مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تعددت وسائل الإعدام والموت واحد ... بقلم: بدر الدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 11 - 03 - 2010

تواترت الأخبار القادمة من انجلترا (بي بي سي يوم الفاتح من مارس هذا العام) باحتمال إطلاق سراح بيتر سوتكليف ذلك السفاح الذي كانت وسائل الإعلام تطلق عليه في نهاية سبعينات القرن الماضي لقب "سفاح يوركشير"، والذي تخصص في قتل البغايا اللواتي كان يستدرجهن لأماكن نائية ويقضي منهن وطرا ثم يقتلهن خنقا (على الأرجح)، وأشاع في البلاد موجة من الرعب والترقب امتدت لسنوات طويلة قتل أثناءها 13 نفسا وحاول قتل سبعة أخريات، قبل أن يلقي القبض عليه ويحاكم ويودع السجن في عام 1981م لثلاثة عقود من الزمان. ثم ثبت في عام 1984م أنه مصاب بانفصام الشخصية. وحتى لو ثبت أو لم يثبت أنه كان مريضا بعلة نفسية/عقلية فإنه لم يكن ليعدم، إذ أن عقوبة الإعدام قد ألغيت في بريطانيا (وغيرها من بلاد العالم الأول) عدا بعض الولايات في أمريكا مثل نبراسكا وتكساس). وفتح قرب موعد إطلاق سراح السفاح الجدل من جديد في وسائل الإعلام والمنتديات الأسفيرية عن عقوبة الإعدام وعن ضرورة بقائها أو إلغائها. وفي بحثي عن ما كتب عن أمر الإعدام في الأدب العلمي الرصين عثرت على كثير من المعلومات في الشبكة العنكبوتية، ووجدت مقالا منشورا في المجلة الطبية للجمعية البريطانية الملكية (وما أدراك ما هذه الجمعية العريقة التي نشأت أول ما نشأت عام 1737م) العدد 102 والصادر في عام 2009م يتناول تاريخا مختصرا لوسائل الإعدام عبر العصور، وعن تطور هذه الممارسة مع تقدم العلم والطب. وكاتب هذا المقال هو د/ توماس بيولي، وهو بريطاني به حس ساخر مميز يتميز به كبار متعلمي تلك الجزيرة الملكية، فالرجل يبدأ بشكر ابنته لقراءتها ومراجعتها لمقاله، ويشكرها علي تخفيف قوله الثقيل (والمسيء) في حق الصينيين والأمريكيين!
بدأ د/ بيولي بالقول أن عقوبة الإعدام ظلت عبر العصور هي العقوبة القصوى لكثير من الجرائم الخطيرة، بيد أن معظم دول العالم (مثل دول الاتحاد الأوربي، بعض دول أمريكا اللاتينية، أستراليا، نيوزيلندا، جنوب إفريقيا ، كندا، الفلبين، وتركيا) قد ألغت هذه العقوبة (لست متأكدا من أن الكاتب يعلم عن وضع هذه العقوبة في دول العالم والثاني والثالث، والتي أظن - دون تحقيق- أن كثيرا منها مازال يطبق هذه العقوبة).
ظلت عمليات الإعدام في الماضي مرتبطة بكثير من البربرية التي لم تكن تكتف بالموت (فقط) كعقوبة نهائية كافية، بل تزيد عليها مزيدا من القسوة مضاعفة للعذاب. ومن أمثلة ذلك الموت بتجرع السم (كما في اليونان القديمة) أو الرجم أو الصلب، وهو موت بطيء ومؤلم ومهين، والحرق، وقد كان وسيلة مفضلة لدي الكنيسة الكاثلوكية في أسبانيا لمعاقبة الزنادقة، واستعملها البروتستانت بدرجة أقل، إذ أنهم أحرقوا القديسة الفرنسية جوان (1412- 1431م). كذلك كان الهندوس يحرقون المرأة بعد وفاة زوجها (دون ذنب جنته طبعا). وبحسب ما جاء في "الموسوعة البريطانية" كان هنالك قانون في انجلترا (صدر في عام 1283م ولم يلغ إلا في عام1867م) يعاقب "الخونة" بالموت شنقا أوغرقا أو بربط أرجلهم بخيول مسرعة وجرهم إلي حيث المشنقة حيث كان المدان يشنق جزئيا وتشق بطنه وتجذب أمعائه بعنف وفيه رمق (بقية روح)، وقد تقطع أوصاله من بعد ذلك حتى يموت، فيحز رأسه ويعلق على رمح ليكون عظة لمن يتعظ، وعبرة لمن يعتبر. أو قد تربط كل يد ورجل عند "الخائن" بحبال غليظة تربط بإحكام في رقاب أربعة خيول تقف في اتجاهات مختلفة، ثم تؤمر هذه الخيول بالجري، فتجذب ثم تقطع جسد "الخائن" شر ممزق! طبق هذا النوع من الإعدام علي فرد من العامة حاول قتل الملك، ثم على أمير من ويلز أتهم بجرائم لا حصر لها ولا عد من بينها إدمان الخمر!
لم يكن فصل الرأس عن الجسد دوما وسيلة ناجعة، ومن أمثلة ذلك أن حز رأس الملكة ماري ملكة الاسكتلنديين استوجب تكرار محاولة الإعدام ثلاثة مرات قبل أن يتدحرج رأسها بصورة نهائية. صمم الطبيب الفرنسي جيليتون من بعد ذلك آلة لقطع الرأس كان يؤمل أن تتفادى مثل هذا النوع من المصاعب، وتحز الرأس بسرعة، بيد أن ذلك الاختراع لم يأت بالنتائج المرجوة تماما، إذ أن عملية قطع الرأس لم تكن دوما "نظيفة" تماما!
وعلى مر قرون طويلة كانت الوسيلة المفضلة للإعدام هي الموت خنقا، بينما لم ينال الإعدام بالغرق ذات الشعبية، على الأقل عند مشرعي ذلك الزمان. وكان الخنق يتم بواسطة وضع ياقة حديدية علي الرقبة وتضييقها شيئا فشيئا حتى يتم المراد، ومن أشهر من لقي ذلك المصير الحديدي التعيس هي زوجة الزعيم الصيني الشهير ماو تسي تونج الأولي.
بقى الشنق الوسيلة الأكثر شيوعا للإعدام، رغم (أو بسبب) أنه يسبب الموت البطئ (ومن أمثال العرب في الشنق هو: "إن الشقي بكل حبل يخنق"). قد كان المشنوق يرى حيا حتى بعد أن يسقط، ويظل يرفس ويتلوي ويختلج تحت المشنقة، إلى أن يتداركه أهله وأصدقائه بجر رجليه بقوة ليجهزوا عليه ويخلصوه من معاناته الأليمة. ثم أتى طبيب رحيم من دبلن بأيرلندا هو الدكتور (والقس) صمويا هاتون ساءه ما يحدث لمن يعدمون بهذه الطريقة فقام بعمل "أنشوطة" (عقدة في الحبل) وحساب الطول المطلوب تماما للحبل متناسبا مع طول المدان بالإعدام ووزنه، حتى يضمن فصل رقبته بصورة سريعة و"إنسانية". ولكن في حالات قليلة وعندما لا يكون المكلف بالإعدام ماهرا فإن المدان بالإعدام قد يموت خنقا وببطء معذب إن كان الحبل أقصر مما يجب، وإن كان الحبل أطول مما يجب فلقد ينفصل الرأس عن الجسد بصورة بشعة، تماما كما حدث لبرزان التكريتي الأخ غير الشقيق لصدام حسين. ومن عجب فلقد أثار هذا الأمر حفيظة بعض الناس الذين يبغون الكمال في الأمور كلها!
جرت في الولايات المتحدة محاولات عديدة لجعل عملية الإعدام "صحية" و"سلسة". فكر المسئولون في أن القتل بواسطة الصدمة الكهربائية هو الحل الأمثل للمشاكل التقنية التي تصاحب عملية الإعدام، إذ أن الصواعق والصعقات الكهربائية العرضية تقتل الناس بسرعة فائقة ودون ألم (فيما يبدو) أو "تعقيدات". بيد أن فريقا ألمانيا في بداية القرن الماضي بحث في أمر الصعقة الكهربائية وتوصل إلي أنها لا تؤدي الغرض المأمول منها، بل وسخروا منها قائلين أن سبب الموت في حالتها هو عملية "تشريح الجثة" التي تعقب "الإعدام"، وأن بعض من يعدمون بها يتلون ألما، أو تشتعل في أجسادهم النار، أو تحرق جلودهم وتفوح منها رائحة الشواء، ولم يكن هذا أمرا جيدا!
انتقل الألمان إلي نوع جديد من وسائل الإعدام هو القتل بالغاز. كانت تلك هي الطريقة المحببة للنازيين، والذين استخدموها "صناعيا" أي جماعيا خلال الحرب العالمية الثانية. مارس الألمان تلك الطريقة بحرفية عالية ومهارة شديدة وانتباه شديد للتفاصيل. كانوا ينقلون الضحايا بالقطارات إلي ما كانوا يسمونه "معسكرات العمل" حيث يقسمونهم إلي مجموعات يفصل فيها من كان قادرا علي "العمل"،والتؤام الأطفال لعمل التجارب الطبية عليهم، ثم تؤخذ البقية الباقية إلي غرف الغاز والتي كانوا يدعونها "غرف دش التطهير". كانوا يخبرون الضحايا بأنهم سيؤخذون لغرف الاستحمام ليأخذوا دشا (لطيفا)، بل ويطلبون منهم خلع ملابسهم ووضعها علي أوتاد مرقمة، ثم يعطونهم (إمعانا في التمويه) أقراصا عليها ذات الأرقام حتى تسهل عليهم عملية استرداد ملابسهم بعد الفراغ من الدش (اللطيف). وما أن تغلق عليهم الأبواب حتى يفتح عليهم – عوضا عن ماء ساخن- الغاز القاتل. لم يكن ذلك قتلا رحيما لعدد كبير من الأبرياء مكدسين في غرفة ضيقة، ولم يكن فعالا في كل الحالات، إذ كان واحد أو أثنين من "المحظوظين" يغمي عليه فقط، أو يتظاهر بالموت وينجح في الهروب لاحقا من المعسكر ويكشف ما كان يدور فيه من فظائع.
واصل الأمريكيون بحثهم عن وسيلة إعدام رحيم، فرأوا أن الحقن بمادة قاتلة هو أنسب الطرق لإعدام المدان دون كبير عذاب. في هذه الطريقة يتم الحقن وريديا بمادة مهدئة، تعقبها مادة تشل العضلات الهيكلية، ويختتم "العلاج" بمادة كلوريد البوتاسيم التي توقف ضربات القلب. وأيضا ثبت أن هذه الطريقة ليست ناجعة تماما، فلقد استغرق موت محكوم عليه بالإعدام في فلوريدا 34 دقيقة كاملة، كان خلالها يجفل ويرتجف ويلهث طلبا للهواء. وعندما أسلم الروح لبارئها، وجدت آثار حريق عند مكان الحقن، ولعل مرد ذك إلي أن الحقن لم يكن في داخل الوريد تماما (أي ليس في مجري الدم تماما، بل تسرب للأنسجة المحيطة بالوريد). ساد الاعتقاد بأن المحقون بهذه المواد قد لا يفقد الوعي والإحساس تماما قبل حقنه بالمادة التي توقف القلب، بل قد يظل واعيا ويحس بالألم وبما يجري حوله. لذا فقد أوقفت كثير من الولايات في أمريكا حقن المحكومين بالإعدام بتلك المواد ريثما يتم التثبت من الأمر، وللتأكد من دستورية الإعدام بتلك الطريقة.
يعترض عدد كبير من الأطباء في الولايات المتحدة على التدخل في أمور الإعدام باعتبار أن مهمتهم الرئيسة هي الرعاية الصحية وعلاج المرضي، رغم أن كثيرا من هؤلاء الأطباء يعالجون المحكومين عليهم بالإعدام من أمراضهم (خاصة الأمراض النفسية والعقلية) أولا حتى يتم شفائهم، ومن بعد شفائهم يتم إعدامهم! وإذا اعترض طبيب على المشاركة في علاج مثل هذه الحالات يلجأ إلى طبيب آخر (قد يكون أقل كفاءة أو علما) أو حتى لمبتدئ صغير.
يتم الإعدام عند العسكريين بإطلاق النار، ولكن قلما تكفي طلقة واحدة لإعدام شخص في الحال (تتبادر إلي الذهن هنا مشاهد الإعدامات الكثيرة التي جرت للعسكريين عندنا من صفوف اليمين والوسط واليسار،وعشرات الطلقات التي أطلقت (تقرأ أهدرت) علي جسد كل واحد من هؤلاء! ومشهد الشاب البرازيلي البريء تشارلس دي منزس المهاجر في لندن في صيف 2005م والذي صوبت الشرطة البريطانية نحوه بدم بارد ومن مسافة قريبة جدا وعلى رأسه فقط سبعة طلقات). يتم الإعدام عادة بإطلاق عدد من الجنود النار دفعة واحدة على العسكري المدان، ومن التقليد عند بعض الجيوش أن تكون ذخيرة أحد المشاركين في فرقة الإعدام "طلقات خلب" أي فارغة. وبعد الفراغ من إطلاق النار يأتي أحد الضباط ويتفقد من أطلقت عليه النار ليتأكد من موته، وقد يجهز عليه بطلقة في رأسه إن كانت فيه بقية من رمق.
ما زالت وسائل الإعدام في الصين سرا من أسرار الدولة لا تبوح بتفاصيله، رغم أن المراقبين يعتقدون بأن ثمة تحسن قد طرأ علي وسائل الإعدام هنالك. من المألوف في الصين أن تستخرج أعضاء من يعدمون (كالقرنية والكبد والكلي مثلا) لتستعمل في مرضي يحتاجون لهذه الأعضاء (ولا يعلم إن كان المحكوم عليهم أو المرضي يستشارون قبليا أم لا، وهذا شرط أخلاقي مهم). يسود الاعتقاد بأن هذه الأعضاء المسلوبة تباع لأثرياء السياح المرضي والمتنفذين في الدولة من كبار الساسة وغيرهم. غير أن بعض الأطباء في الصين قد عبروا عن شكوك تحوم حول سلامة أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام بواسطة الحقن الوريدي لمواد قاتلة، ويفضلون عليها أعضاء من حكم عليهم بالرمي بالرصاص، خاصة عند إطلاق الرصاص علي أسفل الجمجمة حين يحدث الموت سريعا. ومن عيوب استعمال أعضاء من محكوم عليهم بالموت هو أن إعدام هؤلاء يظل رهينا بوجود مريض محتاج لعضو ما في تلك الساعة، ويكون في ذات الوقت مطابقا من ناحية مناعية لشخص الذي سيعدم، مما قد يطول من فترة انتظار المحكوم عليه بالإعدام ليوم رحيله الأبدي عن الدنيا. وفي هذا الصدد أذكر أن قاتلا حكم عليه بالإعدام في نبراسكا بالولايات المتحدة ظل يستأنف الحكم سنين عددا، وكلف ذلك الأمر دافع الضرائب عشرات الملايين (هكذا قالت الصحافة المحلية) ثم تم إعدامه (أخيرا) في عام 1998م أو نحوها بالكرسي الكهربائي بعد أن استنفذ كل الوسائل القانونية المتاحة لتخفيف الحكم، والجدير بالذكر أن هذه الولاية قررت في عام 2009م أن تغير طريقة الإعدام إلي الحقن بمادة سامة وذلك لتلحق بركب الولايات الأخرى!)
يخلص د/ بيولي إلي أنه يستحيل عمليا وأخلاقيا إيجاد وسيلة قانونية للإعدام تكون مبرأة من العيوب، ويري أنها وسيلة لارجوعية (إذ لا يمكن استرداد الحياة بعد فقدانها حتى لو ثبت أن المحكوم عليه بريء مما نسب إليه)، ولم يثبت – في نظره- أنها عقوبة رادعة للآخرين. ينصح د/ بيولي الأطباء بعدم المشاركة في إعدام البشر بأي طريقة من الطرق أو تدريب الآخرين علي مثل تلك الأعمال، أو بالمتاجرة بأعضاء المحكوم عليهم بالإعدام (أو تسهيلها).
وعلى سبيل المقارنة نورد جانبا يسيرا لما يراه بعض المسلمين (وهم يشكلون نحو ربع سكان العالم) في شأن الإعدام. يلخص موقع محمد قانصو في موقع "الحوار المتمدن" هذه العقوبة في الإسلام فيقول: "تستمد عقوبة الإعدام مشروعيتها من خلال النصوص والأدلة القطعية وعلى رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وقد استدل على مشروعيتها بقوله تعالى :{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْن وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) ودلالة الآية واضحة فالله تعالى كتب بمعنى قضى وفرض وألزم، ومقتضى العبودية الالتزام بما أمر الله والامتثال لحكمه أمرا ونهيا والتزاما وتعبّدا" .
يقر الإسلام أن عقوبة القتل العمد هي القتل، وحكم الزاني المحصن هو القتل رجما، وحكم المرتد عن دينه هو القتل (دون تحديد طريقة القتل) فلقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه"، بينما صرح بعض الفقهاء والسياسيين مثل الشيخ علي جمعة المفتي العام لجمهورية مصر لصحيفة أميركية بأن الإسلام يقبل حق الإنسان في اختيار دينه. وأن العقوبة على تركه لم يُنص بها في القرآن. وجاء في أحاديث صحيحة أن حكم اللواط (الفاعل والمفعول به) هو القتل، وهنالك أقوال في كيفية القتل، فلقد ذهب المشهور إلى أن الحاكم مخيَّرٌ بين أن يضربه بالسيف، أو يحرقه بالنار، أو يلقيه من شاهق مكتوف اليدين و الرجلين، أو يهدم عليه جداراً، وله أيضاً أن يجمع عليه عقوبة الحرق والقتل، أو الهدم والإلقاء من شاهق. وتقوم في العالم الإسلامي ومنذ سنوات بعض الأحزاب والهيئات الشعبية بمحاولة إلغاء عقوبة الإعدام في العالم الإسلامي تحت تأثير عالمي واسع. ففي العام1996م أعلنت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن عمليات الإعدام العلنية منافية للكرامة الإنسانية،وفي عام 1998م بدأت منظمة العفو الدولية حملة كبرى متعلقة بحقوق الإنسان، سلّطت الضوء على عقوبة الإعدام، وهذه الحملة هي الاحتفال بمرور خمسين عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ففي المغرب مثلا ذكر أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان المغربي أن عقوبة الإعدام موقوفة عمليا منذ عام 1975م (الشرق الأوسط،31مايو 2009م)، بيد أنه قال أيضا أنه لا يوجد حاليا "نضج كاف" لتقبل الشعب لإلغاء هذه العقوبة.
خلاصة الأمر في نظري المتواضع أن بقاء عقوبة الإعدام ضرورة –وإلي قيام الساعة- في حالات جلية لا تقبل الجدل ولا الخلاف، فما ظنك أيها القارئ المتمدن بشاب صحيح العقل والبدن مقبل على الزواج بعد أيام قليلة يقوم باغتصاب طفل صغير ثم يقتله ويرمي بجثته علي قارعة الطريق. أي تعقل أو تمدن في أن يترك مثل هذا المجرم ينعم بالحياة؟ والأدهى من ذلك أن يطلق سراحه من السجن بعد أعوام قليلة بدعوي "حسن السلوك في السجن" أو في مناسبة مقدم عيد من الأعياد الدينية أو المناسبات الوطنية، لينخرط من جديد في الحياة و"يخوض مع الخائضين" وأهل الطفل الضحية ينظرون! لا بد من بقاء عقوبة الإعدام بيد أن وسيلة تنفيذها يجب تظل في تطوير وتحسين وأن لا تتضمن التعذيب بأي شكل من الأشكال، فالديدن هنا هو "ولا تعذبهم".
نقلا عن "الأحداث"
badreldin ali [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.