رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حول أصول سكان السودان -12- ... بقلم: د. أحمد الياس حسين
نشر في سودانيل يوم 25 - 08 - 2011

من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
[email protected]
سكان شمال السودان
في دراستنا لقبائل السودان قبل القرن الخامس عشر تتبعنا في مقالاتنا السابقة سكان شرق السودان وسنبدأ هنا بتناول تاريخ سكان شمال السودان. ونبدأ بالنوبا التي سبق وأن تتبعنا بعضاً من تاريخهم قبل القرن السابع الميلادي في كتابنا "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية" والذي تناولنا فيه مقدمة لسكان السودان قبل دخول العرب والاسلام. وسنبدأ بمقدمة صغيرة عن تغير المناخ وظهور الصحراء الكبرى وأثرها على تاريخ السودان، ثم نأتي بملخص عام نلقي من خلاله المزيد من الضوء على ظهور المجموعات التي أطلق عليها اسم النوبا قبل ظهور اسم النوبة بالتاء المربوطة منذ القرن السابع الميلادي في المصادر العربية، ثم نتناول موضوع ظهور النوبة في اتفاقية المسلمين مع أهل مصر، كل ذلك بمثابة تمهيد لما سنتناوله في موضعاتنا عن تاريخ النوبة وأرضها وسكان شمال السودان بعد القرن السابع الميلادي.
الصحراء الكبرى وتاريخ وادي النيل
كتب المفكر والمؤرخ السنغالي المشهور والذي تأسست جامعة باسمه في الولايات المتحدة الأمريكية الشيخ أنتا ديوب في منتصف القرن الماضي على صفحة غلاف كتابه المشهور "The African Origin of Civilization: Myth or Reality الأصل الافريقي للحضارة: أسطورة أم حقيقة" كتب "تاريخ افريقيا السوداء سيبقى معلقاً في الهواء ولا يمكن كتابته بصورة صحيحة مالم يتجرأ المؤرخون بربطه بالتاريخ المصري" يقصد ربطه بالتاريخ المصري القديم.
وأرى أن تاريخ السودان (والتاريخ المصري القديم) سيبقى معلقاً في الهواء ولا يمكن كتابته بصورة صحيحة مالم يربطه المؤرخون بتاريخ الصحراء الكبرى. فالصحراء الكبرى أثرت على تاريخ وادي النيل تأثيراً قويّاً منذ فجر تاريخه. وفهم ذلك الأثر يتطلب منا الرجوع قليلاً إلى الوراء للتعرف على التغيرات المناخية وتأثيرها على طبيعة المنطقة.
يرى العلماء أن مناخ الكرة الأرضية كان في العصور المبكرة دائم التقلبات، وإذا رجعنا إلى نحو خمسة عشرة ألف سنة نجد آثار تحولات كبرى وتعاقب فترات جفاف ورطوبة في مناخ الكرة الأرضية أدت – كما يقول علماء المناخ والجيولوجيا – إلى تغيرات كبيرة في المعدل السنوي لسقوط الأمطار، وفي معدل مناسيب المياه في البحار والأنهار وفي الحياة الحيوانية والنباتية.
فعلى سبيل المثال يقول سيد R. Said “Chronological Framework: African pluvial and glacial epoch " in J. Ki-Zerbo ed. General History of Africa I: Methodology and African Prehistory 385-386كان حجم بحيرة تشاد أكبر اثنتي عشرة مرة من حجمها الحالي، وامتدت شمالا حتى فزان الأمر الذي أثر كثيراً على المناخ ونسبة الأمطار في المنطقة. وكانت هنالك أنهار دائمة الجريان وبحيرات في جنوب ليبيا والمناطق الواقعة إلي الشرق منها حتى جبل العوينات. كما كان أقليم السدود في جنوب السودان عبارة عن بحيرة تمتد شمالاً حتي منطقة الخرطوم الحالية.
وذكر وندورف ورولند Fred Wendorf, R. Shcild (1994) “Are the early Holecene cattle in the western Sahara domestic or wild" Journal of Anthropological Archeology, 3 No. 4. Onlin أنه كانت هنالك بحيرة في مِرجا غربي دنقلا وفي نبتة بلايا غربي وادي حلفا، وكان وادي هوار نهراً دائم الجريان وGrassy valley، ومياه دائمة وبرك ماء موسمية كما في واحات دنقل والفرافرة واللقية أربين وسليمة وبير صحارى وبير طرفاوي ومنطقة جبل عوينات والجرف الكبير والواحة الخارجة. وكان معدل سقوط الأمطار في شمال ووسط السودان كما ذكر آركل (ص 25 و 32) أعلى من معدل هبوطه في صعيد مصر، وبلغ منسوب فيضان النيل الأزرق في تلك الأوقات ما بين أربعة إلى عشرة مرات أعلى من منسوبه الحالي.
وهكذا كانت منطقة الصحراء الكبرى مأهولة بالسكان وتتمتع بكميات غزيرة من الأمطار، وكانت بها بحيرات وانهار دائمة الجريان وغابات وغطاء نباتي غزير. جاء في دائرة المعارف البريطانية تحت مدخل Sahara أن الرسومات الصخرية والأدوات الحجرية والفخارية والعظمية المنتشرة على طول الصحراء الكبرى توضح أنها كانت مأهولة بالسكان. كما أثبت علماء الجيولوجيا والآثار وجود أنواع كثيرة من الحيوانات في كل المنطقة مثل الظباء والجواميس والزراف والأفيال ووحيد القرن وفرس البحر والتماسيح.
وقد تعرضت هذه المنطقة إلى التقلبات المناخية التي حدثت منذ نحواثنتي عشرة ألف سنة مضت، وهو التغير الذي أدى في نهايته إلى تكوين كل من الصحراء الكبرى وصحراء شبه الجزيرة العربية. ولعبت تلك التقلبات دورا بارزا في تحركات واستقرار المجتمعات البشرية. ولم يبرز أثر ذلك الجفاف ويؤثر تأثيرا محسوسا على تحركات سكان المنطقتين منذ البداية، بل بدأ ذلك منذ نحو سبع ألف سنة مضت، وهو الوقت الذي بدأت فيه تحركات السكان من منطقة الصحراء الحالية جنوباً نحو أحواض نهر السنغال ونهر النيجر وبحيرة تشاد وشمالاً نحو سواحل البحر المتوسط، وشرقاً نحو وادي النيل. وأعقب تلك التحركات إلى ظهور ثقافات تلك المناطق والتي قادت فيما بعد إلى قيام حضارات وادي النيل وشمال افريقيا.
وتاريخ السودان في كل مراحله يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمناطق الصحراوية الواقعة إلى الغرب من النيل. وفي حديث مع الدكتورعلي أحمد قسم السيد أستاذ التاريخ القديم بقسم التاريخ بكءلية الآداب جامعة الخرطوم إلى أن الصلات والتداخل السطاني بين سكان وادي النيل والصحراء الغربية لم يكن في كل الأوقات من جانب واحد بل حدث في حوالي عام 2613 قبل الميلاد اضطر سكان منطقة ما بين الشلالين الأول والثاني تحت تهديد الحملات المصرية إلى الهجرة نحو الصحراء الغربية بمواشيهم واستقر اسلافهم هناك لمئات السنين.
فمنذ عصور الثقافافات المبكرة في منطقة الشهناب بشمال ام درمان وثقافات المجموعة (أ) Group A والمجموعة الثقافية (ج) Group (C) في شمال السودان وما تلاها من حضارات كانت تلك المناطق تتعرض من وقت لآخر لهجرات من المنطقة الغربية للنيل تساعد على ظهور طورحضاري جديد في المنطقة كما سنلاحظ ذلك عند حديثنا عن سكان شمال السودان.
سكان شمال السودان
المقصود بسكان شمال السودان هنا سكان المنطقة الواقعة بين موقع مدينة الخرطوم الحالي جنوباً وحتى منطقة الشلال الأول بالقرب من مدينة أسوان شمالاً لأن منطقة مابين حلفا وأسوان كانت تنتمي عبرالعصور إلى عنصر بشري واحد وهو العنصر الذييرى فيه بعض المؤرخين (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن إلى عصر بيعانخي ص أ) أن أولئك السكان القدماء ينتمون إلى العنصر الحامي، بينما يرى آخرون كما ذكر وليام آدمز "النوبة رواق افريقية ص 122" أن سكان هذه المنطقة القدماء ينتمون إلى سلالة شعوب شمال افريقية المطلة على البحر المتوسط.
وذكر آدمز أن سكان شمال السودان في ذلك الوقت "كان لهم نفس لون البشرة الداكن مثل الأفارقة اليوم إذ ان ذلك يعتبربصورة عامة تلاؤماً شائعاً لأقوام المنطقة الحارة." ومن المعروف سواد لون البشرة يرجع في أساسه إلي المادة السوداء الموجودة تحت الجلد (pigment) والتي يفرزها جسم الانسان عندما يتعرض لأشعة الشمس حماية له من حرارتها. ويزداد إفراز هذه المادة السوداء كلما ازدادت حرارة أشعة الشمس ويقل افرازها كلما قلت حرارة أشعتها. ولذلك تصير ألوان أجسام من يتعرضون إلى أشعة الشمس الحارة في المناطق الاستوائية والمدارية سوداء، ويقل سواد البشرة كلما ابتعد الانسان شمالاً حتى يصبح الجسم أبيضاً حيت تعتدل حرارة الأشعة.
وقد وردت بعض أخبار أؤلئك السكان القدماء في الآثار المصرية القديمة وبخاصة في الألف الثالث قبل الميلاد، فقد أرسل بعض حكام مصر في ذلك الوقت بعثات تجارية نحو الجنوب، فدون قادة تلك البعثات - مثل حرخوف - أسماء سكان بعض تلك المناطق. فأُطلقوا اسم نحسيو أو نحسي على السكان المنطق الوقعة إلى الجنوب من بلادهم، واسم التِمِح أو التِمْحو وإرتت على سكان المناطق الواقعة إلى الغرب من النيل. ويرى آركل ((A History of the Sudan p 44 أن السكان الذين تحدث عنهم حرخوف غربي النيل ربما لا تزال سلالاتهم تعيش حتى اليوم في شمال دارفور، فقد يكون الأرتي Urti في منطقة جبل ميدوب هم بقايا الارتت، وقد يكون التاما في شمال غرب دارفور هم بقايا التمح، فروايات التامة الشعبية تذكر أنهم كانوا يعيشون في منطقة بئر النطرون التي هي الآن عبارة عن صحراء قاحلة .
ظل هذا العنصر السكاني القديم والمعروف في كتب التاريخ بثقافة المجموعة الأولى (أ) يعيش في المنطقة حتى نحو القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد حيث تعرض لوصول مجموعة مهاجرة يرى أغلب المؤرخين (أنظر آركل ص 44) أنها أتت من المناطق الواقعة غربي النيل. وقد تحركت تلك الهجرات بفعل تغير المناخ في المنطقة التي أصبحت اليوم الصحراء الكبرى، وبدأت آثاره في قلة موارد المياه والغطاء النباتي فازدادت التحركات السكانية متجهة نحو النيل.
ويرى المورخون (أنظر آركل ص 46 - 52) أن هولاء الوافدين المعرفين بالمجموعة الثقافية (ج- Group C) ينتمون إلى نفس سلالة المجموعة الثقافية (أ) المستقرة على النيل، لكنه يقول بأن دراسة آثارهذه المجموعة وضحت إختلاطهم ببعض الزنوج. وأرى أنه ينبغي أن نوضح هنا أن أغلب الكتاب الغربيين عندما يطلقون كلمة الزنوج يقصدون بها السود. ولذلك عرف كل سكان الصحراء الكبرى بما فيهم السودانيين Ethiopians أي السود، وهو نفس السم الذي عربته المصادر العربية وأطلقته على سكان المنطقة وهو السودان جمع أسود. وبالطبع فإنه ليس كل السود زنوجاً بل الغالبية العظمى من السود ليسوا زنوجاً.
فسكان جمهورية جنوب السودان ليسوا زنوجاً، فهم في تصنيف علماء الأجناس شعوب نيلية وهي خليط بين العنصرين الزنجي والحامي. والزنوج يتواجدون في قليلٍ من المواضع في افريقيا مثل بعض الأماكن في الغابات الاستوائية. ويشترك الزنوج في بعض السمات التي تميزهم عن السود الأخرين. ولذلك يوجد عدد كبير من الشعوب السوداء في القارة الافريقية مثل سكان جمهورية السودان ليسو زنزجاً. فهنالك خطأ كبير مُسَلّم به وهو أن الزنوج فقط هم سكان افريقيا الأصليين وأن ما عداهم غرباء في القارة، والواقع أن السود من غير الزنوج هم سكان أصليين في افريقيا بل يمثلون الغالبية العظمى من سكانها.
فالوافدون الجدد من مناطق الصحراء غربي النيل ذوي بشرة سمراء مثل السكان الذين نزلوا عليهم، ويذكر المؤرخون كما نقل آركل أنهم كانوا رعاة بقر (بقارة) وتحركوا بأبقارهم ذات القرون الكبيرة نحو النيل إذ أن منا طقهم أصبحت غيرصالحة لرعي البقر. ويبدوا أن مجموعة منهم تحركت جنوباً نحو أواسط وغرب دارفور لأن هيرودوتس المؤرخ اليوناني الذي كتب بعد قرون كثيرة من تلك الهجرات عن قبائل البقارة جنوبي ليبيا وذكر أن أبقارهم ذات قرون كبيرة ممتدة للأمام، ولذلك ترعى وتتحرك نحو الخلف لأنها لو تحركت إلى الأمام لغرست قرونها في الأرض. وبالطبع فان هيرودوتس لم يزر تلك المناطق ولكنه جمع الروايات عنها بما يمكن أن يكون فيها من بعض المبالغات. وربما لا زالت سلالة أبقار المجموعة C وسلالات الأبقار التي ذكرها هيرودوتس موجودة حتى الآن عند قبائل البقارة في غرب السودان.
فالتداخل بين سكان وادي النيل السوداني وسكان غرب السودان يعود إلى قرون كثيرة قبل ميلاد المسيح، وآثار الحضارات المتعاقبة التي تتواجد أطلالها على النيل اليوم قامت نتيجة ذلك التلاقح السكاني بين الشعوب المستقرة على النيل وروافده وسكان المناطق المتصلة بالنيل وبخاصة المناطق الغربية.
ويبدوا أن أعداد الوافدين الجدد (المجموعة ج) الى النيل كانت كبيرة فلم يتركوا آثارهم على مناطق النيل فقط بل أمتدت تلك الآثار إلى مناطق شرق السودان حيث أثبتت الحفريات الآثارية للمقابر القديمة في شرق السودان كما ذكر آركل أن السكان هنالك ينتمون إلى نفس سلالة المجموعة C. ويضيف آركل أن البديات والميدوب ونوبا الجبال والبجة الذين هم سلالة المجا أو ال Medju أو Mejayw ميجايو كل هؤلاء هم نفس سلالة ذلك الجنس الأسمر الذي كان مستقرا في الصحراءغربي النيل.
كل هذه المجموعات التي استقرت في شمال السودان إلى جانب مجموعات أخرى في الوسط والشرق أسست فيما بعد دولة كوش في كرمة بعد أن استقبلت المنطقة تحركات سكانية من الغرب والجنوب الغربي. وقد امتدت حدود دولة كوش شمالاً حتى اسوان كما وضح محمد ابراهيم بكر (تاريخ السودان القديم ص 52)
وقد شهدت الفترة التالية لانهيار دولة كوش في كرمة واحتلال مصر لشمال السودان منذ منصف القرن السادس عشر قبل الميلاد صراعاً متصلاً بين سكان شمال السودان والمصريين، ويبدوا أن المنطقة كانت تستقبل المزيد من المهاجرين من الغرب والجنوب الغربي مع ازدياد مراحل الجفاف في الصحراء. وقد أدت المزيد من الهجرات إلى ازدياد تحركات السكان شمالاً وازدياد الصراع مع المصريين الذين دأبوا على تحصين المناطق الجنوبية من حدودهم وإقامة القلاع للدفاع عنها.
وفي بداية الألف الأخير قبل الميلاد تمكن الكوشيون من استعادة سلطتهم السياسية على المنطقة بقيام مملكة نبتة. ويلاحظ أن الباحثين اختلفوا في أصل الأسرة النبتية, وقد ذهب أحد الآراء إلى الأصل الليبي للأسرة، أي أن مؤسسي الأسرة قدموا من ليبيا. والمقصود بليبيا هنا منطقة الصحراء الغربية. فقد أطلقت المصادر اليونانية القديمة على هذه المناطق الصحراوية اسم "الصحراء الليبية" استند أصحاب هذا الرأي على التشابه الذي لاحظوه في بعض أنواع الأسلحة والأسماء بين الكوشيين وسكان الصحراء الغربية.
وبالطبع فإن ذلك التشابه أمر طبيعي للتداخل والصلات القوية والدائمة بين المنطقتين، فأصل الأسرة محلى وليست ليبية، لكنها تريبط بصلات عرقية وثقافية بسكان الصحرا الغربية. كما إن أصل الأسرة ليس مصرياً كما يقول البعض لكنها ترتبط مع المصريين بعبادة آمون الذي يرى بعض الباحثين أن أصله صحراويا أو كوشيّاً وليس مصريّاً.
فسكان المناطق الوقعة بين جنوب ليبيا غرباً والبحر الأحمر شرقاً ودارفور جنوبا كانوا ينتمون إلى سلالة وثقافة واحدة، وقد تأثروا عرقيّاً وثقافيّاً بالهجرات المتصلة من المناطق الواقعة إلى الغرب والجنوب الغربي وهي مناطق دارفور وكردفان الحاليتين وامتدادهما شمالاً وغرباً. وقد استمر هذا التماذج بين المنطقتين حتى القرون الأخيرة السابقة للميلاد حيث أشارت المصادر اليونانية والأكسومية (الحبشية) على تأثيره على مملكة مروي.
وهكذا يتبين لنا أن الأثر الواضح على التكوين السكاني في السودان جاء من ناحية الصحراء الغربية للنيل كنتيجة طبيعية للعلاقة بين المناطق الخصبة ذات الموارد المائية الدائمة وبين المناطق الجدبة قليلة الموارد تماماً مثل علاقة صحراء شبه الجزيرة العربية بتاريخ بلاد ما بين النهرين القديم. فالتحركات السكانية حدثت على مر العصور بين الصحراء والنيل، ولم يقتصر تأثيرها على مناطق النيل وروافده فحسب بل تعدى ذلك الى مناطق الشرق كما رأينا في مثال آثار المجموعة (ج) ولذلك فإنني أرى أن البحث عن تاريخ السودان على الأقل حتى نهاية العصر المروي ينبغي أن يتجه غرباً وليس شرقاً كما يتردد في الثراث والرويات الشفاهية المحلية في السودان.
تنبيه
في مقالنا السابق رقم 11 عن قبيلة الحلنقة حدث خطأ قي الاستشهاد بقبيلة الخاسة في نص ملك آكسوم عيزانا بينما كان الحديث عن قبيلة الحلنقة.
تنشر هذه الموضوعات على موقع sudanil.com


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.