مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





من تاريخ مديريتي النيل الأبيض وأعالي النيل في العشرين عاما الأولى من الحكم الثنائي .. بقلم: بيرسي أف. مارتن .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 24 - 04 - 2020


Percy F. Martin بيرسي أف. مارتن
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لما جاء في الفصل الخمسين من كتاب (السودان في طريق التطور) The Sudan in Evolution الذي صدر بلندن في عام 1921م عن دار نشر كونستابل وشركاه، بقلم المؤلف البريطاني بيرسي أف. مارتن Percy F. Martin (1861 – 1941م).
ويتناول المؤلف هنا تاريخ مديريتي النيل الأبيض وأعالي النيل في السودان في غضون العقدين الأولين للحكم الإنجليزي – المصري للسودان.
المترجم
******* ********** *******
مديرية النيل الأبيض
تُعد مديرية النيل الأبيض، مثلها مديرية النيل الأزرق، من أصغر مديريات البلاد مساحةً، إذ أن مساحتها لا تزيد عن 14,700 ميلا مربعا، وعدد سكانها يقدر ب 155,000 نسمة. وربما يكون هذا الرقم مبالغا فيه، ففي الغالب لا يزيد عدد سكان المديرية عن 120,000 نسمة، منهم 62,000 من الذكور البالغين.
وبالمديرية سبعة فقط من المآمير يعملون في الدويم والقطينة والكوة وربك والجبلين وتندلتي وكوستي.
وتعرضت العديد من أجزاء هذه المديرية لكثير من الأضرار بسبب ما حاق على مدار السنوات الأخيرة بقطعان ثروتها الحيوانية نتيجة لشح الأمطار أو توقفها أو تأخر هطولها. وأفضى ذلك بالطبع لفشو الفقر بين غالب سكان المديرية.
غير أن المرء لا يملك إلا أن يلاحظ أن الأهالي هنا – وهم من قبيلة أو قبيلتين كانتا من الرُحل ثم استقروا في هذه المنطقة – يرتدون عادةً ملابس أفضل، ويتناولون طعاما أجود من كثير من السودانيين الآخرين. ولعل السبب في ذلك أنهم كانوا – في الأحوال العادية – يجدون الكثير من الوظائف التي تجلب لمن يرغب منهم في العمل دخلا مجزيا. وكان الكثير من الأهالي هنا يرغبون في العمل، ولا غرو، فقد كان الطعام في تلك الأوقات نادرا وأثمانه باهظة جدا.
ويمتلك أفراد قبيلة بني جرار قطعانا كبيرة من الأبقار والأغنام، ويبدون عادةً في حال (اقتصادي) طيب. وبعد أن منعت قوانين الحكومة هؤلاء الناس من الاتجار بالرقيق أو الاحتفاظ بهم (وهي ممارسة كانت سائدة عندهم في غضون سنوات حكم المهدية)، صاروا أكثر اعتمادا على أنفسهم في قضاء أعمالهم. وكان ذلك يصب في مصلحتهم ومصلحة مجتمعهم.
وكانت السنوات القليلة الماضية شديدة القسوة على هذه القبيلة وغيرها من سكان المديرية بسبب القحط والجفاف الذي حاق بها وأدي لنفوق أعداد كبيرة من أنعامهم جوعا، أو لإصابتها بأمراض خطيرة. ولم ينج من تلك الأوضاع البئيسة سوى المناطق الجنوبية في المديرية، إذ لم تنتشر بين أبقارها الأمراض مثلما فعلت في بقية أجزاء المديرية، وبذا تمكن سكان تلك المنطقة الجنوبية من شراء ما يحتاجونه من حبوب ببيعهم لبعض أبقارهم.
الدويم: عقب وصول الخط الحديدي لمدينة الأبيض فقدت الدويم الكثير من أهميتها التي احتفظت بها طويلا بحسبانها سوقا تجاريا لكثير من المنتجات الزراعية. ولعل في هذا مصداقا للقول المأثور (لشكسبير): "شبكة الحياة عبارة عن غزل مختلط، فيه الحسن، وفيه ما دون ذلك". فما جلب النجاح والازدهار لمدينة ما قضى عمليا على مدينة أخرى. وهجر الدويم الكثير من كبار تجارها وحطّوا رحالهم بمدينة الأبيض واقتحموا ميادين تجارتها. ويقول سكان الدويم بأن بيوتهم قد فقدت الآن نحو نصف قيمتها القديمة، وثلاثة أرباع محلات أعمالهم خالية الآن. وتبعا لذلك فَقَدَ كل شيء تقريبا قيمته في الدويم. وتبدو تلك البلدة الآن في حالة بائسة بالفعل.
والدويم ليست في الواقع سوى قرية كبيرة متناثرة. ويميزها للقادم نحوها من على بعد أميال، تحت ضوء الشمس الأفريقية الساطعة، مقبرة ذات قبة بيضاء كبيرة لشيخ توفي منذ زمن طويل ونسي الآن. ولا تزال الدويم تعد رئاسة مديرية النيل الأبيض على الرغم من أن عدد القاطنين بها لا يتعدى ال 8,000 نسمة (مع ملاحظة أن عدد سكان المديرية كان قد قدر ب 150,000 نسمة). ولا يرتاد سوق الدويم الكبير الآن سوى قلة من الناس. ويحس زوار المدينة الغرباء بالكلال والانقباض عند دخولهم إليها لأول مرة. ولا شك أن هذه هو نفس شعور المسؤولين الذين يعيشون بها بحكم العمل. وتوجد بهذه المدينة الصغيرة الكثير من المكاتب الحكومية، ويبدو عددها والعاملين بها أكبر مما يحتاجه العمل فعليا. وبها أيضا بنايات كبيرة تستخدم كثكنات. وتوجد في بعض الأماكن بالدويم وما حولها محاولات جادة للزراعة، وهي الحرفة التي تشكل أهم الأعمال بمديرية النيل الأبيض. وهنالك بها أيضا مساحات كبيرة تبلغ نحو 200,000 فدانا زُرعت على شاطئ النيل الأبيض، ويدفع ملاكها عنها عُشورا للحكومة.
وتمتلك الآن الحكومة أسواق الدويم وتقوم بإدارتها، كما هو الحال في القطينة والكوة وكوستي، وذلك عوضا عن تأجيرها لوكلاء من الأهالي. ويفضل سكان هذه المناطق قيام الحكومة بهذا الدور، فضلا عن أنه يدر على السلطات دخلا إضافيا.
القطينة: أما القطينة، التي تُسمى أحيانا "زينوبة Zeinoba" (ويسميها البعض "جنة بلال" كما جاء في إحدى المواقع الاسفيرية. المترجم) فهي قرية كبيرة تنقسم لقسمين مختلفين، وتمثل مركزا لمنطقتها. وتقع القطينة على بعد 55 ميلا من أم درمان، و180 ميلا من الخرطوم براً (ورد في موسوعة الويكيبديا أنها تقع على بعد 100 كلم / 62 ميلا من الخرطوم. المترجم). وبها مكتب للبريد والرق. ومنطقة القطينة وما حولها أرض سهلية منبسطة، ولكنها ليست قبيحة المنظر بأي حال من الأحوال.
وبمديرية النيل الأبيض قرية تسمى (قوز أبو جمعة)، كانت مأمورية في السابق، ولكنها الآن مجرد مركز لمنطقة تحمل ذات الاسم. وهي تقع على الضفة اليمنى النيل الأبيض مقابلة لجزيرة ورلات ؟ Wurelat . ولا تظهر هذه الجزيرة سوى في شهري يناير وفبراير، كغيرها الجزر الأخرى التي تشابهها في الطبيعة. وعادة ما تكسو أرضها أعشاب خشنة ذات ألوان لامعة براقة. وتجف المنطقة الشرقية المقابلة لقوز أبي جمعة تماما في موسم الجفاف. ويقطن في هذه القرية قرابة 400 نسمة يعيشون في قطاطي مزينة جميلة المنظر تشبه في تصميمها خلايا النحل. وغالب السكان هنا من قبائل الدناقلة والجعليين والجوامعة والسود. وعمدة المنطقة شيخ جعلي. وأقام بعض التجار الأغريق بالقرية نقطة تجميع للصمغ العربي في موسم تصديره. ويُجلب الصمغ لهذه النقطة من كردفان، المصدر الرئيس لهذه المادة.
الكوة: أما الكوة فهي قرية كبيرة تقع على الضفة اليمنى للنيل الأبيض، وبها المقر الرسمي للمفتش البريطاني والمأمور المصري، وبها مكتب بريد وبرق. وترسو البواخر النيلية في هذه القرية لنقل الأخشاب. وتبدو الكوة قرية مزدهرة، وزاخرة بالأعمال، إذ بها سوق عامرة تقام بصورة متواترة ويرتادها الكثير من الناس. وتشتهر الكوة أيضا بصناعة المراكب، وبزراعة العديد من المحاصيل، منها القمح والشعير والذرة والبصل واللوبيا والدخن والبامية وخضروات أخرى. وهنالك غابات كثيفة بقربها يجلب منها السكان الحطب الذي تستخدمه البواخر النيلية كوقود. وبما أنه لم يخطر على بال أحد هنا أن يقوم بإعادة تشجير ما أقتلع من أشجار في هذه المنطقة، فلا بد من أنه سيأتي يوم – ربما قريبا جدا – تغدو فيه هذه المنطقة منطقة جرداء.
كوستي: على الرغم من أن مدينة كوستي قد فقدت شيئا من أهميتها القديمة كمركز للاستقبال والتوزيع عقب مد خط السكة حديد إلى مدينة الأبيض، إلا أنها ما زالت تعج بالنشاط التجاري. والمدينة تقع على الضفة الشرقية للنيل الأبيض على بعد 180 ميلا من الخرطوم، التي يربطها بها الآن خط السكة حديد (224 ميلا بحسب ما ورد في موسوعة الويكيبديا. المترجم). وكوستي الآن هي مركز لما لا يقل عن خمسين قرية مختلفة. ويقطن بكوستى عادةً نحو 7,000 – 8,000 فردا، غير أن عدد سكانها في موسم الأمطار ينخفض إلى بضع مئات فحسب، إذ أن غالب رجالها – مع عائلاتهم - يرحلون عن المدينة ويتوجهون لمناطق مختلفة لزراعة ما يمكنهم زراعته في قطع أراضيهم الزراعية الصغيرة الصلدة التربة. وتغدو كوستي في فصل الأمطار مكانا ميتا تماما، لدرجة أن السكان والمسؤولين المصريين بالمدينة لا يجدون شيئا يفعلونه بها، بينما يؤثر الأوربيون بها السفر وقضاء عطلاتهم ببلادهم خلال ذلك الفصل. وبذا تجد الجيوش الجرارة من البعوض والذباب الرملي والحشرات الأخرى بكوستي نفسها شبه وحيدة في تلك الفترة من العام.
ولا توجد بكوستي إلا بعض المباني القليلة جدا التي تستأهل الذكر. ومن تلك المباني جامع المدينة الكبير، الذي شُيد بالحجر، وله جدران مقسمة، وتقوم قواعده على أقواس مقلوبة، وكان من قبل مبينا بالقش والحشائش. وكان تشييد ذلك الجامع قد كلَّفَ نحو ألفين من الجنيهات المصرية، تكفلت بدفعها الحكومة، بمساعدة من تبرعات الأهالي.
ويزعم البعض أن اسم المدينة مأخوذ من الجسر الحديدي المميز الذي أقيم على النيل الأبيض1 وخصص لسير القطارات على بعد أميال قليلة من المدينة. وتصميم ذلك الجسر يعد من أجود تصميمات الجسور في العالم. فهو جسر دوار (أي من النوع الذي يمكن تدويره أفقياً للسماح للسفن والبواخر تحته بالمرور دون كبير تأخير. المترجم). وطول الجسر 500 ياردة، ويقوم على ثمانية أعمدة ثابتة، وعامود "متحرك" يمكن تدويره. وبالإضافة لذلك الجسر الذي يربط ضفتى النهر هنالك أيضا بين 50 إلى 60 من المعديات التي تنقل البشر والبضائع بين الضفتين.
التوفيقية: هناك محطة نهرية (تسمى التوفيقية) تقع على بعد 550 ميلا من الخرطوم، وهي نقطة توزيع للبضائع القادمة عبر نهري السوباط وبحر الزراف. وبهذه المحطة مبانٍ حكومية عديدة (منها ثكنات الجنود الأهالي) مبنية بصورة جيدة بالطوب الأحمر أو الحديد والخشب. ويسكن المسؤولون الأوربيون والمصريون في بيوت مريحة منفصلة. ويحتكر الأغاريق عمليا التجارة في التوفيقية – كحالهم في باقي أجزاء السودان الأخرى – وكانت تجارتهم مزدهرة إلى أن اندلعت الحرب الأوروبية فأضرت بتجارتهم أشد الضرر.
وكان المستكشف العظيم سير صمويل بيكر قد أتخذ من التوفيقية مركزا له في عام 1865م، ولعله هو من أطلق اسم (التوفيقية) على تلك المستوطنة على اسم الخديوي توفيق، الذي كان قد كلفه بالقيام بعمليات استكشاف تلك المنطقة. وتتميز هذه المدينة بنظافتها، وحسن تنظيم شوارعها، وجمال منظرها العام عندما تشاهد من على ضفة النيل الأبيض.
ويقيم مدير مديرية النيل الأبيض وبعض كبار مفتشيها في الدويم، بينما يقيم ثلاثة من المفتشين الآخرين في كوستي والقطينة والكوة، ويعملون في مجالي الإدارة، ويقوم واحد من هؤلاء المفتشين بالفصل في القضايا في مديرية بربر أيضا.
*************** ***************
مديرية أعالي النيل
تُعد مديرية أعالي النيل واحدة من أكثر المديريات إثارة للاهتمام، وأكثرها إثارة للمشاكل من بين كل الأقسام السياسية بالبلاد. وتبلغ مساحة هذه المديرية 36,000 ميلا مربعا، ويفوق عدد سكانها سكان الكثير من المديريات الأخرى، إذ يتجاوز عددهم الآن 304,000 نسمة. ولا تفوقها في عدد السكان سوى مديرية بحر الغزال التي يبلغ عدد قاطنيها 1,000,000 نسمة.
ومن القبائل التي تقيم بهذه الولاية الشلك ودينكا الشمال والنوير (الذين ينقسمون إلى عدة أقسام مختلفة ومتحاربة في كثير من الأحايين)، الأنواك والقلا، وقبيلتين عربيتين هما بقارة سليم والتعايشة. ويبدو الناس بهذه المديرية في حال طيب مزدهر. وكل ما يحتاجونه الآن هو أن يقتنعوا بهجر التحارب فيما بينهم، والتعايش مع بعضهم البعض في أمن وسلام. وإن أفلحوا في تحقيق ذلك فسوف تكون هذه المديرية واحدة من أكثر مديريات البلاد الخمس عشرة في الإنتاج وتحقيق الأرباح. وحتى في حالتها الراهنة، يمكن أن نعد أعالي النيل في حال مقبول، فهي من المديريات القلائل التي يفوق دخلها منصرفاتها.
والزراعة هي المهنة الرئيسة للسكان هنا (عندما لا ينصرف اهتمامهم للإغارة على جيرانهم!). ولوحظ أن للجيل الصاعد من أبناء هذه المديرية (خاصة الشلك ودينكا الشمال) ميل شديد واهتمام قوي بفلاحة الأرض ورعي الأبقار. وتتركز ثروة الأهالي هنا في قطعانهم الكبيرة من الأبقار والأغنام.
وهنالك تجارة رائجة بين العرب وأهل المنطقة هنا. وقد تعلم الأهالي قيمة المال من العرب، وكان ذلك لفائدة الطرفين، ولمصلحة الحكومة أيضا، إذ صارت الحكومة الآن تتحصل من السكان الضرائب المفروضة عليهم نقداً، ولم يكن ذلك متيسرا لها في السنوات الماضية. غير أن التحضر / التمدن (civilization) بالمديرية لم يبلغ بعد حدا كافيا لإدخال شيء مثل نظام تعليم بالمديرية (هكذا؟! المترجم)، فليس بهذه المديرية الآن أي مدارس نظامية. غير أن بها القليل مما يمكن تسميته ب (الكتاتيب)، وهذه "مدارس" ذات طبيعة متخلفة. وتقيم الحكومة الآن أول مدرسة بالمديرية في الرنك (للمزيد عن التعليم بجنوب السودان يمكن النظر في المقال المترجم بعنوان: " التعليم في السودان فِي إِبَّانِ سنوات الاستعمار (1900 – 1957م). https://www.sudaress.com/sudanile/102091 المترجم).
ويقيم حاكم مديرية أعالي النيل في مدينة ملكال، التي كانت في البدء قرية خاملة الذكر، ولكنها صارت مدينة مهمة نسبة لجعلها الآن عاصمة للمديرية (كانت العاصمة قبل ذلك في كودوك/ فشودة). غير أن تحويل العاصمة لملكال بصورة كاملة سيستغرق بعض الوقت بسبب المشاكل المالية التي نجمت عن قيام الحرب الأوروبية، التي جعلت من المستحيل إنفاق المال الكافي لتشييد منازل لموظفي الحكومة (خاصة موظفي مصلحة الري). ويؤمل في المستقبل أن تكون ملكال مدينة أكثر ملائمة صحية للأوربيين من العاصمة السابقة (كودك). وحظي قرار نقل العاصمة إلى ملكال برضا كل العاملين في هذه المديرية.
وهناك بهذه المديرية منطقة الرنك. والرنك هي مركز مهم، إذ هي واحدة من مأموريات المديرية العشر: ملكال وكودوك (التي كانت تعرف بفشودة) وقامبيلا وأبو ونق وملوط والناصر وتونجا ولونقتام وأيود، والرنك. وتقع الرنك على الضفة اليسرى من النيل الأبيض، على بعد نحو 300 ميلا من الخرطوم. والمناظر المحيطة بالمنطقة هنا رتيبة جدا، إذ أن كلها هي أشجار غابية قصيرة، ومستنقعات شوكية، وحشائش خشنة عديمة الفائدة. ووقع في الرنك في الخامس عشر من سبتمبر عام 1898م حادث شهير عندما قصف "ديم الدراويش" وتم الاستيلاء عليه، وعلى باخرة راسية بالقرب منه. والرنك مكان موبوء بالبعوض لدرجة فظيعة في غالب فصول السنة. وهذا مما يجعل إقامة الأوربيين فيها أمرا مستحيلا، ويجده الأهالي أيضا أمرا مزعجا للغاية.
وتعد قامبيلا من المراكز التجارية الهامة، وتقع في الواقع ضمن الحدود الحبشية. وتُصعب إدارة هذا الجزء بسبب بطء وعدم موثوقية وسائل الاتصالات فيها، وأيضا لطبيعة الأحباش الخاصة. فمعظم من يقيمون بالمنطقة من هؤلاء الأحباش كانوا قد دأبوا على تهريب السلاح والمواد الأخرى، وعلى إثارة القلاقل بين سكان المنطقة من الأهالي السودانيين. ولن تهدأ الأحوال هذه المنطقة حتى تفرض حكومة السودان سيطرتها على تهريب السلاح لداخل البلاد. وكان غالب ما يُهرب من أسلحة عن طريق هؤلاء الأحباش مصنوع في المانيا قبل الحرب الأوروبية، وفي إيطاليا وفرنسا أيضا.
أما (الناصر) الواقعة على الضفة اليسرى لنهر السوباط فأعدها أجمل منطقة في هذه المديرية، فهي منطقة خضراء (تشبه الميادين الإنجليزية) وبها الكثير من الأشجار. ويقطنها النوير الذين يسكنون في قرى متناثرة. ويصعب وصف هؤلاء القوم بالإنسانية والنشاط والإخلاص وحب العيش في سلام. وتراهم دوما عرايا تماما.
وبالناصر حامية مكونة من مائتي جند سوداني تحت قيادة ضابط بريطاني، وبها أيضا ضابط شرطة وعدد من الرجال.
تم في عام 1904م تغيير اسم نقطة صغيرة في مديرية النيل الأبيض كانت تعرف ب (فشودة) إلى (كودوك). وهنالك حدث تاريخي مشهور وقع نتيجة لاستعادة بريطانيا حكم السودان على يد سير (الآن لورد) هيربرت كتشنر2. ففي مارس من عام 1895م نقلت الحكومة البريطانية إعلاما / إنذارا للحكومة الفرنسية بأن المنطقة الواقعة في وادي النيل بين البحيرات والحدود الجنوبية لمصر تقع ضمن دائرة "النفوذ البريطاني". وبعد ثلاثة أعوام، وتحديدا في السابع من سبتمبر عام 1898م أُبلغ كتشنر بأن "قوة عسكرية من العرق الأبيض" قد احتلت فشودة. فخَفَّ كتشنر من أم درمان سريعا إلى تلك المنطقة، حيث وجد فيها العلم الفرنسي يرفرف فوق مكتب القائد الفرنسي العقيد جين مارشان. ورفض الفرنسيون طلب كتشنر له بالانسحاب، مما أضطر كتشنر ليأمر قوة بريطانية بأسر كل أفراد القوة الفرنسية الصغيرة في فشودة. وكان العقيد جين مارشان وقتها في القاهرة. وبعد عودته لفشودة وافق العقيد مارشان – بناءً على ما بلغه من حكومته - أن ينسحب بقواته من المنطقة في الخامس من نوفمبر من عام 1898م. وبذا تم تفادي الاحتكاك بين القوتين الأوروبيتين، ولم تُطلق رصاصة واحدة في تلك المواجهة. وعقدت في العشرين من مارس عام 1899م اتفاقية انسحبت بموجبها فرنسا من كل مناطق وادي النيل، ووضع ترسيم حدود جديد لمستعمرات فرنسا وبريطانيا في هذه المنطقة.
وآب كتشنر لأم درمان بعد أن ترك في فشودة العقيد سير هيربرت جاكسون (الذي يعمل الآن مديرا لمديرية دنقلا) لإدارة المفاوضات مع الفرنسيين بشأن انسحاب قواتهم منها، وليكون على رأس القوة البريطانية في فشودة (أورد المؤلف خطابا وديا - باللغة الفرنسية- أرسله العقيد جين مارشان للعقيد جاكسون في يوم 8 ديسمبر 1898م، ورأي المؤلف ذلك الخطاب عند العقيد جاكسون عند زيارته لمديرية دنقلا. وذكر الكاتب أيضا أن ذلك العقيد الفرنسي صار فيما بعد صديقا مخلصا للحلفاء في عام 1915م. المترجم)
**************
إحالات مرجعية
1. للمزيد عن سبب تسمية مدينة كوستي بهذا الاسم يمكن النظر في هذا الرابط
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D9%88%D8%B3%D8%AA%D9%8A
2. للمزيد عن حادثة فشودة يمكن مراجعة هذا الرابط https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D8%AB%D8%A9_%D9%81%D8%B4%D9%88%D8%AF%D8%A9
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.