أسرع طريقة للهروب من الواقع!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    خطأ الطبيعة : قصة قصيرة .. بقلم: احمد محمود كانم    حُمَّدْ وَلَد ... ومحاولات اغتيال شخصية المرأة .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الامين    مبادرات: العودة إلي الطبيعة: إعادة إكتشاف نباتاتنا المنسية أو الضائعة !.. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    مقترح بنك الطاقة .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    الهلال يعطل ثلاثي المريخ مجددا    في حب الوطن والناس .. بقلم: نورالدين مدني    جولة في حديقة المشتركات الإنسانية (أسماء وألقاب)!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    التالتة حرمت الحلال .. شعر/ موسى المكي    السودانوية والشرط الانساني والذاكرة المحروسة بالتراث والوصاية .. بقلم: طاهر عمر    المركزي ينفي إصداره قرارا بتحديد سقف للسحب من حسابات العملاء    أهلي شندي يلحق بأهلي الخرطوم أول خسارة في الدوري .. حي الوادي نيالا يعمق جراح الأمل عطبرة    في دي ما معاكم .. بقلم: كمال الهِدي    إحالة 20 دعوى جنائية ضد الدولة للمحكمة    الرئيس الأمريكي بايدن يلغي قرار ترامب بمنع مواطني السودان الفائزين ب(القرين كارد) من دخول أمريكا    شرطة السكة حديد توضح ملابسات حادثة تصادم قطار وشاحنة قلاب عند مدخل الخرطوم    الشرطة والشعب ! .. بقلم: زهير السراج    الولايات المتحدة السودانية .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    "شوية سيكولوجي8" أب راسين .. بقلم: د. طيفور البيلي    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مصر, تونس,العراق , ليبيا و السودان 6-8 .. بقلم: أحمد ضحية- ميريلاند
نشر في سودانيل يوم 08 - 03 - 2011

سقوط المعسكر الإشتراكي الناصري أم مقدمات للديموقراطية والتحرر..

مقدمة :
الحديث عن العالم العربي هو حديث عن التاريخ , أو حديث عن عالم إفتراضي ,لم تصله الإنسانية بعد .. الحديث عن العالم العربي لهو حديث عن أروقة الفكر المعتمة بالمتناقضات ودهاليز القبيلة ,وأقبية الطائفية وأوكار الأحزاب الهشة,أكثر مما هو حديث عن دول, لديها ممثلين في الأمم المتحدة , وعدد من المنظمات الدولية , التي تؤثر في حياة الإنسان, بما هو إنسان في الألفية الثالثة.
بهذا المعنى العالم الثالث, عالم نفقي ودهليزي مرعب ,وهو ما يفسر لنا الآن لماذا كانت ثورة الياسمين في تونس, أو إنتفاضة مصر, أو الإنتفاضة المسلحة في ليبيا ..
وبهذا المعنى ذاته يمكننا رؤية القلق التراجيدي "في" و"على" و"حول" ثورة السودان المرتقبة! , وبمعنى غير بعيد يمكننا :التعرف على لماذا : الأردنيون أو المغاربة يطالبون الآن بالإصلاحات, في ظل ملكيتيهما الدستوريتين.أوالبحرانيون والعمانيون والسعوديون.. لماذا يطالبون الآن بتغيير نظامي حكميهما, إلى ملكيات دستورية ,أو اليمنيون – الذين تم دفع بعضهم بأجندة إنفصالية ,تزيد الأوضاع الطائفية والقبلية اليمنية سوء, أسوأ بكثير من سؤها التاريخي- لماذا يطالبون بإسقاط النظام؟!!!!.
هذه هي الأخبار اليومية للخليج وجنوب الجزيرة العربية , في تناغم تام مع ما يجري في بقية أنحاء المشرق والمغرب العربيين ,وإمتداداتهما الأفريقة المستعربة .ومن بين كل هذه الأخبار ,تحتل أوضاع اليمن موقعا بارزا في الخليج وجنوب الجزيرة , تماما كموقع لبنان بالنسبة للشام والمشرق , فكليهما لبنان واليمن (دون أن ننسى العراق)بمثابة المركز للصراعات التاريخية الطائفية والمذهبية, التي يعانيها العقل والوجدان العربي, في رحلته اللأ نهائية بحثا عن إنسانيته وحقوقه وإستقراره .. وعن أن له دورا في المجرى العام للتاريخ الإنساني!.
لإلقاء مزيد من الضوء على ما يجري في الخليج, وجنوب الجزيرة العربية , من أصوات تتعالى هنا وهناك, مجاهرة بضرورة إجراء إصلاحات ,أو إقامة ملكيات دستورية , لابد لنا من الجوس قليلا, في في الإطار العام , الذي وسم حياة هذا الجزء من العالم , وأفضى به إلى ما يعيشه الآن, من أحداث فاجأت العالم من أقصاه إلى أدناه,. و باغتت العرب والمستعربين في نومتهم الميثولوجية الخالدة ؟!.. نومة أهل الكهف الطويلة الأمد!!
ففي ظل الملكيات الوراثية أو الجمهوريات الإستبدادية ,التي في الحقيقة هي صراع مذهبي ,طائفي ,قبلي,إسلاموي, سني يمد جذوره في فلسفة الجبر العتيدة, التي شكلت وجدان الحكام والزعماء والرؤساء العرب والمستعربين- أفرجت عنه – هذا الصراع - رياح الديموقراطية وحقوق الإنسان التي ظلت تهب لسنوات طويلة , جعلت أهل الكهف العربي يفيقون ,على وقائع ثورة الياسمين التونسية. وضجيج شباب ثورة مصر المؤمنة كما يعتقد شيخي وجدي البرعي .
لذلك ستكون هذه الحلقة عن اليمن السعيد!, لتتبعها الحلقة القادمة عن الخليج العربي, فاليمن والخليج مفصليان في أزمات المشرق والمغرب العربيين جميعها , بل أن الأزمات العربية والمستعربة ,بغضها وغضيضها تتقاطع الآن في اليمن , كما تقاطعت في لبنان الطائفية من قبل , لترسم عالما مختلفا, لأجيال ينادون الآن بسقوط كل ذلك , فأهل الكهف الجدد ,الذين أفاقوا أدركوا مدى خطر الطائفية والمذهبية والقبلية للمرة الاولى , والتي هي صنو العنصرية , ولن يتمكنوا من العودة للرقود مجددا في كهفهم البديع بسلام !,مالم تستقر الديموقراطية وحقوق الإنسان ويندثر الفساد .
وأنا كمستعرب من أصقاع أفريقيا(السودان), أقرأ بشراهة في تاريخ اليمن , كان يلازمني على الدوام خاطر واحد إزاء كل واقعة : أنه تاريخ السودان ذاته!..أنه تاريخ السعودية نفسها أنه تاريخ .. أنه تاريخ غريب ومريب!..
اليمن الشمالي (المستعرب)والجنوب العربي(اليمن الجنوبي) :
عُرف اليمن في التاريخ الحديث تحت الهيمنة العثمانية, بما حمله التاريخ العثماني عنه : مرحلتين تجاوزت 600 عام ,مع وجود وتعاون المذهب الزيدي الحاكم إلى يومنا هذا(ومن عندي إلى يوم الدين بمعنى القيامة!) وإخضاع الشوافع في المناطق الوسطى لحكمهم , وسلم العثمانيين بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى الحكم, إلى إمام الزيدية ,الذي أصبح بعدها الحاكم وملك المملكة المتوكلية اليمنية .وقد إعترف البريطانيين في عام 1934 بهذا الوضع في الجنوب العربي , الذي كان خاضعا لهم طوال 129 عاما ,لم يحدث خلالها أي إلتحام ,أو وحدة بين الجنوب العربي واليمن الأعلى(الشمالي) , كما لم تتم تاريخيا وحدات, أو إندماجات طويلة بين الشعبيين: في الجنوب والشمال اليمنيين ,وكانت أكبر فترة للتوحد , 34 عاما في أيام الحكم الزيدي , ولكن لعدم الشعور بالوحدة والقهر , تم طرد اليمنيين من الجنوب العربي ,بتحالف: يافع وشبوة ولحج وأخيرا تم إخراجهم من حضرموت ,وكل مناطق الجنوب العربي, التي كانوا يحتلونها إثر حرب مريعة, لا تزال ذكرياتها ,مرتسمة في ذاكرة قبائل يافع والضالع وشبوة وردفان والشعيب وأبين,إلخ ... إرتسام النقوش على جدران المعابد النوبية(الخفية), التي لا تتجاوز حدود فرس وسرس فحسب, بل وتوشكي عبد الرحمن النجومي أيضا(التي يدلعها المصريون بتوشكا) , وبل تتعدى أسوان إلى الأقصر وتتجاوزها؟ !
هكذا إنفضت تلك الوحدة ,التي أتت بالدم والقوة, من قبل اليمنيين الشماليين المستعربة ضد أخوتهم في الجنوب العارب, وكانت المحصلة النهائية طرد اليمنيين الشماليين, وتحرير الجنوب العربي القحطاني في مرحلة التحرر والكفاح المسلح, التي تزامنت مع ثورة ناصر في مصر وعالم الأقطاب ,والحرب الباردة وحركة القوميين العرب, ورفع شعار الوحدة العربية من المحيط الى الخليج , ويجب ألا نغفل هنا دور الإتحاد السوفيتي والمنظومة الإشتراكية ,ضد الولايات المتحدة الأمريكية(فكل من يريد لنفسه الشهرة يجب أن يقف ضد الولايات المتحدة) ,ودول الملوك والأمراء والزعماء والرؤساء العرب , وهكذا تم تم خلق عداء كبير ضد اليمن العربي العارب(اليمن الجنوبي) من قبل المستعربين من المحيط إلى الخليج!.
,كما تم خلق حروب إنتهت بهزيمة القومية العربية ,التي فشلت فشلا زريعا في توحيد العرب من اليمن إلى الشام, ومن الخليج إلى المحيط , بل فشل العرب حتى في التقارب الاقتصادي, والمنافع الاستراتيجية المختلفة .
وبهذا عندما قامت ثورة أو إنقلاب 26 سبتمبر 1962 م في اليمن, بدعم من عبد الناصر– ونتيجة الحماس الثوري ,والمتغيرات الدولية الكبيرة في تلك المرحلة ,والصراع بين الشرق والغرب ,حول الإستيلاء على المنطقة العربية – تداخلت الأمور – وساعد أبناء الجنوب العربي ,في الدفاع عن الثورة السبتمبرية في اليمن – وبدأت إنطلاقة جديدة ,من أجل التحرير في الجنوب العربي , وأستغلت مصر عبدالناصر الصحوة العربية .فعملت على مساعدة الثورات في الجزيرة ,من أجل الوحدة وإسقاط كل ملكيات المنطقة – ولكن تحول الثورة في اليمن عن المسار المرسوم لها, ونتيجة حرب مصر وخسارتها في 1967 م – وتكبد مصر الكثير من الشهداء في اليمن, والدخول في حرب طويلة مع السعودية – قررت مصر والسعودية إنشاء اتفاقية في الخرطوم(وفي الحقيقة السعودية والسودان على عهد عبد الناصر ,كانا "تمومة جرتق" لا بيحلو لا بيربطو بينفذوا فقط رغبات المرحوم عبد الناصر وتوجيهاته, تنفيذ البشير لتعليمات حسني مبارك فما أشبه الليلة بالبارحة!؟!) التي بتت في أمر اليمن, دون علم القيادة اليمنية أو الرجوع إليها ,بخصوص تلك الإتفاقية, التي في الحقيقة اليمن هو المعني الأول والأخير بها – فكل ما فعله الجانب المصري ,أنه فيما بعد أطلع الرئيس عبد الله السلال, على تفاصيل الإتفاقية , فكان من الطبيعي أن يرفضها السلال, لأنها أشبه بوصاية مصرية-سعودية(طبعا العرب حتى لو كانوا يمنيين أو ليبيين لا يحسبون السودان ضمن الحسبة العربية, فقد إستقر في الوعي العربي العام, وبصورة حاسمة: أن السودانيين عرب أونطة ساكت! وهذا هو السر في في ركض نميري بوفد الجامعة العربية إلى كسلا, لإقناع جامعة العرب بأن السودان قطر عربي , لأنو ناس كسلا سمحين شوية ويشبهون العرب ,حسب النظام الدلالي العربي! ..
لا أدري ما الذي كان سيحدث لمجهودات عبد الناصر والنميري, لضم السودان للجامعة العربية , لوخطر على بال نميري, أن يأخذ وفد الجامعة العربية , الذي هو في التحليل النهائي وفد عبد الناصر .. تخيلو فقط أن نميري كعسكري لا يقل غباء عن القذافي, أخذ وفد الجامعة العربية إلى جبال النوبة أو الأنقسنا ؟! العرب حتى الآن لا يفهمون ,ماذا يعني الفرق بين نظام دلالي لشعب أوآخر , إلى جانب أنهم يعانون مشكلة . إستلاب أساسا ) , وهكذا تم التآمر من قبل مصر,السعودية والسودان للإطاحة بالرئيس السلال, الذي هو أول رئيس يمني بعد الثورة .وكان أحد أسباب الإطاحة به عامل القبيلة ,والوضع الإجتماعي للسلال .وإنحداره من ناحية قبلية ضعيفة , حسب التراتبيات اليمنية في تقييم القبائل (فكروا هنا في تعبير إنحداره) ,وفقا لأعراف وعادات وتقاليد التمييز اليمني بمعنى العربي الفعلي , هو ذلك الذي تنحدر أصوله من العرب القحطانيين العاربة! . بمعنى ما ممكن يجيك دنقلاوي يقول ليك أنا جدي العباس!.. وبمعنى آخر ما حدث من إنتماءت مريبة في سلطنة سنار للبيت النبوي الكريم!..
نعود لليمن .. ومن جديد نجحت القوى التقليدية الزيدية (طبعا دي قوى زي حزب الأمة وبلاوي الصادق المهدي ,الذي يظن أنه عبقري كما ظن القذافي عن نفسه نفس الحكاية البائسة) في الحكم من خلال عقد الصلح بين الجمهوريين والملكين, على أساس توسيع قاعدة الحكم من الأسرة إلى القبيلة – وإخراج الشوافع(معقولة بس؟!) من الحكم – ثم كان الدور الكبير الذي لعبه كل من البيضاني والنعمان وأطروحاتهما الأولية, التي أطاحت بهم ,وهي التوزيع الطائفي للحكم (كما في لبنان )– بالنتيجة بدلا عن أن يتوحد اليمن ,تم خلق جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية – في الجنوب العربي بعد الإستقلال نتيجة ثورة 14 اكتوبر 1963 م, التي توجت بالإستقلال في 30 نوفمبر 1967 م –
كانت البدايات منذ الخمسينات ,عندما نزح الكثير من اليمنيين ,نتيجة الفقر والتعسف إلى الجنوب العربي , وكان أبناء اليمن في الجنوب العربي يعملون في الميناء ,وكان المنطلق الأول لهم في الجنوب العربي(هؤلاء العرب العاربة) يتمثل في التجمع ,والتعبير عن أنفسهم من خلال النقابات, ومن ثم عملوا في الصناعات النفطية وغيرها , فمن خلال تلك النقابات, ظهرت زعامات يمنية في الجنوب العربي , تنادي بالإستقلال والمواطنة المتساوية, وبعد ذلك حملة الأفكار الثورية الناصرية والماركسية والبعثية وغيرها , وأستطاعت تلك العناصر التوغل في الجنوب العربي , ومعظم العناصر اليمنية كانت من المناطق الوسطى.. من الشوافع ,التي أوجدت لهم مساحة ووزن كبيرين ,في الفضاء السياسي الجنوبي للعرب العاربة وليس المستعربة! حيث نشطوا بشكل كبير , على العكس تماما كان أخوتهم المستعربين , في الشمال اليمني ,يرسفون تحت نير القهر والإستبداد ,وإنتهاك الكرامة الأنسانية ,والزل والعنصرية ,من قبل الطائفة الزيدية وصولا إلى الجمهورية الحديثة ,إلى أن قامت الجمهورية العربية اليمنية(اليمن الشمالي) , والتي للأسف(ككل العالم العربي المزعوم) لم تقم مبادئها على مفاهيم المواطنة, بقدر ما قامت على القبلية والتمييز , على العكس تماما كانت الأوضاع في جنوب اليمن: العارب القحطاني.
وعلى الرغم من أن المواطنون في جنوب اليمن, لعبوا دورا كبيرا في العمل الثوري النظري ,والآيدلوجيات المستوردة مثل : الاشتراكية اللينينة والناصرية والبعثية وغيرها ,لكن نتيجة ضعف أبناء الجنوب العربي في الجبهة القومية, من أبناء الريف. خاصة, وصغار الضباط في الجيش , إستطاع اليمنيون الشماليون, بالتعاون مع أخوتهم الشماليون في الجنوب, من التوافق والإتفاق على تغيير إسم الدولة, و التخلص من القيادات الكبيرة في الجيش وفي الإدارة المدنية , وهكذا تم القضاء على الكثير من الأحزاب(الجنوبية) والتنظيمات والجمعيات في الجنوب العربي(أو ما يحب الشماليون أن يطلقوا عليه اليمن الجنوبي) .
ولهذا السبب هرب كثيرون من القادة ,في الجنوب العربي إلى اليمن الشمالي, وكانت تلك إحدى حلقات نزوح الجنوبيين, الذي إستمر حتى لما يسبق إستقلال الجنوب لوقت طويل, مرورا بالإنقلاب على أول رئيس يمني جنوبي عربي قحطاني شعبي , والذي تلاحقت وتواصلت بعده الإنقلابات والتصفيات المختلفة بين رفاق الأمس , حيث لعب العنصر اليمني الشمالي دورا كبيرا ,في التخلص من القيادات التاريخية الجنوبية العربية القحطانية الشعبية (بالمناسبة الجنوبيين يعتقدون أنهم عرب عاربة ,ولذلك لديهم رأي في النقاء العرقي لليمن الشمالي ,فالشمال في ظنهم ليس عربيا بل مستعربا, لكن لا يقولون هذا الرأي -حسب علمي- فهم يكتفون عادة بالتأكيد على هويتهم العربية النقية, حتى عندما ألتقيتهم كلاجئين في القاهرة, رأي الكيزان في الكلام ده شنو؟!) .
أصبح الجنوب العربي هو اليمن الجنوبي ,وهذا في كل تعاليم الحزب الحاكم (حزب علي عبد الله صالح الشمالي كمستعرب) وأدبياته في المدارس والجامعات والإعلام والجيش, وفي كل أوجه الحياة اليومية , وحقيقة لم تكن تلك فقط شعارات, بل أصبحت حلم كبير, وآيدلوجيا لقيام اليمن الكبير ,ولكن كانت أكثر القيادات تعي, أن تلك ليست سوى شعارات , الهدف منها ترحيل كل الصعوبات القائمة في الإقتصاد الشمالي إلى الجنوب, أو حلها بإستنزاف ثروات الجنوب البترولية ,وغيرها من الموارد .
أيضا تم إجتياح شمالي كامل, لم يتوقف عند حدود إنجاز حربين ضد الجنوب القحطاني : حربين وجيل كامل من الاستخبارات والمرتزقة والعنصريون وغيرها ,إلى جانب الحرب الإعلامية الدائمة ,لذلك أصبح الوضع خطيرا جدا بعد أحداث 13 يناير 1986 م , فعدم وجود قيادة قوية ,بعد أن تمت تصفية الجيل الأول من القيادات ,نتيجة الإنقلابات والإقتتال الداخلي , بدأت بعض القيادات اليمنية الشمالية المتواجدة في الجنوب, تلوح بضعف الدولة ,ساعدها في ذلك بداية إنهيار الإتحاد السوفياتي و المعسكر الاشتراكي, واليأس من من ميلاد عبد الناصر جديد, رغم أنها يممت وجهها شطر صدام حسين! .
لذلك يرى القحطانيون: بمعنى العرب العاربة ,الذين موطنهم الوحيد في الكون, هو جنوب اليمن : أن طريق الخلاص من ظلم إخوتهم العدنانيون المستعربين , يكمن في الوحدة مع الشمال اليمني , وهذا كان حلمهم التاريخي كقحطانيون!! ونتيجة أن أبناء الجنوب قد بدأوا, في التنبه لذلك ولكن بعد فوات الآوان ,أي بعد أن أدركوا الأسباب الحقيقية للتدهور الكبير في الجنوب, والأوضاع الحرجة التي وصل إليها, بسبب كثير من العوامل. إلى جانب الحروب المستمرة ,التي كان الشماليون العدنانيون المستعربين يلعبون فيها الدور الأساسي . جرى ما يجري الآن..
إذن تدارك قحطانيون اليمن الخطر القادم ,ومع ذلك كان عدنانيون اليمن أسرع منهم في التدارك(فالتركي كما أثبت عرب السودان أنه أخطر من المتورك) وعزفوا من جديد على كونشيرتات التقسيم والتفرقة, بين الجنوبين العاربة, والشماليين المستعربة ,تحت العديد من المسميات .الأمر الذي ساهم في المآلات التي يتجرس منها علي عبد الله صالح الآن, كمستعرب عتيد الإستعراب , بما يفوق إستعراب البشير وزبانيته بليارات المرات .العرب ديل فعلا يحيروا الجن ذاتوا؟!
لنعد لموضوعنا: العقلية المهمومة بجنوب اليمن عقلية متخلفة كثيرا, عن عقلية المستعربين في الشمال , على الرغم من أن قيادات جنوب اليمن ,هي من تبنى الإهتمام بالأفكار والنزوع التقدمي , إلخ : كالإيمان بالناصرية والقومية العربية والأممية والماركسية اللينينية , إلخ... من الخزعبلات الآيدلوجية للمحبطين واليائسين, الذين لا يؤمنون بأن هناك شيء إسمه التفاؤل والأمل في ثقافتهم المحلية .
في المحصلة النهائية :أخذ كل هؤلاء وأولئك ,يركضون وراءالشعارات بمختلف أنواعها, على حساب الوطن اليمني الكبير(وطن القحطانيون العرب العاربة والعدنانيين المستعربين).
كان من نتيجة حرب الشعارات :عسكرة الجنوب السلطوية والحزبية, إلى جانب إنتقال الكثيرون من القيادات العسكرية ,وخاصة بعد الإنقلابات, إلى العمل الإداري والحكومي و المناصب الحكومية الرفيعة ..
النتيجة هنا أنه : تم إجهاض الدولة ومؤسساتها, لإنعدام الخبرة والدراية الكافية في الإقتصاد .لا أدري هل نحن نتحدث عن مأساة اليمن ,أم مأساة السودان الذي ينسب فيه(رماة الحدق النوبيين العظام) أنفسهم للعدنانيين؟!. فهؤلاء جميعهم بدء بالمهدي ومرورا بعبد الرحيم محمد حسين ,ينتقون ويتخيرون النسب إلى البيت النبوي الكريم , فليس هناك قبيلة سودانية واحدة تنسب نفسها لأبو لهب؟ ! أليس هذا شيئا غريبا ؟! هل أبولهب منبت !..لا علاقة له بمرة أو كعب؟!.. حاجة تجنن ! البشير ذات نفسو يعتقد أن جده العباس؟ وتلك مصيبة أخرى!.
على أية حال أرى أنه من الضروري جدا ,التعرض لحرب اليمن لفهم مدى عمق التناقضات في الواقع اليمني , ولأنها جزء من العوامل التي ساهمت في صياغة اليمن, على النحو الذي نراه الآن, فبتراكم عوامل عديدة يقف اليمن الآن على عتبة جديدة :إما أن تعصف به ,أو إذا تمكن من تخطيها ,أن تضعه على أعتاب عصر مختلف... بمعنى : يمن جديد. يمن الوحدة والمواطنة وإحترام حقوق الإنسان, ومناهضة كافة أشكال التمييز خصوصا العروبي والإستعرابي القبليين. الوضع نفسه يواجهه سودان المتوركين العرب !.. وهذه مفارقة محزنة فالسودانيون حي الله مستعربين من الدرجة الأخيرة!
حرب اليمن :
حرب اليمن أو حرب شمال اليمن الأهلية : هي حرب دارت في شمال اليمن بين الموالين للمملكة المتوكلية اليمنية ,والفصائل الموالية للجمهوريّة العربية اليمنية من سنة 1962 إلى سنة 1970. وقد سيطرت الفصائل الجمهورية ,على الحكم في نهاية الحرب. كان الجانب الملكي يتلقى الدعم من المملكة العربية السعودية، بينما تلقى الجانب الجمهوري الدعم من مصر عبد الناصر. وقد جرت معارك الحرب الضارية في المدن والأماكن الريفية، وشارك فيها أفراد أجانب (مرتزقة كمرتزقة ليبيا) غير نظاميين. فضلاً عن الجيوش التقليدية النظامية.
دارت رحى هذه الحرب في وضع كانت فيه الدول العربية, مستقطبة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وعاش العالم العربي العديد من الأزمات والحروب العربية-العربية والعربية - الإسرائيلية, إلى جانب الحرب في اليمن مثل : حرب الرمال بين الجزائر والمغرب ,وأزمة انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة. وقد غرقت مصر بهذه الحرب, مما أدى إلى إلحاق الضرر بسمعتها وأدائها خلال حرب سنة 1967 ,وإحتلال شبه جزيرة سيناء، هضبة الجولان والضفة الغربية: بما فيها القدس الشريف من قبل إسرائيل. وكان من نتائج هذه الحرب, إعتراف المملكة العربية السعودية بالجمهورية العربية اليمنية عام 1970 ,وسبقها أيضاً انسحاب بريطانيا من إتحاد الجنوب العربي, الذي كان يضم محميتها في عدن عام 1967.
لكن عندما تجيء سيرة بريطانيا, لابد لنا من الوصل بالماضي ,فبعد نجاح بريطانيا في القضاء على النفوذين: البرتغالي والهولندي, في منطقة الخليج العربي, عقدت أول معاهدة ذات طابع سياسي مع السلطان أحمد (سلطان مسقط) سنة 1798 م, ولم يكد القرن التاسع عشر ينتهي حتى كانت بريطانيا قد أحكمت سيطرتها على إمارات الخليج العربية, فأصبحت إمارات الساحل والبحرين وقطر والكويت مرتبطة بمعاهدات الحماية مع بريطانيا, كما أخضعت الساحل العماني لنفوذها عام 1820 م
ثم بدأت بريطانيا تمد نفوذها في جنوب الجزيرة العربية , بإحتلال جزيرة بريم في مدخل البحر الأحمر سنة 1799 م, ونظرا لأهمية عدن كمفتاح للبحر الأحمر, قامت عام 1839 م بإحتلالها بعد مقاومة عنيفة من السكان.
أولا(1) : اليمن :
إذن آن آوان الحديث عن السيد الديكتاتور الرجيم علي عبد الله صالح, الذي هو الرئيس الأول والحالي , والذي لن يلبث أن يسقط سقوطا مروعا في الفترة القادمة, أعني أنه أول رئيس للجمهورية اليمنية ,منذ حرب الوحدة بين اليمنين(الشمالي والجنوبي)التي إنتهت بإنتصاره(سمبلا ساكت كده بلغة جنوب السودان ) وتوحيد اليمنين في عام 1990. وهكذا تنامى نفوذ الرجل في اليمنين بعد أن كان يحكم يمن واحدة : هي اليمن الشمالي منذ 1978 إلى 1990.
لذلك تعد فترة حكمه كرئيس,أطول فترة حكم لرئيس في اليمن منذ العام 1978. وهو صاحب ثالث أطول فترة حكم من بين الحكام العرب - الذين هم على قيد الحياة حاليا- طبعا القذافي في حكم الميت ! لا ادري هل تجوز عليه الرحمة أم لا , فهذا شان رجال الدين في تنويرنا .
ولأن الجيش كان مهربا من الفقر وشظف العيش وسوء المعاملة في اليمن , إلتحق علي عبد الله صالح بمدرسة صف ضباط القوات المسلحة في 1960. وفي 1963 رقي إلى رتبة ملازم ثان، وشارك مع الثوار في الدفاع عن الثورة, أثناء حصار السبعين، بعدها إلتحق بمدرسة المدرعات في 1964 ليتخصص في حرب المدرعات، ويتولى بعدها مهمات قيادية: في مجال القتال بالمدرعات بعد توليه مسئولية قائد لواء تعز- وتعز هذه هي عاصمة الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين- والتي هي ثاني أكبر محافظات الجمهورية العربية اليمنية.
إذن أصبح علي عبد الله صالح , المتأثر بتجربة صدام حسين وعبد الناصر,معروفاً لدى القادة والمشائخ في اليمن الشمالي،لذلك عمل على الإرتباط بعلاقة قوية مع شيوخ القبائل: أصحاب النفوذ القوي في الدولة ,كالشيخ عبد الله الأحمر رئيس مجلس النواب اليمني السابق.
في 1974 وصل إبراهيم الحمدي إلى السلطة ,بأجندة ثورية جديدة. رافعاً مبادئ مختلفة تنحو منحى قوياً ,نحو التصالح مع النظام الحاكم في جنوب اليمن، وتبني رؤى إشتراكية للتنمية في اليمن الشمالي، والدفع في إتجاه الوحدة اليمنية، مما أدى إلى تقارب كبير مع النظام الجنوبي، والمد القومي العربي، كما أدى إلى إرتفاع شعبية الحمدي في الشارع اليمني, الذي شعر بأن الحمدي يدفع اليمن نحو تنمية حقيقية تنعكس على المواطن العادي. وقد ساعده في ذلك طفرة النفط وإرتفاع عائدات المغتربين في السعودية والخليج. وقد كان نظام الحمدي ضربة حقيقية لنظام المشائخ القبلي في اليمن ,هددت باقتلاعة في فترة قياسية.
في 11 أكتوبر 1977 حدثت جريمة إغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي , عشية سفره إلى الجنوب .لأجل توقيع إتفاقية بشأن الوحدة اليمنية، وسُجلت القضية ضد مجهول.
خلف أحمد الغشمي: الراحل إبراهيم الحمدي في رئاسة الجمهورية العربية اليمنية ,لأقل من سنة واحدة، ومن ثُم قُتل هو بدوره في مؤامرة غير واضحة الأبعاد ,بإنفجار حقيبة مفخخة أوصلها له مبعوث الرئيس الجنوبي (سالم ربيع علي)، والذي أعدم بعد عدة أشهر في الجنوب.
وبعد أقل من شهر ,من مقتل الغشمي، أصبح علي عبد الله صالح:(عضو مجلس الرئاسة) رئيس الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) بعد أن إنتخبه مجلس الرئاسة بالإجماع, ليكون الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية في 17 يوليو1978م.
كانت الوحدة اليمنية إذن، بمثابة الشغل الشاغل للثوار في شطري اليمن، وكانت من ضمن أهداف ثورتي الوحدويون في الشمال والجنوب. لذلك خلال الأعوام التي تفصل الثورتين, عن الوحدة لم يتوقف قادة الشطرين عن اللقاء, وجدولة إستراتيجيات الوحدة، وكان توقيع الإتفاق النهائي قريباً أكثر من مرة، إلا أن مخططات معينة أوقفته : بسبب الخلافات بين النظام الشمالي القبلي، والجنوبي الاشتراكي، إلى جانب الأدوار الخفية والمعلنة, التي ظلت تلعبها السعودية ضد توحيد اليمن!.
بعد مقتل سالم ربيع علي، عانى النظام في الجنوب, مشاكل وإضطرابات عنيفة، هدأت نسبياً في سنوات الإنفراج بين الشمال والجنوب, بعد أن تولى علي ناصر محمد الرئاسة في الجنوب، وأستمر الطرفان في التقارب، غير أن الحسابات بين الشيوخ في الشمال، والجهات الإقليمية، وبعض القادة الجنوبيين والشماليين -بسبب عدم إستقرار النظام السياسي- في التقارب , لكن قادت(حتى هذه) الحسابات إلى إنفجار الوضع في الجنوب ,في حرب 13 يناير 1986 الشهيرة، والتي نتج عنها إختفاء عبد الفتاح إسماعيل، وفرار علي ناصر محمد إلى الشمال، ومقتل علي عنتر وزير الدفاع، وتولي علي سالم البيض الحكم في الجنوب , قبيل في الحاقات الأولى ,قلنا ليكم الشيوعيين ديل كوارث!.
أدت التصفيات بين الرفاق, إلى إنهيار الأحلام الإشتراكية في الجنوب، وصدمت بشاعة الحرب ودمويتها الجنوبيين. زار علي عبد الله صالح الجنوب بعد الحرب, فاستقبله الشعب بالبشرى, ما أعطاه الثقة, بأن الوقت قد آن لقطف ثمار الجهد الوحدوي الطويل, لكل القادة الذين سبقوه، فبدأت خطوات وحدة إندماجية متعجلة، وإتفاقات حل نهائي، ولعبة توازنات دقيقة ,أدت إلى خروج علي ناصر محمد من اليمن نهائياً، حتى وقع في 22 مايو 1990 على إعلان الوحدة اليمنية, مع علي سالم البيض رئيس الشطر الجنوبي، وبموجب إتفاقية الوحدة : أصبح الشطران يمناً واحدة، وأصبح علي عبد الله صالح رئيساً لليمن الموحد، وعلي سالم البيض نائباً له، وأصبح لكل من حزبي المؤتمر الشعبي العام ,والحزب الاشتراكي اليمني ,بجذورهما الناصرية والبعثية والشيوعية,نصيب متوازن في السلطة؟!. سياسة غريبة!..
ومنذها كانت الوحدة بين شد وجذب،ومع إستمرار الإختراقات و الإختراقات المضادة والإضطرابات, إلى أن تفجر الوضع بصورة بشعة في مايو 1994 باندلاع حرب الإنفصال. حيث طالت الإغتيالات الجميع, وأصبح اليمن مهددا إلى التحول إلى دويلات, إلى أن ترجحت الكفة لصالح الوحدويين، خصوصا بعد أن هرب وزير الدفاع الإنفصالي الإشتراكي هيثم طاهر، وقام عبد ربه منصور هادي، ومن معه بتسليم سلاحهم للوحدويين، وعرضوا على الرئيس صالح مساعدتهم، فكشفوا له موقع قاعدة العند الجنوبية العسكرية، التي تُركت بغير حماية في خطأ قاتل من قيادات الحزب الإشتراكي، وسرعان ما أصبح الطريق إلى عدن سالكاً.وتمت الوحدة مرة أخرى في 7يوليو1994
و بعد حرب الإنفصال، أُعيد صياغة المشهد السياسي اليمني بكامله، وأستبعد منه الحزب الإشتراكي اليمني، في مقابل الصعود المدوي لحزب علي عبد الله صالح، حزب المؤتمر الشعبي العام، وإنعكست الحرب, وأخطار الإنفصال في : عدم إستقرار النظام سياسياً، والتهديد المستمر بانفصال حضرموت, عن اليمن بدعم خارجي.
أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية, يشعرون بأنهم ظلموا، وأن بلادهم أصبحت غنيمة حرب، خصوصاً بعد الفتاوى المدمرة ,التي صدرت بحقهم في حرب 1994 وأهم هذه الفتاوى : الفتوى المشهورة التي عرفت يمنيا بفتوى الديلمي، ولعل هذا ما حدا بمجموعة من المعارضين اليمنيين, إلى إنشاء منتدى أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية, المطالب بالإنفصال مجدداً.
وطبعاً محافظة حضرموت الكبيرة والغنية بالنفط، والتجارة، والمكانة التاريخية المتميزة، والتي تشكل تهديداً خاصاً : كونها مرشحة للإنفصال عن اليمن، خصوصاً مع المساحة الجغرافية الكبيرة التي تحتلها، وبعدها عن العاصمة، وإنفرادها بالعديد من المقومات الخاصة,إلى جانب أن هُناك محافظات (منسية) أو مهمشة مثل: المهرة التي لا تحتل موقعاً من الإهتمام اليمني. إلى جانب التذمر المعلن من أبناء الجنوب اليمني, الذين ظلوا يطلقون على إستنزاف صنعاء الشمالية لعدن الجنوبية "النهب المستمر لخيراتهم".
بالإضافة إلى كل ما سبق، إن وجود العديد من القيادات اليمنية في الخارج, سمح بوجود معارضة قوية في الخارج ، وهذه المعارضة قادرة على التأثير, لإعادة اليمن إلى وضعه القديم كيمنين : شمالي وجنوبي.
حاول السيد علي عبد الله صالح, أن يخفف من هذه الضغوط المتكالبة عليه، فأصدر عفواً عن قائمة الستة عشر الشهيرة في 2002، وهي قائمة قادة الإنفصال المطلوبين في اليمن لأحكام الإعدام، أملاً في إعادتهم إلى اليمن ,ومنعهم من التحول إلى قوة كبيرة خارجها. ولم يمر سوى ما يزيد عن العام على ذلك حتى تمرد حسين بدر الدين الحوثي في 2004إثر نزاع في صعدة الحدودية مع السعودية والبحر الأحمر.
نادى الحوثي بعودة النظام الإمامي الزيدي, الذي قضت عليه ثورة 26 سبتمبر. وأعتبر الدولة اليمنية خارجة عن الإسلام, بسبب دورها في الحرب على الإرهاب، بحملتها ضد التطرف الديني، وأعلن عليها حرباً قبلية- دينية ضروس.وحاولت الدولة إحتواء التمرد، ففشلت .
هناك من يعتبر الحرب من بدايتها وصولا إلى المسيرات, التي تطالب مؤخرا بإسقاط النظام, ما هي إلا نتيجة تراكمات للسياسات الخاطئة, التي ينتهجها نظام علي عبد الله صالح المعجب والمغرم والمتيم بتيكتيكات وحيل وأحابيل كيزان الخرطوم ,وهناك من يرجع سبب إندلاع الحرب إلى رفض حسين الحوثي القدوم لصنعاء, من أجل إعلان الولاء. وأيا كان الأمر لا يمكننا سوى التأكيد ,على أن تمرد الحوثي ,أثار أزمة عميقة في الدولة، فبسببه أصبحت البلاد مهددة بحرب طائفية، فالأزمة في تضخم مستمر، خصوصاً مع التعاطف الذي لقيه من بعض الأحزاب اليمنية الرسمية، وجهات أخرى(كيزان اليمن) متشددة دينياً في الدولة.
من الجهه الأخرى, هناك من ينتقد النظام لتهييج الشارع ,وإعطاء الحرب غطاء طائفي من أجل حشد الدعم الشعبي لها ,بدلاً من محاوله إبقاء البعد الطائفي بعيداً عنها, خصوصاً أنها تزامنت مع الحرب الطائفية ,التي كانت مشتعله بالعراق, إلى جانب أن ابناء يعرب بغضهم وغضيضهم لا تزال حرب لبنان الطائفية ,بمثابة الكوابيس التي تهدد أحلامهم الملكية الجنسية الناعمة!!.
إذن قُتل حسين بدر الدين الحوثي, بعد معارك عنيفة في جبال صعدة، وأشارت العديد من المصادر والصحف, إلى أن حسين الحوثي إستسلم! ولكن القائد العسكري العميد ثابت جواس, أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً. ما أنتج حلقة جديدة في مسلسل تمرد الحوثي, إذ خرج الأب بدر الدين الحوثي ,بعد عدة أشهر مطالباً بإقامة الدولة الزيدية من جديد، الأمر الذي سبب عودة المعارك.وهكذا اليمن صارت كبدر لا راحت ولا جات!!
على الرغم من أن اليمن, حاول الإستفادة من التجربة المصرية ,في تأسيس أحزاب هشة غير فاعلة,مستفيدة من التجربة المصرية وتجربة الحركة الإسلامية في السودان, حيث تم تأسيس العديد من الأحزاب : حزب المؤتمر والحزب الاشتراكي و البعث، و أحزاب أخرى إسلامية : التجمع اليمني للإصلاح وهو أكبر أحزاب المعارضة وأقواها وأخرى على أسس طائفية كحزب الحق وغيرها. وهكذا دخل علي عبد الله صالح إنتخابات 22 سبتمبر 1999 يواجه مرشحاً وحيداً، أُختير بعناية، فبعد أن رفض البرلمان كل المرشحين الآخرين، قُبل أخيراً نجيب قحطان الشعبي نجل الرئيس الجنوبي الأول قحطان الشعبي، والذي كان عضواً في المؤتمر الشعبي العام، ليؤمر بالإنشقاق, والترشح ضد صالح فكان دمية جورب وفق النظرة الغالبة في اليمن.
وعلى الرغم من تعيين علي عبد الله صالح ,لوزيرة حقوق إنسان في حكومته ، ظلت حقوق الإنسان في اليمن في تدهور مستمر ، بسبب تسلط العسكر والشيوخ على المواطنين، وأحكام السجن الإعتباطية ,و إهدار أرواح المواطنين بشكل غير إنساني ، فصالح فشل تماما في ردع شيوخ القبائل في اليمن، إذ لا تزال العاصمة صنعاء, تشهد من حين لآخر مواجهة بين شيخ وآخر، أو مع قوات الأمن، ومن أشهرها معركة أبناء الأحمر مع قوات الأمن اليمنية قرب السفارة الفرنسية، وقيامهم بقطع الطريق.برضو تقولو لينا السودان فيهو قبايل بتقعد وتقوم على كيفا وفوق رقاب الناس مجرب سيفا؟, إذا ثقافة العرب الجد جد ذات نفسها ثقافة قطاعين طرق!
سجلت اليمن تجاوزات مريعة في إعتقال الصحفيين ,على خلفية تجاوزهم لقانون الصحافة والنشر, وضوابط نقابة الصحفيين ,وإستخدام الصحافة ورقة بيد الأحزاب بعيداً عن المهنية، وتم على إثر ذلك ,إغلاق بعض الصحف ومصادرتها.
وعلى الرغم من أن صالح كان قد أعلن في 2003 أنه لن يترشح لولاية ثانية, إلا أن إعلانه عدم الترشح لولاية ثانية, رغم تعديل الدستور في2003(الذي بموجبه تم إعتبار ولايته الحالية وقتها بمثابة ولاية للمرة الاولى! عجبي!! ) ما يمنحه الحق في الترشح لولاية ثانية مدتها سبع سنوات.
لهذا السبب الذي يراهن عليه البشير اليوم ,خلال إعلانه الأخير بعدم الترشح لولاية أخرى , أعلن علي عبد الله صالح في حفل بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتوليه السلطة نيته عدم الترشح لإنتخابات الرئاسة لولاية ثانية في 22 سبتمبر 2006، وأدى إعلانه إلى حالة توتر شديدة. خرجت إثرها مظاهرات شعبية، وحملات لجمع التواقيع فيما أعتبرته المعارضة ,مسرحية سياسية تهدف لحشد التأييد الشعبي لصالح، وخرجت مقابلها مظاهرات ,أيدت عزمه عدم الترشح لولاية جديدة، لكن الأمر بقي معلقاً، ففي أي لحظة يستطيع العودة عن قراره، خصوصاً وأن حزبه تمسك به كمرشحه للرئاسة ، وأن المعارضة لم تقدم أي مرشح. في المؤتمر الإستثنائي لحزب المؤتمر الشعبي العام.
ولذلك أعلن صالح في 21 يونيو 2006 أن قراره ليس مسرحية سياسية، وأنه جاد في عزمه عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، وأن على حزبه أن يجد مرشحاً بديلاً له، الأمر الذي خلق حالة من الصدمة المؤقتة، فالإنتخابات بعد ثلاثة أشهر، واليمنيون لا يعرفون بعد من هم مرشحو الرئاسة.وفي هذه اللحظة بالذات أعلن صالح عن قبوله الضغوط الشعبية لإعادة ترشيحه مجدداً في 24 يونيو 2006 بعد ثلاثة أيام من التصريحات النارية التي أطلقها بخصوص عدم ترشيحه. وهكذا ترشح صالح ثانية هذه المرة ضد بن شملان الذي رشحته أحزاب اللقاء المشترك ,وفاز صالح لفترة رئاسية جديدة.
في 11 ديسمبر 2010 تقدمت الكتلة النيابية للحزب الحاكم, الذي يترأسه علي عبد الله صالح ,بمشروع قانون: يقضي بالسماح لصالح بالترشح لفترة رئاسية قادمة ، بل ويلغي تحديد مدة الرئاسة ,والذي عرف حينها بمشروع تصفير العداد وسماه البعض (خلع العداد) إلا أن أحزاب المعارضة الرئيسية, والمنضوية تحت تكتل اللقاء المشترك. أعلنت مقاطعتها لجلسات البرلمان وإعتبار مشروع التعديلات إنقلابا على الدستور ومضامين الجمهورية . عليكم الله الخطير منو : علي عبد الله صالح ولا القذافي؟
وبعد نجاح ثورة الشعب التونسي 14 يناير 2011 وبعدها ثورة الشعب المصري 11 فبراير 2011 وخروج الشعب اليمني بمسيرات قدرت بالملايين :تطالب برحيل صالح عن الحكم, أعلن عن عدم نيته الترشح لإنتخابات 2013 وكذلك عدم نيته التوريث لنجله أحمد والذي يشغل منصب قائد الحرس الجمهوري(صلاح قوش يعني), والقوات الخاصة تجميد مشروع التعديلات الدستورية.
في التحليل النهائي علي عبد الله صالح اليمني العربي بالجد جد كضابط مدرعات , إستفاد من خبراته أكثرمما أستفاد ضابط المظلات السوداني المستعرب أونطة عمر البشير(ربما بسبب أن الفهم أقسام), فهذا تدرع بالأكاذيب والأخير ظلل نفسه كالحرباء. حكام آخر زمن!!
نواصل حلقتنا القادمة مع الخليج العربي , تليها حلقتنا الأخيرة المخصصة للسودان, حيث ضحك القدر وبكى وأشتكى!.وفقع مرارتنا معاهو.
نواصل
Ahmed M. Dhahia [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.