أسرع طريقة للهروب من الواقع!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    خطأ الطبيعة : قصة قصيرة .. بقلم: احمد محمود كانم    حُمَّدْ وَلَد ... ومحاولات اغتيال شخصية المرأة .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الامين    مبادرات: العودة إلي الطبيعة: إعادة إكتشاف نباتاتنا المنسية أو الضائعة !.. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    مقترح بنك الطاقة .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    الهلال يعطل ثلاثي المريخ مجددا    في حب الوطن والناس .. بقلم: نورالدين مدني    جولة في حديقة المشتركات الإنسانية (أسماء وألقاب)!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    التالتة حرمت الحلال .. شعر/ موسى المكي    السودانوية والشرط الانساني والذاكرة المحروسة بالتراث والوصاية .. بقلم: طاهر عمر    المركزي ينفي إصداره قرارا بتحديد سقف للسحب من حسابات العملاء    أهلي شندي يلحق بأهلي الخرطوم أول خسارة في الدوري .. حي الوادي نيالا يعمق جراح الأمل عطبرة    في دي ما معاكم .. بقلم: كمال الهِدي    إحالة 20 دعوى جنائية ضد الدولة للمحكمة    الرئيس الأمريكي بايدن يلغي قرار ترامب بمنع مواطني السودان الفائزين ب(القرين كارد) من دخول أمريكا    شرطة السكة حديد توضح ملابسات حادثة تصادم قطار وشاحنة قلاب عند مدخل الخرطوم    الشرطة والشعب ! .. بقلم: زهير السراج    الولايات المتحدة السودانية .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    "شوية سيكولوجي8" أب راسين .. بقلم: د. طيفور البيلي    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سلام جوبا وحرب دارفور .. بقلم: ناصر السيد النور
نشر في سودانيل يوم 21 - 11 - 2020

بوصول فصائل حركات النضال المسلح إلى الخرطوم الأحد الماضي بعد توقيع الاتفاق بين الحكومة الانتقالية وحركات الكفاح المسلح بدارفور، وبهذا يكون السلام باتفاقياته ووثائقه المتعددة قد أضيفت إلى تاريخ طويل من التفاوض قادت إلى اتفاقيات سلام منجزة وغير منجزة استلزمها وضع بلد عصفت به نزاعات عنيفة تحولت معه السودان إلى بلد لا يذكر إلا وتبرز صور مشاهد الحروب والنزوح والمجاعات وفظائع الحروب الأهلية وجرائمها وكل ما يستبشعه ويستقبحه الإنسان من أفعاله. وأن يوقع الاتفاق في جوبا عاصمة جنوب السودان له دلالاته السياسية والتاريخية التي لا تخفي لا تجعل منه حواراَ وطنياً أو شبه وطني في أجواء سادتها الثقة فحسب بل تم الاتفاق ليست كعادة الاتفاقيات السابقة وما يشوبها من تدخل الوسطاء Mediators في صنع الاتفاقيات السلام السودانية الكثيرة برعاية أجنبية على الأرجح. ولكن الذي يهم دون شيطان التفاصيل ورهق التفاوض نتائج الاتفاق أو البروتوكولات أو المعاهدات والمواثيق أو ما تتفق عليه الأطراف الموقعة. فإذا كانت تفاوض جوبا قد جرى – ببروتوكولاته الثمانية ومساراته الخمس – حول شملت دارفور ومسار الوسط والشرق والشمال، فتكون لرعاية الحكومة الانتقالية التي حددت الوثيقة الدستورية أولى مهامها بالعمل على تحقيق السلام العادل والشامل وإنهاء الحرب وكحل مستدام للسلام اتخاذ التدابير التفضيلية للمناطق المتأثرة بالحرب عبء تنفيذ السلام وما يتطلبه من إعادة ما تم هدمه. فالاتفاق في نهاية الأمر انجاز يؤمل أن يقود في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان سياسياً واقتصاديا إلى سلام شاملٍ منشود؛ خاصة في دارفور حيث المكان الذي تجسدت عليه المأساة الإنسانية بأبشع صورها مما فعله النظام السابق lk إبادة وتطهير عرقي ممنهج أيقظ الضمير العالمي وتصدى المجتمع الدولي بقرارات مجلس الأمن والمحكمة الجنائية في ملاحقة مرتكبيها الفارين منهم والمتواجدين قيد السجون وذل المحاكم من زمرة النظام البائد.
كانت للحرب في دارفور خصوصيتها - إذا كانت للحرب خصوصية-، فدارفور بكل ما تعنيه في الذاكرة السياسية ومن قبلها التأريخية وما يتصوره الخيال الشعبي المجتمعي، لم تكن اقليماً أو أناساً مهمشون يمارس عليهم اقصاءً تتعمده سلطات المركز على مدى تاريخ الدولة السودانية منذ الاستقلال، بل جغرافيا لها في التأريخ سلطان ذي بأس في الماضي. فلم تزل الأسئلة معلقة لماذا كان رد الفعل الحكومي عندما اندلع الصراع تجاوز كل المعايير الإنسانية لتنتهي إلى حرب عنصرية كريهة استهدفت استئصال مجموعات بعينها وقد حشد النظام البائد محرضاً جماعات سكانية أخرى ارتكبت مذابح (هولاكوية) اغتصبت فيها النساء وألقى بالأطفال في النيران إلى آخر ما شهده ووثقه العالم من فظائع استبقت أهوال جهنم. إنها الإبادة الجينية التي تقوم على أساس العرق أو القبيلة والقتل إبادة عنصر على أساس عرقية ومنها جاءت الكلمة المركبة Genocide. وعلى شدة ما جرى من فظائع لم تلقِ اهتماماً ولا نقول مناصرة على مستوى الوعي الوطني، وهي إحدى معضلات موقع دارفور في العقل السياسي والمجتمعي إلى جانب حالة الإنكار المتعمد من قبل مسؤولي النظام مرتكبي تلك الجرائم استهانة بقيمة الإنسان. فإذا كانت من قيمة للسلام أقلها وقف ما جرى وألا يحدث مرة أخرى، خاصة لأولئك المقيمين داخل معسكرات النزوح لعقدين من الزمان. ولم تعد المشكلة تقتصر على دارفور وأهلها ولكن مشكلة تخص الوطن بكامل ترابه وشعبه. وبالنتيجة فإن مشكلة دارفور بكل حمولاتها التأريخية إلا أنها في أزمتها الأخيرة نتاج صراعات الإسلامويين من بين عوامل أخرى على السلطة ومن المفارقات أن تبرر لحربها في إقليم يدين سكانه بدين ادعت باطلاً بأنها جاءت لإحيائه خاصة في دارفور نار القرآن، ولكن وميض الرؤى العنصرية الكامنة في تصورات قياداتها فسرت الدين على أسس قبلية في إطار التشريح العنصري في التصور المجتمع السوداني وهو الشعور الذي لم يزل يثير الريبة حول ترتيبات الاتفاق الحالي وترتيباته المحتملة.
وتحدى السلام بما يعني نهاية الحرب والصراعات وواقعه المستجد والذي بدوره سيضع الموقعين عليه أمام مسئوليات جسيمة لا تقل فداحة عن مسئوليات الحرب، ولعلهم يعلمون ذلك من واقع التجارب السابقة في دروب التفاوض بحثاً عن سلام باتفاقياته المنًقُوض منها والمنجز. فأغلب الوجوه الموقعة على سلام جوبا كانت إلى وقت قريب تشارك النظام البائد قسمة السلطة والثروة بما أفضت اليها الاتفاقيات السابقة كإتفاقية الدوحة لسلام دارفور 2011 وغيرها، ومنهم من كان وجهاً اصيلاً مدافعا عن ايدولوجيا النظام أيام هوسه الديني كحركة العدل والمساواة. وآخرون تبوؤا مناصب ما سمى أيامها بالمناصب الدستورية مثل مني اركو مناوي مساعد رئيس الجمهورية أو كما وصف منصبه عندما ساء به الحال بأنه لم يعد أفضل من مساعد (حَلْة)، وعاد مجدداً إلى مقاتلة النظام. عودة الوجوه أو تدويرها من مرحلة إلى أخرى عادة يكاد ساسة السودان يمارسونها دون حرج. فالآن جمع السلام بين قدامى المقاتلين إلى جانب النظام البائد الحاكمين الآن، والجدد الموقعين وكلهم الآن في الحكم يشاركون السلطة والثروة. ولكن السلام أو المصالحة في حال حدوثه قد تختفي في مرحلة الانتقال ممارسات الماضي لأنه يمهد إلى واقع جديد ويفتح فضاء لمسارات جديدة وهو المرغوب فيه. ولأن السلام مثل السياسة من المتغيرات التي ينبغي إدراكها بإرادة فغياب الإرادة والمناورات من جانب النظام البائد جعلت من استحقاقات الاتفاقيات مكان تنازع سلطوي، فكأنما قسمة السطلة والثروة المفردتان اللتان دخلتا في أدبيات السياسة السودانية هدفاً تستميت من أجله الحكومة كنظام والمقاتلون الثورويون، وعليه أطبق الصِّراع على إرادة السلام كفعل يسعى لا إلى اقتسام موارد شحيحة وإنما إلى اعتراف يدعمه حق المواطنة في الحوار السلمي والوعي الوجودي بشيء أسمه السودان. وما يريده المواطن النازح في دارفور ليس بالطبع قراءة نصوص الاتفاقيات وترتيباتها ولكن ما يترجم واقعاً بما يتجاوز زهو الاحتفال الكرنفالي إلى سلام ملموسة نتائجه على أرض الواقع.
ولكن على ضوء ما تَّم إنجازه من اتفاق لوقف الصراعات الهامش النازفة، تكون الفصائل الغائبة ثغرة لا تنقص من الاتفاق القائم بقدر تهدديها بتقويضه. فتشدُّد رئيس الحركة الشعبية شمال عبد العزيز الحلو، وقائد حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد أي تكن مبرراتهم السياسية في رفضهما الانضمام أو الاقتراب من السلام لا يبرر لنقاط الخلاف ما قبل الاتفاق أي يكن منطقها السياسي ودوافعها الشخصية. الأولوية يجب تكون للسلام بكل ما تعنى مضامينه للوطن وشعبه، ومن ثم يكون لكل حدث حديث.
21 نوفمبر 2020
صحيفة_الديمقراطي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.