الطاقة تسمح ل13 شركة وقود للبيع بالسعر التجاري    شبكة الصحفيين تدين ما حدث للصحفي بجريدة الصيحة محمد جادين    مفاوضات سودانية غير رسمية مع "الحلو" الثلاثاء    من الذي طبّعَ أولاً ؟! .. بقلم: صباح محمد الحسن    فى إنتظار قرار الدكتور عبدالله آدم حمدوك .. بقلم: سعيد أبو كمبال    "أوعك تقطع صفقة شجرة" .. بقلم: نورالدين مدني    التطبيع سرا .. ووهم السراب ووصمة عار .. أجندة انتخابية وغياب المنظور الإستراتيجي .. بقلم: د. إبراهيم الصديق على    الوالد في المقعد الساخن .. بقلم: تاج السر الملك    مفارقات غزوة كورونا للبيت الأبيض!! .. بقلم: فيصل الدابي    "370" مليون دولار منحة من البنك الدولي للسودان    رسميًا.. المريخ يضم مهاجم الأولمبي السوداني    الهلال والمريخ يصطدمان في ديربي حسم الدوري    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان حول بشريات رفع العقوبات الامريكية و نذر التطبيع مع اسرائيل    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مجموعة تسطو على مكتب عضو بلجنة إزالة التمكين    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الأَسَدْ الفِي القيْدْ يِنَاتِلْ!
نشر في سودانيل يوم 30 - 03 - 2020

ها نحن عدنا، والعود أحمد. و«الرُّوزنامة» عانقت أعين محبِّيها، أوَّل أمرها، عام 1999م، ضمن «عدد الثُّلاثاء المتميِّز» الذي كنت أحرِّره بجريدة «الصَّحافة»، أوان صدورها الثَّالث تحت رئاسة صديقي كمال حسن بخيت، رعاه الله وأسبغ عليه ثوب العافية. ومن ثمَّ تنقَّلت «الرُّوزنامة» بين صحف شتَّى، ك «الرَّأي العام»، و«السُّوداني»، و«الأخبار»، وبعض المواقع الإلكترونيَّة. لكن ما اضطرَّنا للانقطاع الأخير الطويل هو الانتظار، بلا طائل، لما «يتوازن» به «الالتزام الأدبي» الذي لا يباع ولا يُشتري، مع «أكل العيش» الذي لا يساوم ولا يزايد .. ويا لها من «موازنة» لئيمة!
على كلٍّ، فإن الحمد والشُّكر أجزلهما، من بعد الله، لشباب «المواكب» الذين تحمَّلوا مسؤوليَّة تيسير هذه «الموازنة» شيئاً، فجعلوا هذه العودة ممكنة!
و«الرُّوزنامة» فارسيَّة الأصل، في مراجع، كرديَّة، في أخرى، غير أنها عالميَّة المعنى، تقابلها، في الإنجليزيَّة، كلمة «calendar»، غير أنني أميل لاستخدام كلمة «diary» محلها، وهي كلمة منحدرة من اللاتينيَّة «diarium»، أو «diaria» في صيغة الجمع؛ وعلى حين تقابلها، في العربيَّة، كلمة «التَّقويم»، أو «السِّجِل»، فإنني أفضِّل استخدام كلمة «اليوميَّات»، وإن تكُ كلمة «الرُّوزنامة» نفسها قد استعربت، فاستغنت عمَّا يقابل أصلها في العربيَّة. و«الرُّوزنامة» قد تكون تجاريَّة، أو حربيَّة، أو حكوميَّة، أو سياسيَّة، أو إبداعيَّة، أو، حتَّى، رياضيَّة، كما قد تكون محض حافظة لوقائع «يوميَّات» متنوِّعة خلال أسابيع، أو شهور، أو، ربَّما، حقب أطول، بحيث تتَّخذ شكل «المذكِّرات» و«السِّيَر الذَّاتيَّة» التي قد يخالط الواقعَ فيها شيءٌ من الخيال، بنسب سرديَّة معلومة. أمَّا في شكلها الشَّخصي، وإنْ نالت حظَّاً من النَّشر، فتتَّخذ شكل «المفكِّرات» التي لطالما حرص على ممارستها، كضرب من تنظيم «اليوميَّات»، أشهر الأدباء والكتَّاب العالميِّين، من ليف تولستوي إلى غسَّان كنفاني، مِمَّن يُعتبر التَّشبُّه بهم فلاحٌ من كلِّ بُدْ!
أخيراً، لئن بدت «الرُّوزنامة»، في أكثر الأحيان، طائراً يحلق بأجنحة الشِّعر، وموسيقاه، وأمزجته، فإنَّها، في حقيقتها، ذاكرة تجترُّ دقائق الحياة اليوميَّة، حلوَها ومرَّها، ثمَّ تندلق بها على الورق، ناقلة هموم الواقع، تعبيراً عن فكر موضوعي، أو ترجمة لمشاعر ذاتيَّة.
الثُّلاثاء
أهداني الإمام الصَّادق، مشكوراً، ضمن مجموعة من مؤلفاته، كتيِّبه القيِّم «فكر المهديَّة» الصَّادر، ابتداءً، مطالع الثَّمانينات، قبل أن يعاد نشره مؤخَّراً. في البداية عرض الإمام، بوجه عام، لانتشار فكرة «المهديَّة» في بيئات العقائد السُّنِّيَّة، والشِّيعيَّة، والصُّوفيَّة، كما في الفلسفات الإسلاميَّة؛ ثمَّ ما لبث أن تتبَّع ذيوع الفكرة من خلال إسلام أهل السُّودان، والأيديولوجيَّة التي قامت عليها تَّعاليم المهديَّة، والمزج الذي اتَّبعه المهدي بين التَّشدُّد في التَّوحيد، وبين المعاني الصُّوفيَّة الواضحة، مركِّزاً، من بينها على الاستخفاف بخسَّة الدُّنيا، والزُّهد فيها، والاستبشار بالبلايا التي في طيِّها المزايا، والمحن التي في طيِّها المنن. هذا ما دفع أكثر المتصوِّفة للانصراف عن الدُّنيا. أمَّا المهدي فإن الصَّادق يلاحظ أن الاستخفاف بالدُّنيا انتهى عنده إلى نتيجة أخرى: الموت جهاداً لإقامة الدِّين.
على أنني وددتُّ لو تناول الصَّادق «المهديَّة السُّودانيَّة» من حيث العلاقة بين «فكر الثَّورة» و«فكر الدَّولة». فالمهدي لم يكن محض داعية ديني، أو مجرَّد متصوِّف زاهد في نعيم الدُّنيا، بل كان قائد ثورة هدفت لهدم سلطة، وتأسيس دولة، و .. بناء وجود مغاير، بالضَّرورة. وقد وفَّرت أيديولوجيَّة «المهدي المنتظر»، مطلع ثمانينات القرن التَّاسع عشر، المناخ الثَّوريَّ اللازم لاستنهاض عموم أهل السُّودان بوجه حكم آل عثمان البغيض، وصياغة صرخة الولادة الأولى للوعي القومي، في مرحلة تكوينه الجَّنيني، بكفاءة نادرة من زاوية الممكن التَّاريخي. فلئن كان بمقدور الأيديولوجيَّة، حين تتغلغل في العقول والوجدانات، أن تحوِّل الجَّماهير إلى قوَّة ماديَّة لا تُقهر، فإن شعوب السُّودان تداعت، بمختلف إثنيَّاتها، لتلبية دعوة «المهديَّة الثَّورة»، لا لتلغي تعدُّد كياناتها، وإنَّما لتتجاوز، إلى حدٍّ كبير، تنافر العنصرين المستعرب وغير المستعرب، ولتنتظم، موحَّدة في تنوُّعها، ومتنوِّعة في وحدتها، خلف قيادة الإمام الفذَّة، وتحت راياته المتعدِّدة، صوب هدف واحد هو الإجهاز على الحكم التُّركي. لقد استوعب ذلك التَّحالف الثَّوري العريض مختلف أشكال التعدُّد الاجتماعي، والعِرقي، والجِّهوي، والقَبَلي، والدِّيني، واللغوي، والثَّقافي، وارتاد بعبقريَّات أبناء الشَّعب «الفقراء الذين لا يُعبأ بهم»، كما وصفهم الإمام، آفاق الأصالة العسكريَّة، والسِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والتَّعليميَّة، والقضائيَّة، وغيرها، في مسيرة واحدة قاصدة. حتَّى القبائل التي تأخَّرت سروجها يوم الزَّحف لم تعدم بطوناً، أو أفخاذاً، أو حتَّى آحاداً من ذوي البأس انخرطوا في عصبة التَّعدُّد السُّوداني تلك، فانطلقت طاقاتها تتدافع، كالحمم البركانيَّة، وسط دوي «النِّحاس» الهادر، وصفير «الأمباية» الصدَّاح، باتجاه «.. القمَّة المنطقيَّة لمواقع النُّموِّ في المجتمع»، على حدِّ تعبير الصَّادق المهدي، من معركة «أبا» وتشكيل مجتمع «قدير»، إلى تحرير الخرطوم، وتأسيس أم درمان عاصمة للسُّودان الطالع، تاريخئذٍ، من رماد القهر، عنوة واقتداراً، نحو فضاء «الرَّايات» الزَّاهيات، و«التَّهاليل» الطليقة، و«الجُبب» المرقَّعة حدائق أمل، وتفاؤل، واستبشار، وألوان عزة، وكرامة، واستقلال، فكيف استحال كلُّ شيء إلى رماد يوم «كرري»؟!
ثمَّة عدَّة عوامل تدفعنا لاعتبار أن «المهديَّة الدَّولة» لم تنهزم، نفرة واحدة، في «كرري»، بل ظلت تنهزم، باستمرار، عبر سنواتها الثلاث عشرة كلها. أحد أهمِّ تلك العوامل مضمون الدَّعوة نفسها. فلئن كان هدف أيَّة ثورة في التَّاريخ استعدال أحوال الدُّنيا لصالح عموم الثُّوَّار الفقراء، فإن هدف «المهديَّة» كان قائماً، للأسف، على «الزُّهد» المطلق في «متاع الدُّنيا»، حيث يقول المهدي ضمن بعض أدعيته في (الرَّاتب): «ولا تجعل في قلوبنا ركوناً لشيء من (الدُّنيا) يا أرحم الرَّاحمين». كما طلب من أنصاره، لدى دخول الخرطوم، أن يبايعوه «على زهد (الدُّنيا) واختيار الآخرة»! وعلق الشَّيخ بابكر بدري على تلك البيعة، في مذكِّراته لاحقاً، بقوله: «لم أعقلها تماماً تلك السَّاعة»!
وفي الحقيقة لم يكن المهدي ينظر إلى «المال» كعلاقات اجتماعيَّة عُرضة للتَّثوير، مثلما للإفساد، وإنما كمحض «وسخ دنيوي» يتوجب الهجر في كلِّ الأحوال. وكان كثيراً ما يردِّد: «لقد دمَّرت هذه (الدُّنيا) وبنيت العالم الآتي». وفي بعض منشوراته: «امتنع عن كلِّ المسرَّات»، وعموماً لم يكن يكلُّ من الدَّعوة لاتِّخاذ الزُّهد ترياقاً مضادَّاً لجوهر الحياة (الدُّنيا) التي يلخِّصها في «فتنة الثَّروة والسُّلطة»!
توفي المهدي، فتحتَّم على خليفته أن ينهض بأعباء «المهديَّة الدَّولة» أغلب سنواتها. فلئن كان مفهوم «الدَّولة» ينطوي، في بعض دلالاته السِّياسيَّة العمليَّة، على الآليَّة التي تدير علاقات الاقتصاد والاجتماع، خلال عمليَّة إنتاج الخيرات الماديَّة، بهدف «إعمار» حياة المنتجين، فإن «المهديَّة الدَّولة»، رغم كل الجَّهد الذي بذله الخليفة في تنظيمها، ظلت قائمة، بإلحاح، على خط التَّناقض الجَّوهري مع هذا المفهوم، حيث كانت مكبَّلة، تماماً، بثوابت مرجعيَّة المهدي القائمة على «الزُّهد» المطلق في «جاه (الدُّنيا) الفاني» و«متاعها الخسيس»، والانتظار الشَّغوف ل «نعيم الآخرة» وحده. ولمَّا كان ذلك مطلباً عصيَّاً على الفطرة، وطبائع الأشياء، فقد تحتَّم أن تتَّخذ «الدُّنيا المحرَّمة» مسرباً آخر «ملتوياً» يصطدم «الحُلم» فيه ب «الممارسة»، و«المثال» ب «الواقع»، حيث الكادحون في جحيم المجاعة، بينما الشَّرائح العشائريَّة المتحلقة حول مركز الحكم المتمثِّل في الحزب التَّعايشي تجني ثمار ولائها لذلك المركز بكلِّ السُّبل.
ذلكم هو، باعتقادنا، أحد أخطر الجَّوانب في «فكر المهديَّة»، والذي أدَّى، برأينا، لسقوط «المهديَّة الدَّولة». ومن ثمَّ تمنَّينا على الإمام الصَّادق لو أنه أولاه عنايته، في كتيِّبه البديع، فأشبعه تحليلاً.

الأربعاء
من يعيد التَّأمُّل كرَّتين في روحيَّة ثورة ديسمبر 2018م الشَّبابيَّة المجيدة سيبدو له، بما يقارب اليقين، أنَّ هؤلاء الشَّباب هم أنفسهم من رسموا، ونفَّذوا، خارطة الطريق التي كانت طرحتها مفوَّضيَّة الاتِّحاد الأفريقي، في العام السَّابق على الثَّورة، متضمِّنة، على وجه الخصوص، مشكلات الصحَّة، والتَّعليم، ومحاربة البطالة، وتمكين الشَّباب من الجِّنسين، وتداولتها قمَّة انعقدت، آنذاك، بالعاصمة الإثيوبيَّة، على مدى يومين، بمشاركة ممثلين لشباب القَّارَّة، تحت شعار «تسخير العائد الدِّيموغرافي من خلال الاستثمار في الشَّباب». لقد عكفت تلك القمَّة على أجندة شديدة الاكتظاظ، حدَّ الفيض، بأشغال ربَّما لم تكن لتكفيها أضعاف أضعاف تلك المدَّة، وهي الأشغال التي لطالما بقيت شاخصة، قبل وبعد كلِّ قمَّة، لتشكِّل «التَّحدِّيات الكبرى» التي لطالما جابهت القَّارَّة، ومن بينها مقرَّرات كثيرة، بعضها إيجابيٌّ بانتظار التَّنفيذ، كالإصلاح المؤسَّسي للاتِّحاد نفسه، وتمويل الاتِّحاد من الموارد الذَّاتيَّة، والموقف الجَّماعي لدول القارَّة من إصلاح مجلس الأمن الدَّولي؛ وبعضها سالب، كقرار الانسحاب الجَّماعي من المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، وهو قرار غير ملزم كانت أصدرته قمَّة سابقة، ولم يوضع، قط، موضع التَّنفيذ في أيِّ وقت! ومن المقرَّرات الإيجابيَّة القديمة الجَّديدة، أيضاً، فضُّ النِّزاعات المسلحة في القارَّة، وصون الأمن والسِّلم، ومكافحة الإرهاب الذي تمثِّله، بالذَّات، حركة «الشَّباب المسلم» في الصُّومال، وجماعة «بوكو حرام» في حوض بحيرة تشاد ودولة بنين، خصوصاً بعد أن هدَّدت تشاد، جرَّاء نقص التَّمويل، بسحب قوَّاتها التي تحارب الجَّماعة هناك، إضافة إلى التَّحذير الذي ساقته الجَّزائر بأن هناك أكثر من خمسة آلاف أفريقي ينشطون فى صفوف هذه الجَّماعات، ويشكِّلون تهديداً يستدعي التَّنسيق وتطوير التَّعاون الاستخباري بين الدُّول الأعضاء بغرض تدقيق المعرفة بهؤلاء الإرهابيِّين، أفارقة كانوا أم أجانب، ومنع تنقُّلهم داخل القارَّة بمختلف الوسائل، كتحسين إدارة الحدود، ونقاط الدُّخول والعبور. ومن «التَّحدِّيات»، كذلك، معالجة الأوضاع المتردِّية في دولة جنوب السُّودان، ونشر قوَّة حماية إقليميَّة على أراضيه؛ وكذلك الأوضاع التي تشهد، في ليبيا، انقساما حاداً بين أطراف داخليَّة، وإقليميَّة، ودوليَّة؛ إضافة إلى الأوضاع المتخثِّرة في بورندي، وأفريقيا الوسطي، والكونغو الدِّيمقراطيَّة، والنِّزاع الحدودي المتوتِّر، منذ 2008م، بين جيبوتي وإريتريا؛ وبوجه عام وضع خطة عمليَّة لإخراس البنادق التي ما تنفكُّ تلعلع في أرجاء القارَّة، وهي المهمَّة التي كان ينبغي أن يكون قد تمَّ تنفيذها بحلول هذا العام 2020م.
وإلى تلك «التَّحدِّيات»، كذلك، مكافحة الهجرة غير الشَّرعيَّة، والاتجار بالبشر، إذ ما تزال الوكالات والصُّحف وأجهزة الإعلام تتناقل، قبل، وبعد، وبالتَّزامن مع قمَّة أديس أبابا المار ذكرها، أخباراً مقلقة عن آلاف الأفارقة الذين يغامرون بأرواحهم، هرباً من واقع مزر يدفعهم إلى الهجرة عبر الحدود الليبيَّة، ومن هناك، عبر المتوسط، بقوارب مطَّاطيَّة لا تقوى قواعدها الخشبيَّة، غالباً، على تحمُّل اكتظاظهم فوق ظهورها بالمئات، في محاولة مستميتة لبلوغ السَّواحل الإيطاليَّة، مِمَّا يسوقهم إلى حتفهم، للأسف، طعاماً للأسماك في أعماق الأعماق، إنْ لم يقضوا، قبل ذلك، عطشاً، تحت وهج الشَّمس المحرقة، بعد تعطُّل شاحناتهم في قلب الصَّحراء الكبرى!
الطَّابع الأفريقي لهذه «التَّحدِّيات» يتماهى، غالباً، مع طابعها السُّوداني، والعكس صحيح، خصوصاً ما يتَّصل بالاتجار في البشر، والفساد المؤثِّر سلباً على التَّنمية الاقتصاديَّة، والدِّيموقراطيَّة الاجتماعيَّة، والشَّراكة بين دول القارَّة. فلئن كان الاتِّحاد الأفريقي قد أعلن العام 2018م عاماً لمكافحة الفساد في القارَّة، فإن مكافحة الفساد في السُّودان تعتبر من أهمِّ أهداف ثورة ديسمبر 2018م. ولئن كان اختيار هذه الثَّورة قد وقع على د. عبد الله حمدوك ليرأس حكومتها الانتقاليَّة على مدى السَّنوات الثَّلاث القادمات، فإن حمدوك نفسه، الذي صار رئيساً لمنظمة دول الإيقاد، والسُّودان من أبرز أعضائها، هو، في الوقت نفسه، الرَّئيس السَّابق للجنة الاقتصاديَّة الدَّوليَّة الخاصَّة بأفريقيا، والذي سبق أن كشف، من موقعه هذا، أمام المجلس التَّنفيذي للاتِّحاد، في الأوَّل من عام 2017م، عن الأثر السَّالب للتَّدفُّقات الماليَّة غير الشَّرعيَّة على التَّنمية والحكامة في القَّارَّة، كما كشف عن أن القارَّة تخسر، بسبب ذلك 80 مليار دولار سنويَّاً، داعياً إلى الحدِّ من هذه الخسارة بترقية التَّعمير في أفريقيا، والمساهمة في تحقيق النَّجاعة الاقتصاديَّة، وتكثيف المبادلات التِّجاريَّة، والاستثمار المحلي، والتَّكامل الإقليمي، ومشدِّداً على تحسين الاقتصاد الكُّلي، ومناخ الأعمال في القارَّة، معتبراً أن الحكم الرَّشيد والاصلاح الاقتصادي ضروريَّان لجذب الاستثمارات، وأن رأس المال البشري عامل أساسي في التَّنمية.
رؤية صائبة من مثقَّف لا ينقصه الإخلاص، وإنْ كانت تنقصه، من كلِّ بُدٍّ، سلطة القرارين السُّوداني والأفريقي. لكن ها هو يملك، الآن، على الأقل، سلطة القرار السُّوداني، فضلاً عن سلطة التَّأثير على القرار الأفريقي، بعد أن وضعت ثورة ديسمبر قدمي البلاد على أوَّل الطريق السَّالك باتِّجاه التَّخلص من معضلتين رئيستين: القمع والفساد!

الخميس
برغم جحيم «الكورونا» المطبقة، وتواتر الاخفاق اللعين، وبرغم الحزن الحرَّاق على فراق ماما عفاف، والذي يكاد لا يبرح القلوب المكدودة، والأعين المسهَّدة، برغم كلِّ هذا وذاك، وحتف أنف جميع البلايا والرَّزايا، عادت الفرحة تتسلل، خفيفة خفيفة، كما أشعة شمس الصَّباح الشِّتائيَّة عبر الشُّرفات، وزقزقة العصافير في أعالي الغصون، وهديل الحمام فوق الأسطح، إلى دار صديق العمر أبو عركي البخيت، فقد هاتفني، مساء اليوم، ينقل لي خبر عقد قرآن ابنتنا الحبيبة د. نيلوفر والباشمهندس القاسم مصطفى محمد حماد، سليل جموعيَّة أم روابة وكواهلتها، والذي يعمل ويقيم بالدَّوحة، فيا ألف أهلاً بالأمنيات تعيد دوزنة الأشياء، وبالزَّغاريد تشرع النَّوافذ على كلِّ الرجاءات، وبالأفراح تقشع الهموم من كلِّ الآفاق.

الجُّمعة
كلما بقي فقراء العالم الثَّالث أسرى عوزهم، كلما انفتحت المزيد من بوَّابات «النَّعيم» أمام الفئات والشَّرائح الطفيليَّة. هذه معادلة بسيطة، ومَن لم يدركها، بعدُ، وسط جدليَّات الاقتصاد الحديث، القائم في تمائم النيوليبراليَّة، كتعاليم البنك الدَّولي، وروشتات صندوق النَّقد الدَّولي، من شاكلة «حريَّة السُّوق»، و«التَّكيُّف الهيكلي» و«رفع الدَّعم»، وما إلى ذلك، فدونه الحكمة القديمة: «ما اغتنى غنيٌّ إلا بفقر فقير»، وقد قلت لأستاذي السُّوفييتي، قبل سنوات خلت، إنني ما فهمت نظريَّة «فائض القيمة» كما فهمتها من هذه الحكمة التي بسطها الكرَّار، كرَّم الله وجهه، بأيسر وأبلغ مِمَّا فعل الخواجة كارل ماركس بعده بقرون طوال! أمَّا مَن أعجزه إدراك شئ من كلِّ ذلك، فعليه، حينئذٍ، أن يراجع مكامن الوعي لديه!
وهكذا، عندما يحاول السَّيِّد إبراهيم البدوي، وزير الماليَّة، بكلِّ تهاويل الألقاب الأكاديميَّة والسِّيرة الذَّاتيَّة الملازمة لاسمه، أن يقنعنا بألا سبيل أمامنا للخروج من وهدتنا الاقتصاديَّة الرَّاهنة سوى تطبيق هذه الرُّوشتات، بجوهرها المتمثِّل في رفع الدَّعم عن قوت الشَّعب، ومحروقاته، والاعتماد، من بعد الله عزَّ وجلَّ، على المزيد من القروض والمعونات الخارجيَّة لإسناد ميزان مدفوعاتنا، فإن علينا أن نقول له، وبالفم الملآن: «كضباً كاضب يا دكتور»! فقد علمتنا «أكاديميَّة المعاناة اليوميَّة» أن ثمَّة طريقاً آخر أكثر يسراً وسلامة تحت أبصارنا، مباشرة، لو دقَّقنا النَّظر، واتَّبعنا شروط السَّير فيه، ومن أهمِّها أربعة:
(1) أن ننزع من أذهاننا غشاوة الوهم القائل بأن الحلَّ يكمن في زيادة الأجور! فكلُّ زيادة كهذه تستتبع، ضربة لازب، ارتفاع الأسعار، مِمَّا يفضي، بالتَّبعيَّة الحتميَّة، لارتفاع معدَّلات التَّضخُّم. وهذا ما يجعل من اقتصادنا «جُرة البصيرة ام حمد» التي سنقطع، في البداية، رأس العجل داخلها، قبل أن نعمد إلى كسرها بأيدينا، كما في الأحجية القديمة!
(2) أن تنزل الدَّولة، بلا وجل، إلى ميدان الانتاج، حتَّى يعود القطاع العام، بدلاً من الطفيليَّة، لقيادة اقتصادنا، ليس في الأمور الهايفة، وإنَّما في المجالات ذات العوائد المرتفعة، كالمجال الزِّراعي، بشقَّيه النَّباتي والحيواني، مصدر غذاء الشَّعب الأساسي، والمكمن الرَّئيس للفائض الاقتصادي، بالإضافة إلى قطاع التَّعدين، وبالأخصِّ الذَّهب، دَعْ ضرورة أن تتوسَّع في إنتاج وتصدير عشرات المحاصيل الأكثر أهميَّة، والمرغوب فيها عالميَّاً، كالصَّمغ المصنَّع، وليس الخام، ومراقبة حدودنا لمنع تهريبه، فضلاً عن تصنيع وتصدير القطن، والسِّمسم، والكركدي، والعرديب، والفول السُّوداني، والمحاصيل المطلوبة للصِّناعات الدَّوائيَّة، كالتَّبلدي، والسَّنمكة، وما إليهما، فلا تتخلى عن ذلك، بالكليَّة، للقطاع الخاص!
(3) أن تخضع استثمارات القطاع الخاص، لكي تستحقَّ أن تُمنح أيُّ إعفاءات، لشروط قانون استثمار يلزم المستثمرين بأولويَّات التَّنمية كما تحدِّدها الدَّولة، من الصِّناعة إلى السِّياحة، ومن الزِّراعة إلى الثَّقافة، وهلمَّجرَّا، فلا تُترك مطلق خياراتها «سداح مداح» لرأس المال الخاص، حيث سيختار، من كلِّ بُدٍّ، الاستيراد سريع الرِّبح، فينطلق يشحن أرفف البقالات بمئات الأنواع من البسكويت والشُّوكولاتة، ويكدِّس فيترينات البوتيكات بما لا عين رأت ولا أذن سمعت من صنوف دهانات الشَّعر، والكريمات فاتحات لون البشرة، متوسِّلاً إلى ذلك بكلِّ الالتواءات الجُّمركيَّة، وبشتَّى أساليب التَّهرُّب الضَّريبي!
(4) أن يتلازم مع كلِّ ذلك إلغاء نهائي يتَّسم بالصَّرامة والحزم لحريَّة التَّداول والمضاربة في النَّقد الأجنبي، بما يكفل الحدَّ من انخفاض قيمة العملة الوطنيَّة، بعكس توصيات وروشتات البنك والصُّندوق الدَّوليَّين، الرَّاميين إلى تحرير سعر الصَّرف.
تلك بعض سبل الخلاص التي سيظلُّ اقتصادنا، بدونها، ينازع سكرات الموت، على طاقاته الكامنة، تماماً كما «الأسد الفى القيد يناتل»!
السَّبت
وددتُّ لو أن مولانا نعمات عبد الله، رئيسة القضاء الموقَّرة، لم تقطع على قلمي طريق الكتابة عنها، بمناسبة الثَّامن من مارس، يوم المرأة العالمي، احتفاءً بكونها أوَّل قاضية امرأة تتبوَّأ هذا المنصب خلال أكثر من مائة عام هي تاريخ السُّلطة القضائيَّة في السُّودان. ولكن السَّيِّدة نعمات، للأسف، جعلت من ذلك الاحتفاء أمراً غير ممكن، بموقفها المتعجِّل من حادثة الفاو، بولاية القضارف، حيث «قيل» إن ضابطين بالقوَّات المسلحة اعتديا على قاضٍ داخل محطة وقود في المدينة، فما كان منها إلا أن أمسكت بالواقعة، فوراً، من «زمارة» رقبتها، مصدِّقة رواية منسوبها من طرف واحد، ومعلنة إضراباً عاماً لجميع القضاة، باعتبار أن «الاعتداء» قد «ثبت»، وأنه يمثل «انتهاكاً صارخاً»، و«تعدِّياً سافراً» على «المبادئ الدُّستوريَّة والقانونيَّة وهيبة القضاء»، بعكس اتِّفاق جميع الدَّساتير، والقوانين، والأعراف الدَّوليَّة، على «وجوب احترام القضاء المستقل من كلِّ مؤسَّسات الدَّولة وأجهزتها المدنيَّة والعسكريَّة». فلو أن هذه العبارات الفخيمة، والتي نؤمِّن عليها، ونتَّفق معها، من كلِّ بُد، قد وردت ضمن حكم قضائيٍّ نهائيٍّ أصدرته دائرة بالمحكمة العليا، ضمن «طلب فحص»، في خاتمة «إجراءات قانونيَّة جنائيَّة» هادئة، بلا تشنُّج، ابتداءً من تدوين البلاغ، وفتح الدَّعوى، والتَّحري فيها، ونظرها أمام محكمة مختصة، ثمَّ إخضاعها لكلِّ مراحل الاستئناف والطَّعن، لوجب علينا، من كلِّ بُدٍّ، إحناء هاماتنا إجلالاً، وتقديراً، واحتراماً، وانصياعاً لكلمة القضاء الفصل، وحكمه العادل، بصرف النَّظر عن الطرف الذي صدر لصالحه، أو ضده. أمَّا وقد وردت العبارات بهذه الصُّورة الجُّزافيَّة المتعجِّلة، والتي تنمُّ عن حميَّة الخصومة، بأكثر من برود الحياد، فهي إنَّما تستوجب النَّقد الصَّادق الأمين، دون ملق أو نفاق.
لقد خلطت السَّيِّدة نعمات بين استقلال القضاء، وبين توقير الشَّخصيَّة الاجتماعيَّة للقاضي، وساوت بين الاعتداء الذي يقع على قاضٍ أثناء تأدية عمله، وبين الاعتداء عليه ربَّما أثناء مشاجرة في طلمبة بنزين! واستعاضت عن قاعدة «سيادة حكم القانون»، بقاعدة «المحاباة المهنيَّة» للبعض على حساب الآخرين! كما استعاضت عن إجراءات «التَّحري» التي تباشرها «النِّيابة المستقلَّة»، بتقرير بعض «منسوبي مكتبها» الذين بعثت بهم إلى الفاو ل «الوقوف» على ما حدث! ثمَّ استعاضت عن الإجراءات القانونيَّة ل «المحاكمة»، في جميع مراحلها، بإجراءات أقرب إلى المحكمة المعيبة التي يُصطلح عليها ب «محكمة الكنغرو Kangaroo Court»، كناية عن تلك التي تتجاهل الالتزامات القانونيَّة والأخلاقيَّة، عمداً، بينما تخفي الحكم، مسبقاً، في «جيبها»، مثلما يضع الكنغرو مولوده في الجُّراب الملتصق ببطنه! وقد فعلت رئيسة القضاء ذلك بإلزام جميع القضاة بالدُّخول في «إضراب» عن العمل ابتداءً من 25 مارس الجَّاري، استناداً إلى واقعة لم تستوف شروط التَّحري حولها، علماً بأن القضاء، بعد أن يوعز لعامَّة النَّاس بأنه لا قدرة له، بغير «الإضراب»، على استرداد حق يرى أنه سُلِبَ منه، فإنه لن يعود لديه، بالتَّالي، ما يقنعهم بقدرته على أن يستردَّ لهُم هُم أيَّ حقوق قد تكون سُلبت منهم!
ما جرى قد جرى، وانتهى الأمر، ولأنه يتَّصل بعلاقة الثِّقة شديدة الحساسيَّة بين القضاء والجُّمهور، فما من سبيل لإصلاحه بغير جراحة غاية في القسوة، عنوانها، للأسف الشَّديد، «استقالة السَّيدة نعمات»!
الأحد
بفضل الله تعالى، ثمَّ بفضل نهوض مجموعة «دال» بمسؤوليَّاتها الاجتماعيَّة، والتَّنظيم البديع للقدَّال وعشاري والآخرين، بإشراف صديقنا التَّشكيلي فتحي محمَّد عثمان، عاد المبدع عبد الكريم الكابلي إلى أرض الوطن، رافلاً في ثوب الصحَّة والعافية، وبعودته عاد بعض الرُّوح المغيَّب إلى الفنِّ، والأريج المهاجر إلى منتديات الأدب والثَّقافة، وكثير من البهار إلى مجالس الأنس والأخوانيَّات، حتَّى لقد قال الرِّجال بخٍ بخٍ، أمَّا النِّساء فقلن زينة! وقد لا يجهل معظم النَّاس مناقب كابلي الثَّقافيَّة، لكن الكثيرين قد لا يعلمون كم هو إنسان خفيف الظلِّ، حاضر البديهة، سريع الطرفة، فهو، بهذا، ليس، فقط، فناناً مفيداً لمجتمعه، بل هو، أيضاً، إنسان جميل، يألف ويؤلف.
إلتقينا معه، ذات خميس بعيد، أمام نافذة صرَّاف إذاعة أم درمان، وكنا، هناك، عبد الهادي صديق، وعبد القدوس الخاتم، وشخصي، وغيرنا كثر، مطربين وعازفين ومقدِّمي برامج، نروم صرف استحقاقات لنا آنذاك. ولمَّا جاء دوري في الطَّابور فاجأني الصَّرَّاف بأنني سبق أن صرفت استحقاقي! حاولت أن أنفي له ذلك بهدوء، لكنه أصرَّ على الاستعصام بدفاتره، يصدِّقها ويكذِّبني:
«يا أستاذ أهو دا توقيعك قدَّامي»!
تعكَّر مزاجي وسط الصَّمت الذي ران، بغتة، على المكان، وبدأ يعتريني غضب عارم إزاء ذلك الاتِّهام الغليظ لذمَّتي. لكن سرعان ما أحسست بكفٍّ رقيقة تربت على كتفي، فالتفتُّ لأجد كابلي يخاطبني بتعاطف جم:
«معليش يا أستاذ .. بتحصل، أنا الشهر الفات سجلت (أراك عصيَّ الدَّمع)، ولما جيت أصرف لقيت أبو فراس الحمداني سبقني .. وقَّع وشال القرشين»!
انفجرنا، أجمعين، بضحك صخَّاب، بما فينا الصَّراف نفسه، الذي راجع حساباته، واكتشف خطأه، فاعتذر عنه، وصحَّحه، وسط مزاج الصَّفاء الأخواني ذاك الذي أشاعه كابلي، فمرحباً به .. ألف مرحب!
***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.