تعرف على ال 5 ظواهر التي لا زالت تحير العلماء حتى الآن    الهلال ينفي أنباء العقوبة الإفريقية على لاعبيه    مسؤول بقوات حفتر ينفي أنباء اعتقال صدام نجل اللواء المتقاعد ببنغازي الليبية    الإدارة العامة للدفاع المدني : استقرار الأوضاع بعدد من الولايات التي تأثرت بالأمطار والسيول    المومياء المصرية.. مدخنة شرهة تأكل الهمبرغر    غزة تحت النار (50)    غزة التي زارها والد الرسول وفيها دفنوا جده الأكبر + صور    (امبراطورية مين) – السودان !    حماس تتهم إسرائيل بخرق الهدنة وتطالب العالم بالتدخل    صعقة كهربائية بسبب الأمطار تعجل برحيل الصحفي المعروف محمد صديق    ماهو الخيط الذي يربط الاعتداء على عثمان ميرغني بإغتيال هاشم سيداحمد..؟    البشير: الشعب السوداني يقف بأكمله خلف الشعب الفلسطيني    «الصحة العالمية» تدق ناقوس الخطر بشأن سرعة تمدد إيبولا خارج أفريقيا    الحزب الحاكم في السودان يتجه نحو تأجيل الانتخابات بطلب من الترابي    المهدي: الوطني خذلنا وتصرف بإستخفاف مع مستحقات الحوار    المهدي يحذر من انتقال الاستقطاب على الإخوان والحالة الليبية للسودان    ليبيا تعود حقاً إلى «ما قبل الدولة».... 20 ألف ليبي هربوا من المعارك إلى تونس خلال 24 ساعة    الكاف ينظر في أحداث مباراة الهلال وفيتا غداً    قائد المريخ يطلب من المجلس عدم المشاركة في سيكافا    علاء الدين يوسف يخضع للتحقيق ظهر اليوم في أحداث مباراة المريخ والأحرار    أول فأرة «شفافة» في العالم.. تسمح للعلماء بالتعرف على الشبكات العصبية ووضع خريطة انتشار خلايا السرطان    خالد التجاني: "خرتوم عيّان.. عيّان ما معروف"    بناء السدود امن إستراتيجي للدولة السودانية...    أوباما: قمنا بعمليات تعذيب بحق أُناس بعد 11 سبتمبر    السودان: مشروع الكسب الطيب يستقبل اولى دفعاته خلال هذا الشهر    خريطة لأفريقيا تظهر مصدر غنى كل دولة.. النفط يوجد بمصر وليبيا والجزائر وتشاد ونيجيريا    بالصور: في آخر " تقليعة " : تاجر ملابس يروّج لعبارات هابطة بغرض تسويق بضاعته وسط الشباب !!    محمد لطيف: خذوا الحكمة من سورة الرعد    والي الخرطوم: اهم قرارتنا لمجابهة آثار الخريف تكوين لجنة عليا برئاسة نائب الوالي!!!    بالفيديو: شاب مُعجب يصفع الفنانة السودانية " فهيمة عبدالله " على وجهها لإحراجها له !!    البيقاوية أم كَزَم, قصيدة عامّية لتعليم المرأة بشرق دارفور    مزمل أبو القاسم: عبقرية التشبيه عند الطيب    جوبا تتراجع عن خطة لتعدين الذهب    الولايات المتحدة تصدر البترول بعد 41 عاماً من الحظر    هاني مختار اللاعب سوداني يقود منتخب ألمانيا للفوز بنهائي بطولة أوروبا تحت 19 سنة    سعيد صالح يفارق الحياة تاركا خلفه إرثا فنيا مرموقا    وفاة الفنان المصري سعيد صالح    إنعقاد ملتقي الخرطوم للمنتجات المالية الإسلاميه نوفمبر المقبل    صور تلتقط نبض الشارع في السودان ووجوه تروي قصص أصحابها    باعة متجولون ورزق ضئيل تحت شمس الخرطوم اللاهبة    باحثون يحذرون من ملاريا مقاومة للأدوية    معتمد محلية النهود: ترتيبات فنية وادارية لانجاح الموسم الزراعى    وداعاً سلطان الكمان "محمدية"    الكوتش مبارك سليمان في اول تصريحات صحفية ل (قووون) : سأعمل مع التاج لاعادة الروح للفريق الطموح    الفاو: مجاعة وشيكة بالجنوب    علاج جديد طويل الأمد لمرض الانسداد الرئوي المزمن    بدء تنفيذ الهدنة الإنسانية بغزة    فيلم حتى نلتقي    السلطات تكثف من تحقيقاتها للقبض على قاتل هاشم    القتل    موقع التصوف في الفكر الفلسفي العربي الاسلامي (2).    هل غزة هي الطريق لعودة خيرية الأمة الاسلامية؟ .. بقلم: أحمد عبدالعزيز أحمد الكاروري    الجنجويد يوم العيد..إغتيال مدير الأقطان !! .. بقلم: عبدالوهاب الأنصاري    حوداث اغتيال غامضة ترعب الخرطوم: تفاصيل قصة الطعنات القاتلة لمدير "الأقطان" السابق    ضبط شبكة أجانب تروج نبات «القات»    ثلاث مراحل لإنفاذ خطة الدفاع المدني بالجزيرة خلال عطلة العيد    نهب مرتبات العاملين بمستشفى عد الفرسان    الاستئناف تؤيد قرار محاكمة طالب قتل صديقه داخل (بلي ستيشن)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

المحكمة الدستورية الأولى 1998 -2005 وما أنجزت، ودورها في فحص أحكام المحكمة العليا
نشر في السوداني يوم 25 - 12 - 2012

من المعلوم أن القضاء نوعان نظام القضاء الواحد وتتبعه الدول الواقعة والمتأثرة بالنظام البريطاني وهو أن تتولى المحاكم العادية الفصل في جميع أنواع الخصومة دستورية وإدارية وقضاءً عاديا، والسودان من بين هذه الدول التي أخذت بتطبيق منهج الرقابة القضائية في المحاكم العادية حتى صدور دستور 1998 الذي أنشأ محكمة دستورية مستقلة لتولي القضاء الدستوري وكانت تقوم بهذا الدور فيما مضى الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا وبقيت القضايا الإدارية والعادية بالمحاكم.
والنوع الآخر من القضاء وهو نظام القضاء المزدوج أي تعدد القضاء من قضاء دستوري وقضاء إداري وقضاء عادي مقتدين بمجلس الدولة الفرنسي كمصر وسوريا ولبنان.
وقد حدد دستور 1998 في المادة 105 /2 أن هذه المحكمة حارسة الدستور ولها اختصاص النظر في تفسير النصوص الدستورية والقانونية فيما يرفع إليها من رئيس الجمهورية أو المجلس الوطني أو نصف الولاة أو نصف مجلس الولايات، ودعاوى المتضررين لحماية الحقوق والحريات والحرمات الدستورية ودعاوى تنازع الاختصاص، وزادت المادة على تلك اختصاصا في الفقرة د: أية مسائل أخرى يقرر الدستور أو القانون اختصاصها بها. ونص الدستور في المادة 34: لكل شخص متضرر استوفى التظلم والشكوى للأجهزة التنفيذية والإدارية الحق في اللجوء للمحكمة الدستورية لحماية الحريات والحرمات والحقوق الواردة في هذا الفصل. ويجوز للمحكمة الدستورية ممارسة سلطتها بالمعروف في نقض أي قانون أو أمر مخالف للدستور ورد الحق للمتظلم أو تعويضه عن ضرره.
وصدر القانون رقم 13 قانون المحكمة الدستورية لسنة 1998 وفي المادة 11 /و جعل من حق المحكمة الدستورية فحص الإجراءات والأوامر والأحكام القضائية للتأكد من سلامتها من الناحية الدستورية.
ويرى أستاذنا القاضي العالم وعضو المحكمة الدستورية الأولى محمد محمود أبو قصيصة في كتابه مبادئ القانون الإداري السوداني أن رقابة القضاء هي رقابته على نفسه إذ تراقب المحكمة العليا السودانية المحاكم الأدنى التي تأتي أدنى منها في الدرجة وهذه الرقابة في كافة أفرع الاختصاص وأن القضاء الدستوري يراجع الأداء القضائي وغيره تطبيقا لسيادة القانون والمشروعية أيضا. ويضيف مولانا: ويبدو بعد ذلك أن مراقبة المحكمة العليا لنفسها أمر لم يعد له مكان بعد صدور الدستور فما تقوم به المحكمة الدستورية هو ما تقوم به المحكمة العليا في مراجعة أحكامها المدنية والجنائية ولا يجدر أن يكون هنالك تكرار إذ أن من شأن ذلك اضطراب الأمور أمام الأطراف ثم تطويل الإجراءات وتأخير الدعاوى التي كثرت الشكاوى منه. وأن هذه الرقابة للمحاكم الأدنى هي بغرض النظر في مشروعية وسلامة الإجراءات واعتبرت المشروعية بالنسبة لقرارات المحكمة العليا هي الحكم بما يوافق أحكام الشريعة الإسلامية ويرى مولانا بذلك أن القانون السوداني يؤمن بمبدأ سيادة حكم القانون أو ما يعرف بالمشروعية في القضاء الفرنسي على أن القانون السوداني يستخدم كلمة (بالمعروف) وهي تقابل Due Process كما جاء في الترجمة الانجليزية للدستور. وزاد أنه لا ينصب نقده على رقابة المحكمة العليا على ما دونها وإنما ينصب على رقابتها على نفسها ومبرزا عيوبا إضافية في الخيط الرفيع بين الطعن والمراجعة القضائية وجنوح بعض المتقاضين إلى محاولة تخلل أحكام المحكمة العليا عن طريق التعلل بالمراجعة القضائية فيما ليس في واقع الأمر وقد نص القانون على أنه لا تقبل أحكام المحكمة العليا المراجعة إلا استثناء وهذا الاستثناء هو المشروعية التي تعنيها مخالفة الشريعة الإسلامية في المادة 215 لا يعني إلباس المراجعة غير ثيابها ولا تعني الدخول فيما فصلت فيه المحكمة العليا ولكننا لمسنا مرارا وتكرارا المحاولات التي تبذل للتسلل عبر المراجعة لمقاومة الأحكام النهائية والنتيجة كثيرا ما تكون تأخير التقاضي والإضرار بالظرف الآخر والتذمر الشعبي والرسمي من البطء الشديد في القضاء.
حصاد السنوات من 1999 وحتى 2003 للمحكمة الدستورية الأولى:
إن احكام الفقرة 5 من المادة 21 من قانون المحكمة الدستورية تنص على: تنشر أحكام المحكمة الدستورية ويقول رئيسها مولانا العالم جلال علي لطفي رحمه الله في مقدمة المجلة التي صدرت وتضم أحكام السنوات الأولى من 1999 وحتى 2003 في مجلد واحد تعذر ذلك النشر من الناحية الفنية والمالية لم تتمكن الجهات المنوط بها ذلك من نشرها ويبدو استمرار ذلك العذر حيث لم اطلع على أحكام السنوات التالية.
وحيث حكمت المحكمة الدستورية في تلك الأعوام عدد 145 دعوى 81 منها متعلق بالقضايا الجنائية ومراجعة أحكام المحكمة العليا الصادرة بالإعدام في مجال حق الحياة، و5 قضايا تتعلق بقانون الانتخابات، و14 قضية مدنية، و14 قرارا سمي إداريا أو قرارا، و3 قضايا تتعلق بشؤون الأسرة، و4 قضايا تتعلق بالبنوك وقضية تتعلق بلائحة التطوير الصحفي وقضية تتعلق بقانون تشريعي، والقضية المهمة في تاريخ تلك المحكمة وهي قضية إبراهيم يوسف هباني ضد مجلس الوزراء في قضية حل المجلس الوطني والتي سأتحدث عنها لاحقا.
والسؤال إذا ما كان عدد قضاة تلك المحكمة تسعة قضاة وكان عدد القضايا في سنوات أربع حسب المنشور 145 قضية مما يعني أن عدد القضايا في السنة لا تصل إلى أربعين قضية مما يعني أن نصيب القاضي الرأي الأول في العام لا تتجاوز الأربع قضايا إن لم يكن جزء كبير من هذه القضايا قد شطبها الرئيس قبل سماعها أو لتركها ؟ أليس الأولى أن تستفيد المحكمة العليا بوجود هذا العدد الكبير من القضاة أصحاب الخبرة لانجاز العمل الضخم الملقى عليهم بالإضافة إلى عملهم في الدائرة الدستورية كما سيرد في الحديث عن المحكمة العليا؟
وبالإطلاع على هذه القضايا لم يكن هناك اهتمام لافت بأمر التقاضي في الحقوق الدستورية من جانب المواطنين أو القانونيين أمام المحكمة الدستورية وجل هذه القضايا التي ذكرت تتعلق بمراجعة أحكام المحكمة العليا المدنية والجنائية وأحوال القصر وإعادة تقسيم التركة والشفعة.
ضمت المحكمة الدستورية الأولى شيوخ القضاة من أصحاب الخبرة، وخاصة أنها أعادت التقاليد القضائية التي اندثرت من انعقاد المحكمة والترافع الشفاهي أمامها من كبار المحامين والأساتذة الأجلاء من النائب العام، وحيث أن المحكمة الدستورية ومن مهامها النظر في قضايا فصل السلطات وتفسير الدستور وتنازع الاختصاص فقد نجحت في إثارة أمور مهمة وخاصة في تسبيب الحكام باستنادها على المادة 13 من قانون المحكمة في فحص الإجراءات والأوامر والأحكام القضائية.
بدت جرأة المحكمة في نقد أحكام المحكمة العليا وقضاتها في كثير من القضايا أهمها قضية شركة هايتون انكوربوريشن ضد شركة أبا المعتصم المحدودة وشركة الشيخ مصطفى الأمين حيث جاء قرار المحكمة: بعد الإطلاع على كل الأوراق... ترى هذه المحكمة أن حكم المحكمة المطعون فيه (مراجعة من المحكمة العليا) من جميع ما يرتكز عليه حكم قضائي ملزم بل جاء منافيا ومجافيا للقانون والشريعة الإسلامية وللإجراءات القانونية السارية وللدستور وما جرى عليه العمل في محاكم السودان وما يجب أن يتبع من آداب في كتابة الأحكام ومخاطبة المحاكم التي في نفس درجة حكم المراجعة وبنى بطلان الحكم على:
أولا: إن الحكم المطعون فيه صدر أولا في هيئة التحكيم التي ترأسها الدكتور حسن الترابي الذي اختارته جميع الأطراف لما عرف عنه من تعمق في القانون وتمسك بالعدالة وما يمتاز به من خلق وأمانة والتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية. وبعد دراسة شاملة أصدر قراره في حضور جميع الأطراف ولم يكن القرار مبنيا أو قائما على تقدير أو رأي هيئة التحكيم منفردة ولكن بعد نقاش ومداولات ومساومات بين الهيئة وجميع الأطراف وبعد أن رضي الأطراف بمن فيهم المطعون ضدهما ووقعوا عليه ولذا فهو قرار هيئة تحكيم باتفاق كل الأطراف عن طواعية واختيار ورضا بالالتزام ولا يجوز الرجوع عنه...
ثانيا: جاء في حيثيات محكمة المراجعة أن الأحكام التي ألغتها هي الأحكام التي أسست على الربا ولم توضح المحكمة كيف جاز لها قانونا اتخاذ مثل هذا القرار المؤسس على تفسير خاطئ واعتمادها على وصف المبلغ بأنه فوائد دون استيعاب لكل الوقائع المثبتة في القضية والأسباب التي أدت لإصدار القرار من هيئة التحكيم ودون أن تأخذ في الاعتبار ما تم عن رضا واتفاق وتعاقد وعهد والتزام بين الأطراف بمن فيهم المطعون ضدهما ولو راجعت محكمة المراجعة جوانب الموضوع مراجعة صحيحة وبتأن دون القفز إلى النتيجة لوصلت إلى أن المبلغ المذكور جزء من المديونية التي أخذ المطعون ضدهما ما يقابلها من مال لسدادها لجهة أجنبية غير مقيدة بطبيعة التعامل التي رأته المحكمة التي اتضح أنها معزولة عن الواقع بل أنها لم تطلع على الفتوى في هذا الصدد التي تبيح مثل هذه الفوائد مع الجهات الأجنبية مسلمة أم غير مسلمة. وأن قول محكمة المراجعة بأنها راجعت نزاع تنفيذ قول لا يقبله قانون أو منطق أو دستور بل هو رأي جديد ومبدأ لم تقف عليه المحكمة الدستورية في أي حكم سابق في تاريخ القضاء في السودان وخاصة أن المحكمة جاءت بنظريات جديدة تبريرا لإلغاء حكم المراجعة السابق وهو قولها إن الحكم السابق في النزاع حكم كاشف فقط وفي رأي هذه المحكمة إن الحكم السابق لو كان كاشفا أو غير كاشف لا يبرر بأي حال مناقشة موضوع قضية حسم أمرها منذ ما يزيد على ثماني سنوات وقد انتقد مولانا القاضي العالم محمد حمد أبو سن رئيس دائرة المراجعة والذي خالفها الرأي بأنه لا يبرر المراجعة....
رابعا: لقد نظرت محكمة المراجعة المطعون في حكمها المراجعة رقم 167/1993 وحكم المحكمة العليا رقم 388-1999 وأمرت بإلغاء ما جاء فيهما من قرارات مع أنه لا سلطة لها ولا صلاحية لها قانونا لأنه ليس في القانون ما يعرف بمراجعة المراجعة ولذا فإن ما اصدرته من حكم وقع باطلا لأنه صدر من محكمة غير مختصة والغريب أن بعض الأعضاء في المحكمة يبرر ذلك بأن الأمر لا يتعلق بالقانون بل هو أمر دين مفترضا حسب اجتهاداته الخاطئة والممعنة في الخطأ بأن ما تطبقه المحاكم الآن من قوانين يخالف بعضها الدين وأن ما يراه هو من تفسير هو الصواب ولو صح هذا الرأي غير السديد وساد هذا الاعتقاد الذي لا أساس له من الصحة في المحكمة العليا خاصة فإنه لن يستقر حكم ولن يطمئن مواطن على حقه حتى بعد أن يحكم له بصفة نهائية وبعد أن يحوز الحكم حجية الأمر المقضي فيه وبعد انقضاء كل القيود الزمنية.
كما جاء بملاحظات المحكمة أن المطعون ضدهما استغلا إجراءات المحاكم بطريقة لا مثيل لها في تاريخ القضاء في السودان حتى أن المطلع على هذه الإجراءات يشعر بعدم الاطمئنان على سير العدالة في هذه البلاد وما كان يحدث كل هذا لو أن المحاكم اتبعت الحزم في نفاذ أحكامها ومتابعة تنفيذها بالطريقة القانونية المعروفة ولا يسمح للمحاكم الأدنى عند تنفيذها احكام المحاكم العليا بالعبث في الأحكام الصادرة ووضع نفسها في مرتبة أعلى من المحكمة العليا كما حدث في هذا النزاع إذ تجرأت محكمة التنفيذ ومحكمة الاستئناف في تعديل حكم صادر من المحكمة العليا دون سند. ولم يسلم النائب العام عندما قالت المحكمة والذي أرادت المحكمة لفت النظر إليه هو ألا يتطوع ويتبرع النائب العام بهذه النصيحة التي تكررت مع انها قائمة على خطأ فهم وتفسير قانون هيئة المظالم ومنحها سلطات لم يمنحها لها القانون ورأت المحكمة الدستورية في خامس ملاحظاتها أن هذه القضية من القضايا التي تستحق أن تدرس في المجالات القانونية وكليات الحقوق وقالت إن الغريب أيضا في هذه القضية أن المحكمة المطعون في حكمها أعلنت بصريح التعبير أنها غير مقيدة بقيد زمني ولا بدرجات المحاكم المنصوص عليها في القانون طالما حسب فهمها الخاطئ أن الأمر أمر دين ووصف الحكم الذي ألغته بأنه كان هباءً منثورا وهذا تعبير لم تسمع به المحكمة الدستورية وهو تعبير لا يعني شيئا في لغة القانون كما أنه لا يمت لآداب كتابة الأحكام.
أثار هذا الحكم حفيظة بعض أعضاء دائرة المراجعة وخاصة القاضي العالم محمد إبراهيم محمد ونشر مذكرة بالصحف السيارة تحدث فيها في محاور عن مدى دستورية الحكم الصادر من المحكمة الدستورية وتوجه إلى ولي الأمر بسؤال إن وقع حكم المحكمة الدستورية غير دستوري ما هي السلطة التي تصحح ذلك أم لا معقب لها ؟ ومدى تحصين الحكم المخالف لنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة ؟ وناقض المبادئ التي أعلنتها المحكمة وقال إن المحكمة التي تتولى التنفيذ إن رأت أن حكمها مخالف للشريعة فلها أن تسمح للأطراف بالطعن خشية لله تعالى. وتحدث عن منهج وأسلوب المحكمة ووصفها بأنه مناف لكل ما هو حق وعدل وإحسان ونبيل بدليل أنها اتخذت أسلوب التغول والافتتان على الأجهزة العدلية سواء أكانت محكمة العليا أم وزارة العدل والنيابة العامة أم هيئة المظالم، وأنها نصبت من نفسها رقيبا على أسلوب المحكمة العليا ووصفته بأنه ينافي الآداب وجعلت من عدم علمها علما واتخذت اسلوب الاستعراض ولم تناقش براهين المحكمة العليا وفرقت بين أعضاء المحكمة العليا وأثنت على من وافقها ووصفته بالعالم فكأن بالآخرين هم الجهلة وسخر من كلمة الدين في حين أمر الدين فخر وذخر ووصف المحاكم بالفوضى في حين أن رئيس المحكمة الدستورية كان هو قمة الفوضى التي كانت سمة في الزمان الذي أشار إليه وأن الحكم سخر من أساليب القرآن وتهافت أسلوبها فقد سخرت من تعبير (هباءً منثورا) وأتت بتعبير كانت تعرض خارج الزفة وتساءل عن أي التعبيرين أحق بالاحترام. وأبان الانحياز التام للطرف الآخر الذي انحازت إليه حجته وعلق على أن يدرس هذا الحكم بان ذلك إعجاب بالنفس وأورد الآية (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)) سورة النساء. وتساءل أين هذا من أسلوب قضاة العدل إن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، ووافق على تدريس هذه القضية ونشرها ولكن ليختار من شاء ما يشاء (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)) سورة الزمر. وتوصل إلى أن المحكمة الدستورية فقدت الصلاحية وأنه لا بد من إعادة النظر فيها إلغاء أو تعديلا أو تحديد مسئوليتها أو تغيير أعضائها فليسوا هم الأتقى ولا الأعلم ولا الأكثر خبرة.
وعند إعادة هذا الحكم للمحكمة العليا وكان القاضي محمد إبراهيم محمد عضوا أيضا في الدائرة وكتب بأن المحكمة الدستورية ليست مرحلة من مراحل التقاضي ورفض وقف التنفيذ وبالأغلبية شطب طلب المراجعة وألغي الأمر بوقف التنفيذ، ألا أن عبارات القضاة كانت تميل إلى الطرافة فمنهم من قال فليكن فيما قالت به المحكمة العليا معذرة لنا ومندوحة أمام الله نبرأ بها ونبرئ أنفسنا من مغبة التقنين لأكل الربا... القاضي عبد الله الفاضل، والقاضي محمد سعيد بابكر اللذين تبرآ أيضا والقاضي إبراهيم حسن.
ولولا أن المجال مجال دراسة استيفاء لمتطلبات الدستور لكان باب مراجعة الأحكام واسعا يستحق الطرق عليه.
أما دور المحكمة الدستورية الأولى الدستوري والسياسي فهذا سيكون موضع المقال القادم بإذن الله.
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.