اغتيال ديبى    الخرطوم ل"واشنطن": تعنت إثيوبيا أفشل كل مبادرات حل سد النهضة    وزير الداخلية يكشف عن تطورات الاوضاع الأمنية بولاية غرب دارفور    حزب الامة يعلق بشأن قرار إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل    مجلس الوزراء يستعرض الأوضاع الأمنية بالبلاد ومشروعات مؤتمر باريس    مباحثات سودانية إماراتية بالخرطوم لدعم وتطوير العلاقات    ارتفاع جديد.. سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الثلاثاء 20 ابريل 2021 في البنوك السودانية    كورونا في رمضانها الثاني على التوالي    "باج نيوز" يورد تفاصيل جديدة بشأن اجتماع"فيفا" واتحاد الكرة بشأن أزمة المريخ    إنفوغرافيك.. ما هي بطولة "دوري السوبر الأوروبي"؟    ضبط عصابة مخدرات بعد مطاردة عنيفة    محافظ بنك السودان المركزي في حوار لهذه الأسباب (...) ننفذ روشتة البنك الدولي    النيابة العامة تخلي مسؤوليتها من حادثة تحلل الجثث في المشرحة    أهمها أداة تعقب وآيباد جديد.. هذا ما نتوقعه في مؤتمر آبل    يؤدي للغيبوبة خلال 48 ساعة.. السلطات المصرية تُحذر من فيروس "نيباه"    اجتماع تنسيقي لتكملة إجراءات تشريح ودفن جثث المفقودين ومجهولي الهوية    توحيد سعر الصرف ينعش سوق العقارات بالخرطوم    لدى ظهوره في (أغاني وأغاني) معاذ بن البادية يثير الجدل ب(كمامة)    وزير الكهرباء: لا عودة للقطوعات المبرمجة مجدداً    ديل جُثث منو يا مولانا..؟    الشرطة تفك طلاسم جريمة قتل هزت منطقة الإسكان    الشعبية برئاسة الحلو تشترط علنية جلسات التفاوض أو لا تفاوض    تراجع أسعار الذهب مع تعافي عائدات السندات الأمريكية    جلواك يكشف سبب تغيير "رقية وسراج" في دغوتات    ارتفاع اللحوم كافة والعجالي يتخطى الضأن بالخرطوم    سوداكال يغري أبو عاقلة بمليون دولار للانضمام للمريخ    تفاصيل اشتراطات السعودية لاستيراد الماشية السودانية    النيابة العامة تسمح بتشريح ودفن جثث بالمشارح    محمد عثمان يطل من جديد على الشاشة الزرقاء    فهيمة عبدالله: هناك انطباعات خاطئة عن الفنانين    صحه الصائم على أثير (هنا أمدرمان)    الوداد يكسب ثنائي المريخ بالقضارف    اللجنة التسييرية لمزارعي الجنيد تطالب باقالة وزير الري    مؤسسات وهيئات تكرم المنتخب .. لجنة المنتخبات الوطنية ترتب برنامجها خلال ساعات    أمر طوارئ يحظر عبور الحيوانات للمشروعات الزراعية بالجزيرة    تحقيق ل(السوداني) يكشف تفاصيل تَحلُّل جُثث مشرحة الأكاديمي    مخرج "أغاني وأغاني" يكشف موقف القناة من أزياء الفنانين    محمد عبدالماجد يكتب: الكهرباء (الفرح فيها سطرين.. والباقي كله عذاب)    ابرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة في الخرطوم اليوم الثلاثاء 20 ابريل 2021م    40 مليار تقرب لاعب الهلال من التوقيع للمريخ    الأمل يتعاقد مع مورينيو    أغاني وأغانني يستضيف عادل مسلم في حلقة اليوم    ناسا تنجح في إطلاق طائرة مروحية صغيرة من فوق سطح المريخ في أول رحلة من نوعها    تعرف على اضرار الإفراط في تناول التمر    أول تعليق من توخيل على مشاركة تشيلسي في السوبر ليج    صور دعاء اليوم 8 رمضان 2021 | دعاء اللهم ارزقني فيه رحمة الايتام    احذروا قلة النوم برمضان.. تصعب الصيام وتضعف المناعة    إذا زاد الإمام ركعة ماذا يفعل المأموم؟    أفضل 5 سيارات داخل السوق السعودي موديلات 2021    اجتماع مجلس مدير وزارة الصحة يناقش عدد من القضايا    4 علامات تحذرك من نوبة قلبية.. لا تتجاهل "الدوخة"    البطاطس المقرمشة القاتلة.. السم اللذيذ الذي تطعمه لأطفالك    آخر رسالة لفتاة "تيك توك" حنين حسام قبل القبض عليها    التصوف الحنبلى "صوفية أهل الحديث": دعوة للاحياء فى سياق الحوار الصوفي/ السلفي .. بقلم: د. صبرى محمد خليل    واتساب الوردي.. أحدث صيحات سرقة البيانات والتسلل للهواتف    معنى الدعاء بظهر الغيب وكيفيته وفضله    هل اقترب السفر إلى الخارج بلا قيود؟.. الخطوط السعودية تجيب    مفتي مصر السابق يثير الجدل: الحشيش والأفيون طاهران لا ينقضان الوضوء والخمرة تحتاج المضمضة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الخمور والبارات والأنادي في أمدرمان والعاصمة زمان (1-2) .. بقلم: هلال زاهر الساداتي
نشر في سودانيل يوم 09 - 05 - 2009

قبل تحريم الخمر عقب تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في السودان في سبتمبر 1983 كانت الخمور تباع علناً في الأسواق في محلات متخصصة في العاصمة المثلثة تسمي البارات جمع ( بار) , ومنها بارات راقية أعدت فيها موائد للشاربين , وكانت تختص ببيع ما يسمونه (الخمرة الإفرنجية) وهي البيرة والشري والويسكي والكونياك والنبيذ , ولعل مما يذكر أن كل شعوب العالم لها مشروبها الوطني من الخمر , فمثلا الاسكتلنديون يشتهرون بصنع وشرب الويسكي , والايرلنديون بشرب البيرة , والفرنسيون بشرب النبيذ والبراندي , والروس بشراب الفودكا , وأما نحن السودانيين فشرابنا الوطني هو المريسة بأنواعها المختلفة والعرقي بأنواعه المختلفة أيضا كعرقي البلح وعرقي العيش وعرقي المنقه والجوافة في الجنوب , وكنت احسب أن العناصر غير العربية في السودان وغير المسلمين هم الذين يتعاطون الشراب المسكر بلا غضاضة حتى قرأت كتاب (الأنداية) الممتع المفيد للباحث المقتدر المرحوم الطيب محمد الطيب والذي فصَّل فيه القول علي الأنداية وأحوالها ومرتاديها ولغة حديثهم وأغانيهم وأشعارهم وشجارهم , وصاحبات الأنادي اللاتي يسمونهم الشيخات والتنافس والتلاسن بينهن , وذلك في السودان الشمالي , وعلمت من الكتاب أن كل قبائل شمال السودان ذات الأصول العربية كالعجعليين والشايقية تزخر ديارهم بالأنادي وهي منتديات لرجالهم , وحتى الفُقرا (جمع فكي) , منهم يبعثون إليهم بالشراب علي انه مشروب غير مُسكر , ويذكرنا هذا بمقولة يرددها فقرا دارفور لتعاطيهم المسكرات وهي (تشربي حار تكتبي حار) والمقولة كناية عن أن كتابة الحجبات وخلافه تقتضي أن يشرب الفكي جيدا لتأتي كتابته جيدة , ولا أدري صحة هذه المقولة من عدمها , ومن المفارقات انك تجد كثيراً من متعاطي الخمر حريصين علي أداء فروضهم الدينية من صلاة وصيام وخلافه . ويفلسفون ذلك بقولهم (ده براهُ وده براهُ) , أو (ده بدربه وده بدربه) ولا يبدأ الواحد منهم الشرب إلا بعد أن يصلي العشاء ! وأغلب ظني أن النشء عندما يشبون إلي مدارج الرجولة يقلدون الكبار , فيتعلمون التدخين وسف السعوط وشراب الخمر ويعتبرونها من مقتضيات الرجولة , ويفعلون ذلك في السر في أول الأمر ولكن عندما يكبرون ويعملون يفعلونها في العلن , وهذا يدل علي أن العُرف والتقاليد ربما تغلب علي نواهي الدين !
وكانت دكاكين بيع الخمور الافرنجية في سوق امدرمان الكبير هي بقالة ارونت مارقوسيان الارمني ويبيع فيها الويسكي والكونياك والشري الراقي المستورد من قبرص وجنوب إفريقيا , وكان محله يفصله شارع ضيق عن جامع امدرمان الكبير , وكانت الخمور الكحولية القوية مثل الويسكي أو الكونياك لا تباع للسودانيين , ولكن كانت تباع لكبار الموظفين والإداريين وكبار ضباط الجيش تجاوزاً , وكان هناك بار ملاصق لمحل حليم عطا الله بائع الجرائد والمجلات العربية المصرية الأسبوعية كالمصور وآخر ساعة ومجلة الرسالة والثقافة الشهريتين , وكان الوالد يرسلني لأشتري منه هذه المجلات , وهذا البار يعمل به موسي ود نفاش الشخصية الظريفة الامدرمانية الشهيرة , وكان هناك محل آخر لبيع الشري والبيرة في أول شارع كرري . ومما يذكر أن حليم عطا الله السودان القبطي ترك بيع المجلات وافتتح باراً في الموردة في الربوة التي يحتلها الآن مكتب بريد الموردة , لبيع البيرة والشري ووضع أمام البار عدة تربيزات وكراسي للرواد الذين يريدون الشرب , ثم انتقل الي محله المقابل لحديقة الموردة , ومما يؤثر عنه قوله : ( كنا نبيع الأدب عشرين سنة وما طلعنا بحاجة ولما بدينا نبيع قلة الأدب اغتنينا في سنة واحدة ) . ثم فُتح بار آخر مجاور له صاحبه أحد النقادة الأقباط .
وكما كان جمهور متعاطي المريسة والعرقي من غمار الشعب كان متعاطو البيرة والشري من الموظفين والطبقة المتوسطة من المهنيين , وهؤلاء كانوا يرتادون حدائق الريفيرا والموردة والجندول والنيلين والتي توفر العشاء الجيد ولديها فتية عداءون يجلبون الشري والبيرة من بار حليم لمن يرغب وغالبا ما يكون الكل راغبون ويدفعون للفتي قليلا من القروش , وكان الصحاب يلتقون في هذه الحدائق ولقد شاهدت وكلاء وزارات وضباط جيش وأطباء وفنانين وأدباء ومعلمين يقضون أمسياتهم في تلك الحدائق ولا سيما حديقة الريفيرا ذات الإضاءة الخافتة والأغاني المسجلة والطعام الشهي .
وأما في الخرطوم فكانت هناك أماكن راقية يرتادها علية القوم والأجانب وذلك للشرب أو للشرب وتناول العشاء. أما البارات لبيع الخمور فقط كان يوجد منها محل في موقع صيدلية كمبال الحالية , ومحل ثان قبالة عمارة التأمينات , ومحل في فندق الشرق بشارع الجمهورية , ومحل قبالة محل شَروَني وكوبا كوبانا , وكل الفنادق الكبيرة بها بارات كفندق اكسلسيور وصحاري والواحة وسينت جيمس والشرق والبيون ورويال وفكتوريا , وهناك فندق السودان والقراند هوتيل والجيبي وسكرابيه في سوق نمرة اتنين , والقوردون ميوزك هول الذي يقدم عرضا موسيقيا وراقصا في كل ليلة ولكن كان الدخول إليه برسم ومعظم رواده من الأجانب .
وكان هناك محلان لبيع الخمور في الخرطوم بحري أصحابها من القبط النقادة .
وعندما انتابت الصحوة الدينية المباغتة والتوبة المفاجئة الرئيس السابق جعفر نميري اصدر قوانين الشريعة والتي عرفت بقوانين سبتمبر والتي صاغها عوض الجيد المحامي والسيدة بدرية سليمان والقاضي ابوقرون .
وقد الصدر نميري منشوراً الي جميع الموظفين القياديين في الدولة اسماه منشور القيادة الرشيدة طلب فيه من كل واحد منهم أن يقلع عن شرب الخمر وان يعلن له كتابة بذلك . ومعلوم أن نميري كان نهما في شرب الخمر وكان فتوة حي ودنوباوي قبل أن يقوم بانقلابه وظل علي حاله من شرب الخمر حتي تبدل حاله فجأة وبايعه الأخوان المسلمون بقيادة شيخهم حسن الترابي أميرا للمؤمنين ! وأذكر أنني قابلت الزميل الأخ مولانا قاضي محكمة الاستئناف آنذاك احمد عبدالرحمن في سوق الموية وهو المكان الذي يقع جنوب أجزخانة امدرمان وبه مقاهي ود اللغا (الأغا) , وجورج مشرقي والزيات والزيبق , ويوسف الفكي وكذلك سينما قديس أو سينما برمبل والسينما الوطنية وكان ذلك عقب تنصيب نميري رئيسا للجمهورية , وكان مولانا غاضبا وثائراً وقال لي كيف يصير هذا الشخص رئيساً للجمهورية وهو كان يجلس علي الأرض ويحتسي المريسة في الانادي , وقلت عن مولانا احمد الزميل لأننا عملنا سويا في التدريس في مدرسة الأحفاد الوسطي قبل أن يلتحق بالقضاء , فقد كان يحتم علي خريجي الحقوق من مصر أن يجلسوا لامتحان معادلة في قوانين حكومة السودان حتي يصرح لهم بالعمل كمحامين أو في سلك القضاء , وكانوا يعملون بالتدريس لمدة عام أو أكثر حتي يجلسوا لامتحان المعادلة وكان بعضهم يعملون في مدرسة الأحفاد كالأساتذة المحامين المرحوم الفاتح عبود والدكتور الصائم محمد إبراهيم و الصادق عبدالله عبد الماجد والذي تفرغ للعمل السياسي وصار لاحقاً مرشداً للأخوان المسلمين ومنهم علي محمد إبراهيم المحامي الذي عمل مدرساً بمدرسة الخرطوم الأهلية الوسطي .
ونواصل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.