تنفيذي حلفا يتفقد عدداً من المؤسسات بوحدة عبري    المملكة تتقدم للمرتبة ال22 عالميًا بتقرير السعادة العالمي    السودان يقدم واجب العزاء لكل من قطر وتركيا في ضحايا حادث المروحية المأساوي    التذبذب العالمي يربك سوق "الذهب" في مصر.. ماذا حدث؟    زعيم كوريا الشمالية يتعهد بأن بلاده لن تتخلى أبدا عن وضعها كدولة نووية    الولايات المتحدة تحظر أجهزة «الروتر» الجديدة المصنعة فى الخارج لأسباب تتعلق بالأمن القومى    تصعيد مجموعة من الشباب للفريق الأول بالأهلى.. اعرف التفاصيل    النجوم الأكثر جاذبية.. كريستيانو رونالدو يتصدر أوسم اللاعبين فى 2026    مبابي ينفي التكهنات ويؤكد جاهزيته لخوض كأس العالم    روضة الحاج: لكنَّني وكعادتي في الحربِ لا أستسلمُ!    هاجر أحمد توجه الشكر لمخرجة ومدير تصوير مسلسل أب ولكن    محمد علاء : حبيت طارق جدا فى توابع وتعبنى أكتر من شهاب فى عين سحرية    الصحة العالمية : إنقاذ 83 مليون مصاب بالسل فى العالم منذ عام 2000    شاهد بالصورة والفيديو.. مواطن كويتي يشيد بقرار حكومة بلاده بالإستعانة بأساتذة سودانيين: (هذا خبر يساوي مليون دينار)    شاهد بالفيديو.. المطرب يوسف البربري يمازح الفنانة إنصاف مدني في حفل جمعهما بالسعودية (إنصاف عزيزة عليا) وملكة الدلوكة ترد عليه: (كضاب)    شاهد.. ماذا قالت الفنانة ندى القلعة عن المطرب سجاد بحري!!    شاهد بالفيديو.. دكتور حمزة عوض الله يعلق على هزيمة الهلال: (كل قرارات حكم المباراة بما فيها ضربة الجزاء صحيحة والهلال أقصى نفسه بنفسه)    أكاديمية الاتحاد للكاراتية بعطبرة تشعل أجواء رمضان ببطولة حماسية مميزة    الطرابيش يتوج بطلاً للدورة الرمضانية بنادي سواكن بعد فوزه على الأمير    الكرمك ومنحدراتها الجبلية مناطق غنية بالذهب ومعدن الكروم والمطامع الدولية والإقليمية    فيديو والمادة"5″..الهلال السوداني يبعث بخطاب ل"كاف"    لجنة السيدات تكلف برهان تيه بالسفر إلى القاهرة للوقوف على النشاط واختيار منتخب الناشئات    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    مناوي: تعيين أمجد فريد يعكس توجهاً لتجديد العمل السياسي في السودان    تنفيذي الخرطوم: توفر الوقود وغاز الطبخ وعمل المخابز والمواصلات خلال اليوم الرابع من عيد الفطر    عثمان ميرغني يكتب: كيف نصنع "النخبة" السياسية.    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    ابتكار يعيد الحياة لوظائف البنكرياس    دراسة تؤكد تأثير صحة الأب على الحمل والجنين أكثر مما كان يعتقد    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المشورة الشعبيَّة المفترى عليها ... بقلم: طالب تيه
نشر في سودانيل يوم 04 - 11 - 2010

لقد تلاحظ فى الاونة الاخيرة تناول بعض ابناء النُّوبة لمسألة المشورة الشعبيَّة لولايتي جنوب كردفان/جبال النُّوبة والنيل الأزرق التى تمخضت عن اتفاقية السلام الشامل بشىء من البساطة والسطحية الشديدة. ومن المؤسف حقاً ان بعض قيادات النُّوبة حاول ربط مصير الولاية في اشخاص كما ظهر في ملصقات تحت مسمى اللجنة العليا لمناصرة القائد اللواء تلفون كوكو ابو جلحة مع أن مشكل جبال النُّوبة أكبر من ذلك. إن مثل هذا العمل ينطلق من فئة نُّوباوية ذات خلفية ايديولجيَّة وثقافيَّة محددة قد لا تدرك خطورة الوضع في جبال النُّوبة وان ما تقوم به هذه الجماعة ما هو الا تنفيذاً لاجندة خاصة بمن لا تهمه المنطقة. وكأننا – ابناء النُّوبة – ما زلنا نفتقر لمنهج فكري موحد للتواصل والتفاعل مع الانسان النُّوبي البسيط. فهؤلاء البسطاء لا تعنيهم عند الحاجة اي عندما تضيق بهم الحياة لا يعرفون ما يقول فقهاء الأيديولجيات التي انتظمت المنطقة وإنتشرت بين ابناء ومكونات الولاية الاثنية بدءاً بافكار الإسلاميين الذين تشربوا بافكار حسن البنا، سيد قطب والمودودي وغيرهم. ومثلهم من تشبَّع بافكار ماركس ولينين، ثُلة ثالثة تعلَّقت قلوبها بفكر عفلق البعثي العربي وفئة رابعة آمنت بالفكر الناصري الاشتراكي. كل هذه الفئات تربطهم رابطة واحدة وقاسم مشترك اوحد هو انهم يعملون ضد رغبات اهليهم وانهم ليتأثرون بقياداتهم في مراكز القرارات اشد التأثير وانهم لتلك الموجهات والتوجيهات نافذون دون تردد. وما هو امرَّ تشبث مِلةٌ من ابناء النُّوبة بالحزبين البعث العربي والحزب الناصري الإشتراكي رغم توجهاتهما العروبيَّة الخالصة ومع ان العروبيَّة التي هم لها عاكفون تحتقرهم وتنكرهم، وانه لحق نقول ان الذي هم به مولعون ويتمسكون لخيوط إثنية واهية. ولكي نكون منصفين فان من النُّوبة من نهل من معين ابطال حركات التحرر الافريقى امثال نكروما و كنياتا ومانديلا وغيرهم ولكن هؤلاء ايضاً لم يستطيعوا الاستقلال بافكارهم هذه لضعف ما فى انفسهم فكانت هذه هي الطامة الكبرى.
فنتيجة لهذه الخلفيات المختلفة نلمس ان ما يكتبه هؤلاء المشاترون لايجد اذناً صاغية فى اوساط النُّوبة المكتويين بنيران قضايا الساعة لان هؤلاء يغردون خارج السرب مستخدمين قضايا النُّوبة لتمرير اجندتهم الخفية والمنطلقة من ايديولوجياتهم التى تتحكم فيهم. والمتتبع لقضية جبال النُّوبة يلاحظ ايضاً ان بعضاً من ابناء النُّوبة الناشطين قد ربط قضية اعتقال اللواء تلفون كوكو بالمشورة الشعبيَّة وجزم بان ذلك الاعتقال سيعرقل المشورة الشعبيَّة بدون دراية عن الكيفية التي تتم بها هذه العملية وكما ما هو مفهوم المشورة الشعبيَّة لغة واصطلاحاً وقانوناً وهل هنالك تجارب سابقة لهذه المشورة وما هى تلك الدول التى مارستها وكيف ساهمت فى حل قضاياها بالسلب اوالايجاب. والاهم من ذلك كله لم يحاول البعض معرفة الاجابة على السؤال: لماذا حصل ابناء النُّوبة فى الحركة الشعبيَّة على المشورة الشعبيَّة وليس حق تقرير المصير او الاستفتاء حتى يتمكنوا من تحديد وجهتهم كما سيفعل الجنويون فى التاسع من يناير 2011م؟ وهذا التساؤل مصحوب بسؤال آخر وهو من هم الذين تسببوا في ان يتحصل ابناء النُّوبة على المشورة الشعبيَّة كأدنى حد من المطالب التى تقدموا بها عند التفاوض؟
فالاجابة على هذه الاسئلة مهمة لافادة المتابع من ابناء النُّوبة والولاية بصفة عامة ليساعد فى فهم المشورة الشعبيَّة على حقيقتها وخاصة انها تحدد مستقبل الولاية اى ولاية جنوب كردفان فى الانتخابات القادمة. وعليه رأينا بالضرورة المساهمة المتواضعة بالكتابة عن المشورة الشعبيَّة المفترى عليها واجلاء بعض الحقائق الخافية بل التى يخفيها مع سبق الاصرار والترصد بعض ابناء النُّوبة ذو الايديولوجيات المتطرفة لاشياء فى انفسهم بالرغم من انهم مؤهلون للاجابة على الاسئلة المطروحة حسب مستوياتهم الاكاديميَّة الرفيعة . لكنهم مع ذلك يميلون كل الميل عن الحق. ولذا لابد من التصدى لهذه المحاولات اليائسة في تناول قضايا النُّوبة بالبساطة والسطحية والسفسطائية.
المشورة الشعبيَّة:
تعرف المشورة الشعبيَّة لغة بانها مشورة الشعب فيما بينه ليقول رأيه في موضوع ما، وفى هذه الحالة يكون الشعب هو شعب جنوب كردفان. واصطلاحاً هى مصطلح جديد فى الادب السياسي وعمليَّاً هي ليست كتقرير المصير الذي يحدد بين شيئين لا ثالث لهما: نعم او لا وبذلك فنتيجته معلومة مسبقاً. اما نتائج المشورة الشعبيَّة فغير معروفة مسبقاً. اما في القانون الذي صدر لتنظيم هذه العملية فتعرف بأنها "حق ديمقراطي وآلية لتأكيد وجهة نظر شعبي ولايتى جنوب كردفان والنيل الازرق كل على حده بشأن اتفاقية السلام الشامل بخصوص اى من الولايتين والتى تم التوصل اليها بين حكومة السُّودان والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان (وفق ما نصت علية اتفاقية السلام الشامل الفقرة 3-1). اما دستور ولاية جنوب كردفان الانتقالى لسنة 2006م فقد تناول المشورة الشعبيَّة فى الباب الثالث الفصل الاول المادة 65-1،2،3،4،5.
وفي ورشة عمل لحكومة الولاية توصل المشاركون الى مفهوم مبسط للمشورة الشعبيَّة وهو ان المشورة الشعبيَّة هى طريقة قانونيَّة لاستجلاء آراء الشعب حول الاتفاقية. وبلغة المواطن العادي تعني: طريقة قانونيَّة عشان نأخذ بيها آراء كل شعب الولاية بحرية تامة حول الاتفاقية بسؤالهم: "هل الاتفاقية دي جابت لينا كل الحاجات العاوزنها ولا ما جابتها؟ واذا جابت كل الحاجات العاوزنها والدايرنها خير وبركة. كويس. تمام التمام. واذا لسع عندنا حاجات ما جات لازم نوضح هى شنو الحاجات دي عشان مجلس الولاية المنتخب يتكلم مع ناس الخرطوم ويكمل لينا الحاجات الناقصة". اما الحركة الشعبيَّة فتعتبر ان المشورة الشعبيَّة حق ديمقراطي والآلية الوحيدة والاخيرة لمراجعة البرتوكول ومن ثم الاتفاقية وتحديد اوجه القصور وتسمية المعالجات او الحلول مع امكانية تطوير وتصحيح اى قصور فى الترتيبات الدستوريَّة والاقتصاديَّة والامنيَّة والاداريَّة مع حكومة المركز. ولهذا التعريف تفسيراته ليس هناك داعي لذكرها فى هذا الحيز الضيق.
لماذا المشورة الشعبيَّة وليس الاستفتاء لتقرير؟
لقد تناولنا الاجابة على هذه الجزئية بالتحليل من قبل فى مقال سابق لنا تحت عنوان "البيان التوضيحى لمنبر جبال النُّوبة الديمقراطي: ماكان لنا فيه قول ولكن..". ولمقارنة موقف النُّوبة مع الجنوبيين حيال القضية لا بد لنا من المرور بالمحطات المختلفة التي مر بها ووقف عندها قطار البحث عن السلام في السُّودان بدءاً بكوكادام وانتهاءاً بنيفاشا. ففي كل محطة كان الجنوبيون في الحركة الشعبيَّة يقفون وقفة واحدة وفي خندقٍ واحد عندما رأوا استحالة الحل السلمي والسُّودان الموحد تحت اسس جديدة، وقفوا بصلابة من اجل تقرير مصيرهم السياسي حينما سنحت الفرصة باتاحة ذلك الحق. اما بالنسبة للنُّوبة فقد كان الوضع مختلفاً إذ كان اصرارهم على السُّودان الموحد وانه اذا منح الجنوب حق تقرير المصير فانهم يطالبون بذلك أيضاً وليكن الحد الادنى في مطلبهم ان تكون منطقتهم تحت ادارة الحركة الشعبيَّة على الاقل في الفترة الانتقاليَّة حالما توصل الطرفان لسلام عادل وشامل. كان الهدف من هذه الخطوة هو الحاق المنطقة بقطار تنمية الجنوب لان النُّوبة تضرروا كثيراً من هذه الحرب. ولكن ايضاً قامت الحكومة السُّودانيَّة بعملية قطع الطريق لمسى النُّوبة بالحركة الشعبيَّة عندما أصرت على الا تناقش مشكلة جبال النُّوبة تحت مظلة الايقاد بحجة ان النُّوبة ليسوا بجنوبيين وان قضيتهم لمختلفة جدا. هنا اعتمد ابناء النُّوبة فى الحركة الشعبيَّة رئاسة الحركة الشعبيَّة لمناقشة قضية جبال النُّوبة فى منبر الايقاد وليس سواه (مقررات مؤتمر كاودا ديسمبر 2002م). وها هنا كذلك تباينت المواقف بين الذين يحملون لواء المعارضة ويملأون الاثير اجيجاً وجعجعة وبين اخوانهم في الحركة الشعبيَّة. كانت المفارقة في إستماتة المجعجعون لمحاولة افراد منبر خاص خارج منبر الايقاد لحلحلة قضية جبال النُّوبة فاوفدت حكومة المؤتمر الوطني خيرة ابناء جبال النُّوبة الى كينيا للقيام بهذا الدور انابة عنها. وبالفعل وقف هؤلاء ضد تفويض ابناء النُّوبة فى الحركة الشعبيَّة لرئيسها الدكتور جون قرنق دي مبيور في التعبير عن مظالمهم التي هي نفس تظلمات جنوب السُّودان والهامش عامة.
لم يقف الامر في ايفاد الوفود النُّوبيَّة الى نيروبي فقط بل تم الادعاء بان النُّوبة فى الداخل قد فوضوا المؤتمر الوطنى للتفاوض نيابة عنهم مما هدى بالوسيط ان يعيد الكرة الى اهل الشأن فى الولاية لكى يقولوا رأيهم فى الاتفاقية من خلال المشورة الشعبيَّة. هذه هي نتيجة التشتت في الآراء والرؤى ليس فقط بين النُّوبة بل بين كل سكان الولاية. لذا نجد ان الحكومة قد مهدت لافشال محاولات ابناء النُّوبة في الحركة الشعبيَّة لتقريب وجهة نظر ابناء النُّوبة فى الداخل وفى المناطق المحررة لمناقشة قضاياهم داخل منبر الايقاد بعقد مؤتمر فى يوغندا فى الوقت الذى كانت تسير فيه الاستعدادات على قدم وساق لعقد مؤتمر بكاودا. وقد جمعت الحكومة ما جمعت وقد توصل المجتمعون في ذلك الاجتماع الكارثة والذى قسم النُّوبة الى قسمين وقد كان على رأسهم اخ كريم يصف المشورة الشعبيَّة الان بانها لاتساوي الحبر الذى كتبت به بالرغم من انه قد كان احد مهندسى المشورة الشعبيَّة. وان تمعنا النظر والبحث جيداً نجد ان الاخ المعني بموافقه المعاكسة لرغبات النُّوبة والتى تنطلق من خلفياته الايديولوجية قد كان سبباً مباشراً في ان لا يتحصل النُّوبة على مكاسب اكبر من المشورة الشعبيَّة فى برتوكول السلام الشامل عندما ارسلوا رسائل الى الوسيط بان النُّوبة منقسمين، منهم من يقف بجانب الحركة الشعبيَّة ومنهم من يقف بجانب الحكومة، لذا ماكان من الوسيط الا وان يرد الحقوق الي اصحابها وهم سكان الولاية ليقولوا رأيهم في الاتفاقية كما ذكرنا سابقاً.
ولولا الخلافات البينة والواضحة بين ابناء النُّوبة في جانب الحكومة وابناء النُّوبة فى الحركة الشعبيَّة والتى دعت الوسيط بان يعيد الكرة الى ملعب ابناء النُّوبة ماكانت المشورة الشعبيَّة. فلو وقف ابناء النُّوبة فى الحركة الشعبيَّة وابناء النُّوبة المؤيدين للحكومة في جانب واحد وطالبوا بحقوقهم كما فعل الجنوبيون لما كانت المشورة الشعبيه بل كانت المطالب اكبر من هذا بكثير. ولكن المؤسف حقاً ان يظهر على السطح فجأة من كانوا سبباً فى هذه النكسة محاولين تبرئة انفسهم من هذه الجرائم التاريخية والتى سيحاسبهم عليها التاريخ ليوصموا الحركة بأنها باعت النُّوبة وما الى ذلك من الترهات التى يتفوه بها البعض من ابناء النُّوبة ويبدوا انهم قد عقدوا العزم على افشال المشورة الشعبيَّة كما افشلوا من قبل المفاوضات فى نيفاشا. ولكن لنا سؤال ان كان ما يقولونه صحيحاً (بالرغم من انه غير صحيح) ما هى المكاسب التى قدموها للنُّوبة من داخل الحكومة التي هم واقفون في صفها فى تلك الفترة وهى تملك كل شيئ لكى تعطيه لهم ان هى ارادت؟ ان كل ادوارهم عبارة عن كومبارس يحركون كقطع الشطرنج لتنفيذ اجنده المركز.
لقد اقاموا تجمعاً سمى تجمع الدفاع عن تلفون كوكو، ولكن عندما كانت الحكومة التي هم جزء منها فى ذلك الوقت تقتل ابناء النُّوبة وتمثل بجثثهم فى الميادين العامة لم نسمع بأنهم اجتمعوا للحديث عن ذلك وقد شاركوا وهم فى السلطة بتلطيخ اياديهم بدماء الشهداء. فأحزاب كالامة او البعث او المؤتمر الشعبى ومن على شاكلتها لهي آخر من يتحدث ويدافع عن ابناء النُّوبة. هل هم يضحكون على النُّوبة ام يضحكون على انفسهم؟ يبدو أن هؤلاء لا يعلمون ماذا هم فاعلون، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. ان ما يكتبونه من بيانات وما يحاولون القيام به من تصعيد للدفاع عن شخص هو جزء من مؤسسات الحركة الشعبيَّة العسكرية، امر يدعو للحيرة والاسف .
فلنفترض بان الاخ اللواء تلفون كوكو الذى يدافعون عنه يحمل نفس الرتبة العسكرية فى جيش الحكومة واتى بما يخالف العقيدة العسكرية او الخط العام للحكومة - وإن كنا نستبعد ذلك - هل كانوا سيقفون مثل موقفهم هذا؟ انه العبط نفسه ويبدو ان هؤلاء قد حار بهم الدليل. فاللواء تلفون كوكو في شخصه لايمكن ان يقرر مصير جبال النُّوبة ولكن الذي سيحدد مصير النُّوبة الشعب نفسه من خلال المؤسسية. فهنالك انتخابات قادمة فبدلاً من الاستعداد الجيد لخوض هذه الانتخابات نجد البعض منا يسبح عكس التيار ويتناول قضايا انصرافية لا علاقة لها بهموم المواطن فى جبال النُّوبة. فقضية اللواء تلفون كوكو ستحسم داخل الاجهزة العسكريَّة فى الحركة الشعبيَّة وهى قضية واضحة المعالم ولكن المتاجرة بها وبتلك الصورة المهمومة مرفوضة، لان الطريق الذى يسلكه هؤلاء لايقود لحل المشكلة ان كانوا هم يعتقدون ذلك. بل تزيد من تعقيدها ويثبت للجيش الشعبى حقيقة التهم الموجهة اليه والا ماهى مصلحة هؤلاء فى اللواء تلفون كوكو؟ لقد كان عميداً عندما كان يسد سهامه ويصب على الحركة الشعبيَّة كل انواع السباب على صفحات الصحف السيارة. ولكن بالرغم من ذلك ما قاله ضد الحركة الشعبيَّة (وما قاله لم يقله مالك فى الخمر) تمت ترقيته الى رتبة اللواء. فان كانت القيادة فى الحركة الشعبيَّة لها رأى لما تمت الترقية بل التجريد والطرد ولكن الترقية كانت نتيجة لحسن النوايا وان الحركة دائماً تقف مع ابنائها الذين حاربوا فى صفوفها ولكن الحركة لاتقبل ان ياتى شخص او مجموعة من خارج صفوفها لكى يملي عليها ماذا تفعل وما لا تفعل بأفرادها ومنسوبيها ونعتقد ان الطريق الذى يسلكه هؤلاء الاخوة سيقودهم الى طريق مسدودة. وعليه من الخير لهم ان يهتموا بأحزابهم وافراد احزابهم بدلاً من التدخل فى شئون الاخرين فامامنا قضايا اكبر من تناول قضايا الافراد.
تجربة المشورة الشعبيَّة في مقاطعة آشي الاندونيسية
كما ذكرنا من قبل ان المشورة الشعبيَّة قد فرضت فرضاً على ابناء النُّوبة فى الحركة الشعبيَّة بواسطة ابناء النُّوبة فى الحكومة وعليه رأى الوسيط انه لا بد من ارجاع الحق الى اهله فى جبال النُّوبة ليقولوا رأيهم فى الاتفاقية وماذا قدمت لهم وما هى النواقص التى يجب ان يسعوا من خلال برلمانهم المنتخب للتفاوض فيه مع المركز للحصول عليه. فبالرجوع للتجارب السابقة لعدة دول نجد ان المشورة الشعبيَّة قد طبقت على مستوى فى عدد من الدول من بينها كينيا فى افريقيا، جوتيمالا فى امريكا الوسطى، اندونسيا والعراق فى آسيا والان ينتظر ان يتم تطبيقها فى جبال النُّوبة فى السُّودان.
لقد كانت التجارب السابقة للدول المذكورة مخيبة للآمال ان استبعدنا اندونسيا. وهذا جرس انذار لابناء الولاية فأى تفريط فى المشورة الشعبيَّة نتيجة للصراعات الجانبية التى تحدث الان والتى ترجعنا الى الصراعات التى تمت ابان فترة المفاوضات تعنى الفشل المسبق؛ وعليه لابد من التركيز الشديد لانجاح المشورة الشعبيَّة فى جبال النُّوبة لينال شعب الولاية حقوقه كاملة للميزة التى ميزته به الاتفاقية عن غيره من الولايات الشمالية وبعده كل شئ يمكن ان يكون ان اتفق الجميع ووقفوا وقفة واحدة للمطالبة بالسقوف العليا والتى تضمن لهم حقوقهم .
تجربة المشورة الشعبيَّة فى اندونسيا كانت ناجحة وواضحة فلقد اسهمت مساهمة فاعلة فى مقاطعة آشي التي بدأ التمرد فيها عام 1997م وانتهي الامر بتوقيع مذكرة تفاهم بين حركة تحرير آشي والحكومة المركزية فى 15/8/2005م فى (هليسنكى) ويعمل البرلمان فى آشي فى المحافظة على اللوائح والقوانين المنفذه لقانون المشورة الشعبيَّة. ويمكن تلخيص بعضاً من النجاح في آشي في المكاسب الآتية:
(1) تحصلت المقاطعة على 70% من البترول والغاز المنتج فيها؛
(2) الحصول على 2% من الضرائب المخصصة للمحافظات (مجمل المحصل للمحافظات 26% لاكثر من 30 محافظة )؛
(3) تخصيص 30% من المقاعد فى السلطة المحليَّة لدورها فى النضال؛
(4) منحت آاشيى فرص بعض العلاقات الخارجيَّة بما يشمل الحصول على قروض؛
(5) وجود قناعة لدى الحكومة المركزيَّة بقضية آشي مما دفعها لمنحها اوضاع تفضيلية
هذه هي خلاصة تجربة ماثلة امامنا فماذا نحن فاعلون لتحقيق المشورة الشعبيَّة فى جبال النُّوبة او قل بالاحرى فى ولاية جنوب كردفان؟ هذا هو التحدى الحقيقي الذى ينتظرنا. فبدلاً من ضياع الوقت في التنظير والمناكفات التي لاتجدي، يجب الاستعداد جيداً لهذه المشورة الشعبيَّة من خلال الانتخابات القادمة لانها الفرصة الاخيرة لنا للحصول على حقوقنا كاملة من المركز ان نحن اتفقنا. واتمنى ان نتفق لحظة !!!! .
طالب تية
كادقلى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.