ترامب و البرهان والتطبيع مع اسرائيل !! .. بقلم: عدنان زاهر    استنكار واسع لقرار إقالة مدير مستشفى الخرطوم    ساطع الحاج: التطبيع سيقود إلى انقسامات داخل الحكومة وحاضنتها السياسية    "أوعك تقطع صفقة شجرة" .. بقلم: نورالدين مدني    فى إنتظار قرار الدكتور عبدالله آدم حمدوك .. بقلم: سعيد أبو كمبال    التطبيع سرا .. ووهم السراب ووصمة عار .. أجندة انتخابية وغياب المنظور الإستراتيجي .. بقلم: د. إبراهيم الصديق على    الوالد في المقعد الساخن .. بقلم: تاج السر الملك    مفارقات غزوة كورونا للبيت الأبيض!! .. بقلم: فيصل الدابي    "370" مليون دولار منحة من البنك الدولي للسودان    رسميًا.. المريخ يضم مهاجم الأولمبي السوداني    الهلال والمريخ يصطدمان في ديربي حسم الدوري    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان حول بشريات رفع العقوبات الامريكية و نذر التطبيع مع اسرائيل    نتنياهو: اتفاق السودان تحول هائل .. في 67 تبنت الخرطوم اللاءات الثلاث واليوم تقول نعم للتطبيع    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مجموعة تسطو على مكتب عضو بلجنة إزالة التمكين    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ملف الاستقلال: "السودان للسودانيين" .. بقلم: أم سلمة المك
نشر في سودانيل يوم 19 - 12 - 2019


بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
كنت قد أعددت هذا الملف بناء على طلب من أسرة تحرير صحيفة الأمة، وقد تم نشره في الصحيفة آنذاك تزامنا مع أعياد الإستقلال قبل سنوات خلت. و أعيد نشره اليوم في سلسلة من المقالات توافق اولاها اليوم الخميس ذكرى إعلان الاستقلال من داخل البرلمان 1955 و الذكرى الأولى لثورة 19 ديسمبر2018 المجيدة .
في ذلك الوقت كان نظام الانقاذ المحلول يجثم على الأنفاس، لكني كنت برغم المحن والإحن استشعر الأمل في المستقبل. وقد أتى حينها في المقدمة : (أملا في مستقبل نرجو ألا يخبو ففي بقائه الحياة، و نستعين على استدراجه بالعناية الالهية واخلاص المخلصين وكلمات عالم عباس هذه:
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ
تقشّعتْ ظلماتُ هذا اللّيلِ
اخْرِجْ كفَّكَ البيضاءَ يا وطني
وأسْكِرنَا بمعجزةٍ تعيدُ لنا
الحياةَ ويستفيقُ الروحُ في الجسد العليلْ
كانت تئنُ على وسائدِ شوكها والقهرُ يوخزُها
ويُقْعِدُها التوجُّسُ..
هلْ ستُوْقِظُها طبولُ العِزّ بعدَ سُبَاتِها زمَناً، وما نامت، وهاهي ذي تجدد معجزات طالما عرفت بها دوما ..لتنهض من جديد ).
وها هي العناية الالهية قد نصرت الحق ، وها هو الشعب قد ثار على الطغاة، وها هي كلمات عالم عباس قد تحققت بما يشبه المعجزة ، وها هي طبول العز قد أيقظتها بعد سباتها زمنا ، وها نحن و قد تحررنا من الطغاة ولله الحمد والمنة .
فإن كان استقلال 19 ديسمبر 1955 قد حررنا من هيمنة أجنبية، فقد حررتنا 19 ديسمبر 2018 من هيمنة نظام بلون بشرتنا لكنه لا يقل سوءً عن الاحتلال الأجنبي - إن لم نقل بل يزيد.
وفي ذكرى الاستقلال وثورة ديسمبر أسوق التهنئة القلبية للشعب السوداني المعلم الذي يفاجيء جلاديه دوما بوسائله العبقرية في التغيير، والتهنئة والتجّلة للأباء والجدود من الذين حملوا الوطن في حدقات العيون. فهيئوا لنا وطنا اسمه السودان. والتهنئة الى الشباب الثائر والى الشهداء الكرام والى آلهم وذويهم. فقد وضعونا ببذلهم وتضحياتهم على أعتاب تغيير تاريخي كبير. تهنئة لا تقف عند حد انتصار الثورة، بل تتعداه لتشمل كل النجاحات التراكمية التي تصيبها حكومتنا المدنية كل يوم عبورا ببلدنا الى بر الأمان، بإذن الله. ومنها الحكم الصادر ضد المخلوع الذي يثبت استقلالية القضاء، ومنها السماح لجماعة المخلوع بالتظاهر السلمي وعدم التعرض لهم بالقمع ما داموا سلميين. فالديمقراطية تعني النجاح في ضغط جرح نازف والتسامي على الجراح والسماح لمن عنفك فوق الوصف وقتلك وسحلك بحرية التعبير متى ما اختار السلمية ..
ملف الاستقلال
اذ نفتح ملفاتنا التاريخية لا نبتغي الفتنة ولا الإدعاء وما أردنا إلا التتبع التاريخي والرصد ومحاولة اللإيضاح ليس من وجهة متخصصة (ونعترف بذاك التقصير)، ومع علمنا أن مثل هذه الملفات لا تصلح للتداول من الهواة لكننا مع ذلك نتدرع بالشجاعة اللازمة والصبر الواجب وبأسلحة في مقدور الجميع التمنطق بها لو أرادوا، هي صدق النية والإخلاص، وما قد وضح لي كمراقبة ما أصاب ويصيب ذكرى أناس، نعيش بفضلهم بعد الله وبفضل مجهوداتهم وتضحياتهم في وطن اسمه السودان من إنكار وتنكر. وأتخذ مشكاتي في الطريق الوعر سفر قيم ضخم لكاتبه الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه وعنوانه :الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان 1936م-1953م وهو من المتخصصين الموضوعيين في روايته للتاريخ فله التحية على أحرف من نور رصد بها أحداثا وقعت في ذلك الزمان الذي حدده .وقد عمدت في التتبع التاريخي إلى التركيز على الموقفين المحددين للحركة السياسية السودانية ما بين الإستقلال الكامل والإتحاد مع مصر بما يبرز نضالات حزب الأمة ووسائله لتحقيق هدفه الأوحد بمبدأ السودان للسودانيين ووسائله المدنية التي اتخذها من القبول بالتطور الدستوري والنضال بوسائل الزمان من صحافة وإعلام وعلاقات عامة وطرق السياسة والدبلوماسية مع كامل الاستعداد لتقديم التضحيات والاستحقاقات.
السرد التاريخي
في صبيحة يوم 1/1/1956م خرج نواب البرلمان ومعهم جماهير الشعب الغفيرة في موكب مهيب إلى سراي الحاكم العام ليشهدوا إنزال علمي الحكم الثنائي (مصر وبريطانيا)بواسطة رئيس الحكومة الأزهري وزعيم المعارضة السيد محمد أحمد المحجوب من على سارية قصر الحاكم العام وهو ذات القصر الذي أنزل من أعلى ساريته الإمام المهدي عام 1885م علم الإستعمار ليحل محله علم الدولة السودانية المحررة .وقد كان مشهدا مهيبا حيث شوهد الإمام عبدالرحمن المهدي يجهش بالبكاء حتى تعثر حين أراد التقدم مما صوره المحجوب شعرا:
أجرى دموعك دون الناس قاطبة سر لغيرك ما باحت به الحقب
وما عهدتك قبل اليوم تنتحب وأنت تجهش بالدمع تزرفه
ولا شك أن الإمام الذي جعل هدفه الأوحد وحلم حياته تحقيق إستقلال السودان، قد كان اندفاعه في جزء منه دفاعا عن المهدية، وكان له ما أراد في صبيحة ذلك اليوم مما شّكل لحظة درامية جسّمت أحلامه في ذروة لم يحتملها الشيخ الجليل فأجهش بالبكاء.
ونسمح لأنفسنا في هذا الموقع بانتعال حذاء الإمام (كما يقول المثل الإنجليزي) وعلى طريقة الفلاش باك نسترجع ونستدعي ما مرّ بذاكرة الإمام.. حتى تحقق الإستقلال الذي لا يمكن إجتزاؤه في المشهد الإجرائي الذي مثّله إنزال العلم مهما بلغت رمزية ذلك الإجراء وعظمته. فالإستقلال لم يكن حد ثا بسيطا عابرا تم في تلك اللحظة الميمونة، بل هو عملية تمت في خطوات متسلسلة بدأت منذ ذلك الموقف الأغبر الذي وجد فيه الفتى اليافع نفسه قبل أكثر من 69 عاما من تلك اللحظة.
2 سبتمبر 1898م كانت معركة كرري والتي استشهد فيها 11ألف سوداني بينهم محمد ابن المهدي والأمير يعقوب والأمير ابراهيم الخليل والأمير عثمان أزرق ثم استبيحت أمدرمان بعد توجه خليفة الصديق غربا استعدادا للكر على العدو المتفوق تدريبا وإعدادا.بعد ذلك وقعت نكبة الشكابة في 23 أغسطس 1899م وقتل الخليفة شريف وابنا المهدي الفاضل والبشرى وأسر عبد الله والطاهر ونصر الدين(ماتوا بالسل في محبسهم في رشيد بمصر) وعلي الذي أفرج عنه في 1905م وجرح الصبي عبدالرحمن في صدره .
وفي أم دبيكرات 24 نوفمبر1899م (في الفروة كان حسن الختام)، حيث لفظت الدولة آخر أنفاسها باستشهاد خليفة الصديق ومعه الخليفة علي ود حلو والصديق ابن المهدي وأحمد فضيل وأب جكة ،الأمير هارون بن السيد محمد –الأمير عجب الفيه، الأمير النموري وغيرهم كثر، وقد تسائل أحد ضباط الجيش الغازي مستغربا التحية العسكرية التي أداها ونجت لجثمان خليفة الصديق خصمه اللدود ، فأجابه ونجت:" أنت لا تعرف يا فتى عظمة من دفنا، ومهما كان رأينا في الخليفة ورجاله فإنهم ماتوا ميتة الأبطال".انتهى.
وبذلك طويت رسميا صفحة ناصعة. و نرى( أن الخليفة بصموده أعطى الدعوة عمرا، ليس ماديا بل عمرا معنويا وقد أسس موقفه هذا لموقفنا الصامد الذي هو راس مالنا وأي موقف منكسر ليس لنا، لسنا أبوه ولسنا أمه. من أسس هذه الدعوة دق في راياتها اثنتين: الجهاد والاجتهاد، من تخلى عنهما ليس منا)الإمام الصادق في محاضرة الأنصارية بين الأمس واليوم.
في ذلك الموقف الذي لا يحسد عليه، وجد الفتى اليافع نفسه مسئولا عن أعداد من الأطفال والنساء هو عائلهم الوحيد بعد الكًسرة التي خلفتهم بين قتيل وجريح وسجين منفي .
منذ تلك اللحظة المبكرة أدرك ذلك الفتى أن عليه تقع مسئولية التحرير وهي عزيمة تقّوت عنده بعوامل عدة منها رؤية منامية رآها في آواخر أيام المهدية ورأى فيها أنه من سيرفع الراية إن وقعت.وقد واجه ظروفا شديدة التعقيد وقوبل بردع لا يرحم وتجنبه الكثيرون من بني وطنه(حيث روى في مذكراته أنه ظل لمدة سنتين يمر على أشخاص يوميا في مشرع الموردة ويلقي عليهم التحية دون أن يفكروا في ردها!) فقد كانت مجرد مجاملتهم تستدعي المسائلة والتحقيق. ولكن المدهش أن كل ذلك لم يؤثر عليه بصورة سلبية بل قد أدت شخصيته الإيجابية المنفتحة إلى استيعاب كل تلك الظروف المحيطة بالأمر وإخراج الصورة الأمثل للمجابهة دون صدام والإستفادة القصوى من الموقف دون استسلام وقد أدرك بذكائه اللمّاح أن الطريقة التي اتبعها والده للتحرير لا تصمد مع آليات الحرب التي تطورت بقيام الحرب الكونية الأولى في 1914م فصاغ استراتيجية عبقرية أثبتت جدواها وأدت إلى تحقيق الإستقلال كاملا غير منقوص في 1/1/1956م ( متل صحن الباشري دون شق أو طق) كما قال الأزهري.
تحرك ود المهدي – مثلما كان يعرف، في مساحات تناقضات دولتي الحكم الثنائي وتضارب مصالحهما مستفيدا من الوضع القانوني الهجين الذي انتهج على ضوء معاهدة 19 يناير 1899م والذي لم يعرفه القانون الدولي من قبل وهو عبارة عن الحل الوسط الذي طرحه كرومر ليكون السودان مصريا وبريطانيا في ذات الآن، حيث رُفع العلمان المصري والبريطاني معا. وقد فسر المصريون بنود الإتفاقية على أساس أن السيادة على السودان تعود لهم وحدهم ( اتضح هذا في كل المفاوضات المصرية /البريطانية اللاحقة فيما يخص المسألة السودانية)، بينما في الواقع تنفرد بريطانيا بحكم وإدارة السودان ولم تعهد للمصريين إلا بالوظائف الإدارية الدنيا كالمأمور ونائب المأمور .
حدد ود المهدي -الإمام فيما بعد، منذ البداية أن الطرف الأقرب لتحقيق أهدافه(السودان للسودانيين) هو بريطانيا وليس مصر، وذلك لعمري فهم ثاقب. فبريطانيا مهما كان ظلمها وجبروتها ولكنه فهِم الآليات التي تصيغ القرار السياسي فيها والذي يخضع للرأي العام البريطاني، ويسترضي الناخبين. وسادت في ذلك الوقت حركة تحرير الشعوب ونداءات رئيس الولايات المتحدة بحرية الشعوب كبيرها وصغيرها وبحقها في تقرير مصيرها، ومبادؤه الأربعة عشرالتي ضمنها لخطابه للكونجرس وفيها نص لإنشاء رابطة عامة للأمم، بغرض توفير ضمانات متبادلة للإستقلال السياسي والسلامة الإقليمية للدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء. وإنشاء عصبة الأمم في 1920م الذي ترتب على نداءات الرئيس الأمريكي وميثاق الأطلنطي فيما بعد الذي أصدره ونستون تشرشل وروزفلت وقد تضمن المباديء التي تؤمن للبشرية مستقبلا أفضل بعد الحرب(العالمية الثانية). فبينما بريطانيا يحاط جبروتها بكوابح لا تستطيع تعديها- خاصة وأن ادعاءاتها الإستعمارية ظلم ظاهر يسهل كشفه وتعريته ،نجد أن الإدعاءات المصرية بالسيادة على السودان تتم بضمير مرتاح من حكام وشعب مصر. وكما قال المستشار المالي(المصري) في تقريره سنة 1914م (ان السودان ألزم لمصر من الاسكندرية). وحتى اليوم كثير من المصرييين ينظر للسودان كمن فرّط في حقه! بل أن تلك الإدعاءات المصرية مسنودة برأي وطني سوداني لا يستهان به. فبينما كانت توصية ملنر في 1920م بارتقاء السودان مستقلا عن مصر تحت الرعاية البريطانية وقد خلص تقريره إلى استحالة تسوية مسألة السودان على نفس أسس تسوية القضية المصرية فقد كانت المطالب المصرية الوطنية تسير في إتجاه مغاير. وقد جسدت مقالات حسين شريف بجريدة الحضارة الموقف من عدم اختيار مصر لتكون وصية على السودان لترشد أهله إلى حين أوان تسليمهم سلطة بلادهم بقوله(ولو كانت الدلائل والوقائع والتجارب تساعدنا على الوثوق بأن جيراننا يستطيعون الاحتفاظ بوديعتنا الوطنية المقدسة لما فضلنا غيرهم ولما اخترنا سواهم. أما والأمر كذلك فمن الخرق والحمق أن نغرر بأنفسنا ونقامر بكياننا ونقذف بمستقبلنا في هوة لا قرارلها ولا يعلم إلا الله ما في جوفها من المصائب والويلات)أ.ه
في 1920م أنشأ فريق السودانيين المناويء لتوجهات صحيفة الحضارة جمعية الإتحاد السوداني. وفي يونيو 1922م قدم علي عبداللطيف(عضو جمعية الإتحاد)للمحاكمة بسبب مقال قدمه للنشر واعتقل أيضا محرر الحضارة حسين شريف. بعد خروج علي عبد اللطيف من محبسه كون مع عبيد حاج أمين جمعية اللواء الأبيض. وقد كان رأي الإمام عبدالرحمن: (كان للحوادث الجارية في مصر منذ بدئها 1919م صدى في السودان حرك الوعي السياسي عند الفئة القليلة المتعلمة وسكان المدن. وأخذت الصحف المصرية تنادي بوحدة وادي النيل فانساق في تيار هذه الحركة أكثر المتعلمين وكان المظهر المادي لهذه النداءات قيام حركة 1924م.اذ لم تكن هذه الحركة إلا امتدادا للحركة الوطنية المصرية. وانني وان كنت أكبر صفات الرجولة والصبر التي امتاز بها أعضاء جمعية اللواء الأبيض ،الا أنني لا أعتبر حركة 1924م ممثلة للمطالب الحقيقية لشعب السودان. وقد دفعني ذلك لأن أنادي بالشعار الذي أتمسك به حتى اليوم وهو "السودان للسودانيين".أه
في مارس 1924م أعلن سعد زغلول في خطاب العرش أن حكومته مستعدة للدخول مع الحكومة البريطانية في مفاوضات حرة من كل قيد لتحقيق الأماني القومية بالنسبة لمصر والسودان. فقام السيد عبدالرحمن بالدعوة لاجتماع العباسية في يونيو 1924م لبحث الوضع السياسي في مصر والمطالب المصرية بشأن السودان.فقد كان من رأيه أنه حان الأوان ليقول أهل السودان رأيهم بصراحة وشجاعة وألا يترك مستقبل السودان ليقرر دون إشراكهم .
قرر اجتماع العباسية الذي لبّى نداءه بعض أقطاب الختمية وبعض العمد والمشايخ والتجار والأعيان وكبار الخريجين من بينهم أحمد السيد الفيل،اسماعيل الأزهري الكبير،بابكر بدري ،حسين شريف وعلي أبوقصيصة قرر الإجتماع :اختيار انجلترا لتكون وصية على السودان لتعمل على تطويره حتى يصل إلى مرتبة الحكم الذاتي لأسباب وصفها إعلان العباسية بأنها "مسألة مصلحة ذاتية بحتة".أثار إعلان العباسية سخط جمعية اللواء الأبيض، فأعدت مذكرة ولاء لمصر وعرشها ولكن الوفد منع من السفر واعتقل أفراده في حلفا مما جعلها ترسل برقيات عديدة إلى الحكومة المصرية ومجلس نوابها وإلى الصحافة المصرية معلنة سخطها من سياسة التنكيل "وذكرت أن سفينة يديرها سعد يستحيل أن تصطدم بصخر مهما كانت الزوابع والظلام".
أنكرت الصحافة المصرية وجود قومية سودانية وانتقدت الدعوة لتكوينها "لأن مصر لا تعرف للسودان قومية غير مصرية وجنسية غير مصرية.ولم يكن السودان سوى إقليم من الأقاليم المصرية التي تولاها محمد علي ومن خلفوه على أريكة مصر بحكم فرمانات الولاية المقررة بمعاهدات دولية والموقعة عليها انجلترا.وحذرت الأهرام من الإعتراف بالقومية السودانية أو حتى قبول البحث فيها أو في الإستفتاء مما يعني أننا كمصريين قد تنازلنا ضمنا عن سيادتنا التي لا تقبل بحثا ولا جدلا"!
وجهت جمعية اللواء الأبيض عبر الصحف البريطانية " نداء السودان إلى الأمة البريطانية "يبدو أن الغرض منه تعريف الرأي العام البريطاني بالجمعية وأهدافها ودحض ما جاء في إعلان العباسية بشأن أداء إدارة السودان البريطانية واقتناع السودانيين بها. وبعد أسابيع قليلة نشر لحسين شريف مقال في جريدة التايمز اللندنية في رسالة بعنوان"مناشدة إلى الشعب الإنجليزي الحر" أكد فيها أن مسألة السودان يجب أن تسوى على أساس أن السودان للسودانيين وليس للانجليز أو المصريين وطالب الحكومة بإصدار إعلان بهذا المعنى وقد كانت رسالته عبارة عن تخوف ساد في أوساط الإستقلالين من أن إبعاد المصريين سيطلق يد الإنجليز في السودان ويرخص لهم البقاء فيه للأبد.
أعتقل علي عبد اللطيف في يوليو 1924م لمدة 3 سنوات بسبب برقيته إلى رئيس وزراء بريطانيا محتجا على تصريحات المسئولين البريطانيين بشأن حقوق بريطانيا المزعومة في السودان وخاتما بأن الانفصال يعني الموت للسودان ومصر معا!
وقد ظهر التناقض بين دولتي الحكم الثنائي جليا حينما اتضح للانجليز خطر بقاء جيش مصري كبير في السودان منذ قيام ثورة 1919م بزعامة سعد زغلول، خوفا من تدخل مصري في السودان لصالح مصر. وصدر أمر بريطاني بإخلاء الجيش المصري من السودان فرفضت حكومة سعد زغلول الأمر واستقالت، بينما قبلت الحكومة التي أعقبتها تنفيذ الإخلاء.انصاعت الكتيبة الرابعة وبعض المصالح المصرية الأخرى في السودان لأمر الإخلاء بينما رفضت قوات المدفعية المرابطة في الخرطوم بحري بقيادة أحمد رفعت الانصياع للقرار وقد عقد في بحري مجلس حربي ضم سودانيين ومصريين رفض الأمر حتى لو أدى ذلك للموت ، مما حرك الحماسة في نفوس طائفة من ضباط وجنود مدرسة ضرب النار فتحركوا في 27/نوفمبر/1924م بقيادة عبدالفضيل ألماظ للانضمام لقوات أحمد رفعت ولحقت بهم فصيلة من الكتيبة 11 بقيادة الضابط سيد فرح فاعترضتهم كتيبة انجليزية لمنعهم اجتياز كوبري النيل الأزرق بينما التزمت قوات أحمد رفعت الحياد التام! وانتهت المعركة في يوم 28/نوفمبر/1924م باستشهاد عبدالفضيل ألماظ واعتقال رفاقه الذين حكم عليهم بالإعدام ووصل في نفس اليوم مندوب من وزير الحربية المصري حاملا الأمر للقوات المصرية بالكف عن مقاومة الإجراءات التي اتخذها نائب الحاكم العام لإخراجهم بالقوة من الأراضي السودانية وذكر لهم أن عودة القوات المصرية لا يترتب عليه أي مساس بحقوق الوطن أو بشرف القوات العسكرية.وابتداء من يوم 29/نوفمبر 1924م شرع أحمد رفعت وقواته في مغادرة السودان!(وقد أثر هذا الخذلان فيما بعد على مسيرة الحركة الوطنية السودانية .حيث تخلى بعض أعضاء جمعية اللواء الأبيض عن شعار"وحدة وادي النيل" وعن فكرة الكفاح المشترك لتحرير وادي النيل من الاستعمار البريطاني واتضحت لهم الحاجة لقيام حركة سودانية مستقلة وكان أبرز الذين أداروا ظهورهم للشعارات الموالية لمصر واعتنقوا شعار "السودان للسودانيين" هم: عرفات محمد عبدالله،عبدالله خليل،صالح عبد القادر).
وفي 17 يناير 1925م أصدر الحاكم العام منشورا بإنشاء قوة دفاع السودان مبررا ذلك بما استلزمه سحب القوات المصرية من السودان.وصيغ يمين الولاء الذي يقسمه الضباط بحيث يكون للحاكم العام ولحكومة السودان. أبلغت الحكومة المصرية المندوب السامي البريطاني بتحفظاتها القانونية على منشور إنشاء قوة دفاع السودان.
في الحلقة القادمة نتناول اتفاقية 1936 وموقف الإمام عبدالرحمن منها ومذكرة مؤتمر الخريجين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.