قرارات لجنة الانضباط برئاسة شوكت    قرارات لجنة المسابقات بجبل اولياء    الجزيرة تعبر الهلال وتلاحق الشمالية في الصدارة    تأجيل إطلاق ماك بوك برو الجديد بسبب أزمة نقص الشرائح    تعيين رئيس تنفيذي جديد ل"أبل".. جون تيرنوس يخلف تيم كوك    بسبب تجاوزات الجنازة.. أسرة منة شلبي ترفض تصوير عزاء والدها    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تثير ضجة واسعة بعد ظهورها في حفل خاص ب"البجامة"    تاور: الخماسية أمام اختبار صعب في مشاورات مايو المقبلة حول حرب السودان    الأهلي يكتفي بودية زد قبل خوض مباراة بيراميدز في الدوري    مصطفى فتحي يبدأ التأهيل الأسبوع المقبل أملا في اللحاق بكأس العالم    وزير الرياضة يوقع مذكرتى تفاهم مع دول بريكس بلس بحضور سفيرى البرازيل والهند    محمد إمام يعود لتصوير فيلمه شمس الزناتى مطلع مايو المقبل وطرح البرومو قريبا    ما لا تعرفه عن سيدة الشاشة الخليجية الراحلة حياة الفهد    تشارليز ثيرون تهاجم تيموثى شالامى: تصريحاته عن الباليه والأوبرا متهورة    تكرار العدوى أو المرض.. أسباب شائعة لا تتجاهلها    هل تحتاج لعملية زراعة قلب؟.. خبراء يكشفون العلامات التحذيرية الخطيرة    ابتكار بخاخ أنف يعيد شباب المخ ويقضى على ضعف الذاكرة    البرهان ل"سلطان عٌمان" : موقف السودان ثابت    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تثير ضجة واسعة بعد ظهورها في حفل خاص ب"البجامة"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يتزوج "عروستين" في ليلة زفاف واحدة على أنغام المطربة هدى عربي.. تعرف على التفاصيل كاملة!!    محافظ مشروع الجزيره :المليشيا نهبت ودمرت أصول المشروع بطريقة ممنهجة والخسائر بلغت 6 مليار دولار    بالصورة.. نيابة أمن الدولة بالسودان تصدر أمراََ بالقبض على المحامية رحاب مبارك والعقوبة قد تصل إلى الإعدام    تغطي 70٪ من إحتياجات المستشفى .. والي الخرطوم يدشن منظومة الطاقة الشمسية الجديدة لمستشفى أمبدة النموذجي    شاهد بالصورة والفيديو.. طفل سوداني يحصل على "نقطة" بالعملة الصعبة "اليورو" في حفل "ختان" أسطوري    الشعب السوداني وحده صاحب القرار النهائي في تحديد وجهة حاضره ومستقبله    المريخ يعود للتدريبات بعد راحة سلبية    إحباط محاولة تهريب في السودان    مسؤول سوداني يطلق التحذير الكبير    ترامب: استخراج اليورانيوم المخصّب من المنشآت النووية الإيرانية ستكون عملية صعبة    إدخال البصات السفرية لحظيرة الميناء البري بالخرطوم وسحب 950 سيارة مدمرة حول السوق المركزي    شاهد بالفيديو.. رداً على تصريحات أحمد موسى.. المستشار مرتضى منصور: (السودانيين فوق دماغنا)    رسميا: تحديد موعد كلاسيكو الليجا    ارتفاع في وارد محصول الذرة وانخفاض في الأسعار بالقضارف    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    عثمان ميرغني يكتب: الصورة مقلوبة    عاجل..إيران: فتح كامل لمضيق هرمز    السودان.. انخفاض معدل التضخم    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    إيران تهدد: موانئ الخليج لن تكون في مأمن إذا حوصرت موانئنا    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    السودان.. القبض على 4 ضباط    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحل العملاق وبقيت الهوية: بقلم: السفير جمال محمد ابراهيم
نشر في سودانيل يوم 15 - 09 - 2009


رسالة عزاء إلى الجوهرة – جريزيلدا
السفير جمال محمد ابراهيم
إنه يوم خميس آخر ، وفي يونيو أيضاً ، ولكنه يوم خميس أعمق حزناً وأشدا سواداً وأفدح أثرا , ذلك أن العظيم عبد لله بن الطيب, آثر أن يرحل عنا فيه إلى رحاب الله ، فخلف في أعماق أمته من أحاسيس اليتم والفقد ما قد لا تطيقه الجسوم ولا العقول ....
كنا في لندن من بين آخر الذين تحدثوا إليه قبل يومين من سقوطه مغشيا عليه في بيته في لويشام ، جنوب شرق لندن ، ثم دخوله هذه الغيبوبة الطويلة التي غادرنا بعدها الآن ,إلى الرحاب العليا .. كان سعيداً بشوشاً وقتها ، ولندن في صيفها بحرارته النسبية تلك ، وقد كان قادماً لتوه من المملكة السعودية بعد زخم إحتفالات نيله جائزة الملك فيصل للآداب لعام 2000 ميلادية . آثر أن يبر سفارة بلاده في لندن بزيارة خاصة وما غادره إجهاد السفر ، وأن يترك آخر طبعة من كتابه الأحاجي السودانية ، هدية لمكتبة السفارة .. ثم ذهب إلى لويشام ، ثم إلى الغيبوبة الطويلة .
كانت الجوهرة - جريزيلدا - رفيقة عبد الله ، أستاذ الأجيال ، في رحلته الطويلة الغنية - هي رفيقته أيضاً في غيبوبته تلك . حزينة كانت ، لكنها كانت حريصة أيضاً لأن ترى كيف يقدر الناس هذا الطود الذى غدره المرض . تقاطر السودانيون المقيمون في لندن والزائرون من خارجها , إلي مستشفي كرومويل حيث يرقد عبد الله ، صغيرهم وكبيرهم ، الشعبيون والرسميون ، ثم من الإخوة العرب الذين يعرفون قدر الرجل ومكانته في خارطة الثقافة العربية . ولكن حين تذكرت الجوهرة أن الرجل الذى أقتسم الجائزة معه لم يفتح لله عليه برسالة أو مكالمة هاتفية مباشرة أو غير مباشرة يسأل فيها عن صحة العملاق , تلون حزنها بحسرة عميقة محسوبة . فالجوهرة هذه المرة أدهشتنى لكونها الآن مثل غيرها من السودانيات بنات جيلها ، ينظرن في مثل هذه الظروف من زاوية العتاب المحبب , " والما لامك ما رادك " , فا للوم عند السودانيين مجلبة للمودة والحميمية المزيدة . وما ذهبت بعيداً عن هذا الجوهرة – جريزيلدا ، فقد سودنها عبد الله ، وأحسن سودنتها.
أقدم عزائى الخاص لهذه السيدة الجليلة , التي حفظت هذا الطود وحافظت عليه ، حتي غادر هذه الفانية , فأورثها والأمة معها , يتماً عارماً ... وفقدها هي له - أعرفه , قد تضاعف ثلاثاً ، فقد كان الطود زوجاً وأبا وإبناً ، وفقدتهم جميعاً , هذا الخميس الحزين .. وما بقي لها إلا أن تواصل برها بابنة أختها , برا يماثل بر الراحل بابن أخته في حياته .. أو هو مثل بر كليهما بالوطن السودان وبأبناء السودان . تعلمنا أن نقراء , ومنذ بداياتنا في فك الخط أسم عبد الله الطيب في الصفحات الأولي من كتب مناهج تعليم العربية ، ثم ونحن في قاعات الجامعة , نتحلق في قاعة "الون أو تو" (102 )، تحلق المريدين بشيخ العارفين.. كنت في كلية الإقتصاد وقتها , ولكننا كنا نسترق السمع إلى محاضرات معلم الأجيال ولا يلحقنا شهاب رصدا من طرف الكلفين بأستاذهم في كلية الآداب . يجلجل صوت العملاق وهو ينتقد الشعر الحديث ، وبعض رواده المحدثين من أبناء العربية ، ويعجب أن لا يدرك هؤلاء إنما يأخذون ممن أخذ أصلا من بضاعتهم . ويثبت لك بالدليل كيف أستلف ت. س. إليوت معانيه في أرضه الخراب , من بعض شعراء العربية . . يلسع محدثينا من الشعراء ببيت يردده:
لو كان عبد الله عبداً عذرته ولكن عبد الله عبد مواليا
كان معلماً شاملاً , تعهد أجيال السودان في مراحل تعليمهم , منذ الأولية ثم الإبتدائية وحتى الجامعة وما بعهدها , كما لم يبخل بعلمه علي طالبيه من وراء الحدود ، وقد آثر حينا من الدهر أن يخرج بعلمه – وقد ضاقت به البلاد على سعتها – إلى آفاق أنجز فيها وأبدع ، وأسس فيها للسودان إسماً وذكراً يخلد مع الأيام ، في كانو وفي فاس.. وكأني به في رحلته تلك, يلاحق آثار فرسان تغريبة بني هلال في الزمان الغابر.. وما كان الملك الحسن الراحل في المغرب يطرب أو يستذوق لياليه "الحسنية" في رمضان من كل عام ، إن لم يكن من بين نجومها أعزهم وأغزرهم علماً ، فقيدنا العملاق عبد الله بن الطيب . يجلس أمير المؤمنين ، الملك الهمام , إليه جلوس التمليذ إلى أستاذه .. وذلك ملك كان يدرك جلال العلم وسمو مكانة العلماء العارفين , عليه الرحمة .
يخذلنا القلم خذلانا مبينا ونحن نجهد أن نكتب أسطرا نعزى فيها أنفسنا .. قبل أن نعزيك في فقده أيتها الجوهرة . فقد أحدث رحيله شرخا في دواخل أمة تتكون ، ونقصاً في استواء الهوية وتخلقها . وكنت قد كتبت في نوفمبر من عام 2000 كيف أن الراحل قد حمل في رحلته الكثير من سمات هوية الوطن. فقد كان عملاقنا عميداً للأدب العربي , يتحايل على الإعتراف بعمادته من يدعون حراسة العربية ، فهوية العملاق – هذا الواقف في منطقة رمادية بين دائرتي إنتماء عربية-إسلامية وأخرى أفريقية -هوية تثير نوعا من الإنزعاج والتوتر عند هؤلاء الحراس . تحايلوا على منحه جائزة للادآب, كان يستحقها كاملة حتى من قبل أن تنشاء تلكم الجائزة . تحايلوا لمنحها له مناصفة مع من هو في مقام تلميذ له . إن لهوية الراحل العملاق بعداً إشكالياً هو إنعكاس لهوية الوطن بأكمله في نظر الرائي الحصيف .
ولعلي أرى في انتماء الجوهرة إلى العملاق , وجهاً من وجوه رحلة الهوية هذه. قدمت هذه السيدة الطيبة من بلاد يهلك الناس في صقيعها , إلى بلاد يفتك التهاب السحائى بأهليها . تسامي إنتماؤها الصرف إلى العملاق إلى مراق ميتافيزيقية من التوحد والتمازج والإندماج . لا أنتوى عسفاً في الرؤية ، غير أني أرى كبيرنا في الدبلوماسية والشعر, محمد المكي , صادقاً في المعالجة , إذ يقول :
لا أنتمي أبدا إليك
ولا أطيق تخليا ..
ألا ترى معي إشكالية الهوية في الإزدواج , وفي معراجها من الإنتماء الحرفي الصرف , إلى الإنتماء الميتافيزيقي المركب ؟ إن ثراء الهوية فيما أري , هو في ازدواج تراكيبها , تماما كما يتركب السحر في النيل من نيليه الأبيض والأزرق عند امتزاجهما في المقرن يلتقيان , فلا تتبينهما في النيل الواحد .. تأمل معي كيف سمي ديوانه الأول أصداء النيل !
ورحل العملاق ، وإني أرى في رحيله الآن ما يحفزنا لأن نرتق ما انفتق من جروح الوطن ، وأن نلحقها بالرعاية والتطبيب ، إذ أن رحيل رمز لجيل كامل وسابق ، لهو إشارة علي إكتمال وعي جيل جديد لاحق ، وأن الأجيال تلاحق بعضها بعضاً ، تواصلاً وإتصالاً ، فلا تنقطع حبال الهوية أو يعتريها اهتراء . نجزع الآن , أيما جزع , أن تقسرنا صروف الدهر وصروف السياسة و مصانعاتها , إلى التحاكم إلى صناديق الإقتراع حول هويتنا .. إن التحدى الماثل لهذا الجيل هو في أن تتسامي رؤاه , وتتسامق آماله , وتتصافي إرادة بنيه ، فتنمو البذرة التي دفنها جيل الآباء- وعبد الله آخر عقدهم- في تراب الوطن , شجرة مباركة , تضرب هويتها السودانية في عنان السماء.
إن عبد الله كتاب أمة , فهل تواري الأمة كتابها في الثرى ..؟ وأن البيت الذي ببري, قد "بين" فيه عبدالله و حري بنا أن نبقيه- و جامعة الخرطوم معنا - صدقة جارية ومركز اشعاع , بل جامعة موازية.. . له الرحمة والمغفرة..
*كاتب ونائب رئيس البعثة السودانية - لندن


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.