حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان ومبادرة حوض النيل: تعقيب على د. أحمد المفتي .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان
نشر في سودانيل يوم 30 - 09 - 2012


salman salman [[email protected]]
1.
نشر د. أحمد المفتي مقالاً في صحيفة سودانايل يوم الأحد 23 سبتمبر عام 2012 بعنوان "الموارد المائية أبرز نجاحات حكومة الإنقاذ - دعوة مفتوحة لمناظرة د. سلمان." وقد تمّ نشر المقال بعد أقل من يومٍ من نشر مقال المهندس كمال علي والذي قمنا بالرد عليه. وقد كان مقالا المهندس كمال علي ود. المفتي رداً على مقالي الذي نشرته قبل أكثر من عشرة أيام من مقاليهما بعنوان " د. أحمد المفتي والسودان ومبادرة حوض النيل: من الناصح ومن المنصوح؟"
أكّد د. المفتي في رده علينا مشروعية سؤالنا عن من هو الناصح ومن هو المنصوح. فقد أوضح أنه ما زال المستشار القانوني للوفد التفاوضي السوداني لمبادرة حوض النيل، وهي الوظيفة التي بدأ د. المفتي العمل فيها في نهاية التسعينيات . لكنه رغم هذا بدأ يطلّ علينا في الآونة الأخيرة من وقتٍ لآخر ينصحننا ويحذرنا من العزلة التي ستنتج من سياساتٍ شارك وما زال يشارك هو في وضعها وتنفيذها.
تضمّن مقال د. المفتي نفس كلمات المهندس كمال علي من أن استراتيجية السودان فى مجال الموارد المائية راسخة وواضحة وضوح الشمس، ومضمّنة فى عشرات الدراسات والتقارير التي ذكرا أنها تعود لخمسينيات القرن الماضي. وقد كان عنوان مقال د. المفتي: "الموارد المائية أبرز نجاحات حكومة الإنقاذ."
وحتى لا تختلط الأمور ويتبعثر الجهد فلا بد أن نشير إلى أن نقاشنا ونقدنا يتركز فقط على مبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني، وأن مقالاتنا لاتناقش ولا تجادل في سياسات السودان المائية، فذلك موضوعٌ وشأنٌ آخر.
وقد أوضحنا في المقالين السابقين حالة الارتباك والتناقض في السياسات والقرارات المتعلّقة بالمبادرة والاتفاقية التي وقع فيها وفد التفاوض السوداني. ونكرّر أن د. أحمد المفتي كان أحد مهندسي هذه السياسات والقرارات بوصفه المستشار القانوني للوفد التفاوضي، وأنه جمع لفترةٍ من الوقت وظيفتي وكيل وزارة العدل والمستشار القانوني للوفد التفاوضي، مما أعطاه قدراً كبيراً من الصلاحيات.
وحتى لا ندخل في دائرة التكرار فسوف نتعرّض بإيجازٍ في هذا المقال لخمسٍ من حالات الارتباك هذه.
2
قبل الخوض في هذه الحالات الخمس التي ساهم فيها د. المفتي لابد من التوقف عند نقطةٍ هامة. فقد استرعى انتباهي في السنوات الأخيرة الألقاب التي تُلْحق ببعض الأسماء في السودان. فهناك من يُلقّب بالخبير الوطني. وهناك أيضاً الخبير الاستراتيجي، وهناك الخبير الإقليمي. وقد جمع البعض أكثر من لقبٍ فأصبحنا نسمع بالخبير الاستراتيجي الإقليمي.
غير أن د. المفتي قد ذهب خطوةً أبعد من هذا، حيث أن المقال يشير اليه بلقب "الخبير القانوني الدولي في مجال الموارد المائية" وذلك دون شك لقبٌ في غايةٍ من العُلو والأهمية. لست أدري إن كانت هناك وزارة أو مصلحة في السودان تمنح هذه الألقاب، أم أن هذه الالقاب هي نياشينٌ وأوسمةٌ يقوم بعض الأشخاص بتعليقها على صدورهم بأنفسهم، ويقررون هم وحدهم إن كانوا خبراء وطنيين أم إقليميين أم استراتيجيين أم دوليين أم مزيجاً من هذه الألقاب.
ويبدو أن كلمة "الدولي" هذه تستهوي د. المفتي كثيراً. فقد ذكر أنه أيضاً مدير مركزالخرطوم الدولي لحقوق الانسان (بالإضافة إلى أنه الخبير القانوني الدولي في مجال الموارد المائية). واعتقد أنه من حقنا ومن حق القارئ أن يعرف أيضاً مَنْ الذي يقرر أنّ مركزاً ما محليٌ أو إقليميٌ أو دوليٌ؟ وما هي المتطلبات التي يحتاجها مركزٌ ما مثل مركز مأمون بحيري أو مركز عبد الكريم ميرغني أو منتدى السفير جمال محمد أحمد أو مركز الخاتم عدلان لينال صفة "الدولي" والتي يمتاز بها مركز الخرطوم الدولي لحقوق الانسان دون غيره من المراكز؟
هذه أسئلة نعتقد أنها في غاية من المشروعية تحتاج إلى إجابةٍ حتي يعرف الجميع الأسس التي تنبني عليها هذه الألقاب للأفراد والمراكز.
3
سنركّز في هذا المقال على خمس حالاتٍ لنبرهن على الارتباك والتناقض الذي تعانيه سياسة السودان تجاه مبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني والتي ظلّ د. المفتي المستشار القانوني لها منذ نهاية التسعينيات:
أولاً: ادعاء د. المفتي أن الخلافات حول اتفاقية الإطار التعاوني بسيطةٌ وثانوية:
وصلت المفاوضات حول اتفاقية الإطاري لحوض النيل إلى طريقٍ مسدود في عام 2009 بسبب خلافاتٍ حادة حول ثلاثة مسائل جوهرية هي الأمن المائي والإخطار المسبّق وسبل تعديل الاتفاقية الإطارية. وقد وقفت مصر والسودان في جانبٍ، وبقية دول حوض النيل (اثيوبيا وتنزانيا وكينيا ويوغندا وبوروندي ورواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية) في الجانب الآخر. ورغم جوهرية الخلافات فقد ظل د. المفتي يملأ الدنيا تصريحاتٍ عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة أن أكثر من 95% من المسائل العالقة في اتفاقية الإطار التعاوني قد تمّ حلها وأن ما تبقى من خلافاتٍ هو في غاية البساطة وسوف يتمّ الاتفاق عليه في شهور. جادلنا د. المفتي وقتها ونصحناه أن الخلافات جوهرية ولن تحلّ الا بإبداء قدرٍ من المرونة من جانب السودان ومصر، ولكنه استخف بأرائنا. وهاهي الخلافات تتسع وهاهو د. المفتي يأتي بعد ثلاثة أعوام ويحذرنا نحن من العزلة التي قد يتعرّض لها السودان، وينصح السودان الذي هو مستشاره القانوني "بالتحرك العاجل لتدارك الموقف قبل فوات الأوان."
ثانياً: ما هو الموقف الحالي للسودان من مبادرة حوض النيل؟ هل هو الانسحاب أم تجميد العضوية أم تجميد المشاركة في مشاريع المبادرة؟
كما ذكرنا من قبل ظلّ موقف السودان مرتبكاً بعد اجتماع كنشاسا الذي انسحب السودان منه (كما أوضحنا بقراءة متأنية لوقائع الاجتماع نفسها في مقالنا السابق). فتارةً يخبرنا الوفد أن السودان انسحب من مبادرة حوض النيل, ثم يعود الوفد ليقول إن السودان جمّد عضويته ولم ينسحب. ثم نعود لنسمع أن السودان في حقيقة الأمر قد جمّد نشاطه في مشاريع المبادرة ولم ينسحب منها أو يجمّد عضويته. ولا أحد يدري حتى الآن ما هو موقف السودان الرسمي من مبادرة حوض النيل.
ثم ما معنى أن يكون السودان قد جمّد عضويته أو انسحب من المبادرة أو جمّد نشاطه فيها وتظل وفوده تحضر كل الاجتماعات الوزارية والفنية، ويظل الموظفون السودانيون العاملون بصفة رسمية في مؤسسات مبادرة حوض النيل مواصلين لأعمالهم بهذه المؤسسات، ,ويظل السودان مشاركاً في مشاريع مبادرة حوض النيل كما كان قبل الانسحاب أو التجميد؟ أليس هناك تبعاتٌ لهذا القرار، أياً كان؟
من الواضح أن د. المفتي وقع في دائرة هذا الارتباك ولم يعِ أن هناك تبعاتٍ لكلٍ من هذه القرارات. فهاهو د. المفتي يتحدث عن "فك تجميد نشاط السودان" كهدفٍ للوفد السوداني، وكأن هذا التجميد قد تمّ فرضه على السودان من الخارج بواسطة مؤامرة دولية وقوى الاستكبار ولم يتخذه السودان بنفسه.
ثالثاً: طلب السودان عقد اجتماعٍ طارئٍ للمجلس الوزاري لدول حوض النيل لمناقشة الاتفاقية الإطارية ثلاث مراتٍ، ثم طالب بتأجيل الاجتماعات وتغيّب عنها:
كما أوضحنا في المقالات السابقة فقد طلب السودان ومصر أثناء اجتماع المجلس الوزاري الثامن عشر لدول حوض النيل الذي عُقد في أديس أبابا في شهر يوليو عام 2010 عقد اجتماع استثنائي للمجلس الوزاري لمناقشة اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، ولكن الاقتراح لم تتم مناقشته. أثار السودان نفس الاقتراح في اجتماع المجلس الوزاري التاسع عشر الذي انعقد في نيروبي في شهر يوليو عام 2011. بعد نقاشٍ وكحلٍّ وسط اتفقت الدول الست التي وقّعت على اتفاقية الإطار التعاوني (اثيوبيا وتنزانيا وكينيا ويوغندا وبوروندي ورواندا) مع مصر والسودان على أن يكون موضوع الاجتماع الاستثنائي مناقشة آثار وتداعيات اتفاقية الإطار التعاوني بدلاً من مناقشة الاتفاقية نفسها. اتفقت الأطراف كذلك على أن يُعقد الاجتماع في كيغالي عاصمة رواندا في شهر أكتوبر عام 2011.
قبل أن ينعقد اجتماع كيغالي بأيامٍ طلبت مصر والسودان تأجيل الاجتماع، وتمّ فعلاً تأجيل الاجتماع إلى شهر ديسمبر عام 2011. مرةً أخرى وفي نوفمبر عام 2011 طلبت مصر والسودان تأجيل الاجتماع إلى شهر يناير عام 2012، وقد وافقت بقية الدول على التأجيل، ولكن على مضضٍ هذه المرة. اتفقت كل الدول على عقد الاجتماع الاستثنائي في نيروبي في يوم الجمعة 27 يناير عام 2012. وبالفعل فقد شرع وزراء دول المنبع في الوصول إلى نيروبي يوم الخميس 26 يناير، ولكن الوفد السوداني لم يذهب إلى نيروبي وبالتالي لم يشارك في الاجتماع. وقد انعقد الاجتماع في موعده واتخذ قراراتٍ في غاية الخطورة يعاني السودان اليوم من آثارها ونتائجها.
أليست قمة الارتباك أن يطلب ويلحّ الوفد السوداني على عقد اجتماعٍ ثلاث مرات ثم يطالب بتأجيله ثم يتغيب عنه؟
رابعاً: الحديث المكرر والممجوج والخالي من المضمون عن التعاون بين دول حوض النيل:
يكرّر د. المفتي والمهندس كمال علي بمناسبة وبدون مناسبة أن استراتيجية السودان تقوم على التعاون الكامل مع كل دول حوض النيل:
لقد ظلت مصر والسودان متمترستين داخل خندق "الاستعمالات والحقوق القائمة" والتي تستهلك كل مياه النيل ولا تترك قطرةً للدول النيلية الأخرى، ولم يأتيا يجديد للخروج من هذا النفق. كما ذكرنا في ردنا على المهندس كمال علي فإن اتفاقية مياه النيل لعام 1959 تعترف بحقوق الدول الأخرى في مياه النيل ولكنها تقرّر أن على هذه الدول أن تتقدم بطلبٍ لمصر والسودان للسماح لها باستعمال أي قدرٍ من المياه، وتعطي الاتفاقية مصر والسودان حقَّ تحديد ذلك المقدار أو رفض الطلب. وإذا وافقت مصر والسودان على أية كمية لدولة نيلية أخرى (والتي ستُخصم مناصفةً بين السودان ومصر)، فستقوم الهئية الفنية المشتركة التي أنشأتها مصر والسودان بمراقبة عدم تجاوز هذا الحد.
هل هذا هو التعاون الذي يتحدث عنه د. المفتي والمهندس كمال علي؟
وهل يتوقعان أن تتقدم اثيوبيا وهي مصدر 86% من مياه النيل بمثل هذا الطلب لمصر والسودان؟
خامساً: الادعاء عن وجود مبادرة للسودان للتوسط بين دول حوض النيل:
لم يحدثنا د. المفتي هذه المرة كما فعل في مراتٍ سابقة عن مبادرة السودان للوساطة بين دول حوض النيل والتي أدعى أنه قد تمّ اختطافها بواسطة منظمة هندية لم يسمع بها أحدٌ في دول حوض النيل حتى الآن. ولم يوضح لنا د. المفتي حتى الآن كيف يمكن أن يكون السودان طرفاً أصيلاً في النزاع ويكون في نفس الوقت وسيطاً بين نفسه والاخرين الذين يتنازع معهم. من المؤكد أن هذه نظرية جديدة في علم الوساطة وفضّ النزاعات.
4
نشرت جريدة الصحافة في عددها رقم 6883 بتاريخ الجمعة 11 ذو القعدة عام 1433 الموافق 28 سبتمبر عام 2012 في الصفحة الثالثة خبراً عنوانه "خبير مصري يحذر الخرطوم والقاهرة من رفض اتفاقية عنتبي." وقد أوضح الخبر أن أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية بالقاهرة بروفيسور ابراهيم نصر الدين قد نصح دولتي السودان ومصر بالتوقيع الفوري على اتفاقية عنتبي لمياه النيل قبل فوات الأوان، محذراً من أن الوقت ليس في صالح البلدين وأن التقاعس عن الاتفاقية له تبعات في كامل الخطورة. ونوّه البروفيسور نصر الدين خلال ندوة نظمها "المعهد العالمي للدراسات الأفريقية" في مقره بالخرطوم حول مستقبل العلاقة السودانية المصرية في ظل الوضع الراهن إلى أن تخوفات البلدين غير موضوعية من واقع أن حقوقهما محفوظة ولن يمسها أحد، يضاف إلى ذلك أن التوقيع يتيح لخبراء البلدين فرصة للتواجد على الأرض في كل المشروعات."
هذه هي المرة الأولى في تاريخ مصر القديم والحديث التي نسمع فيها رأياً مخالفاً للرأي الرسمي للدولة في مسألة مياه النيل. فقد كان الأكاديميون والفنيون المصريون حتى وقتٍ قريبٍ يردّدون موقف حكومتهم الرسمي كما هو بطريقة تُلغي العقل والمنطق. وهاهي ثمار ثورة 25 يناير عام 2011 تؤتي أكلها في حرية الرأي وإمكانية الإدلاء برأيٍ يخالف الرأي الرسمي تماماً في مسائل مياه النيل، دون أن تقوم الدنيا في القاهرة، ودون أن تُطال البروفيسور نصر الدين أية اتهاماتٍ أو تصله أية تهديدات.
من الواضح أن حديث البروفيسور نصر الدين يوضّح بجلاء خطورة الموقف وضرورة اتخاذ موقفٍ علميٍ بواسطة مصر والسودان تجاه قضايا النيل الملحّة، ولكن بالطبع بعد دراسةٍ علميةٍ متأنية وبعد مشاوراتٍ جادةٍ مع الخبراء في كل المواقع.
5
ظللنا نكرر منذ فترةٍ من الوقت أنه من الواضح أن السودان يواجه وضعاً صعباً وحرجاً في مبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني، وأن مواقفه وسياساته المرتبكة لم ولن تساعد اطلاقاً في الخروج من هذا النفق، بل ستزيد من عزلته بين دول حوض النيل. فالخلافات في القضايا الأساسية في اتفاقية الإطار التعاوني ظلّت تزداد تعقيداً وتأزّماً. ولم يأتِ الوفد السوداني بجديدٍ رغم زعمه المتواصل منذ عام 2009 أن القضايا العالقة بسيطة وسوف تُحل في ظرف شهور. ويواجه السودان كما ذكر د. المفتي نفسُه العزلةَ الكاملة.
إزاء هذا الوضع لا بد من مراجعةٍ سريعةٍ وجذريةٍ لمواقف وسياسات السودان تجاه مبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني التي أدّت إلى هذه الأزمة الحادة والعزلة الكبيرة. ولا بد من إشراك أكبر عددٍ من الخبراء والأكاديميين السودانيين المتخصّصين في شؤون حوض النيل في التفاكر في هذا الوضع الحرج وكيفية الخروج منه.
عليه أكرّر اقتراحي لوزارة الكهرباء والمياه (والذي طرحتُه في شهر يناير من هذا العام 2012) بعقد ورشة عملٍ حول مبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني، ودعوة الخبراء السودانيين لهذه الورشة لمناقشة المواقف والسياسات السودانية المرتبكة التي أدّت إلى هذا الوضع الحرج، وكيفية الخروج منه.
هناك عددٌ من الخبراء السودانيين في مجال مياه النيل والذين لابد من دعوتهم والاستفادة من خبرتهم وآرائهم، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر البروفيسور الفاتح الطاهر، والمهندس التاج الخزين، والدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه، والبروفيسور عطا البطحاني، والبروفيسور عبد الله عبد السلام، والدكتور صلاح يوسف، والدكتور عاصم مغربي، والسيد الإمام الصادق المهدي.
لنسرع بعقد هذه الورشة، فالوقت ليس في مصلحة السودان والوضع يزداد تعقيداً، والعزلة بين دول حوض النيل تحكم قبضتها على السودان مع كل يومٍ يمر. وكما حذّر البروفيسور المصري ابراهيم نصر الدين فإن التقاعس له تبعاتٌ في كامل الخطورة.
6
دعاني د. المفتي لمناظرة مفتوحة حول السياسة المائية والتي قال أنها ناجحة وفاعلة واشترك فى وضعها عشرات الخبراء السودانيين من داخل وزارة الموارد المائية وخارجها.
لا مانع لديّ من الاشتراك في هذه المناظرة عن حالة الارتباك التي نعيشها في مبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني. ولكنني أرى ضرورة الاستعجال والبدء بعقد ورشة العمل التي اقترحتها أنا قبل تسعة أشهرٍ لعدة أسباب: أولاً حتى نُخْرِج السودان من النفق الضيق الذي تم إدخاله فيه بواسطة الوفد المفاوض لمبادرة حوض النيل، وثانياً لأن القضية قضية وطنٍ ومكانته بين الدول، وقضية حقوق أجيالٍ قادمة، وثالثاً لأن المسألة التي أمامنا عاجلة ولا تحتمل التأخير. وقد طالب د. المفتي نفسه "بالتحرك العاجل لتدارك الموقف قبل فوات الأوان." وبعد ورشة العمل لدينا كل الوقت للتناظر.
وآمل أن يستعمل د. أحمد المفتي نفوذه لعقد هذه الورشة عاجلاً. فهو رجلٌ له مكانته المعتبرة في الحزب الحاكم، وهو وكيلٌ سابقٌ لوزارة العدل، وهو المستشار القانوني لوفد السودان لمبادرة حوض النيل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.