الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تحرير الخلاف فى الحركة الشعَبية شمال: "قُضي الأمر الذي فيه تستفتَيان"(1-3)
نشر في سودان تربيون يوم 24 - 08 - 2017


[email protected]
مقدمة
1. إنفجرت الخلافات الكامنة والمتراكمة وسط القيادة "الثلاثية" الإنتقالية للحركة الشعبية شمال، فور الإعلان عن إستقالة نائب الرئيس، الفريق عبد العزيز آدم الحلو، التي قدمها إلى مجلس تحرير إقليم جبال النوبة، فى 6 مارس 2017. تجلت هذه الخلافات فى شّكل صراعٍ سافر على مقاليد الأمور فى الحركة، وإنقسام بائن على مستّوي القيادة، تنّزل بدوره إلى القواعد التي إنشقت إلى فريقين، أحدهما يقف مع هذه القرارات بوصفها "خطوات إصلاحية" مطلوبة، بينما يشجبها الفريق الآخر لمفارقتها "الشّرعية الدسّتورية"، بل ومشروع السّودان الجديد برمته. فقد تضمنت قرارات المجلس هذه، الصادرة عن إجتماعه المطول 6-25 مارس 2017، رفض الإستقالة بالإجماع، وعزل الأمين العام وتجريده من كل سلطاته التنفيذية وصلاحياته التفاوضية، وحل وفد التفاوض الذي كان تحت إداراته لست سنواتٍ خلت 2011-2017، والمطالبة بحق تقرير المصير، والدعوة إلى مؤتمر عام إستثنائي فى غضون شهرين، الذي لم تسّعفه الأحداث ليرى النور بعد، يتم خلالها إعداد مسّودتي المانيفّستو والدسّتور.
2. وإلحاقا للإساءة بالأذّى، جاء إعتماد مجلس تحرير إقليم جبال النوبة لقرارات رصيفه بالنيل الأزرق بإعفاء رئيس الحركة من موقعه، وكأنه سقط سهواً من قررات مارس، بل ومنّع رئيس الحركة وأمينّها العام المُقالين من دخول الأراضي المُحررة، بما يعده العديد من المراقبين بمثابة إهانةٍ بالغةٍ وازدراء للزمالة وخفة برفقة النضال وعُشّرة الأيام. وهكذا، توافق المجلسّان على تنحية إثنين من القيادة "الثلاثية"، وتعيين القائد عبد العزيز رئيساً وقائداً عاماً للحركة الشعبية والجيش الشعبي. وإكتملت الصورة، تكريساً للإنقسام، بإنحياز هيئة أركان الجيش الشّعبي إلى قرارات مجلسي التحرير وتأييدها لتنصيب القائد الحلو فى هذين الموقعين.
3- تهدف هذه المُسّاهمة المتواضعة إلى تحرير الخلاف الناشب فى الحركة الشعبية شمال، وذلك بإستعراض حُجج ودفوعات طرفي النزاع، ومناصِري كل مُنهما، وإلى تحري الخيارات المتوفرة، ولو أنها تبدو محدودة، لتجاوز الخلاف، وإستشراف آفاق مستقبل الحركة ووحدتها. وتتبع الورقة نهجاً للتحليل يضع فى الإعتبار بعض المُوجهات المنهجية، وبطرح فرضيات رئيسة، ويختبر نقدياً بعض المفاهيم السّائدة فى خطاب الحركة الشعبية لتحرير السّودان، منذ مرحلة التأسيس. إن تحرير الخلاف، وتحري خيارات الحلول، لن يستقيم ولن تُثمّر نتائجه عن معرفة جديدة لفهم طبيعة وأبعاد الصراع الراهن إلا بدراستها فى سياق التطور التاريخي والسياسي للحركة الشّعبية. خارج هذا السّياق، فإنه من الصعب، إن لم يكن من المُسّتحيل، أن يُدرك طرفّا الصراع ومؤازيروهما تداعيات هذا الخلاف على مستقبل الحركة ووحدة قواعدها، بما يضيق من خيارات الحلول، ويعيد إنتاج تجارب الماضي.
تحرير الخلاف
4- لعل الخلافات التي عصفت بوحدة القيادة "الثلاثية" الإنتقالية تبدو مُفسّرة لنفسها بنفسها، إذ لم تخل البيانات المتواترة من طرفي النزاع عن طَّرق كلٍ منهما بشدة على رؤيته لأسباب الصراع، وتقديم كل منهما لدفوعاته وحُججه، وبذّل تصوره للحل. فقد أضحى من المسَّلم به، أن كل قرارات مجلس تحرير جبال النوبة، شكلت ترجمة عملية لأطروحات القائد عبد العزيز الحلو عن أزمة القيادة، وإنتقاده بشّدة لرفيقيه، رئيس الحركة وأمينها العام، لدرجة فقدان الثقة فيهما وعدم رغبته فى العمل المشترك معهما. فى معرض تحريره لحيثيات الإستقالة، لخص القائد عبد العزيز نقاط الخلاف فى خمس قضايا رئيسة، تضمنت: العجز عن مراجعة المانيّفستو والدستور، إنعدام المؤسسية (المجلس القيادي، مجلس التحرير القومي، الأمانة العامة)، فشل إعلام الحركة فى التعبير عن الرؤية، الخلل فى العلاقات والمكاتب الخارجية، وتخفيض سّقف التفاوض بتقديم تنازلات جوهرية.
5- ومع ذلك، يكمن جوهر الخِلاف فى ما صاغه الفريق عبد العزيز فى مقدمة خطاب الإستقالة، قبل تحديده لهذه النقاط الخمس، حول موقفه من ثلاث قضايا رئيسة. أولها: الكِفاح المُسلح كخيار رئيس، إن لم يكن وحيداً، لتحقيق مطالب شعب إقليم جبال النوبة (فهُّم المخاطبين بالإستقالة)، يترجم فى موقف تفاوضّي مفاده الإبقاء على الجيش الشعبي لمدة عشرين سنة. وثانيها: حق تقرير المصير لشعب الإقليم حال تعذر قيام سّودان علمانى ديمقراطى موحد على أسس العدالة والمساواة والحرية، وثالثها: إعادة النظر فى خريطة تحالفات الحركة الشعبية شمال بما ينسجم مع تعريف الفريق عبد العزيز لطبيعة الصراع الدائر بالبلاد. حقاً، فإن "عدم إستشارة المؤسسات القاعدية، بالذات فى القضايا المصيرية، خاصة في ما يتعلق بمطلب حق تقرير المصير والحكم الذاتي ومصير الجيش الشعبي"، هو ما دفع مجلس تحرير إقليم جبال النوبة لإتخاذ قرارات فى القضايا القومية والمصيرية.
6-لن تتطرق الورقة إلى الخلافات حول القضايا التنظيمية، المتصلة بالمانيفستو والدستور، غياب الهياكل التنظيمية، والخلل فى العلاقات والمكاتب الخارجية. وذلك، ليس لعدم أهميتها، بل لأن هذه القضايا ليس موضوع خلاف بين نائب رئيس الحركة ورئيس الحركة وأمينها العام، إذ يعترف بها الطرفان ويتفقا على أن مخاطبتها ومعالجتها ينبغى أن تتم بعقد مؤتمر عام إستثنائي، ولو لكل طرف تصوره لكيفية تنظيمه. ومن جهة أخرى، تسببت هذه القضايا فى خلق حالة مُرتبّكة ومُرّبكة لكوادر وقواعد الحركة الشعبية شمال، منذ إندلاع الحرب وغياب القيادة، مما أفضى إلى انغلاق عملية صنع القرار حول القضايا الأساسية وتضييق مواعين التشّاور. وعليه، إقتصرت العلاقة بين القيادة والعضوية فقط على إتجاه واحد يحكمه تدفق المعلومات من الأمين العام للحركة، كما ظلت هياكل الحركة الشعبية شمال، المقترحة من قبل القيادة الإنتقالية، في فبراير 2011، إما معطلة أو لم يتم تشكيلها أصلاً، إلى أن تم حلها نهائياً، فى فبراير 2012. هكذا، تعطلت عملية صياغة الرؤية والبرنامج الإطارى، في حين أن غياب الهياكل التنظيمية أعاق مُناقشة وإعتمّاد مُسّودة المانيفستو المُنتجة، فى حين لم تقترح أى آلية بديلة عملية لهذه العملية. وقد عرضت كل هذه القضايا على القيادة الإنتقالية، فى خطاب مطول إلى رئيس الحركة الشعبية، فى 26 أبريل 2012، تم نشرها على نطاقٍ واسع فى 2015 (رسالة تاريخية للفريق مالك عقار، سودانتربيون، 8 نوفمبر 2015).
7- فى معرض تحريره للخلاف بين القادة الثلاثة فى المجلس القيادي، نوه الفريق عبد العزيز إلى أنه "لدينا خلافات، والخلاف شى طبيعى فى العمل، ولكن عندما يتجاوز خلاف الرأى المسائل الثانوية إلى المبادئ والتوجهات، أي الحد المعقول، تبدأ المشكلة". لكن، وللمفارقة، الخلاف حول القضيتين الإستراتيجيتين: مصير الجيش الشعبي وحق تقرير المصير، لم ينشأ بسبب تراكم مثل هذه الخلافات الثانوية، بل فى حقيقة الأمر يعود إلى ست سنوات مضت، منذ التوقيع على إتفاقية مالك نافع فى 28 يونيو 2011. فعلى حد قول الفريق عبد العزيز، فى خطاب الإستقالة "بعد 22 يوم فقط من بداية الحرب الثانية فى 6/6/2711، عرض على الامين العام و رئيس الحركة مسودة الاتفاق الإطارى، المسمى نافع/عقار أو 28 يونيو وإعترضت عليه بسبب الفقرات الخاصة بالترتيبات الأمنية، لأنها كانت تهدف لإستيعاب الجيش الشعبي فى جيش المؤتمر الوطني". وهذا أيضا ينطبق على حق تقرير المصير، إذ لم يتضمنه الإتفاق الذي مزقه رئيس الجمهورية قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به.
8- بالنسبة للقضية الأولى، فقد خاطب الفريق عبد العزيز، مجلس تحرير الإقليم، بأنه، على حد كلماته، "سوف لن تكون هناك أجيال قادمة مع سياسة الإبادة الجارية حاليا اذا قمتم بتأجيل الحرب ، خاصة و أن بيننا من يقول ويروج بأننا لن نستطيع أن نهزم النظام ونحقق السودان الجديد دفعة واحدة". فبالنسبة له، فإن "جيش التحرير" هو "أحد وأهم آليات ووسائل النضال من أجل الحرية وتحقيق التحول الديموقراطي ولا يمكن حله فى ظل ما يجرى الآن من عنصرية مزدوجة وعنف الدولة المركزية، الذي قتل ملايين السودانيين العزل". وفى إشارات، لا تخطئها عين، توجه هذه الإفادة أصابع الإتهام إلى الأمين العام للحركة المُقال، ورئيس وفدها المفاوض، بالسّعي للتوصل إلى تسّوية ما مع النظام الحاكم تتضمن تنازلات فى الترتيبات الأمنية. وذلك، يعنى فى نظر الفريق عبد العزيز "تجريد الجيش الشعبى من سلاحه عبر وسيلة إستيعابه فى جيش المؤتمر الوطنى، و إنهاء دوره كضامن لتنفيذ أى إتفاق، أو كأداة ضغط لتحقيق التحول الديموقراطى والسلام العادل". ولعله، يريد أن يرد مباشرة على حديث الأمين العام للحركة، فى المؤتمر الصحفي الذي عقد قبل بدء جولة المفاوضات الأخيرة حول وقف العدائيات، التي نظمته الآلية الأفريقية رفيعة المستوي، مع الحكومة، فى أديس أبابا، أغسطس 2016، والذي كشف فيه عن موقف الحركة حول هاتين القضيتين. ففى ما يتصل بمصير الجيش الشعبي والإتفاق النهائي للترتيبات الأمنية، أوضح الأمين العام (المُقال) أن الحركة "لن تقبل تجريد قواتها من سلاحها خلال الفترة الإنتقالية وقبل التنفيذ الكامل للإتفاقيات الموقعة"، وذلك دون تحديد سقف زمنى لفترة ما قبل الدمج هذه، والتي حددها الفريق عبد العزيز بعشرين عاماً. صحيح، أن الحركة الشعبية تدعو الي جيش واحد، ولكن هذا الجيش الواحد يجب أن يكون جيشا مهنيا ومتوازنا، ملكا لكل السُّودانيين، ويعكس تركيبة السُّودان . وبذلك، وحينما نضع سلاحنا على المؤتمر الوطني أن يفعل نفس الشئ، لأن المؤتمر الوطني لايمكن أن يُصادر سلاح الآخرين ويحتفظ بسلاحه، وبعد ذلك ننفذ الإتفاقية، فجيشنا سيكون موجوداً أثناء تنفيذ الإتفاقية تحت قيادة موحدة مع الجيش السوداني، وبعد ذلك يتم تفكيك كل الجيوش والمليشيات ويتم بناء قوات مسلحة سودانية جديدة" (خطاب الأمين العام للحركة، صحيفة حريات الإلكترونية، 11 أغسطس 2015).
9- وبخصوص القضية الثانية، حق تقرير المصير، فقد أعاد الأمين العام للحركة، فى نفس المؤتمر الصحفي، التشديد على موقف الحركة الداعي إلى إعادة تشكيل الدولة السودانية برمتها، وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والإقاليم. ومع ذلك، فعلى حد تعبيره، "نحن لا نطالب بحق تقرير المصير أو انفصال المنطقتين، ولكن نطالب بأن يحكم أهل المنطقتين انفسهم. نحن لا ندعو إلى مشروع اثني، ولا نرغب فى بناء مستقبل للنوبة بعيدا عن المسيرية، أو الحوازمة أو الفلاتة. ينبغي أن نضمن المستقبل لكافة القبائل فى جنوب كردفان، وهذه هي رؤيتنا". ولم يتردد الفريق عبد العزيز فى الرد على تصريحات الأمين العام ووصفها بانها "لا تعبر عن رأى أو رؤية الحركة الشعبية و ذلك لأن الحركة الشعبية تحارب من أجل العدالة ولا تستثني أيا من الوسائل التى تحقق العدالة. وأن اى مناضل من أجل الحرية والعدالة ووقف الإبادة والفصل العنصري، لا يمكن أن يرفض حق تقرير المصير كآلية ديموقراطية لفض النزاعات".
10- والجدير بالملاحظة، أن مضمون مسودة المانيفستو، الصادرة فى مايو 2012، يؤكد أن هذا الحق ظل موضوع خلاف جوهري بين الطرفين، ولو أنه، فيما عدا إثارته فى خطاب الإستقالة، لم يطّف على السطح بصورة قوية. فقد شكل الفريق عبد العزيز، بصفته نائباً لرئيس الحركة، لجنة كلفها بمهمة مراجعة مُسّودة المانيفستو، التي قامت بصياغتها لجنة الرؤية والبرنامج، أبريل 2011. أفردت المسودة الجديدة، مايو 2012، فصلاً كاملاً عن تقرير المصير "كحق لجميع الشعوب السودانية أن تمارسه، إما للإستقلال الكامل أو التوافق على نظام حكم ديموقراطى علماني" (الحركة الشعبية والجيش الشعبي، معهد التدريب السياسي والقيادي، مشروع المانيفستو، مايو 2012، صفحات 32-35).
11-أما القضية الثالثة للخلاف، فترجع إلى قراءة الفريق عبد العزيز وتصوره لطبيعة الصراع السياسي - الاجتماعي فى البلاد، والتي بدورها تستدعي مراجعة تحالفات الحركة مع القوى السياسية الأخري. فهو يري أن الحرب طال أمدها، منذ عام 1956، لسببين، أولهما، إنقسام الضمير السياسى السّوداني بين المستفيدين من "المركز العروبي الإسلامي"، من جهة، والمهمشين المتضررين من هذا المركز، من جهة أخري. وثانيهما، إنقسام الوجدان الجمعى القائم على أساس التباين الثقافى وصراع الهوية وهل هى عربية أم أفريقية؟ فبالنسبة له، لا مجال ل "محايد" فى هذه الحرب، فقد إنقسمت الشعوب السودانية إلى فريقين، "فريق مع رؤية السودان الجديد الذى يسع الجميع، وفريق آخر مع المشروع العروبي الإسلامي الإقصائي". وبذلك، فالفريق عبد العزيز يعد القوى السياسية المدنية، كما أسماهم "دعاة الجهاد المدني"، ولا يخفى أيا من القوى يقصد، جزءاً لا يتجزأ من قوى المركز والسودان القديم، ولو بدرجات متفاوتة. إستعّار الفريق عبد العزيز عبارة إبراهيم الصلحي، وإسم برنامجه التلفزيوني "بيت الجاك"، توضيحا لرأيه فى الائتلاف مع هذه القوى، بقوله أن "الجاك سوف لن يرضى بتفكيك البيت الذى بناه أو يتعاون فى ذلك حتى و لو من أجل إعادة تأهيله وتطويره. وبالتالي، خلص إلى أنه "إذا كان لا بد من تحالفات مع تلك القوى فليكن، ولكن لا بد أن ترتكز على أسس مشروع السودان الجديد". وهذا ما تم تفصيله فى مسودة المانيفستو، مايو 2012، ضمن إستراتيجية الحركة الشعبية والجيش الشعبي، الفصل الخامس، فى الفقرة 5.9: "الإتصال بمجموعات المعارضة بهدف تكوين جبهة موحدة مع هذه المجموعات، بشرط أن تظل قيادة هذه الجبهة مسلحة وتتفق مع مشروع السودان الجديد"، والفقرة 5.11: "إقامة تحالفات سياسية وعسكرية مع الحركات الثورية والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدنى التى تتفق مع رؤية السودان الجديد" (مشروع الماتيفستو، نفس المصدر، مايو 2012، صفحة 32).
12. وفى ردهما على قضايا الخلاف الثلاث، اعتبر الرئيس والأمين العام المقالين، بحد تعبيرهما، أن "الخط الذي طرحه عبدالعزيز آدم الحلو يحمل تراجعاً واضحاً عن مشروع السودان الجديد، تحت مبررات تبدو متشددة، ولكن سرعان ما ستنكشف هشاشتها لاحقا، وإن التوقيت الذي أختاره نفسه كان توقيتا كارثيا".
13-أولا، فى نظرهما، فإن حق تقرير المصير لم يكن جزءا من مشروع السودان الجديد "إلا في عام 1991م كمشروع للحفاظ على وجود القوميين الجنوبيين داخل الحركة"، بحسب قول رئيس الحركة (بيان، مالك عقار، 5 يونيو 2017). كما أن لحق تقرير المصير تداعيات وخيمة على سكان المنطقتين، إضافة إلى ما تصادفه من صعوبات سياسية وعملية وإجرائية على أرض الواقع، خاصة من ناحية التركيبة السكانية والحدود، مما قد يفضي إلى استقطاب إثني حاد فى الاقليم. وفوق ذلك كله، فقضية الجنوب لا تتطابق وقائعها مع حيثيات المنطقتين، ومعطيات الواقع فيهما، إذ أنه من الصعب، إن لم يكن المستحيل، الحصول على السند المحلي أو الدعم الإقليمي والدولي اللازم. ولذلك، يؤيد الرئيس والأمين العام " الحكم الذاتي ، الذي يعطي أهل المنطقتين حق حكم أنفسهم بأنفسهم بمافي ذلك السلطات التشريعية في إطار سودان لا مركزي موحد، مع أخذ خصوصيات المنطقتين في الإعتبار ومعالجتها، وهذا لا يسقط حق المنطقتين في قضايا التغيير في كل السودان" (رسالة رئيس الحركة، الفريق مالك عقار، 5 يونيو 2017). إضافة إلى، أن حق تقرير المصير قضية تحتاج إلى مناخ ديموقراطي ومناقشة واسعة داخل المنطقتين، وبذلك "موقفي والأمين العام، وكثير من قادة وأعضاء الحركة، أن نتمسك برؤية السودان الجديد ووحدة السودان على أسس جديدة، دون المراوحة والتارجح بين حق تقرير المصير ووحجةىالسودان كما حدث فى الماضي" (بيان الفريق مالك عقار، 9 يونيو 2017).
14- ثانيا، فيما يخص قضية "الجيشين"، يرد رئيس الحركة (المقال) بأن نائب الرئيس، الفريق عبد العزيز، وقادة الحركة الآخرين، شارك في رسم خطط ومراجعة نتائج كل جولات التفاوض، ويدرك أن المفاوضات لم تبلغ بعد مرحلة مناقشة القضايا الموضوعية المتعلقة بجذور الحرب بما فى ذلك الترتيبات الأمنية والسياسية فى المنطقتين. بل، كل ما فى الأمر، أنه خلال الجولة الأخيرة للمفاوضات، أغسطس 2016، حاول وفد الحكومة المناورة بالخلط بين وقف العدائيات والترتيبات الأمنية النهائية، فتقدم وفد الحركة بخمسة مبادئ رئيسة كإطار لأي تفاوض حول هذه الترتيبات. تضمن هذه المبادئ الاحتفاظ بالجيش الشعبي كجيش منفصل في فترة تنفيذ الإتفاقية، كمرحلة أولى، وسيكون جزء من الجيش السوداني الجديد الذي ستعاد هيكلته ومهنيته بعد أن يتم الفراغ من هذه العملية. ولو أنها "ستأخذ وقتا طويلا، وستتم عبر مراحل، فهذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، التخلي عن الجيش الشعبي دون الوثوق من تحقيق أهدافه السياسية وبناء جيش وطني جديد يعكس مصالح جميع السودانيين بمافيهم أهل المنطقتين" (بيان رئيس الحركة، الفريق مالك عقار، 5 يونيو 2017).
15- ثالثا، خلافا لتصور الفريق عبد العزيز لطبيعة التحالفات السياسية للحركة، يتمسك رئيس الحركة وأمينها العام، المقالين، بالاستمرار فى العمل المشترك مع قوى المعارضة للنظام الحاكم. فمن ضمن مقررات آخر اجتماع ل "المجلس القيادي" (المنحل)، 1) تمتين التحالفات القائمة مع نداء السودان والجبهة الثورية وقوى المعارضة الآخرى الراغبة في التغيير، و2) دعوة القوى الوطنية والديمقراطية لإعلاء رايات التضامن مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (البيان الختامي، اجتماع المجلس القيادي، 3 أبريل 2017).
16- اعترف القائدان، رئيس الحركة وامينها العام، بمشروعية ما طرحه القائد عبد العزيز من مشكلات، فى خطابه، تستحق المخاطبة وتستدعي المعالجة، وإبداء الاستعداد لمناقشتها معه، مع رفضهما للاستقالة (بيان رئيس الحركة، 18 مارس 2017). بل، وقاما بزيارة إلى المناطق المحررة، 25 مارس-3 أبريل، والتقيا القيادات السياسية والعسكرية والمدنية، فى محاولة، لم يكتب لها النجاح، لإنقاذ الموقف ومعالجة الأزمة. ولذلك، فى رد فعل فوري، قرر المجلس القيادي إلغاء كافة القرارات الصادرة عن مجلس تحرير إقليم جبال النوبة المتعلقة بالقضايا والمؤسسات القومية، وتكوين مجلس التحرير القومي لتولي مناقشة القضايا التي تهم الحركة على الصعيد القومي. وبذلك، أعلنا رفضهما لقرارات المجلس الإقليمي هذه، واللاحقة لها، وعن تمسكهما بالشرعية والمؤسسية الدستورية، وعلى رأسها المجلس القيادي. بينما، وصفا الخطوة ب"الانقلاب"، الذي يتبنى خطا قبليا وإثنيا، تقوم على هندسته "مجموعة ذات توجهات قبلية أدت إلى الاقتتال القبلي فى النيل الأزرق، مما يهدم مبادئ وقيم الحركة الشعبية" (بيان المجلس القيادي، 3 أبريل 2717). وأصدرت مجموعة من قيادات للحركة بالولايات الشمالية بيانا تمسكت فيه بالقيادة الشرعية، معلنة رفضها للانقلاب، واعتبرت أن كل قرارات مجلس تحرير إقليم جبال النوبة باطلة. زاد تمسك رئيس الحركة وأمينها العام المقاتلين بموقفهما الرافض لهذه القرارات، خاصة فى ظل ما طرأ لاحقا من تطورات. فقد أصدر مجلس تحرير إقليم جبال النوبة قرارات مفصلية أخري ، فى 6 يونيو 2017، على رأسها عزل رئيس الحركة، وتكليف الفريق عبد العزيز بالرئاسة إلى حين قيام المؤتمر العام، ومنعه هو والأمين العام المقال من دخول الأراضي المحررة إلى ذلك الحين، وأيضا حل المجلس القيادي. بل، فى بيان ووجه إلى كافة جماهير الحركة الشعبية، قبل الفريق عبدالعزيز بالتكليف، ودعا رفيقي السلاح للحضور والمشاركة فى أعمال المؤتمر العام المزمع والترشح إلى أي من المواقع الدستورية فى الهيكل التنظيمي للحركة (بيان الفريق عبد العزيز الحلو، 9 يونيو 2717). لم يثن بيان رئيس الحركة السابق، فى عشية انعقاد اجتماع مجلس التحرير، الذي أعلن فيه عن اقتراح لتجاوز الأزمة يقضي بتنحي القادة الثلاثة والاتفاق على قيادة مؤقتة توكل إليها مهمة الإعداد للمؤتمر العام، المجلس من المضي قدما فى إصدار هذه القرارات (بيان الفريق مالك عقار، 5 يونيو 2017).
17- أما قرارات اجتماع القادة العسكريين والسياسيين والأدارات المدنية ومنظمات المجتمع المدني بإقليم جبال النوبة، فى 7 يوليو 2017، فقد كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر وحدة قيادة الحركة وانقسمت على إثرها قواعدها الجماهيرية داخل وخارج البلاد. فقد شارك فى الاجتماع عدد كبير من ضباط الجيش الشعبي، كما أنه أول تجمع حاشد يحضره ويخاطبه رئيس الحركة المكلف. وفرت قرارات القادة المشروعية للخطوات التي اتخذها مجلس تحرير إقليم جبال النوبة، بدعم من رصيفه فى النيل الأزرق. فهكذا، أكد البيان الختامي للاجتماع أن المجلسين ""قد مارسا سلطاتهما في غياب المؤسسات القومية المعنية، وأن كافة القرارات التي صدرت من المجلسين دستورية ونافذة". ومضى البيان شوطا طويلا ليوجه اتهاما غليظا للرئيس والامين العام السابقين، مفاده أنهما قد عقدا، "صفقات سرية مع جهات معلومة بغرض التخلي عن حمل السلاح والجيش الشعبي لتحرير السودان، مما يعتبر خيانة للمشروع والرؤية والاهداف ودماء الشهداء". انتهي الاجتماع بحفل بهي واحتفال بهيج عزفت خلاله الموسيقى و"دقت" المارشات العسكرية، مسدلا الستار على آخر فصول للصراع المحتدم فى أوساط قيادة الحركة، وبمثابة تدشين عمل السلطة الجديدة. وذلك، بتفويض "رئيس الحركة الشعبية والقائد العام للجيش الشعبي الفريق عبد العزيز ادم الحلو بتكوين مؤسسات إنتقالية لتسيير العمل لحين قيام المؤتمر القومي الاستثنائي" (البيان الختامي للقيادات العسكرية والسياسية والمدنية، 7 يوليو 2017). وفى 8 أغسطس الماضي، فى أول خطوة عملية نحو تنفيذ مهام هذا التفويض، وذلك بترقية عدد من ضباط الجيش الشعبي، وإجراء تغييرات فى القيادة العسكرية، وإعادة المحالين للتقاعد والمفصولين من الحركة، وتكوين لجان وآليات الإعداد للمؤتمر الاستثنائي (لجنتي المانيفستو والدستور).
تورونتو، 10 أغسطس 2017


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.