مريم الصادق تزور مقر سكرتارية مبادرة حوض النيل    نشوب حريق داخل مستشفى ود مدني ولا وجود لإصابات    بسبب احداث افطار القيادة العامة..الجيش يوقف ضباطاً وجنوداً بتهمة القتل    قتيلان وجرحي في نزاع قبلي بالنيل الازرق    أحمد الضي بشارة يعترف بتلقى معلوماته من (قوش) ويعتذر لال دقلو    السودان على مرمى حجر من إعفاء ديونه.. صندوق النقد يتخذ خطوة حاسمة لمساعدة الخرطوم اقتصادياً    أبرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم السبت الموافق 15 مايو 2021م    سعر الدولار في السودان اليوم السبت 15 مايو 2021    وداعا ريحانة توتي ..    المريخ يتدرب بقوة ويواجه الإنتاج الحربي وسراميكا بالأحد    رحل الفريق بحر    الرئيس أسياس و الصراع الإثيوبي السوداني ..    بسبب القمر الدموي.. رحلة جوية دون وجهة تبيع كل تذاكرها في دقيقتين ونصف    هجرة عكس الرّيح موسى الزعيم ألمانيا / سوريا    الطاقة توزيع أكثر من (56) ألف طن بنزين و جازولين    الهروب من الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات "نسيان ما لم يحدث" .. بقلم: أحمد حسب الله الحاج    السعودية: ندين الممارسات غير الشرعية للاحتلال الإسرائيلي    ثغرة في شرائح كوالكوم تهدد مستخدمي هواتف أندرويد حول العالم    محافظ مشروع الجزيرة يدعو للالتزام بالدورة الزراعية    كم عدد المشاركين بوفد الحكومة في مؤتمر باريس لدعم السودان ؟ وزارة الاعلام تجيب    مقتل 4 عناصر من قوات الأمن بكمين في جنوب السودان    ارتفاع عدد ضحايا شرطة مكافحة المخدرات بسنقو إلى (12) شهيداً و(14) جريحاً    ارتفاع عدد ضحايا شرطة مكافحة المخدرات بسنقو إلى (12) شهيداً و(14) جريحاً    "سامحوني وادعولي".. شاب ينتحر تحت عجلات قطار    رواية الغرق لحمور زيادة ضمن مقررات التبريز للتعليم بفرنسا    عمل فني يعزز التنمية والسلام في أبيي    لا تغفل عنه.. دعاء ثاني أيام العيد المبارك    مقتل (10) من قوات مكافحة المخدرات ب(سنقو) جنوب دارفور    سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الجمعة 14 مايو 2021 في السوق السوداء    ليفربول يهزم يونايتد على أرضه ويتمسك بأمل    كل سنة.. وإنت سلطان زمانك!!!    الصحة بالجزيرة نجاحات كبيرة وشراكات فاعلة    ايقاف شبكة إجرامية تنشط بتوزيع وترويج الأدوية المهربة بالخرطوم    ضبط تانكر وعربات لوري محملة بالوقود بولاية نهر النيل    واتساب يكشف عن موعد وقف خدماته لرافضي التحديثات الجديدة    "يوم عظيم".. الولايات المتحدة تلغي إلزامية وضع الأقنعة في الأماكن العامة    هذه هي حقيقة مقولة "الجزر بيقوي النظر"    بداية تشغيل مطاحن الابيض الحديثة    وزير المعادن يتفقد الرموز الجيولوجيةالتي أسهمت في تطور التعدين بالسودان    مقتل ضابط و (9) من جنوده في كمين لعصابات مخدرات بدارفور    عندي حكاية – تقى الفوال: أول ممثلة محجبة في ألمانيا    أمريكا: الاستغناء عن الكمامة بعد تلقى التطعيم    هذه أول دولة تلقح كل سكانها البالغين ضد كورونا!    نانسي بيلوسي تدعم إجراء تحقيق أخلاقي في واقعة "اعتداء لفظي" من الجمهورية مارجوري تايلور غرين    الإيغور: السلطات الصينية تطارد الأئمة بتهم "نشر التطرف"    "ويفا" يعلن نقل مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا من إسطنبول إلى بورتو بسبب فيروس كورونا    الولايات المتحدة.. توقعات بالاستغناء عن الكمامة قريبا "إلا للتضامن"    آه من فقد الشقيق أو الحبيب واليوم عيد .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة    قصة قصيرة "كتابة": هلوساتُ شخصٍ على حافَّةِ جنُونٍ ما..! .. بقلم: إبراهيم جعفر    "في أسوأ مواسمه".. رونالدو يواصل تحطيم الأرقام التاريخية    والي غرب كردفان يشيد بدور الأجهزة النظامية في حفظ الأمن    انطلاق حملة الرش بالمبيد ذو الأثر الباقي بالجزيرة    من قلب القاهرة.. كيف يستعد الهلال والمريخ لديربي السودان؟    فى رحاب التصوف: الاستدلال على وجود الله .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه/باريس    التسامح وتطهير الروح .. بقلم: أمل أحمد تبيدي    الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم وزوجته    صور دعاء اليوم 30 رمضان 2021 | صور دعاء اليوم الثلاثين من شهر رمضان    محمد رمضان يرد بصورة على أنباء انفصاله عن زوجته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قضية هِلال والنفاق السياسِي والاجتماعِي .. بقلم: فتحي الضَّو
نشر في سودانيل يوم 22 - 03 - 2021

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تحتال النُخبة السياسية وتلتف حول خيباتها المُتوارثة بفرية سمتها (التسامح السياسي السوداني) وفي حقيقة الأمر هو مُصطلح هُلامي ومُضلل، إذ لا وجود له على أرض الواقع البتة. وقد ابتدعته النخبة أساساً للتحايل على شهوة السلطة التي أدمنتها، ويروج له المجرمون تحديداً لأجل الإفلات من العقاب، خاصة عندما تتعاظم جرائمهم التي تستوجب المحاسبة. تلك البدعة أدت إلى تعقيدات المشهد السياسي، وجعلت البلاد ترزح تحت وطأة (الدائرة الشريرة) لأكثر من ستة عقود زمنية، أي منذ الاستقلال. والغريب في الأمر أن هذا المصطلح لا وجود له في دول العالم سوى قِلَّة تتذاكى به مثلنا. لكن عوضاً عن ذلك عرفت الشعوب التسامح الاجتماعي، والذي يأتي تضميداً لجراح خلَّفتها حروب أهلية أو كوارث طبيعية أو دواعٍ عنصرية، وتقف أمريكا شاهدة على ذلك، بينما جاءت جنوب أفريقيا لاحقاً ورواندا حديثاً. كذلك عرفت الشعوب التسامح الديني والذي فرضته أسباب مماثلة كما حدث بين الشعوب الأوروبية. أما السياسة بشكل عام فممارستها تستند على أسس معينة منها ما سُمي نهج (الضوابط والتوازنات) Checks and Balances في النظم الديمقراطية، والحياد عنها يستجوب المحاسبة لا التسامح!
(2)
الملاحظ أن المُصطلح يظهر بعد زوال الأنظمة الديكتاتورية، أي في فترات الانتقال. في حين أنه يختفي في ظل الأنظمة الديمقراطية، بل يتضاءل حتى بعد زوالها. لأنه ليس هناك ما يبرره فالناس تحتكم فيها لدولة القانون، نسبة لانعدام الموت المجاني والانتهاكات الأخرى المتعددة. ويبدو لي أن ازهاق الأرواح وحجم الكوارث التي قام بها نظام الأبالسة على مدى الثلاثين عاماً، جعل الجهر بظهور المصطلح أمراً عصياً الآن، مع ذلك تسمعه همساً من سُفهاء العُصبة والمؤلفة قلوبهم. وهم يعلمون أن (عدالتهم) ساوت بين أهل السودان حتى في التقتيل الذي لم يستثن رقعة في البلاد. إذ جَرت الدماء أنهاراً في الجنوب حتى انكفأ على جراحه وانفصل. وبلغت أعداد الضحايا في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق أرقاماً تأرق لها المجتمع الدولي، وعندما لم تشبع شهيتهم من الموت ألحقوهم بالشمال والشرق، أما في الخرطوم فقد ضربت السلطة الفاجرة رقماً قياسياً في القتل ما زالت أعداده تترى!
(3)
في أزمنة الديكتاتوريات يتم التمهيد لترويج مصطلح (التسامح السياسي السوداني) بنفاق الممارسات المجتمعية. إذ يقتنص الحُواة الفرصة لاستغلال المناسبات – فرحاً كانت أم ترحاً – والتي تحدث بين الفرقاء، فتراهم يهرعون لمصافحة زيد أو عبيد بدعوى مشاركته السراء أو الضراء، بينما ذات الأيادي التي تتشابك تكون ملطخة بالدماء. وتأتي ممارسة رذيلة النفاق الاجتماعي تلك بزعم أنها تجسيد لفرية (التسامح السياسي السوداني) المزعوم. بينما الهدف منها التمكن في مفاصل السلطة، والتوهم بأن تلك الممارسة ستكون ترياقاً عندما تزول دولة الظلم. وهي على كلٍ وسيلة لممارسة رفاهية السلطة والتمتع بها. وعلى الرغم من كثرة الأمثلة في ما ذكرنا إلا أننا سنكتفي بآخر حدث في القائمة يمثل قمة النفاق الاجتماعي المُفضي للنفاق السياسي. فقد قام دكتور جبريل إبراهيم وزير المالية بمعاودة إبراهيم السنوسي وعلي الحاج في مستشفى يستبشرون. ويعجب المرء كيف دخلت المروءة قلب وزير في حكومة ثورة حتى يقوم بزيارة الجلاد قبل أن يزور ضحاياه؟!
(4)
ربَّ رمية من غير رامٍ، فهبطت علينا أمثلة أكثر سطوعاً في ممارسة النفاق الاجتماعي تحت مظلة (التسامح السياسي السوداني) المزعوم. ذلك ما تمَّ في حفل شواء جماعي لا يقِل سخفاً عما ظل يدور في مسرح العبث. ذلك لأنه ليس لأهل السودان ناقة ولا جمل فيه. فهم ببساطة لا يعلمون عن خباياه سوى ما طفح من ماء آسن. إذ اُطلق سراح (الشيخ) موسى هلال لكن الناس لا يعرفون لماذا اُعتقل في الأصل حتى يُطلق سراحه؟ بل هم لا يعرفون أنه كان معتقلاً أم ينعم بالحرية؟ ولا يدرون في أي سجنٍ كان قابعاً؟ وهل هذا السجن واحد من سجون الدولة المعروفة أم أحد الأقبية السرية التي تكاثرت، ولا يعلمون عنها شيئاً، إلا بعد أن تخرج منها جثة هامدة، مثلما حدث مع الشهيد بهاء الدين نوري؟ كذلك فالقوم يجهلون فحوى مشكلة هلال مع مَن مِن الكائنات؟ هل هي مع الدولة أم القوات المسلحة أم قوات الدعم السريع أم قائدها المُفدى أم مع جن (راكب جواد وشايل كلاش)؟
(5)
هنا يأتي دور (الغلوتية) كما تسميها الأمثولة السودانية الدارجة، فأرهف السمع يا رعاك الله. (الشيخ) موسى هلال كان مسجوناً منذ العام 2017م أي عندما كان نظام الطغمة البائدة يؤدي فروض الولاء والطاعة نيابة عن السماء، وأنه مسجون بمعية أربعة من أبنائه البررة، وعلاوة على ذلك معه ثُلة من رجاله المخلصين. وتقول الرواية إن حسبو عبد الرحمن مساعد الرئيس المخلوع هو من قام بدور محامي الشيطان لصالح أناس وراء حجاب حينها. لكن حسبو هذا أو السجان السابق يقبع هو نفسه في سجن كوبر الآن، وسجنه لم يجُبُّ قضية هلال. فتساءل الناس هل كان (الشيخ) في السجن (الافتراضي) بسبب ما اقترفت يداه من خطايا في النظام البائد أم خطاياه تلك ورثتها الحكومة الحالية؟ كما أن ظهوره بصحة جيدة هل يعني أنه سيكتفي بالعفو تأكيداً لمنهج (التسامح السياسي السوداني) المزعوم أم أنه سيقاضي سجانيه (المفترضين) على الفترة التي قضاها مسجوناً، ويطالب بتعويض مادي أسوة بالدول المتحضرة؟
(6)
ما إن سرى خبر إطلاق سراح الرجل حتى أصبح بيته محجاً لكثير من الطائفين، الذين جاءوا يتسابقون من كل فج عميق، وتقدم الصفوف حتى الذين نوقرهم ليباركوا له سلامته. وكانت الصور التذكارية حاضرة في مشهد لا ينقصه سوى توقيعات المُزار (atuograph) كما نجوم هوليوود. علماً بأن الذين هرعوا لممارسة النفاق الاجتماعي المفضي للنفاق السياسي، هم أنفسهم الذين كانوا يذمون هلال بوصفه أحد أزلام النظام السابق الوالغ في جرائمه كيفما اتفق. فهل قالوا للشعب الصابر ما إذا كانت سنوات الاعتقال (الافتراضي) مسحت خطاياه التي كانوا يزعمون؟ وهل بمقدورهم اقتلاع البراءة من أفواه الذين توسدوا الثرى في الرحلة الأبدية؟
(7)
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، لم يدع (الفريق) عبد الرحيم دقلو الفرصة تمضي دون ممارسة (الاستربتيز السياسي) كما العهد به وشقيقه. فارتجل كلمة عصماء حطَّت الطير على رؤوس سامعيها، بما تضمنته من إيحاءات عنصرية بغيضة وغير مسؤولة وتنم عن جهل فظيع بتركيبة هذا البلد الاجتماعية والثقافية، مما استثار غضب الكثيرين فعبَّروا عن استيائهم شعراً ونثراً. بيد أن مثل هذه اللغة لا ينبغي أن تستدعي الغضب وحده، وإنما المسائلة بكشف الغموض الذي اكتنفها، وكَحَت ما في الصدور من صديد لكي تبرأ جراح هذا الوطن. الغريب في الأمر كأنما هذه البلاد لم يكفها ما فيها من بلايا ورزايا، فقبل أن نطوي الصفحة فإذا بالقائد (الشيخ) المفرج عنه يقول لا تحلموا بغدٍ خالٍ من السلاح، فأصدر البيان رقم واحد ودعا فيه لإعادة تكوين (قوات نهج الصحوة) ولمثل هذا يقول مَثل في تغريبة بني هلال: (وكأنك يا أبو زيد ما غزيت) وبخ بخ بخ!!
آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.