مسؤولية وزير الداخلية أمام حمدوك !! .. بقلم: سيف الدولة حمدناالله    مشروعُ الأَسَد الأجرَب الحِمَارِي- مقتطف من كتابي ريحَة الموج والنَّوارس- عن دار عزة.    ضد تبديل العملة مع "تعويم الجنيه": ولنبدأ فعلياً في ضرب "الاقتصاد الموازي" الذي تسيطر عليه الرأسمالية التي نشأت في العهد البائد .. بقلم: نورالدين عثمان    ألمانيا تبادر بمساعدة "فورية" للسودان في طريقه إلى الديمقراطية    الظواهر الصوتية غرض أم مرض؟ .. بقلم: إسماعيل عبد الله    ما بين الشيخ الاكبر والسلطان ... حكايات تتكرر بين بلة الغائب وآخرون .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    المريخ يرفع درجة التحضيرات لحي العرب    رابطة المريخ بالبحر الأحمر تكرم د. مزمل أبو القاسم    حميدتي: الاتحاد العام ارتكب قصورًا في قضية كاس    تقرير إسرائيلي يكشف تفاصيل زيارة مزعومة لرئيس "الموساد" إلى قطر    "حماس": هنية في موسكو مطلع مارس على رأس وفد من الحركة    كوريا الجنوبية تعلن خامس حالة وفاة بفيروس كورونا وترفع مستوى الخطر إلى أعلى درجة    اليوم اولى جلسات محاكمة المتهمين بقتل الملازم شرطة عصام محمد نور    التحقيق مع مشتبه بهم في بلاغ مقتل اجنبي ببحري    وزير المالية: الاقتصاد السوداني منهزم لارتباطه بسعرين للصرف    أديب: نتائج فضّ الاعتصام لن تملك للعامة    مدير الشرطة يرفض استلام استقالات(251) ضابطًا    مواطنون يهددون باغلاق مناجم تعدين بجنوب دارفور    ريشموند يتوقف عن التدريبات ويطالب بحقوقه    رياك مشار نائبا لرئيس جنوب السودان    فرار المطلوب علي كوشيب للمحكمة الجنائية الدولية إلى إفريقيا الوسطى    كفاح صالح:هذا سر نجاحنا إمام الهلال    اولتراس تصدر بيانا تعلن مقاطعة جميع مباريات الهلال    المحمول جوا وقانونا .. بقلم: الصادق ابومنتصر    هل عجز علماء النفس في توصيف الشخصية السودانية؟ .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    تلفزيونات السودان واذاعاته ديونها 14 مليون دولار .. بقلم: د. كمال الشريف    "بينانغ".. أي حظ رزقتِه في (الجمال) .. بقلم: البدوي يوسف    الضربونا عساكر والحكومة سكتت عشان كدا مفترض الحكومة المدنية تستقيل عشان يحكمونا العساكر ويضربونا اكتر .. بقلم: راشد عبدالقادر    يؤتي الملك من يشاء .. بقلم: إسماعيل عبد الله    بعض قضايا الإقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة .. بقلم: صديق عبد الهادي    نحو خطاب إسلامي مستنير يؤصل للحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعه الخرطوم    ثم ماذا بعد أن بدأت الطائرات الإسرائيلية تطير في أجواء السُّودان يا فيصل محمد صالح؟ .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف    خواطر حول المجلس التشريعي، الدعم السلعي، وسعر الصرف .. بقلم: أ.د. علي محمد الحسن    فيروس كورونا .. بقلم: د. حسن حميدة - مستشار تغذية – ألمانيا    وفاة عامل واصابة اثنين بهيئة مياه الخرطوم لسقوطهم داخل حفرة    استراحة - أن شاء الله تبوري لحدي ما اظبط اموري .. بقلم: صلاح حمزة / باحث    تركيا تؤكد أن ضماناتها في ليبيا تتوقف على احترام وقف إطلاق النار    كوريا الجنوبية تعلن أول حالة وفاة بفيروس "كورونا"    أسر الطلاب السودانيين بالصين ينظمون وقفة أمام القصر الرئاسي للمطالبة بإجلاء أبنائهم    حجز (37) موتر وتوقيف (125) سيارة مخالفة    في ذمة الله مذيعة النيل الأزرق رتاج الأغا    متى يعاد الطلاب السودانيين العالقين فى الصين الى أرض الوطن؟ .. بقلم: موسى بشرى محمود على    هجوم على مذيع ....!    شرطة تضبط شبكة لتصنيع المتفجرات بشرق النيل    زيادة نسبة الوفيات بحوادث مرورية 12%    إعفاء (16) قيادياً في هيئة (التلفزيون والإذاعة) السودانية    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تحقيق نظام الحكم في الراشد في السودان: نظرية الحاكم الآجير .. بقلم: (2-10) .. بقلم: الدكتور احمد صافي الدين
نشر في سودانيل يوم 02 - 01 - 2020

تتناول هذه الحلقة من الاطروحة الموسومة: تحقيق نظام الحكم الراشد في السودان: نظرية الحاكم الأجير، قضية توافر مقومات وصفات من يصلحون لتحقيق هذه الغاية النبيلة. إن ما يدعوني لمثل هذا الطرح، هو تلك التجارب المريرة التي عاشتها بلادي السودان خلال عقود الحكومات الوطنية. فحلم السودانيين في ان يستظلوا بنظام عادل يحقق لهم الرفاه وينشر بينهم العدل، وينشر السلم الاجتماعي، اضحى سراباً. بل يمكننا القول أن فشل النخبة الحاكمة، وفساد وضعف آليات الحكم، كلها عوامل تدفع دفعاً للمضي قدماً للبحث عن حلول لتلك المعضلات. إن تاريخ بلادي الناصع قد شوهته التجربة الحزبية، فقد قاد صنائع ما سمى بالاستعمار البلاد الى مستنقع الازمات، وذلك على الرغم من رفع شعارات اسلامية. لقد قعدت الفجوة بين ايديولوجية وسيكولوجية القادة بالبلاد من ان تنطلق نحو الريادة والنهضة، فبعد أن كان السودان يعين ، اضحى يعان، وبدلا من ان يعيث الآن هو يغاث. اصبح حكام البلاد ف العقود الاخيرة مكاناً للسخرية والتندر، وانطلقوا صوب العواصم العربية ويغرها يبحثون عن القروض والمعونات، على الرغم من خيرات وثروات البلاد الكامنة: داخل الارض وخارجها. فاذا اردنا البحث عن البراءة من الآفات المفضية الى الخسران، يتوجب علينا التفكير خارج الصندوق، وبناء مراكز ومحاضن للفكر، لتمدنا جهات الاختصاص بالمشروعات، وتبصرها بالسيناريوهات المتوقعة، وتقدم لها تجارب الآخر ، علها تستفيد: معتبرة او مقتدية. يتوجب علينا أن نتبنى الحكمة، التي هي وضع الاشياء في مواضعها الصحيحة. وحين تثمر العقول وتكشف عن حكمة ، حينها تتحقق، العدالة في المجتمع، ذلك لأن قضية العدالة تتطلب الاستعداد النفسي، والقدرة، والعزم الذي لا يلين، وتلك مقومات لا تتوافر لكثيرين ممن يحملون لواء الاصلاح، فيعجزون عن الوصول لمبتغاهم. فقيادة الامم والمجتمعات، قضية لها مستحقاتها ومطلوباتها، فثمة خصال وشمائل، لا بد من توفرها في القائد ، لان الناس تبع -كما هو معلوم- في سيرة المجتمعات للأقوياء تارة، وللأنبياء تارة أخرى. فالأقوياء ومنهم الطغاة والمستبدون يملكون الرقاب، وتخضع لهم الجباه،فمن خلال ادوات القهر وآلياته، وشخوصه، يسيطرون على مقاليد الامور، بينما يملك الانبياء والحكماء القلوب. فمن ملكوا القلوب، يظل رصيده الوجداني باقياً نامياً يؤرث جيلا عن جيل، بينما ينقضي ملك الرقاب ويشيع صاحبه الى مقابر ومزابل السخط واللعنات. فبمجرد فقدان القوة الدافعة للخضوع، يتغير الولاء، وتنتهي العلاقة، وتظهر الخصومة، وتتحول العلاقة الى عداوة. والسبب يرجع الى استخدام القوة، وهضم الحقوق،وسوء المعاملة، واهانة الكرامة...الخ .
يعد الولاء للمبادئ الراسخة أمر في غاية الاهمية، فالهمم العالية وحدها هي التي يتمترس اصحابها ويستمسكون بالمبادئ. وأما غالب الناس، يملون الى البحث عن المصلحة العاجلة،والتي قد تخفى وراءها ضرراً لا يجبر. يمكن القول ان التعصب للمذاهب علة من علل احقاق الحق، وابطال الباطل.هنالك مقولة للإمام ابن القيم يشير فيها إلى أن من صفات المغضوب عليهم أنهم لا يقبلون الحقّ إلا من أهل مذهبهم. وتلك هي علة تعبر عن خلل في منهج الفّكر والنّظر لدى هؤلاء في التعامل. فعلى الرّغم من أن المؤمن هو أحق بالحكمة، وهي ينبغي أن تؤخذ، ولو من على أفواه المجانين، وتقبل وان جاء بها ملك رحيم، أو شّيطان رجيم، فان الصّراع بسبب الأفكار الدّخيلة التي غذتها المذهبيّة غير الحميدة، جعلت من قبول الحقّ أمراً بين الأخذ والرّد، وبين القبول والرّفض. فقد برز الصّراع واضحاً وسط تيارات المجتمع، التي كانت عبارة عن جسد واحد، إذا اشتكي منه عضو، تداعي له سائر الجسد بالحمى والسّهر، واليوم، فان الأهواء والشّهوات قد اتخذت آلهة تعبد من دون الله. لقد غطّت الانتماءات والمذهبيّات على فضاءات الاستقلاليّة والموضوعيّة والحياديّة، ويكاد يكون باب الأمل قد سدّ في قبول الآخر، والنّظر إليه بموضوعيّة أضحى أمراً نادراً، وفقاً لما تقتضيه الأمور وطبيعة الأحوال، ولقد كانت النّتيجة المرجوة هي أنّ الصورة الذهنيّة قد تشكلت لدى كلّ فريق أو مذهب عن الآخر، ولم يعد من بدّ من العمل من أجل الانتماء؛ أياً كان هذا الانتماء. ومن ثمرة ذلك كله وغيره مشكلات جمة تعانيها الأمة، وتكاد تعصف باستقرار المجتمع قاطبة. وفي ظل واقع كهذا أُشربت النّفوس تجاه الآخر بصور ذهنية قاتمة وسالبة. إذ لم يعد هذا الآخر غير المنافس والخصم والعدو، ومن هنا فان آليات الصّراع قد تعددت، ولم يعد من بدّ لاغتنام أية فرصة في سبيل الإيقاع بهذا الآخر، سواء بوسائل مشروعة أو غير مشروعة. فغذاء العقل في الوقت الراهن بالفّكر المذهبيّ الذي افتقر إلى الموضوعية و المرونة، كانت نتيجته أمراً ينطوي على خطر جسيم. ولم يعد بالإمكان قبول أفكار الآخر من غير إفراغ الفّكر المذهبيّ للمنتمي، ليحلّ فكر الآخر محلّه. لقد بلغ الأمر مبلغاً، جعل من المستحيل تعايش فكر مذهب وآخر، وقليل من النّاس من جبلوا على هذه الرّؤية. أمّا السّواد الأعظم، فهم على ما ذكر من موالاة للمذهب ومجافاة لغيره. فغلبة الأهواء وإتباع الشهوات له نتائج ضارة تحل بالمجتمع، وأفراده. يقول ابن القيم رحمه الله: "قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضدّه". فان الإناء إذا امتلأ بشيء فانه لا مجال فيه لقبول غيره، لا سيما إن كان الشّيء الآخر على نقيض من الأوّل. فالحقّ والباطل لا يجتمعان، والخير والشرّ بين طرفي نقيض، والكفر والإيمان كذلك، والصّدق والكذب لا يلتقيان. وتبقى قضية كل متمذهب في رؤية غيره على انه ضده، أو على غير هواه. والأمر قد يكون خلاف ذلك، ولكنّها آفات المذهبيّة عند غلوها في كلّ زمان. وبناء على هذا المنطق، فان التّشيع لرأي أو نحلة، أو مذهب يجعل من قبول ما هو ضده، أمراً ربّما يكون من عداد المستحيلات. والأمر يرجع في المقام الأوّل إلى ما عليه النّفس من جبلة.
وعن الآفات الجامعة التي تؤثر سلباً على العمران كما يقول ابن خلدون عدم الصدق ومجانبة الحقيقة والصواب: يقول ابن لخدون إنّ الكذب يتطرق إلى الخبر بطبيعته، وله أسباب تقتضيه هي التّشيعات للآراء والمذاهب، والثّقة بالنّاقلين، والذّهول عن المقاصد، وتوهم الصّدق، والجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع بسبب التّلبيس، وتقرب النّاس لأصحاب التّجلّة والمراتب بالثّناء والمدح، وآخرها الجهل بتطبيق الأحوال في العمران وهي سابقة على جميع ما تقدّم. فما ضرّ النّاس اليوم أكثر من إتباع الآخر دون وعي أو بصيرة،وهو أمر وثيق الصلة بالادلجة التي اشرت اليها، مع جهل لكنوز المعرفة التي تحتاج إلى من يزيل عنها شوائب الدّهر وغبار السنين. ثمّة توضيحات لا بدّ من الإشارة إليها من بينها مقولات ظلّ النّاس يرددونها في مسعى منهم لإلجام الأفواه التي تصدح بالحقّ المرّ داخل مختلف التنظيمات، وفي هذا الإلجام تأثير مباشر على نقل الحكمة وتشكيل الصّور الذّهنيّة بسبب شخصنة الامور، والارتهان لفكر فرد او مجموعة وان جانب ذلك الصواب. فمن ذلك قولهم أنّ الصّواب مرهون بحضور وقته، فان حضر وقته، فهو مرهون بحضور رجاله.والقضية ان هؤلاء الرّجال ربما لا يحضرون الى الابد. فالوصول الى امتلاك قلوب الناس من خلال الولاء للأمة قاطبة افرادا وجماعات ، لا لحزب او فصيل، أمر ضروري يقودنا الى الولاء للدين الخالص لا لغيره.
كما تتطلب البراءة من الظلمة وأفعالهم اتخاذ قرارات مصيرية، ومواقف حاسمة لا تردد فيها، بغية تحقيق العدالة الاجتماعية. فقضية العدل هي أسمى القضايا، فبغيره لا تستقيم الاحوال، ولا يستمر العمران البشري كما يشير ابن خلدون. فلظلم هو ضد العدل، وبالتالي فهو مؤذن بالخراب، وناقض للغزل في كل ميدان من ميادينه. يقول الله تعالى [ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ]. يروى عن الامام الإمام أحمد بن حنبل، حينما كان مسجوناً في محنة "خلق القرآن" سأله السجان عن الأحاديث التي وردت في أعوان الظلمة، فقال له: الأحاديث صحيحة، فقال له: هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال له: لا، لست من أعوان الظلمة، إنما أعوان الظلمة من يخيطوا لك ثوبك، من يطهو لك طعامك، من يساعدك في كذا، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم! وحين نود تحقيق نظام حكم راشد، فلا مجال لحاكم ظالم، ولا مجال لاحد في عونه. فلا بد من التبرؤ من الظلم ومحاصرة فاعله. كما روي أيضا انه جاء خياطٌ إلى سفيان الثوري فقال: إني رجل أخيط ثياب السلطان (وكان السلطان ظالما)، هل أنا من أعوان الظلمة ؟ فقال سفيان: بل أنت من الظلمة أنفسهم، ولكن أعوان الظلمة من يبيع منك الإبرة والخيوط ..!!ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية { وقد قال غير واحد من السلف، أعوان الظلمة من أعانهم ولو أنهم لاق لهم دواة أو برى لهم قلما ومنهم من كان يقول بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم وأعوانهم هم من أزواجهم المذكورين فى الآية فان المعين على البر والتقوى من أهل ذلك والمعين على الاثم والعدوان من أهل ذلك. ان تلك البشاعة في تصوير حال الظالمين يوم القيامة كما في محكم التنزيل، وما يقابلهم عاجلا اثناء وبعد سقوط ملكهم، كاف لردع هؤلاء عن السير في ركاب الظلم.ودوننا مصائر طواغيت الحكام العرب وأعوانهم في كل من: السودان، ومصر، وتونس، والعراق، وسوريا...الخ. ففي مآلاتهم ومصائرهم عبرة لمن يعتبر.
كما تعد مسألة البراءة من الميكافيلية قضية جوهرية في طريق الوصول الى الحكم الراشد. فالعقلية الميكافيلية هي عقلية منفعية لا تعتد بالصواب والخطا، ولا الحق والباطل، ولا المعيارية في التعامل مع الواقع، وانما تجنح لتحقيق ما تصبو اليه، بكل اندفاع وتهور، لا تلوي على شيء، وشان صاحبها في ذلك شان الدابة التي تسوقها وتدفعها الغريزة. فحين يبرأ المرء من العقلية الميكافلية، يكون قد استند الى معايير في التعامل مع القضايا والمشكلات، وحينها تكون له القدرة على التعامل بنزاهة وحيدة وحكمة وفق منظومة القيم السائدة في المجتمع لتحقيق اغراض الاجتماع البشري. فالسعى الحميم لتحقيق غرض غير مستحق مثل الوصول للسلطة يعد خطيئة وفق ميزان الاخلاقن ولكن المنهجية الميكافيلية لا تضع حساباً لمثل هذه القضايا. فها هو ماكيافيلي وهو يستعيد سكينته يقول في حوار له: «إن السطوة في عمله هذا قد دلت على أنه صاحب المزية النادرة التي تمزج بين المواهب العظيمة ونقائضها. أنا لا ألوم، أنا لا أمدح، وإنما أنا دارس يختبر، وإليك رأيي في هذه القضية. إن من طلب شيئًا فإنما يناله بإحدى وسيلتين: بالوسيلة المشروعة أو وسيلة القوة، والأولى صفة الناس والثانية صفة الدواب، ومن شاء أن يحكم فلا مناص له من الاثنتين ولا محيص له من أن يعرف كيف يكون إنسانًا تارة ودابة تارة أخرى، وذلك هو مغزى الأساطير القديمة وما ترويه لنا عن «أخيل» والأبطال الآخرين الذين رباهم شيرون ذلك الكائن الذي نصفه دابة ونصفه إله، أما سواد الناس فلا طاقة لهم بالحرية، وإنهم ليخشونها أشد من خشية الموت. إنهم إذا اجترحوا إثمًا سحقتهم وطأة الندم. ولكنه هو البطل، رجل القدرة، ذلك الذي يطبق الحرية ويحطم الشرائع بغير خشية ولا توبة، والذي يظل بريئًا في الأذى، كما هو شأن الدواب أو شأن الأرباب. فاليوم قد رأيت في المرة الأولى من قيصر علامة على أنه هو المختار من قبل الله.» وبناء عليه، فان الحكم الراشد لحمته وسداه تلك القيم والمبادئ الراسخة المستمدة من الدين الحق. وأما الفهم السقيم المستمد من دين هو ضد الدين، وشرع هو ضد الشرع الحنيف، وقانون هو ضد القوانين التي تحقيق العدالة، لا مكان له ههنا حين نبحث عن الفضائل والحكم للوصول الى الرشد.
وتقف البراءة من الادلجة الفكرية شاهداً ودليلاً على صحة السير في طريق الاصلاح. فهنالك بعض الجماعة أو الاحزاب تحتكر الدين/الوطن وتعد ألاخر خارج من الملة/الاجماع. فهذا الموقف يبرهن على خطل الرأي، وفساد في التصور، وسوء في القصد، مع وجود مطامع يراد لها أن تتحقق ولو على حساب الآخرين. فالبراءة من ادلجة تحتكر الحقيقة كاملة ، وتفرض ما تراه هي دون غيره على الاخرين سبة وعار على تلك الجماعة/ الحزب. فاحتكار الحق والحقيقة، أمر خطير، يثمر عنه شر مستطير. ان الجماعات والاحزاب كلها تطمح في توسيع دائرة نفوذها، وتلك قضية مشروعة ومنطقية لا غبار عليها، غير أن تجييش الناس وحملهم على الحق حملا، وممارسة الضغط عليهم ومساومتهم بالقبول ورشوتهم ان لزم الامر، لهو أمر باطل لا يحقق المقاصد للجماعة ولا المجتمع الذي هي جزء منه. فادلجة الفرد قضية مناقضة لمفهوم الدين الصحيح، فصريح القرآنوالسنة يدفع المؤمن في اتجاه البناء والمواقف الايجابية، بينما يقود الادلجة في الاتجاه المعاكس. يعرف المؤدلج بالشخص الذي اختار بمحض ارادته ، اولظروف إضطرّته ، الانتماء الى جماعة تعتنق افكارا نابعة عن مباديء ايدولوجية تؤمن بها وتعمل على نشرها والدفاع عن مفاهيمها ، وغالبا ما تنتظم هذه الجماعة في حزب او تيّار سياسي تكون مهمتها الاولى هي الاخلاص والتفاني في الدفاع عن هذه العقيدة .فباعتقادها بامتلاكها الحقيقة كاملة ، وبمحاولتها فرض ارائها على الاخرين بمختلف الوسائل عبر محاربة الافكار المنافسة والمتقاطعة مع ممارسة الاقصاء للأخرين تكون قد حكمت على نسفها بالجمود والتخلى عن الاصلاح. وتتم الادلجة عبر مرحلتين الاولى هي: الانتماء للجماعة وقبول أفكارها المعلبة الجاهزة والتي يمكن ان يضحي بحياته من اجلها، والثانية هي القولبة التي تجعله عاجزا عن التفكير خارج اطر الجماعة وتبني مواقف غيرها، وبهذا يصبح امعة يسيء حين تسيئ الجماعة، من خلال تعطيل العقل وملكة التفكير . وحين يسيطر على الجماعة فرد، كون المؤدلج تابع لفكر شخص واحد هو المستطر لا الجماعة فيكون اشبه بالروبوت. وتختفي الادلجة في الشخص الذي يتخذ مواقف ضد الجماعة ويجهر برأيه الخاص مخالفاً لها. يمكن القول ان سقوط الايديلوجيات مرده الى كثرة المؤدلجين المنتمين للجماعة، وهو أمر يغري ويدفع في اتجاه تحقيق مكاسب ولو وهمية، فالانتشار للجماعة المؤدلجة يغريها بالاستبداد واقصاء الخصوم، وبالتالي تحرم من تجديد المواقف والافكار وتحرم من النقد البناء داخليا، فكل نقد عندهم هدام، ولكل مدح واطراء مقبول،وتلك آفة من آفات الجماعات. وتظهر الآثار السالبة للادلجة عنذ الجماعات الت تمارس العنف والقوة ضد الخصوم، فليس من الغريب ان يقوم مودلجو جهاز الامن السوداني بتعذيب المعتقلين لدرجة البشاعة حتى يفضي ذلك للقتل، وما قصة الحكم بالاعدام على منسوبي جهاز الامن في التاسع والعشرين من ديسمبر2019 وعددهم 29 الا دليل على الادلجة وخطورها. فالمؤدلج هو اصم ابكم أعمى لا يصحو حتى يرتكب الموبقاتن فيكتشف ان المؤسسة او الجماعة قد ورطته وتخلت عنه، لأن المسئولية هنا فردية، ويتوجب عليه ان يتحمل نتائج فعله لوحده.قولوا لي بربكم كيف لجهاز ضخم وعدد كبير ان يمارس العنف المفرط ضد فرد معتقل اعزل لا يملك ان يقاوم. فاذا اردنا ان نضرب امثلة على الادلجة نعجز عن الحصر، فكل الاغتيالات السياسية، وحتى الاحكام القضائية التي تتم في بيئة مؤدلجة مثل اعدام محمود محمد طه، تأتي في اطار الادلجة التي قد تكون سياسية، او اقتصادية، او ادارية، او قضائية، او قبلية، او عسكرية...الخ. وخلاصة القول، أن تحقيق نظرية الحاكم الاجير لها مطلوباتها التي تتمثل في صحة الافكار ، وخلوص النية، والقابلية للاصلاح، فضلا عن البراءة من الادلجة المفضية الى الخراب والاحتراب في الوقت نفسه. وبتوافر تلك المطلوبات يتحول الحكام الى اجراء لا سادة ، ليكون همهم تحقيق العدالة الاجتماعية والسهر من اجل الرعية، بدلا من ارتكاب الموبقات بسبب خلل المنهجة الذي يفضي الى وجود دولة داخل دولة دون مسوغات شرعية. ونواصل.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.