مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أسطورة كوش .. بقلم: كوكو موسى
نشر في سودانيل يوم 14 - 04 - 2020

إلى هواة الروايات المصرية للجيب هذا ليس عنواناً لإحدى مغامرات رفعت إسماعيل، الشخصية المسلية والطريفة في روايات الكاتب الرائع الراحل د. أحمد خالد توفيق، والذي يجدر بالإجيال الجديدة الإطلاع على كتاباته للتعرف على أسلوب مميز للكتابة بالعربية بغض النظر عن المحتوى الذي قد يختلف حوله البعض. لقد كان المؤلف الراحل يستبق إسم كل قصة من سلسلته الشهيرة ما وراء الطبيعة بكلمة أسطورة، ولكننا في الحقيقة هنا نريد أن نتحدث عن أسطورة ليست مسلية ولا يمكن أن تكون طريفة لأن ''الجاك‘‘ - المركز اللإسلاموعروبي لكي لا تتسائل كثيراً من هو الجاك - لايمكن أن يكتب قصة مسلية و لا يمكن أن يتذوق أو ينتج شيئاً طريفاً، إن الجاك هو سيكوبات بلا رحمة ويتجه نحو أهدافه بلا هوادة وهو لا يبتسم إلا لينتزع شيئاً نفاقاً، ناهيك عن أن يضحك، وفي الحقيقة فإن الجاك لايبتسم من قلبه، إذا كان لديه قلب، إلا بعد أن يكمل مهمته الأبدية في الصعود والتربع فوق أجداث وجماجم الناس مهما كان الثمن، إنه مستعد لأن يَحكم جثث على أن يُحكم.
من المعروف أن من الهوايات المحببة للجاك سرقة عناوين المفاهيم التي تم تقديمها من الهامش وتقديمها كأطباق عليها مفاهيم مختلفة تماماً أو حتى مضادة للمفهوم الأصلي مع تمجيد صاحب العنوان والمفهوم الأصلي بغرض التضليل والتشويش الفكري، ولكي يعطي إنطباعاً بأنه على صفحة واحدة مع الهامش، وبهذا فإنه لايوجد مبرر للمتاعب التي يخلقها له الهامش سوى العمالة والعنصرية وغيرها من الصفات المعروفة.
السودان الجديد وهو التعبير الذي إشتهر به الراحل المرحوم د. جون قرنق والحركة الشعبية لتحرير السودان إبان رئاسة المرحوم لها هو من أكثر التعابير والمفاهيم التي حدث حولها تجاذب في السياسة السودانية الحديثة وبما أن القصد النهائي من التعبير هو سودان علماني (بلا مواربة) ديموقراطي مع مسحة إشتراكية تقوم على تنمية الريف والمرأة وإزالة الفروقات الطبقية الحادة التي تتخذ مظهراً عرقياً سافراً ومزمناً، وكسر إحتكار وسيطرة (وليس إزالة) الثقافة الإسلاموعروبية على الدولة والتشريع وجميع مناحي الحياة، نجد أن تعبير السودان الجديد قد تعرض للسرقة والتحريف بصورة متعمدة في السنوات الأخيرة منذ ما قبل سقوط الإنقاذ وحتى هذه اللحظة، لقد قامت العديد من قوى الحراك الذي أطاح بالبشير بتبني المصطلح حتى أني أشك في أن عدد كبير من الأجيال الجديدة التي خاضت إنتفاضة (ثورة) سبتمبر ليس لها علم بأصل هذا التعبير ومعناه الحقيقي، ومن الواضح أن إستخدام هذا التعبير من قبل هذه القوى بهذه الصورة الدعائية المقصود منه التشويش على قوى وجماهير الهامش وتضليلها، هذا غير إحراج قادة حراك الهامش بإيهام جماهيرهم بأن السودان الجديد المقصود به هو سودان بلا بشير ومعاونيه المقربين. وفي الحقيقة كان يمكن لهذه القوى سك مصطلحات أخرى تعبر عن رؤاها الخاصة كما فعل الصادق المهدي بتبشيره بالسودان العريض بدلاً عن السودان الجديد وهذا من حقه ومن حق جميع القوى الأخرى الفاعلة في السودان، وبما أنه يمكن أن يخرج قائل بأن تعبير السودان الجديد الذي يستخدم الآن ليس له علاقة بسودان قرنق وبأنه وليد لحظة تفاعلية جديدة، فإن هذا قول مشكوك فيه لكل من يتأمل في المشهد السوداني ولديه إحساس بسيط بكيفية تفكير النخب والقوى السياسية السودانية المختلفة والتي لم يحدث أن خيبت التوقعات فيها.
هذا يجعلنا نستحضر إحدى سخافات الإنقاذ في آخر سنتين لها حيث أخذت تلوك أدبيات السودان الجديد بطريقة مقززة لتعطي لنفسها وجهاً جديداً، حتى إنه في إحدى المرات تحدث حسبو عبدالرحمن في المجلس الوطني عندما كان نائباً للرئيس، وقد سمعته وشهدته بأم عيني في التلفاز، عن ''السودانوية‘‘ تماماً بالمفهوم الذي تحدث عنه المرحوم قرنق (تخيل!) وربما البعض لايعرف تاريخ الرجل ليفهم ما أرمي أليه هنا، ناهيك عن أنه يمثل النظام في ذلك الوقت، ولقد أخذ يستهبل ويستدر عطف المشاهد بطريقة إذا وصفناها بأنها مثيرة للإشمئزاز، بإعتبار من هو الرجل ولأي نظام يتبع، لانكون قد أعطيناها حقها في الوصف. ولم تكن الإنقاذ تخجل في ورطتها الأخيرة بأنها أيضاً تريد سودان جديد.
بنفس الكيفية نجد بأن هناك توجهات بإستخدام كوش لإنقاذ الجاك من ورطته الوجودية، وفي الحقيقة فإن هذه التوجهات بدأت الإنقاذ نفسها تستخدمها بكثافة في سنتها الإخيرة ويتم إستخدامها الآن بنفس الكيفية مما يعطي الإنطباع الأزلي بأن عقلية الجاك سوى كان إنقاذ أو قحت هي نفس العقلية، فقط الإنقاذ هي النسخة العبيطة من الجاك عندما لايتناول أدويته.
كلنا يعلم بأن د. جون قرنق قد إستخدم كوش في خطابه وأدبياته. وفي إعتقادي، وهذا رأيي الشخصي، فإن إحدى أسباب إستخدام د. قرنق لكوش كان لتوضيح أن عودتنا لجذورنا الأفريقية وإستصحابنا لها في سودان التنوع التاريخي لايعني تلطيخ سمعة السودانيين المستعربين بأفريقية راقصة عارية من الملابس تقضي وقتها بين اللقيط والصيد لتأكل أو الهروب من صائدي العبيد كرياضة في أوقات الفراغ بين الرقص والأكل والتكاثر (المخيلة العربية عن الأفريقي). وبأن لأفريقيا حضارات عظيمة لايحكى عنها منها حضارتنا الكوشية، وبأنه لا داعي ''لإستعرار‘‘ المستعربين السودانيين من أصولهم الأفريقية بل عليهم الإفتخار بها. ولكن بالطبع هذا لايمنع بأن القاصي والداني يعلم بأن لدكتور جون إهتمامات عميقة وأصيلة بالتاريخ الأفريقي كسليل شرعي لمدرسة التحرر والرابطة الأفريقية وهي سمة مشتركة بين جميع قادة التحرر الأفارقة من نيريري وحتى مانديلا، ولا يسع المرء هنا سوى أن تستحضره القصة المؤثرة المنشورة على لسان القائد يوسف كوة مكي بإكتشافه لذاته من خلال دراسة نفس التاريخ الذي نبشه قادة التحرر الأفريقي. ونبشهم لهذا التاريخ لم يكن الغرض منه التشبث بالماضي بقدر ما كان كشف أكاذيب ومقاربات المستعمر الأبيض المستعلي الخادعة للسيطرة وإستغلال الآخرين، وهي الممارسة التي لم تكن حكراً فقط على المستعمر الأوربي الأبيض كما رأينا في ممارسات المستعربين في السودان وممارسات غيرهم في مناطق أخرى. ولكن لا يمكن إنكار أن من ضمن أسباب هذا النبش رفع معنويات الإنسان الأفريقي الأسود الذي يتم إيهامه دائماً بأنه منبت وغير قادر على إنتاج حضارة. وبالطبع فإنه حتى أخينا الأفريقي العاري الراقص له الحق في حقوقه الإنسانية كاملة غير منقوصة أو مشروطة بإنتمائه لحضارة عظيمة كالحضارة الكوشية، ولا يمكن أن يدعي أحد بأن د. جون قرنق كان يمكن أن يكون له رأي غير هذا، بل يمكن الجزم بأن من الأسباب الرئيسية (لكن ليس بالضرورة هو السبب الوحيد) التي من أجلها رفع السلاح كان من أجل أخينا الأخير هذا.
خلافاً لخطاب د. جون فلقد برز خطاب جديد (ليس جديد تماماً) يستخدم كوش بطريقة مريبة، إلا أن هدف الإستخدام لا ريبة فيه وهو التهرب من الإستحقاق الأفريقي والذي على أقل تقدير يطالب بالمساواة وإزالة العنصرية المنهجية والتي تؤدي لتكريس أوضاع معينة لعناصر معينة. خلاصة هذا الخطاب بأننا ككوشيين فإننا آباء وأجداد للعرب ولأفارقة معاً وبأننا قد أورثناهم الحضارة وسبقناهم فيها وبأنه لا جدوى من الإدعاء بأننا عرب أو أفارقة فنحن أعلى منهم الإثنان ويجب أن نسموا فوقهما، في خطاب شوفيني إستعلائي جديد لا نعرف إلى أين سيقودنا هذه المرة. ورغم أن د. جون كان يتحدث عن كوش كحضارة أفريقية سوداء جنوب الصحراء إلا أن الجاك قد رضع من ثدي أمه رفض كل ما هو أفريقي أسود يمت لجنوب الصحراء بصلة، ولهذا قام بتحوير كوش إلى مخلوق عُلوي جديد ليمارس به هواية قصف الآخرين بالأنتينوف من علٍ. بالتأكيد سيقوم الجاك بإعادة فرز الكوشيين في السودان لأصناف جديدة تمكنه من ممارسة هواية الأنتينوف إياها بعد أن يتخلص من معضلة حوار عرب وأفارقة، وقد بدأ هذا فعلاً فهناك على سبيل المثال فيديو كليب لأغنية شهيرة تم إعادة إنتاجها وفي الفيديو الذي تم تصويره وسط الإهرامات السودانية يلعب دور الكوشيين ممثلين من عرقية معينة نعرفها كلنا وقد كان لونهم موحداً بطريقة غريبة كأنه قد تم طلائهم قبل التصوير مما يوحي بأن الأمر مقصود وفيه رسالة واضحة بأن هؤلاء هم الكوشيين الفرز الأول كأننا في مصنع للسيراميك، وهذه ليست أول مرة بالمناسبة. في الحقيقة فإن هذه المقاربة للتهرب من الإنتماء للأفارقة وحل معضلة الإنتماء للعرب بوضع أنفسنا آباء لهم هم والأفارقة معاً يمثل سابقة عتهية جنونية جديدة من نوعها (كما قلنا ليست جديدة تماماً فلدكتور جعفر ميرغني أطروحة مماثلة صدع بها الأوساط العربية ليثبت لهم بأننا لسنا عبيدهم ولكن آبائهم!!) إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: طيب جد القرد حيكون تيس يعني؟!
وبعيداً عن المقاربة اللاهوتية لموضوع كوش فمن المعروف بأن سكان الجزيرة العربية ربما هم من أول المجموعات التي خرجت من أفريقيا. حيث أن الإنسان الحديث الهوموسابين Homo sapiens عموماً وهو السلالة البشرية الوحيدة المتبقية من عدة سلالات إنقرضت وعاشت فترات أطول بكثير في هذه الأرض من هذا الإنسان الحديث حيث أن الفترة التي عاشها هذا الإنسان الهوموسابين (نحن) هي أقل فترة عاشتها سلالة بشرية على وجه الأرض. هذا الهوموسابين وأكرر هو نحن بجميع أشكالنا وألواننا وعرقياتنا الموجودة في الكرة الأرضية من بيض وسود بما فيهم العرب والآسيوين وغيرهم فإن أقوى نظرية وهي النظرية المعتمدة الآن والأكثر قبولاً بأن أصله من القارة الأفريقية وتحديداً من شرق القارة، وهو ينتمي في الشجرة البشرية لمجموعة الهومو Homo group وهي المجموعة الوحيدة التي خرجت من القارة الأفريقية والتي يعتقد أنها مهد البشرية عموماً. لذلك فإنه من الناحية العلمية لا توجد عناصر بشرية الآن سوى الهوموسابين.
إن من المؤسف القول بأن المنصة التي نقف عندها لحل المشكلة العرقية في السودان هي منصة منحطة لم تغادر فيها المفاهيم على أحسن تقدير القرن ما قبل الماضي ويقف أحدثها عند النازية والفاشية، ناهيك عن أصحاب أن الإسلام هو الحل ومن بينهم من يعتقد أن تعريض السودان سيكون مُرضياً رغم أن البعض قد يرى أن الطول هو الأهم! والموضوع بالمناسبة ملامحه بسيطة وليس له علاقة بكوش أو عظمة مدعاة أو حقيقية أو غيره، ومقاربة أن تنتمي لحضارة عظيمة لتكون لديك قيمة فهذه قيمة فارغة لا تمت للإنسانية الحديثة بصلة وهي قيمة مزمنة لدي الشعوب المتخلفة التي تتزيل الحضارة الإنسانية الآن فتبحث عن قيمتها في الماضي بطريقة مَرضية ليس من أجل إستلهام الدروس والعبر من التاريخ بل من أجل عبادته، هذه الإنسانية الحديثة لديها مشكلات لم تحل بعد من أهم هذه المشكلات مشكلة العنصرية وهي مشكلة لا يعاني منها السود فقط بل حتى البيض يعانون منها، إلا أن السود وأفارقة ما تحت الصحراء كانوا ولا زالوا لديهم نصيب خاص من هذه المشكلة وهي معاناة لا تستثني مستعربي السودان حيث لا تخطئ العين سوادهم الذي يتخيلون غيره، وعندما نقول مستعربي السودان فنحن لانقصد وصف سلبي بقدر ما نقصد المعنى حرفياً، فرويداً رويداً أصبح يثبت عن طريق البحث والدراسة بأن لاوجود عربي عرقي بالمعنى الحقيقي في السودان وبأن معظم من يتصفون بالعروبة في السودان هم أفارقة إستعربوا تحت ظروف تاريخية معينة، وبأن نفس هذه الظروف شكلت إستعرابهم العدائي للآخرين، وبأن ما يعتقدون بأنه دعوة للأفرقة ليس أكثر من دعوة للوعي بأنهم بغض النظر عن عروبتهم أو غيرها فهم سود ينتمون ويقطنون أفريقيا جنوب الصحراء وتنطبق عليهم مشكلة السود في هذه المنطقة بحذافيرها وكونهم يتحدثون العربية ويدينون بالإسلام فهذا حال معظم الشريط السوداني بما فيه السودان الفرنسي من تشاد وغيرها، وكما نضحك نحن على لغتهم العربية ونتعجب منها فهذا حالهم بالضبط عندما يستمعون للغتنا العربية وطريقتنا في الكلام، فكل جماعة بشرية تعتقد أنها هي الطبيعية والصحيحة وأن الآخرين غريبين، وأعتقد أن كل من عاش فترة بسيطة في الخارج يعرف هذا، خصوصاً بعد أن يفاجئك شخص عربي بأنه لم يكن يعتقد بأن اللهجة السودانية الدارجة التي تحدثت بها معه هي لغة عربية! وبهذا فإن كوش ليست حلاً لإشكال الجاك ولا تطرفه في إدعاء العروبة والإستعلاء بها في وجه إخوانه من الأفارقة السود في السودان ليواجه هو نفس المشكلة بحذافيرها فقط عندما يقطع البحر الأحمر شرقاً في إتجاه الجزيرة العربية نفسها التي يدعي بأنه من أشرافها، ليكتشف بأنه ليس سوى رجل أسود Black man كأي إنسان أسود على وجه الكوكب وسيكون كذلك إذا ذهب إلى أمريكا أو أستراليا أو بروناي أو أي مكان في العالم، وسوف لن يحل المشكلة أو يخفف منها سرد شجرة الإنتماء للعباس. وقد شرحت من قبل لأحد زملائي العرب في إحدى الدول العربية إبان فترة عملي فيها ونحن على طاولة الغداء بأن إخوتنا في شمال السودان خصوصاً الشريط النيلي في معظمهم ينتمي بصورة مباشرة للعباس عم الرسول كجد لهم ولهذا فإنه يسمى أحيانا، خصوصاً تلك المنطقة، بالسودان العباسي. فما كان من زميلي هذا وهو شخص متدين ومحترم لا يستهزئ بالناس إلا أن هتف بدهشة حقيقية (يا شيخ!). وللحقيقة كان بعض الأخوة من الزملاء السودانيين الشماليين يتململون بتوتر عندما إنفتحت هذه السيرة في خضم شرحي لهذا الزميل بعض الحقائق عن السودان. ففي الحقيقة فإن الكثير من الأخوة العرب لايستوعبون فكرة أين العرب في السودان. ولهذا فإن الكوشية كإستعلاء جديد سوف لن تحل مشكلة السوداني مستعرباً كان أو أفريقي في مواجهة أخيه السوداني أو مواجهة العرب أو العالم، فأينما حللت سواء لبست تاجاً كوشياً أو عمامة عربية مهما طالت فأنت إنسان أسود Black man وستواجهك مشاكل الإنسان الأسود فلهذا بدلا عن أن تقتل أخيك الأسود في السودان أو أن تقصيه عن طريق الدين أو العروبة أملاً في أن يتم إعفائك من هذا الإنتماء فمن الأجدر الإعتراف بأنك أفريقي أسود لا تختلف عنه كثيراً وأن تتضافر جهودك معه لحل المشاكل التي تواجه الأفريقي الأسود (بما فيه أنت) في بلده وفي قارته وفي العالم كله ومنها إستعادة إنسانيته كإنسان فقط، ناهيك عن إشكالاته التنموية، وهذه المشاكل يعمل على حلها الحراك الأفريقي السياسي والإقتصادي والفكري منذ فترة طويلة وكان من ثمارها مثلاً الرابطة الأفريقية Pan-Africanism ومن المنتمين إليها الزعيم جمال عبدالناصر وبن بيلا والحبيب بورقيبة والذين لا يشكك أحد في عروبتهم على المستوى الشخصي أو على مستوى دولهم، فما بالك بمستعربي السودان الذين يجندون الجيوش لمحاربة مثل هذه التحركات بإعتبارها تريد القضاء على العروبة والإسلام في السودان متناسين أن قسم كبير من الأفارقة هم مسلمون ويتحدثون إما العربية أو لغات شبه عربية إن جاز التعبير. وللمفارقة فإن أفكار جمال عبدالناصر كقائد تحرري هي أقرب لأفكار منظري الهامش في السودان ولايمكن أن تتفق من قريب أو بعيد مع أفكار عروبي السودان، ومع هذا نجد بأن هناك ناصريين في السودان وهم يقفون في قلب تشكيلة المركز الإسلاموعروبي، وهم ليسوا بإستثناء عن باقي إخوتهم اليساريين في الشمال.
وخلاصة القول فإن كوش وسودان جديد الجاك لا يلزمنا، فإذا كانت هذه الكوش القصد منها ملء الفراغ الإستعلائي الذي سيتركه التوقف عن الإستعلاء العروبي لحفظ وحدة السودان وفي نفس الوقت الهروب من أصلنا الأفريقي فنحن لا نتشرف بأننا كوشيين.
كوكو موسى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.