أهله في ساحات الغناء العاشق:
الزول السكونو قشابي
طول الليل عليهو أشابي
8
يرحل الرمز الى عالم الخلد ليكون القدوم النهائي موحياً مثلما كان المولد في حياته المبدعة المثيرة المليئة بالجلال والجمال وفي عودة هذا البطريق المسافر عبر أزمنة الابداع والتميز يأتي الى الوطن ليقول له : يا سيدي الوطن اليك يكون المنتهى وهأنذا في سدرة منتهى حبك أرخي عنان فرس حبك الجامح ومثلما حضنتك بين ثنايا روحي فاحضن جسدي أيها الوطن الدافيء أما روحي فستظل هائمة طائفة حول ذرات مائك وثراك . ان روحي مكانها أنت أيها الوطن وستظل صادحة بحبك الى يوم النشور.حروف من ذاكرة الحنين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.