د. جمال ادريس يعتذر عن تولي حقيبة الصحة    مجلس الشركاء يشكل لجنة وساطة لحسم الخلافات بين (قحت) والامة القومي    مقاومة الخرطوم: الفلول يوزعون الاطارات بواسطة دراجات نارية    مصدرون وطنيون: توقفنا عن العمل بسبب سيطرة الاجانب على محالج القطن    سيمبا التنزاني يضرب الهلال السوداني برباعية    أُسرة الشهيد أحمد الخير تتجه لتقديم طلب استعجال للمحكمة العليا    دمعة ذُرفتْ علي زمان طوي خيمته و رحل! .. بقلم: الدكتور الخضر هارون    حول النزاهة التجارية .. بقلم: د. نازك حامد الهاشمي    الشرطة تكشف عن تفاصيل مثيرة لحادثة نهب ذهب وأموال طائلة من منزل بالخرطوم    إصابات متفاوتة بين أفراد من الجيش والشرطة اثر تفلتات فردية بمدني    قطوعات الكهرباء في الإعلام .. بقلم: د. عمر بادي    الهلال يتعاقد مع لاعب إنتر ميامي الأمريكي    أبوعاقلة أماسا.. فتى الصحافة الرياضية الأبنوسي .. بقلم: محمد الأمين جاموس    كمال الجزولي: روزنامة الأسبوع حِلِيْلْ مُوْسَى! .. بقلم: حِلِيْلْ مُوْسَى!    شيء من الهزل: دونالد ترامب .. بقلم: بابكر عباس الأمين    الخبز والثورة: دراسة فى الخبز كمحرك ورمز للثورات الشعبية عبر التاريخ .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعة الخرطوم    فضائيات طبقية ،، بأطباق طائرة! .. بقلم: حسن الجزولي    الرأسمالية والتقدم على الطريق المسدود .. بقلم: د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم    أكاديميون أم دراويش؟ مأساة العلم والعقل النقدي في المناهج السودانية .. بقلم: مجاهد بشير    في "بروست" الرواية السودانية: إبراهيم إسحق .. رحيل شامة أدبية في وجه البلد الذي يحب مبدعيه بطريقة سيئة .. بقلم: غسان علي عثمان    سلافوي جيجك .. كوفيد 19 الذي هز العالم .. بقلم: د. أحمد الخميسي    الرئيس الأمريكي بايدن يلغي قرار ترامب بمنع مواطني السودان الفائزين ب(القرين كارد) من دخول أمريكا    الولايات المتحدة السودانية .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سَاسَتُنا و نظرية تأثير دانينغ وكروجر .. بقلم: د. زاهد زيد
نشر في سودانيل يوم 06 - 08 - 2020

يوجد ما يعرف بالعلاقة العكسية بين الذكاء والثقة بالنفس فكلما كان الشخص غير مؤهل زادت ثقته بنفسه و كان معدل ذكائه منخفضا ، وكلما كان الإنسان مؤهلا قلت ثقته بنفسه وزادت شكوكه في محصلة معرفته وزاد نهمه لمعرفة المزيد منها ، وكان ذكاؤه في الغالب مرتفعا .هذا ملخص نظرية تأثير دانينغ وكروجر .
هذه النظرية تشي بشيئ من المعرفة التحليلة لبعض زعماء السياسة عندنا ، فقد استعمعت لكثير منهم يتكلمون في محافل مختلفة ،كما عايشت واعايش كل يوم نشاطهم وما يصد عنهم ، ووصلت إلي نتيجة مفادها أن معظم هؤلاء لهم ثقة مفرطة بالنفس ، ويتكلمون كلاما تقفز من بين حروفه الثقة الزائدة بالنفس وبأنهم يمتلكون وحدهم ما لا يعرفه أحد غيرهم ، وأن على الناس السمع والطاعة لأنهم لن يصلوا إلى ما وراء الأفكار الملهمة للزعيم .
هذا التأثير فيما يسمي علميا بنظرية تأثير دانينغ وكروجر ، ينتاب المرء خاصة في سنوات حياته الأولى لأنه قليل الخبرة ، ويظن أنه يعرف ما لا يعرفه أحد ، وتفسر النظرية التصرفات الطائشة للصبية في قيادة الدراجات والسيارات ، وكيف يظنون أن لا أحد مثلهم في القيادة فيتعرضون لحوادث مميتة ، وهوتماما ما ينتاب الزعماء السياسيين فيتحولون إلى دكتاتورية ذات حكم أوحد " لا أريكم إلا ما أرى " .
ويزيد هؤلاء الحكام في غيهم البطانة الفاسدة حولهم التي تصور للدكتاتور أنه فريد زمانه ووحيد أوانه ، فيزداد عتوا " استخف قومه فأطاعوه "
وعندنا من أمثال هؤلاء الكثير الأحياء منهم والأموات ، مات بعضهم وهولايزال يظن أنه أحسن صنعا ، وأن الناس ظلموه يوم أن ثاروا ضده وسيذوقون وبال تفريطهم في نادرة مثله .
والأحياء منهم لم يتعلموا الدرس ولم يمر بخاطرهم هذا النوع من التفكير وهل جلوس سيدنا عمر على الأرض وبكاؤه إلا خوفا من هذا التأثير النفسي على الحاكم .؟
ابتلى الله هذا البلد بهذه الفئة المريضة من بعض الحكام والمنتفذين وآخرين أصغر منهم شأنا في مواقع كثيرة ، فمنهم من صرح علانية بعبقريته وأنها موهبة استثنائية منحها الله له ، لا تتوفر عند الآخرين ، وأنه ألف أكثر من مئة كتاب ، مع إني متأكد أنها ككتب القذافي لا يقرأها أحد غير أسراته وحارقي البخور حوله ومريدوه من المستفيدين من الحالة المرضية التي يمر بها .
وآخر انتهج نهجا آخر فيتكلم بهدوء وبرود أعصاب يحسده عليه الإنجليز وهويحسب نفسه الكفاءة النادرة التي جاد بها الزمان على البلد ، وأنه بإمكانه أن يقنع الحجر بكلماته الباردة ، ويلقى بنظراته هنا وهناك وهو لا يرى من يخاطبهم ، ففي مبلغ علمه أنه رئيس وزراء إحدى الدول الاسكندنافية أو الأوروبية وأن ما يقوله يجب التسليم به ، والقبول وأن يقال له " شكرا " فقد تنازلت و قبلت أن تحكمنا .
وآخرون لا في العير ولا النفير حجزوا لأنفسهم أماكن متقدمة في الصف الثوري ، ليتولوا القيادة فيه ، سواء في الاعلام أو مرافق الدولة المختلفة .
البلد تعج الآن بهذا النفر من انصاف المتعلمين عديمي الخبرة ممن هم تحت نأثير نظرية دانينغ وكروجر خاصة بعد أن وفرت لهم السوشال ميديا المجال الكافي لاظهار مواهبهم الاستثنائية علينا ، كل المطلوب جوال حديث وانترنت و " شير يا جماعة " كأنه متسول في محطة الحافلات ، ثم ممارسة علمه الفريد وتحليلاته العميقة ونشر أفكاره العظيمة ، وتسمع وترى عجبا .
لا لوم على هؤلاء فهم تحت تأثير الجهل وضحية الثقة بالنفس ، ولكن اللوم على من يخاطبهم ويطلب منهم " شير لله " ، هؤلاء أليس من بينهم رجل رشيد ؟ كيف استخف بهم مثل هذا المريض فأطاعوه ؟
ولعل هذا يرجع بنا لحديث الرويبضة ، ذلك الرجل التافه الذي يتحدث في أمر العامة ، وهولايدري بأنه تافه ، والعامة أيضا لايدرون أنهم يسمعون لرجل تافه .
نحن فعلا نحتاج لأن نعالج هؤلاء من الأمراض النفسية التي يعانون منها والتي بسببها نتأخر عن الأمم ، ومعالجة أمرهم تكون بنشر التعليم والوعي بين الناس ، فإذا انتشر التعليم و الوعي انفض الناس من حول هؤلاء المرضى ، ولن يجدوا من يسمع لهم أو يعيرهم اهتماما ، وكذلك السياسيون على الناس تعريتهم واظهار خواء عقولهم وأنهم يجب أن يعرفوا أنهم أقل قامة مما يظنون ، وعليهم معرفة حجمهم الحقيقي .
فالإمام ليس إماما ولا يحزنون ، وليس له كرامة نعرفه بها ولا ذكاء خارقا للعادة يؤم به الناس ، وأن كتبه المئة أو تزيد لا تسوى الحبر الذي كتبت به .
والرئيس الفاشل والوزير المتشبث بالكرسي عليه أن يعلم أنه لولا هذا الشعب الصابر لما كان شيئا ، وأنه لم يأت لمنصبه لأنه فريد زمانه ، ولا نابغة عصره ، وأن حواء والدة ، وأن أي خريج في كلية الاقتصاد يفهم تماما ما تفهمه أنت ، وكان المفروض أن تتفوق عليه بخبرتك ، و أنك مهما تصنعت البرود والهدوء فأنك لن تقنع الناس إلا بأعمالك . فانزع عنك هذه الغلالة التي تعميك وأنزل للناس في الشارع لتعرف معاناتهم ومشاكلهم .
ومن صناعة هذا الوهم والانسياق وراء الزيف واهل الثقة الزائدة الكلام " عن الكفاءة " .
فمن تم اختيارهم للمناصب العليا ، ادخلوا في روعهم وروع العامة أنهم ما جاءوا إلا بمعيار الكفاءة ، لذلك صدقوا وقعوا في شراك الثقة الزائدة واغلقوا عقولهم تماما أمام أي معرفة جديدة لواقع لا يعلمون عنه شيئا ، فلم يكلفوا انفسهم لفهم الواقع الذي أفرزهم ، وسكت الناس عنهم حينا في انتظار أن تنعكس الكفاءة عليهم خيرا وبركة ، ولكن الواقع لا يكذب ، ولا يحتاج لتفسير ، سوى أن نلجأ لتفسير نظرية تأثير دانينغ وكروجر .
فلو سألت أيا من المسؤولين الكبار ذوي الكفاءة ، قبل توليه المنصب هل ستنجح في مهامك ؟ لأجابك بكل ثقة ، نعم . ثقة زائدة والامتحان هو العمل ، فكم مسؤولا قال : نعم وكذبه عمله .
قد يمر أي إنسان في فترة ما من حياته خاصة في بداية حياته العملية أو عند تولى منصب جديد بحالة من تأثير تأثير دانينغ وكروجر وهذا طبيعي والسياسيون أكثر الناس مرورا بهذا التأثير ، ولكن من المفترض أن يتخلص منه سريعا ، حتى لا يقع فريسة للثقة الزائدة التي تؤثر سلبا على تلقيه لعوامل جديدة ربما تغير من نظرته للأمور وإتخاذه للقرارات . والمراهق سرعان ما يدرك أن ما يجهله في الحياة أكثر مما يعرفه ، وعليه أن يوظف هذا الاحساس ليس بالتأزم والاحباط بل يجعله دافعا للمعرفة ، ومعظم الناس ينجحون في هذا ، أما بعض السياسيين عندنا فالأمر عندهم أمر زعامة ملهمة ، وشعور بالتفوق والثقة الزائدة ، ولذلك لا نلمس تغييرا في سلوكهم أو في منهجهم لأنهم بكل بساطة وقعوا تحت تأثير دانينغ وكروجر ، ويزيد الطين بلة بطانة السوء ، والجهل العام وقلة الوعي .
كما يتضح مما سبق أن المراهق وقليل الخبرة ربما يتخلص من تأثير تأثير دانينغ وكروجر بنمو النضج عنده واكتساب الخبرة ، وهناك عومل تجعل من تغيير السلوك الناتج عن الجهل وفرط الثقة بالنفس أمرا مستحيلا .
ومنه ما ذكرنا من نمو " الأنا " وتخمها بحث لا يرى الشخص في غيره سوى انهم اقل منه ، وأنه لا أحد يعلم ببواطن الأمور وظاهرها غيره .
وثانيها البيئة المحيطة بالشخص التي تغذي فيه ملكة " الأنا " وتنصبه فرعونا ، غير قابل للتغيير ، تماما كالصبي المدلل الذي يريد أن يتملك كل شيء والفرق بينه وبين الدكتاتور أن الأخير يتملك دولا وبشرا .
ولا يجد مثل هؤلاء الزعماء أحد يردعهم أو يعود بهم لواقعهم " مين فرعنك ؟ قال ما لقتش حد يقول لي لا " .
ولادراك النظم الحديثة لتحول الحكام لمرضى نفسيا بتأثير دانينغ وكروجر استحدث نظام الرئاسة الدورية التي لا تتعدى في الولايات المتحدة الفترتين ولا يمكن تمديدها بأي حال .
وربما يستدعى هذا للذاكرة انتخابات الرئاسة في سودان 2020 الإنقاذ التي كثر الجدل حولها وكان الأمر يسير في طريق تعديل الدستور للسماح للبشير بفترات أخرى بما لا تنتهي إلا بموته . كذلك فعل على عبدالله صالح في اليمن واراح القذافي نفسه منها بابتداع نظام يخول له الحكم طول حياته
عندنا أمثلة حتى في الأحزاب ، التي جلس بعضهم في رئاستها لأكثر من أربعين عاما حسوما .
وكان الوزير في عهد الأنقاذ يتقلب في الوزارات ، ولا يغادر واحدة إلا ليتولى أخرى . أسماء ظلت تطالعنا عنوانها الفشل ، ولكن لم يكن من الممكن تغييرها ، فهم لها وارثون .
خلاصة الموضوع أننا في حالة شبه دائمة من بقاء أشخاص تملكوا الحياة العامة ، مع ما هو واضح من سلوكياتهم وأعمالهم أنهم أقل كثيرا مما وصلوا إليه ، والعلاج بيد الشباب أن يعلمونهم أحجامهم وأن يفيقوا كما أفاق غيرهم من الطغاة ، قبل فوات الأوان ، .
قال بن على بعد المظاهرات الحاشدة في تونس " الان فهمت ما تريدون ؟
وقال حسني مبارك مثل قوله .
وقال فرعون وهويغرق آمنت برب هرون وموسى
﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
أنظر لبلاغة الرد الإلهي :
﴿ أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ؟﴾
وهو وإن فهم مؤخرا فغيره لم يفهم إلى آخر يوم في حياته .
فقال القذافي " من أنتم ؟ "
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.