وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس الوزراء الهندي    تفاصيل بشأن محاولة تزوير في جامعة الخرطوم    التعادل الإيجابي يحسم مباراة الأهلي المصري والشباب التنزاني    حسين خوجلي يكتب:كنتُ خائفًا أن يفعلها حميدتي، لكنه لم يخذلني!!    شاهد بالصور والفيديو.. رئيس مجلس السيادة "البرهان" يكسر "البروتوكول" ويشرب "كوب" من "العرديب" أهداه له مواطن خلال موكب حاشد بالخرطوم    شاهد بالصورة والفيديو.. فتاة سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة وهستيرية مع الفنانة هدى عربي على أنغام "لولا"    شاهد بالصورة والفيديو.. نائب رئيس نادي الهلال يثير الجدل برقصات مثيرة مع محترف الفريق داخل أرضية الملعب احتفالاً بالفوز على صن داونز وساخرون: (هذا المنصب جلس عليه عظماء)    السفير السوداني بالقاهرة: أعداد المرحّلين أقل مما يُشاع    الإعيسر يدعو المواطنين للعودة إلى ديارهم معززين مكرمين    صحفية مصرية تنتقد سفير السودان بالقاهرة بسبب تجاهله دعوة الإعلام المصري: (القصة الخاصة بأوضاع السودانيين في مصر لا تخص السودانيين وحدهم سعاده السفير)    بالصور.. أيقونة الثورة السودانية آلاء صلاح تضرب في كل الإتجاهات: أنا ضد قحت وصمود وتأسيس (تجار الشعارات، اللاهثين وراء بريق السلطة والمشترين بالثمن البخس)    سعر الدولار اليوم السبت 31-1-2026.. تغيرات محدودة    الهلال يهزم صن داونز وينفرد بالصدارة ويضع قدما في دور الثمانية    رغم نزيف باحثي الذكاء الاصطناعي.. "أبل" تحضر نسختين جديدتين ل"سيري"    خلال أحياء ذكرى الاستقلال، سفير السودان بلندن يتناول جهود القوات المسلحة في إعادة الأمان لعدد من الولايات    داليا البحيري تقر بشد وجهها.. وتسأل "تفتكروا هصغر كم سنة؟"    جهاز ثوري يراقب الإجهاد والتوتر المزمن بدقة    من القمة إلى الهبوط.. هل سقط اتحاد جدة في بئر ريال مدريد المظلم؟    إنستغرام تطور خيار مغادرة "الأصدقاء المقربين"    (المريخ …. يتعافى)    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    *كش ملك .. هلال اماهور هلال الفرحة والسرور    لم تزدهم الحرب إلّا غالباً    المقال الأخير ... السودان شجرة "البامبو"    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    الذهب يهوي من قمته التاريخية    بنفيكا البرتغالي وريال مدريد الإسباني.. نتيجة قرعة الملحق لدوري أبطال أوروبا    نشر صور نادرة للعروس مع والدها الراحل.. شقيق الفنان محمود عبد العزيز يهنئ "حنين" بزواجها من المطرب مأمون سوار الدهب بتدوينة مؤثرة (يا محمود اليوم ده كان حقك تكون واقف تدمع وتضحك في نفس اللحظة)    تحويلات المغتربين الأفارقة.. شريان اقتصادي لحاضر الدولة ومستقبلها    ارتفاع اسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    المالية تعلن ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م    وزير الطاقة يعلن التوجه نحو توطين الطاقة النظيفة وتعزيز الشراكات الدولية خلال أسبوع الطاقة الهندي 2026    مصطفى شعبان يعود إلى الدراما الشعبية بعد الصعيدية فى مسلسل درش    مركز عمليات الطوارئ بالجزيرة يؤكد استقرار الأوضاع الصحية    اكتشاف علمي قد يُغني عن الرياضة.. بروتين يحمي العظام حتى دون حركة    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبد الله علي ابراهيم ورد الاعتبار للاستاذ عوض عبد الرازق (3-3) .. بقلم: عادل عبدالعاطي
نشر في سودانيل يوم 23 - 07 - 2016

اوضحنا في الحلقتين السابقتين منهج عبد الله علي ابراهيم في الانحياز لممارسات الحزب الشيوعي في اغتيال شخصية المتميزين والنابغين والمختلفين ، وقلنا ان هذا المنهج هو جزء من انحياز ع ع ابراهيم للسلطة عموما ، سواء كانت سلطة سياسية او اجتماعية او معنوية . ونحن نرى في ع ع ابراهيم "موظفا" سلطويا بامتياز ، فهو لا يزال يمارس دوره كموظف ثقافي او قل دعائي للحزب الشيوعي ولاطراف السلطة الابوية السائدة في السودان ، مثله مثل السر بابو تماما ، ولا غرو - فالرجلان متشبعان بالمفهوم اللينيني لوضع الثقافة في خدمة السياسة او الحزب ، والحزب الشيوعي اليوم اصبح احد اعمدة السلطة الابوية المنسلطة في السودان ، وفي كل هذا لنا رجعة ورجعات.
وقد قلنا ان ع ع ابراهيم نفسه مارس دوره في التشنيع على الاستاذ عوض عبد الرازق وترديد ترهات الحزب الشيوعي عنه ، من شاكله انه دعا الى حل الحزب الشيوعي وتحويله لجناح في الاحزاب الاتحادية ، او انه دعا لدراسة الماركسية بمعزل عن الواقع. وقد اسهم نشر تقرير عوض عبد الرازق مؤخرا في نسف كل هذه الاكاذيب ، واثبات عبقريته السياسية التي قُتلت تحت حوافر وخناجر الاستالينية البغيضة. وقد ساهم استاذنا صديق عبد الهادي في كشف شيء من هذا التزوير التاريخي وإثبات أن بعض هذه الاتهامات هي خارج السياق التاريخي اصلاً في مقاله المهم الموسوم " لا مناص من النقد الموضوعي: السر بابو وتجربة الخاتم عدلان مثالاً " والذي يكشف فيه بعض مغالطات وتجني الحزب الشيوعي على الرجلين العظيمين في تاريخه : عوض عبد الرازق والخاتم عدلان.
وقد تواصلت مساهمة ع ع ابراهيم في مسيرة التشويه والتعريض بالاستاذ عوض عبد الرازق ( وع ع ابراهيم له غرام خاص بمهاجمة الموتى ) في مقاله بعنوان " ودا كلو من تحت دقنوس كلنج أب صلعة: ألحقنا يا راشد" وهو مقال ضعيف يشبه كتابات عوام الحزب الشيوعي ، ومليء بالمغالطات وعبادة الفرد وتشويه الحقائق. ولا غرو في كل ذلك فكما قلنا فإن الرجل قد خسر دوره كمثقف وتحول الى عرضحالي خرف يكتب كل شيء لتكبير دوره ومعالجة تشرخات روحه بعد بيعه لها للسلطان ، وتغطية "خياسته" الفكرية والسياسية بادعاء ثورية زائفة وبلشفية مشوهة، مستفيدا من كرم السودانيين وترفعهم عن مواجهة امثاله، فبئس الطالب والمطلوب.
يقول ع ع ابراهيم : ((كان من وراء الزخم السياسي الثوري والتنظيمي الحداثي الذي عرضنا له في "المنارات التي شيدها اول مايو" شاب في سنه الثانية والعشرين هو أستاذنا عبد الخالق محجوب (ميلاد سبتمبر 1929 وتولى سكرتارية الحزب من عوض عبد الرازق على نهج جديد في 1949). لم يصطنع الجذرية (وما كان له) التي كانت تسوق الناس سوقاً للنضال مواجهة ضد الاستعمار. ولكنه شم عبيرها العبق واتفق له أن يدفقها على سياسة السودان عبر تنظيم جديد هو الحزب الشيوعي فارزاً كومو من الحركة الاتحادية التي انطوى في أكنافها مجرد جناح يساري من قبل))
مرة اخرى يردد ع ع ابراهيم تخرصات الشيوعيين ان عبد الخالق محجوب قد اختط نهجا جديدا وان قيادة عوض عبد الرازق قد جعلت الحزب مجرد جناح يساري للحركة الاتحادية. والحقيقة ان كتابات عبد الخالق محجوب نفسه تؤكد كذب تلك التخرصات. فالاتهام بوضع الحزب ( الحركة السودانية للتحرر الوطني في الحقيقة ) قد وجهت في الاصل للدكتور عبد الوهاب زين العابدين عبد التام ، وعلى اساسها تم خوض الصراع ضده في صيف 1947 عند رجوع عبد الخالق والتجاني الطيب من القاهرة في الاجازة الصيفية. وقد كان الصراع في الحقيقة بين المؤسسين للحركة في السودان وتيار "اولاد هنري كوريل" القادمين من القاهرة. وفي هذا الصراع تم ابعاد عبد الوهاب زين العابدين وتم صعود عوض عبد الرازق وعبد الخالق وجناحهم للجنة المركزية وعملها تحت قيادة عوض عبد الرازق ((مؤقتا)) بعد عودة عبد الخالق محجوب للقاهرة.
وخلال الفترة بين صيف 1947 وبداية 1949 قاد عوض عبد الرازق الحركة وانجز الكثير من الانجازات التي عددها في تقريره ، والتي اكدها عبد الخالق محجوب في كتابه " لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي" حيث ذكر من بينها (( تحرر الحزب من نفوذ التقليدية القديمة وسلك طريقه المستقل في تنظيم الجماهير)) ((ارتبط الحزب مباشرة بالطبقة العاملة واسس فروعه الثابتة في عطبرة وفي الخرطوم بحري)) ((وضع الحزب دستوره الذي يشمل النضال ضد الاستعمار وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره واصبحت له الجراءة في نقد وجهة نظر الاحزاب الوطنية الاخرى)) ((اسس الحزب أول اشكال اتصاله الثابت بالجماهير فاصدر اول منشورات مطبوعة في السودان)) (( وضع لائحة تحدد العلاقة بين الافراد والهيئات محل العلاقات الشخصية)) (( بدأ الحزب لأول مرة في اصدار مجلة داخلية لتطبيق الماركسية على واقع بلادنا)) وباختصار (( ان اللجنة المركزية الجديدة وضعت الاسس لقيام الحزب وتطوره))
ويمضي عبد الخالق اكثر ليقول ان تلك اللجنة والتي عملت لحوالي عامين تحت قيادة عوض عبد الرازق حلت مشاكل هامة (( على رأسها مشكلة التحالف مع الراسمالية الوطنية في النضال ضد الاستعمار الاجنبي)) و(( أقر الحزب مبدأ التحالف مع الراسمالية الوطنية مع الاحتفاظ بالاستقلال الكامل للحزب في تنظيم الجماهير وقيادة نضالها)) واستطاع الحزب (( أن يوسع من الحركة الجماهيرية ويلهب النضال ضد الاستعمار)) وذكر امثلة لنجاعة هذا الخط كعمل الجبهة الوطنية بمدينة الخرطوم بحري واخراج اول مظاهرة في صيف 1948 من نادي الاتحاديين (( متعاوناً مع الاقسام الاكثر ثورية من الراسمالية الوطنية)) مما ادى لمقاطعة واسقاط الجمعية التشريعية .
إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا يزعم عبد الله علي ابراهيم في نفس المقال ((وصار عوض عبد الرازق الذي تمسك بوجودنا كجناح يساري في الحركة الاتحادية البطل المضاد لأستاذنا عبد الخالق محجوب الذي قال إن علينا أن نستقل بحزبنا ونطرق باب الجماهير من تحت رايتنا المستقلة (العبارة المفضلة). وكان هذان الموقفان المتباينان مدار الخلاف في الحزب الذي ساق في النهاية إلى انقسام 1951 بين بلشفيك (الروسية للأغلبية) عبد الخالق ومنشفيك (الأقلية) عوض عبد الرازق.)) ولماذا يصر على فرية أن ((إذا صح وجوب بقائنا في الحركة الاتحادية كما قال عوض)) ولماذا يكرر ((هل صح عزم عوض فيما اتفق له من خطة البقاء في الاتحاديين؟)) ؟
يزعم ع ع ابراهيم كل ذلك لأنه يصر على ان الصراع كان بين بلاشفة ومناشفة ولأنه يتمسك بالرواية الرسمية للحزب العجوز. ولكن القاريء المحايد للتاريخ يعرف ان الصراع ضد عوض قد تم بعد عودة عبد الخالق محجوب النهائية للسودان في مطلع عام 1949 ، فالرجل كان يريد ان يقود بالاصالة وليس بالوكالة ( في شخص عوض) ولذلك كان لا بد من تنحية الاستاذ عوض عبد الرازق رغم كل تلك الانجازات تحت قيادته وبخلق اسباب كاذبة وواهية وبتزوير مواقفه. لقد كان الصراع بين المكون السوداني في الحركة وهو المكون الذي انشأها منذ 1943 في السودان والمكون المصري القادم من القاهرة او "اولاد هنري كورييل" . ان تاريخ هنري كورييل البشع في الحط من خصومه الشيوعيين بل والتعدي عليهم جسديا واحتماءه بالسوفيت معروف لكل متابعي الحركة الشيوعية المصرية وقد نقله عنه اولاده للسودان وعلى رأسهم عبد الخالق محجوب. بعد عودة عبد الخالق ومجموعة القاهرة في مطلع 1949 كان لا بد من البحث عن منصب لعبد الخالق فتم ابتداع منصب السكرتير العام ، واتفق ذلك مع سفر عوض عبد الرازق لبورتسودان طلبا للرزق فسقطت الحركة باردة في يد اولاد هنري كورييل اللذين لا تزال تسيطر بقيتهم وعقليتهم على الحزب الشيوعي ، وقد تناولنا كل هذا في مخطوطتنا : "هنري كورييل – المؤسس الحقيقي للحزب الشيوعي السوداني" .
كان صراع 1951-1952 في جانب منه صراعا فكريا سياسيا ، فقد تمسك الاستاذ عوض عبد الرازق ورفاقه بطرح الحركة في التحالف مع الراسمالية الوطنية ( الاتحاديين) بينما اتخذ عبد الخالق ورفاقه طريق المغامرة السياسية والتحولات الدراماتيكية من العزلة وبناء حزب شيوعي (ماركسي – لينيني) وحتى التحالف مع اقصى اليمين الذي كان يمثله حينذاك حزب الأمة (الجبهة الاستقلالية) ثم مع حزب الشعب الديمقراطي لاحقاً . وسوف نتناول تلك التحولات واثرها على التطور السياسي في السودان في كتابنا التوثيقي التحليلي عن تاريخ الحزب الشيوعي السوداني. بينما كان في جانب منه صراعا شخصيا بين شخصيتي عوض عبد الرازق الجماهيرية المنفتحة والشعبية وبين شخصية عبد الخالق محجوب الحزبية التي تخطط وراء الكواليس والمتمرسة في مدرسة الصراع الداخلي الكوريلية. ومن الواضح ان موقف عوض عبد الرازق وقتها كان هو السليم وكان الاقرب لدستور الحزب وتكتيكاته التي تم وضعها عام 1947 .
لقد انتبه الكثيرون لطبيعة هذا الصراع الحقيقية . يكتب استاذنا زين العابدين صالح عبد الرحمن : ((في عام 1947، أستطاع عبد الخالق محجوب مع بعض زملاءه القادمين من مصر، إلي جانب قيادات في الداخل علي رأسهم عوض عبد الرازق، أن يقيلوا عبد الوهاب زين العابدين الذي كان لديه رؤية فكرية مخالفة، حيث كان يعتقد ليس هناك ضرورة لتكوين حزب شيوعي، أنما يجب الاستفادة من التيارات الاتحادية الليبرالية لنشر الفكر اليساري، اعتبره عبد الخالق رؤية تحريفية انتهازية، و استخدم الوسائل الإجرائية للإقالة، و كرر ذات الشيء مع عوض عبد الرازق، عندما طرح رؤيته الفكرية في تقريره " للفترة 1947 – 1952 للحركة السودانية للتحرر الوطني" قال فيه ( ما زال من واجبات الحركة السودانية للتحرر الوطني المركزية، تحقيق تحالف شعبي واسع معاد للاستعمار، حتى تحقق مهمة إجلاء الوجود الأجنبي، و السير في طريق الثورة الوطنية الديمقراطية، التي من أسسها الضرورية ذاك التحالف الجبهوي العريض. فعلينا منذ الآن تكثيف الجهود من أجل جبهة معادية للاستعمار، كمقدمة لجبهة وطنية ديمقراطية تجعل الاستقلال السياسي يتكامل مع الاستقلال الاقتصادي، و السير في طريق التطور الرأسمالي) هذه الرؤية للإبقاء علي أن تكون الجبهة الوطنية تحالف ديمقراطي عريض، لكي تستطيع أن تنجز أهدافها الوطنية من خلال تحالف شعبي عريض، تخالف رؤية عبد الخالق محجوب التي كانت تنادي بتكوين حزب شيوعي مستندا للمرجعية الماركسية. لم يذهب عبد الخالق في طريق الجدل الفكري لكي يخلق وعيا جماهيريا واسعا، لكنه فضل اللجوء إلي العزل و التصفية و فصل عوض عبد الرازق، هذه الإجراءات تواصلت مع عددا من قيادات الحزب، مستخدما فيها حتى الحرب النفسية مع عددا من القيادات))
اننا لن نتناول مجموعة الاسئلة الساذجة التي ذكرها ع ع ابراهيم عن مآلات أفكار عوض عبد الرازق وخططه، فكلها مبنية على اساس خاطيء ومزيف في نسبة افكار ومواقف كاذبة للرجل، وما بنى على باطل فهو باطل. لكننا سنتطرق سريعا لهذه الفقرة المسمومة في مقال ع ع ابراهيم حيث يقول: ((كوَن عوض بعد انقسام 1951 جماعة اسمها "الحركة الديمقراطية". وكانت ظلاً وقف ما زاد. وصفها لي الدكتور عبد القادر حسن إسحاق، العضو البارز فيها، بأنها تفرقت إيدي سبأ لخلافات تنظيمية لأن من قادتها مثل بابكر احمد موسي، مؤلف "الفلاح الفصيح" وآخر في تاريخ السودان، من أراد أن يحولها إلى حركة دينية. ثم جددها بعض جماعة عوض عبد الرازق مثل سيد أحمد نقد الله وبدر الدين سليمان وعلى التوم في حركة باسم الجمعية الوطنية أصدرت مجلة "القافلة" التي حررتها حاجة كاشف العضو بالجمعية وزوجة على التوم. وراحت الجمعية الوطنية في الزفة أيضاً. أما عوض نفسه فتمسك بالاتحاد مع مصر في "الطليعة الاتحادية" بعد هجران الأزهري لخطة الاتحاد. ثم انتهى إلى حزب الشعب الديمقراطي. وكان ضمن "كرام المواطنين" من الختمية وغيرهم الذين رفعوا عريضة تؤيد الفريق إبراهيم عبود في منعطف زنقة.))
لا يهم في تاريخ الأفكار أن تملك الحشود والجماهير وان تتفرق شيعا أو ايدي سبأ . فهتلر ملك من الأتباع ما لم يملكه غيره ، وانتهى الى مزبلة التاريخ. وسقراط انتحر وحيدا ومحي الدين بن عربي لم تستمر طريقته والمسيح علق على صليب فردا في حين هرب اتباعه الاثني عشر، وبليخانوف مات وحيدا ونيتشة مات في مصحة عقلية. وهكذا مصير الافكار الكبيرة والمتقدمة الا تكسب مناصرين في زمانها حتى ينتصر لها التاريخ بعد حين.
أما حزب الشعب الديمقراطي فقد تحالف معه الشيوعيون منذ تأسيسه وحتى حله. أما مذكرة كرام المواطنين فلا شك ان هذا كبوة لاستاذنا عوض عبد الرازق إن وَقع عليها ، رغم ان اغلب نصها كان يتناول العلاقة مع مصر الناصرية ويدافع عنها اكثر منها تأييدا لعبود. لكن هذه المذكرة كانت جزءا من الادب السياسي السائد حينها ، فقد كتب السيد الصديق المهدي مذكرة لعبود وكذلك فعل السيد اسماعيل الازهري . وقبلهما كان قادة الطوائف قد ايدوا عبود تأييدا مباشرا في برقيات رسمية، بل لقد رفعت جبهة المعارضة نفسها مذكرات لابراهيم عبود تعاملت معه فيه كرئيس وكانت قيادات الحزب الشيوعي نفسها من الموقعين. فقد وقع على مذكرة القيادات المعارضة الاولى أحمد سليمان بينما وقع على الثانية .. عبد الخالق محجوب ، كلنج أب صلعة نفسه. فتأمل هذا الكيل بمكيالين والنظر بعين حولاء والغرض الذي هو مرض عضال.
إنني في هذه العجالة لن أتطرق لمفهوم ع ع ابراهيم الساذج عن نفسه كبلشفي ، ومحاولة تشنيعه على استاذنا عوض عبد الرازق بوصفه بالمنشفي وهي شتيمة في عرف الشيوعيين، فالطيور على اشكالها تقع ومرمي الله ما بيترفع. لكننا فقط نشير الى كذبه وتزويره حينما يتحدث عن البلاشفة انهم اغلبية وعن المناشفة انهم اقلية. فطوال تاريخ حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي لم يتحول "البلاشفة" الى اغلبيىة قط حتى عام 1917، وفعلوا ذلك فقط بقوة الحديد والنار. لقد كانت هذه واحدة من تزويرات التاريخ البغيضة .
غير هذا فلقد اثبت التاريخ ان المناشفة كانوا على حق في اطروحاتهم وسياساتهم وسلوكهم ، ولا غرو فقد كان بين المناشفة المفكرون النبلاء فيرا زاسبوليتش وجورجي بيلخانوف وبافل اكسلرود الذين اسسوا الحركة اليسارية والاشتراكية في روسيا وكان جورجي بيلخانوف واحدا من اكبر مفكري عصره، وسلمت اياديهم كلهم من الدماء، بينما كان قادة البلاشفة "المتسلبطين" الاجلاف لينين وستالين وجيرجينسكي وتروتسكي الذي انضم لهم من اكبر سفاحي عصرهم. لقد سبب حزب الاقلية المدعى زورا بالبلاشفة لروسيا والشعب الروسي آلاما جمة ، مما كشفها المؤرخون ومما كشفها شرفاء المفكرين .
لكن ع ع ابراهيم غير معني بالحقائق التاريخية ، البسيطة منها والمركبة، ولو عني بها لما كان ما هو عليه الآن – موظفا سلطويا ، ولكنه معنى ببريق السلطة . و"البلاشفة" قد كسبوا السلطة والصراع ضد المناشفة وكانوا "اغلبية" ، فلم لا يكون بصفهم في روسيا أو في السودان؟. ولا يهم بعد ذلك كمية الجرائم والالام التي احدثوها في روسيا او في السودان، فما تهم هي السلطة فقط ، مادية او معنوية. وفي علاقة ع ع ابراهيم مع السلطة تاريخ مخز سنتعرض له في سلسلة مقالات أخرى في حياة الرجل أو بعد مماته.
في النهاية نقول اننا نجدد الدعوة لرد اعتبار استاذنا عوض عبد الرازق كشخصية وطنية ومفكر عبقري وانسان شريف. هذه الدعوة موجهة للحزب الشيوعي في المقام الأول كونه الذي شوه صورة استاذنا عوض عبد الراوزق عبر التاريخ، ولكنها ايضا موجهة لاشخاص بعينهم كتاج السر عثمان ( السر بابو ) وعبد الله علي ابراهيم ممن خانوا امانة المثقف وانتموا للسلطة وشاركوا في سحل المفكرين وحاربوا شرفاء المناضلين ولا زالوا يفعلون .
عادل عبد العاطي
23/7/2016
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.