حميدتي: الاتحاد العام ارتكب قصورًا في قضية كاس    المريخ يرفع درجة التحضيرات لحي العرب    رابطة المريخ بالبحر الأحمر تكرم د. مزمل أبو القاسم    الرئيس الألماني يصل الخرطوم الخميس    "حماس": هنية في موسكو مطلع مارس على رأس وفد من الحركة    تقرير إسرائيلي يكشف تفاصيل زيارة مزعومة لرئيس "الموساد" إلى قطر    كوريا الجنوبية تعلن خامس حالة وفاة بفيروس كورونا وترفع مستوى الخطر إلى أعلى درجة    التحقيق مع مشتبه بهم في بلاغ مقتل اجنبي ببحري    اليوم اولى جلسات محاكمة المتهمين بقتل الملازم شرطة عصام محمد نور    أديب: نتائج فضّ الاعتصام لن تملك للعامة    مواطنون يهددون باغلاق مناجم تعدين بجنوب دارفور    وزير المالية: الاقتصاد السوداني منهزم لارتباطه بسعرين للصرف    مدير الشرطة يرفض استلام استقالات(251) ضابطًا    اولتراس تصدر بيانا تعلن مقاطعة جميع مباريات الهلال    ريشموند يتوقف عن التدريبات ويطالب بحقوقه    رياك مشار نائبا لرئيس جنوب السودان    فرار المطلوب علي كوشيب للمحكمة الجنائية الدولية إلى إفريقيا الوسطى    كفاح صالح:هذا سر نجاحنا إمام الهلال    الضربونا عساكر والحكومة سكتت عشان كدا مفترض الحكومة المدنية تستقيل عشان يحكمونا العساكر ويضربونا اكتر .. بقلم: راشد عبدالقادر    بعض قضايا الإقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة .. بقلم: صديق عبد الهادي    النيابة ومرسوم رئيس الوزراء !! .. بقلم: سيف الدولة حمدناالله    هل عجز علماء النفس في توصيف الشخصية السودانية؟ .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    تلفزيونات السودان واذاعاته ديونها 14 مليون دولار .. بقلم: د. كمال الشريف    "بينانغ".. أي حظ رزقتِه في (الجمال) .. بقلم: البدوي يوسف    يؤتي الملك من يشاء .. بقلم: إسماعيل عبد الله    المحمول جوا وقانونا .. بقلم: الصادق ابومنتصر    نحو خطاب إسلامي مستنير يؤصل للحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعه الخرطوم    ردود أفعال غاضبة: قوى الثورة تتوحد دفاعاً عن حرية عن حرية التظاهر السلمي    خواطر حول المجلس التشريعي، الدعم السلعي، وسعر الصرف .. بقلم: أ.د. علي محمد الحسن    ثم ماذا بعد أن بدأت الطائرات الإسرائيلية تطير في أجواء السُّودان يا فيصل محمد صالح؟ .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف    فيروس كورونا .. بقلم: د. حسن حميدة - مستشار تغذية – ألمانيا    وفاة عامل واصابة اثنين بهيئة مياه الخرطوم لسقوطهم داخل حفرة    استراحة - أن شاء الله تبوري لحدي ما اظبط اموري .. بقلم: صلاح حمزة / باحث    هذا يغيظني !! .. بقلم: عثمان محمد حسن    كوريا الجنوبية تعلن أول حالة وفاة بفيروس "كورونا"    أسر الطلاب السودانيين بالصين ينظمون وقفة أمام القصر الرئاسي للمطالبة بإجلاء أبنائهم    حجز (37) موتر وتوقيف (125) سيارة مخالفة    في ذمة الله مذيعة النيل الأزرق رتاج الأغا    في الدفاع عن الدعم الاقتصادي الحكومي باشكاله المتعدده والرد على دعاوى دعاه الغائه .. بقلم: د.صبري محمد خليل    متى يعاد الطلاب السودانيين العالقين فى الصين الى أرض الوطن؟ .. بقلم: موسى بشرى محمود على    هجوم على مذيع ....!    التطبيع المطروح الآن عنصري وإمبريالي .. بقلم: الامام الصادق المهدي    البرهان بين مقايضة المنافع ودبلوماسية الابتزاز .. بقلم: السفير/ جمال محمد ابراهيم    شرطة تضبط شبكة لتصنيع المتفجرات بشرق النيل    زيادة نسبة الوفيات بحوادث مرورية 12%    إعفاء (16) قيادياً في هيئة (التلفزيون والإذاعة) السودانية    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ملف الاستقلال: "السودان للسودانيين" .. بقلم: أم سلمة الصادق المهدي
نشر في سودانيل يوم 27 - 12 - 2019


بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(2)
"لا رفاهية بغير حرية ولا رقي الا بالإستقلال والموت في سبيل الإستقلال خير من حياة الذل والعبودية" الإمام عبدالرحمن المهدي
نزف تهنئة خالصة لحزب الأمة القومي على تمرين ديمقراطي نادر المثال في السودان برز في اجتماع الهيئة المركزية للحزب يومي 19-20 / ديسمبر الماضي على خلفية استقالة مسببة للأمينة العامة المناضلة التي ما استبقت شيئا الحبيبة سارة نقدالله. ونقول أن على حزب الأمة واجب ضرب المثل في الديمقراطية وفي الممارسة السياسية كأول وأكبر حزب سوداني: فقد كان انجازه الأهم تحقيق استقلال السودان الثاني، كما حقق الكيان الدعوي الذي يرفده بالفكر وغالب العضوية، استقلال السودان الأول.
..ومن مساحة هذا العمود نهنيء الحبيب الواثق البرير والحبيب المستشار البشرى عبدالحميد والحبيب عبدالرحمن أحمد صالح- المرشحون الثلاثة لمنصب الأمين العام، نهنئهم على تقبل نتيجة الانتخابات –نهنيء من فاز بالمنصب ومن فاز بقبول نتيجة الديمقراطية . ونرسل للحبيب الواثق في بريده رسالة محبة ودعاء بالتوفيق ومناصحة بالحرص على كل عضوية حزب الأمة على قدم المساواة، من اختاره ومن رأى كفاءة في غيره كما نرجو منه إيلاء كل الجهد والمثابرة التي نعلمها عنه للتنظيم ثم للتنظيم ثم للتنظيم ونحضه على الاهتمام بمنظمات المجتمع المدني لمساعدة عضوية حزبنا في المعيشة والانتاج وبناء القدرات ولهذا الملف لنا عودة باذن الله .
في الحلقة الماضية من ملف الاستقلال كنا قد ذكرنا أن دولة المهدية كانت قد انتهت بهزيمة كرري وامدبيكرات وخلف الغزاة قادة الدعوة بين قتيل وجريح وأسير منفي . وأن الصبي الجريح عبدالرحمن ابن الثلاثة عشر عاما وجد نفسه مسئولا عن أسرة ممتدة من النساء والأطفال هو عائلها الوحيد لكنه كان من الحنكة بحيث فهم أن تحقيق الاستقلال يلزمه استخدام أدوات الزمن فاستطاع بعد مضي 56 عاما من كسرة المهدية تحقيق استقلال السودان كاملا عن طريق التطور الدستوري وتناول ذلك عبر التركيز على الموقفين المحددين للحركة السياسية السودانية ما بين الإستقلال الكامل والإتحاد مع مصر بما يبرز نضالات حزب الأمة ووسائله لتحقيق هدفه الأوحد بمبدأ السودان للسودانيين ووسائله المدنية التي اتخذها من القبول بالتطور الدستوري والنضال بوسائل الزمان من صحافة وإعلام وعلاقات عامة وطرق السياسة والدبلوماسية مع كامل الاستعداد لتقديم التضحيات والاستحقاقات.
وأنه استفاد في ذلك من تناقضات مصالح حكومتي العهد الثنائي واستفاد من التطورات الدولية بخصوص حق الدول في الاستقلال وأنه اختار بريطانيا عوضا عن مصر في تحقيق هدفه بعد ما درس مليا موقفي الدولتين .وتناولنا كيف أنه دعا أعيان السودان لاجتماع العباسية في يونيو عام 1924 ليجمع الرأي العام السوداني على الاستقلال الكامل واختيار بريطانيا لتحقيق ذلك إثر تقديم حكومة سعد زغلول في خطاب العرش أن حكومته مستعدة للدخول في مفاوضات حرة من كل قيد لتحقيق الأماني القومية بالنسبة لمصر والسودان..فقد كان من رأيه أنه حان الأوان ليقول أهل السودان رأيهم بصراحة وشجاعة وألا يترك مستقبل السودان ليقرر دون إشراكهم .
في النصف الثاني من 1935م تأزم الموقف الدولي منذرا بالحرب الكونية الثانية وفي مصر تمخضت الإنتفاضة الطلابية العارمة في نوفمبر من عام 1935م عن تكوين جبهة وطنية قامت برفع مذكرة بها مطالب من أبرزها مسألة السودان. على إثر ذلك بدأت مفاوضات مصرية بريطانية أفرزت معاهدة 1936م والتي أدت إلى تحقيق مكاسب رمزية لمصر في السودان وسط ترحيب مصري ببنود الإتفاقية.استفزت المعاهدة الوجدان السوداني لأنها كرست الحكم الثنائي القائم على أساس إتفاقية 1899م، متجاهلة للطموحات السودانية ولم تترك للسودانيين شيئا سوى "الرفاهية".
فدعت صحيفة النيل في 30 أغسطس 1936م السودانيين للإدلاء بآرائهم بشأن المعاهدة ودعت إلى وضع دستور يحدد المطالب السودانية، التي ترفع إلى هيئة الحاكمين دون هوادة)تأهلا للحكم الذاتي عن أقرب طريق .استجاب الكثيرون لمطلب الجريدة وشرع الخريجون في التحدث في مجالسهم الخاصة عن أجدى الطرق للمطالبة بحقوق السودانيين. وطالبت مجلة الفجر بأن تكون للسودانيين إرداة يعترف بها وتستشار وتحترم. ونحت صحيفة السودان ذات المنحى مقررة أنه لا يمكن لأي فرد مهما كانت نزعته أن يقبل البت في مصيره بدون استشارته ولا يمكن لأمة تود أن تبرهن على وجودها وصلاحيتها للبقاء أن تقبل بأن يقرر في مصيرها بدون أن يقام لها وزن.مقترحة تشكيل لجنة جامعة من السودانيين للتقرير بشأن الوطن.
أقلق السيد عبدالرحمن ما جاء في اتفاقية 1936م بشأن السيادة على السودان واستفزه أن الخديوية المصرية حددت المصير السوداني كإقليم تابع لمصر معتبرة المهدية تمردا انتهى بدخول الجيش المصري للسودان.وعلى ذلك وعلى التسلط الثنائي عامة جاءت مراحل اليقظة الوطنية: أولا رفع شعار السودان للسودانيين ثم المطالبة في جريدة النيل بتقرير المصير ثم المبادرات التي تتالت في تاريخ التطور الدستوري في السودان حتى الإستقلال. فقرر السفر لانجلترا لاستيضاح المسئولين عن تفسير "الرفاهية" بصحبة:عبد الله الفاضل،يعقوب الحلو،الفاضل البشرى،محمد الخليفة شريف،الهادي عبد الرحمن المهدي،الطيب عبد الله الفاضل. قيل له أن الرفاهية تعني:الرقي المادي والأدبي في جميع جوانب الحياة فرد عليهم قائلا: "إذا لم تبلغ الرفاهية في تفسيرها بالإنسان مرتبة الحرية والإستقلال فانها لا تختلف كثيرا عن رفاهية الحيوان" و"لا رفاهية بغير حرية ولا رقي الا بالإستقلال والموت في سبيل الإستقلال خير من حياة الذل والعبودية".
بعدما أبرمت معاهدة 1936م بدون مشاركة سودانية وأعلنت أحكامها المتعلقة بالسودان أصيب الرأي العام السوداني بحالة من الإحباط وخيبة الأمل.فكانت ندوة أحمد خير التي نادى فيها السوداني المستنيرللإنتظام في رابطة أو مؤتمر أو نقابة ونشر برنامج قومي يحدد به الخريجون ويعرفوا واجبهم السياسي)،والتي نظمتها جمعية واد مدني الأدبية بعنوان(واجبنا بعد المعاهدة) ثم كان تأسيس مؤتمر الخريجين في فبراير 1938م نتاجا لإحباط السودانيين بسبب المعاهدة وقد نشأ مؤتمر الخريجين كرابطة تخدم أغراضا محدودة وقام بتكريم علي ماهر في 21 فبراير 1940 حيث عكسوا له حسن نواياهم نحو مصر وقدمت له مذكرة تشتمل على مطالب لتمويل بعض أنشطة المؤتمر الاجتماعية والتعليمية مما اعتبرته حكومة السودان اتصالا من وراء ظهرها وحذرت من مغبته .في نهاية 1940م تشكلت لجنة جديدة للمؤتمر دار فيها الحديث عن وجوب توسيع قاعدة المؤتمر وضرورة تحويله إلى جمعية سياسية.في يناير 1941م جرت انتخابات المؤتمر على أساس التحالفات التي عقدت بين الخريجين والطوائف الدينية وقد تمكن الأنصار من الحصول على أغلبية مقاعده ونفذت لجنة المؤتمر الجديدة مشروع يوم التعليم الذي دعمه السيد عبدالرحمن وبسبب نجاحه وجد المؤتمر تأييدا كبيرا من الرأي العام مما أكسبه نفوذا شعبيا.في نهاية 1941م انتخب السيد ابراهيم أحمد رئيسا للمؤتمر وعوض ساتي سكرتيرا وقام المؤتمر في هذه الدورة بتقديم مذكرة للحاكم العام ضمت 12 مطلبا ،كان أهمها منح السودان حق تقرير المصير بعد الحرب مباشرة وأعد المذكرة اسماعيل الأزهري،عبدالحليم محمد،عبدالله ميرغني ،احمد يوسف هاشم وأحمد خير وقد اعتمدت المذكرة من اللجنة التنفيذية والهيئة الستينية.
الأسباب التي أدت لتقديم المذكرة:
ميثاق الأطلنطي وما تضمنه من مباديء.
الشعور الوطني الذي أثارته في السودان زيارة بعثة كربس (زعيم مجلس العموم البريطاني) إلى الهند وهي مستعمرة بريطانية ، للتباحث بشأن استقلالها.
البلاء الحسن لقوة دفاع السودان في الحرب العالمية الثانية إلى جانب بريطانيا.
المقال الذي نشر في جريدة النيل في 26 مارس 1942م بإيعاز من السيد عبدالرحمن دعا فيه إلى منح السودانيين حق تقرير المصير بعد الحرب مباشرة .
في طريق عودته عرج كربس على السودان وهيأت له حكومة السودان لقاء اسماعيل العتباني وأحمد يوسف هاشم وقد استخلصت النيل من لقاء كربس:
1/ أن تضحيات السودان في الحرب معروفة ومقدرة .
2/ أن السودان سيجني ثمرة هذه التضحيات بعد الحرب بما سيبوأ من مكان في العهد الجديد.
كانت نصيحة كربس لحكومة السودان بإقامة المجلس الاستشاري السوداني وألا تنتظر وقوع الأحداث.
رفضت الحكومة مذكرة المؤتمر جملة. مذكرة إياه بحصر نفسه في قضايا السودان الداخلية وأن ما يمس مركز السودان السياسي ودستوره القائم على معاهدتي 1899م و1936م هي من شأن دولتي الحكم الثنائي! رد المؤتمر على الحكومة برسالة جريئة بعث بها ابراهيم أحمد إلى الحاكم العام بتاريخ 12 مايو 1942م.مبديا أسفه من عدم تجاوب الحكومة مع مطالب المؤتمر وتأكيد تمسكهم بتلك المطالب التي لا تخالف دستوره الذي ينص صراحة على أن غرضه هو خدمة المصلحة العامة والتي يدخل في إطارها المطالب التي قدمها بما فيها حق تقرير المصير،والتي يعلم أن حدود سلطة الحكومة لا تشملها ولكنه يرغب في رفع مطالبه عبر الحكومة إلى دولتي الحكم الثنائي خاصة أنه لا توجد قاعدة بإلزام شعب السودان باتفاقيات لم يكن طرفا فيها.ويدفع بأن الحرب قد أفرزت وضعا جديدا وأنه في حال غياب وجود هيئة مماثلة لتمثيل السودان فإنه لا يرى سببا للتخلي عن هذا الوضع خاصة وأنه يحظى بقبول السودانيين.وكانت استجابة الحكومة لرد المؤتمر الإستمرار في الرفض.ثم سعى نيوبولد(السكرتير الاداري) إلى شيء من التقارب مع الخريجين واجتمع بممثليهم وبالرغم من تحفظاته على منحى المؤتمر فقد كان رد ابراهيم احمد في 23 يوليو 1942م معبرا عن شيء من الإرتياح لما تم في اللقاء بشأن:
استشارة السودانيين عند إعادة النظر في معاهدة 1936م.
زيادة نصيب السودانيين من المسئولية في إدارة شؤون بلادهم وذلك بالسعي لإيجاد هيئة تمثيلية استشارية سودانية وبزيادة وظائف السودانيين ذات المسئولية في الحكومة.وكان تعليق نيوبولد غير مشجع ولكن أحمد خير رأى أن مجرد إعداد المذكرة وتقديمها للحكومة قد حقق بعض النتائج الإيجابية مثل خلق قضية وطنية واضحة المعالم والحدود.
موقف الحكومة إزاء المذكرة خلق موقفين:
1/ الموقف الإستقلالي الذي قبل التطور الدستوري التدريجي أساسا لتحقيق الإستقلال الكامل ولمواجهة المطالب المصرية بشأن السودان.
2/ الموقف الإتحادي الذي اعتبر أن الوثوق بتأكيدات الحكومة عمل غير وطني واتجه صوب مصر ليتعاون معها في تحرير السودان من البريطانيين.
وفي 10 سبتمبر 1942 تقدم نيوبولد بمذكرة إلى مجلس الحاكم العام بشأن إشراك السودانيين في الحكم.بعدة مقترحات: إنشاء مجلس استشاري لشمال السودان- التوسع في إنشاء مجالس مدن بسلطات تنفيذية واستقلال مالي- إنشاء مجالس مديريات إستشارية- التوسع في استخدام السودانيين في الحكومة المركزية ولجان المديريات- تسريع إحلال السودانيين محل البريطانيين.وقد أجاز مجلس الحاكم العام هذه التوصيات باعتبارها خطوات نحو الحكم الذاتي وانتقالا من سياسة الوصاية إلى سياسة المشاركة.كون نيوبولد لجنة خاصة للنظر في جدوى إنشاء مجلس استشاري فكانت توصيات اللجنة في 16 مارس 1943م وقد أوصت بجدوى إنشاء المجلس الإستشاري كتطور سوداني طبيعي.بصلاحيات محددة.في سبتمبر 1943م صدر قانون المجالس الإستشارية وقانون مجالس المديريات وبموجب ذلك صدر أمر الحاكم العام بإنشاء المجلس الإستشاري لشمال السودان لسنة 1943م ويتكون من الحاكم العام رئيسا وسكرتيريه نوابا ومن 28 عضوا عاديا وأصدر الطريقة التي تنظم عمله.عين السيدان علي الميرغني وعبدالرحمن المهدي أعضاء شرف بالمجلس. أعتبر السيد علي إنشاء المجلس خطوة يجب شكر الحكومة عليها وتوقع نتائج مرضية ولكنه ربط ذلك بنوعية الذين يختارون لعضويته .قبل أن يتخذ السيد عبدالرحمن قراره بقبول عضوية الشرف ناقش بشكل مطول مع ممثلي السكرتير الإداري مركز أعضاء الشرف وقد وافق هو ومؤيدوه على الإشتراك في المجلس ليتخذوه نواة للعمل الإيجابي (بالرغم من عدم رضاهم عن صلاحياته واقتصاره على المديريات الشمالية معتبرين استبعاد الجنوب دلالة على سوء القصد.وقد أوردت النيل أن صلاحيات المجلس لا تحقق أمل البلاد ولكنها رحبت به كخطوة بارزة في تطور أداة الحكم "فهي في يدنا سلاح نستطيع أن ندفع به أو أن نهاجم به أحيانا(النيل 16 مايو 1944م).
في يوليو 1943م قام اسماعيل الأزهري رئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر الخريجين بزيارة لمصر وقبيل سفره زار السيد عبدالرحمن وأخبره بأنه ينوي زيارة مصر لإبلاغ المسئولين فيها بأن اتجاه المؤتمر هو العمل لقيام حكومة سودانية تحت التاج المصري! لم يعلق السيد عبدالرحمن على ذلك واكتفى بقوله(للإنسان فم واحد ينطق به وأذنان يسمع بهما هكذا خلقه الله ليسمع أكثر مما ينطق!(الزعيم الأزهري وعصره،بشير محمد سعيد).التقى أزهري النحاس(رئيس الوزراء المصري) في مصر وتحدث معهم على مستقبل السودان.
بناء على توجيهات السيد عبدالرحمن نشرت النيل مقالا بعنوان "وحدة السودان أولا"وفيه أن على السودانيين أن يسعوا لبلوغ الاستقلال بمعاونة الوصي القريب بريطانيا والشقيقة المحبة مصر.
انتهز السيد عبدالرحمن في في فبراير 1944 فرصة لقائه باسكرافينر مدير الدائرة المصرية بوزارة الخارجية البريطانية للإعراب عن وجهة نظره بشأن مستقبل السودان وطرح له النقاط الآتية:
تعاون السودانيون بنشاط مع بريطانيا في الحرب ويأملون تحقيق طموحاتهم الوطنية بعد النصر ثقة في العدالة البريطانية.
استمرار السياسة القائم على مبدأ الرفاهية حسب معاهدة 1936م ليس أساسا مرضيا لتطور السودانيين مستقبلا.
أن المصريين قد تخلوا عن مطالبتهم بالسيادة على السودان لأنهم التزموا الحياد ورفضوا الدفاع عنه سنة 1940م.
كان اسكرافينر قد التقى السيد علي أيضا ولكن الحديث بينهما دار حول الطقس في مصر والسودان وانجلترا!
كانت انتخابات الهيئة الستينية في 27 نوفمبر 1944م نقطة تحول في مسيرة الخريجين، ذلك أنها مثلت بداية النهاية للمؤتمر كمؤسسة قومية وذلك بسبب السيطرة الكاملة لجماعة الأزهري ويحي الفضلي(جماعة الأشقاء) على هيئة المؤتمر الستينية ولجنته التنفيذية.
رفض الحكومة لمذكرة الخريجين وزيارة الأزهري لمصر أبرزا الإتجاه لتقرير المصير على أساس الإتحاد مع مصر داخل المؤتمر، وقد تكون على إثرذلك جماعات أربع :جماعة الاتحاديين(تفسر الاتحاد مع مصر على أساس نظام الدمنيون ويعني اتحاد بين الحكومة السودانية الديمقراطية الحرة وبين حكومة مصر تحت التاج المصري)جماعة الأحرار(نوع الاتحاد مع مصر الذي تدعو له اتحاد كنفدرالي) جماعة الأشقاء (منذ زيارة الأزهري لمصر صارت الجماعة تدعو لنوع من الاتحاد مع مصر فسرته حكومة السودان بأنه الاندماج الكامل )جماعة القوميين(تدعو للاتحاد مع مصر بصيغة غامضة وغير محددة –نوع من الكنفدرالية الفضفاض).
في 31 مارس 1945م أعلن عن قيام حزب الأمة كأول حزب سوداني خوفا من أن يؤخذ اتجاه مؤتمر الخريجين الموالي لمصر كتعبير عن رغبة الشعب السوداني وخوفا من مطالبة مصر بالسودان مكافأة لها على دورها في الحرب العالمية الثانية إضافة لتأهلها للمشاركة في مؤتمر سانفرنسسكو 25 أبريل 1945م. فقام الحزب متبنيا لشعار السودان للسودانيين ودستوره يحوي ذات المطالب الأثني عشر التي تقدم بها مؤتمر الخريجين في مذكرته التي قدمها للحاكم العام في 3 أبريل 1942م. وقد كان الإمام عبدالرحمن راعيا للحزب وممولا له شرح موقعه فيه بقوله(اني جندي في الصف.ولكن الله سبحانه وتعالى وهبني من الامكانيات ما لم يتيسر لكثير منكم ، وسأهب هذه الامكانيات وسأهب صحتي وولدي وكل ما أملك لقضية السودان) وكان عبدالله خليل سكرتير عام الحزب.وكانت فلسفة قيام الحزب التي أوضحها السيد عبدالرحمن هي:أن عطفه على حزب الأمة هو من قبيل عطفه على كل عمل عام وليس تعضيدا لحزب على حزب واعتقاده أن الجميع سيتفقون على مبدئه(السودان للسودانيين)وأنه يرى أن تعدد الأحزاب في الوقت الحاضر والهدف واحد مضر بمصلحة البلاد فاذا وصلنا للهدف واختلفنا على الأوضاع فذاك أمر طبيعي.
كان أول عمل قام به الحزب هو المطالبة باشتراك السودان في مؤتمر سانفرانسسكو في 25 أبريل 1945م في مذكرة تقدم بها سكرتيره العام عبدالله خليل الى الحاكم العام في 19 مارس 1945م.والذي رد بأنه ليس من اختصاص مؤتمر سانفرنسسكو النظر في المطالب السودانية.
أثار تأسيس حزب الأمة الجماعات الإتحادية فتنادت لمواجهة ذلك وتم التوقيع على ميثاق في 27 مارس 1945م أكدت فيه وحدة رأيها واتجاهها بشأن مستقبل السودان السياسي.وتعهدت بالوقوف خلف مؤتمر الخريجين بما يضمن الاتحاد والتعاون الوثيق مع مصر على مبدأ(قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت تاج واحد).وقد كان لتأسيس حزب الأمة أثر آخر إذ حسم التردد الذي كان دائرا فيما يختص بعرض أمر مستقبل السودان على المؤتمر فدعيت الهيئة الستينية على عجل للاجتماع في 2 ابريل 1945م دون كشف عن الغرض من الاجتماع للاعضاء.وقد كان الغرض هو: اتخاذ قرار بشأن تفسير بند تقرير المصير الوارد في مذكرة 3 أبريل 1942م وعارض كثيرون اتخاذ قرار مصيري بهذه السرعة ونشر بيانا في الصحف بتاريخ 7أبريل 1945م جاء فيه أن هيئة المؤتمر التي اجتمعت قررت أن ما يحقق مصالح السودانيين ويفصح عن رغباتهم هو قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت التاج المصري .
قوبل قرار المؤتمر باستياء تام من حزب الأمة ودعاة الاستقلال الآخرين.وقالت النيل أن قرار تقرير المصير هو شأن سوداني ولا يحق للمؤتمر فرضه على الآخرين بالطريقة التي جرى بها .
وفي الحلقة القادمة بإذن الله، نتناول ائتلاف الأحزاب واتفاقية صدقي/بيفن


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.