((نعم للدوري الممتاز)    رئيس مجلس السيادة يتلقى اتصالاً هاتفياً من أمير دولة قطر    5 طرق للتخلص من "إدمان" الخلوي في السرير    الكشف عن سلامةكافة بيانات ومعلومات صندوق الإسكان    هل يرد رونالدو صفعة الديربي لميتروفيتش؟    شاهد بالفيديو.. حسناء الإعلام السوداني إسراء سليمان تبهر المتابعين بإطلالة جديدة بعد عام من الغياب والجمهور يتغزل: (ملكة جمال الإعلام وقطعة سكر)    شاهد بالفيديو.. وسط سخرية المتابعين.. الصحفي إبراهيم بقال يتجول رفقة بعض أفراد الدعم السريع داخل مكاتب الولاية وهو يحمل رتبة "فريق" وينصب نفسه والي لولاية الخرطوم    بنك الخرطوم يعدد مزايا التحديث الاخير    شاهد بالصورة والفيديو.. فتاة سودانية تظهر في لقطات رومانسية مع زوجها "الخواجة" وتصف زواجها منه بالصدفة الجميلة: (أجمل صدفة وأروع منها تاني ما أظن القى)    شاهد بالصورة والفيديو.. فتاة سودانية تظهر في لقطات رومانسية مع زوجها "الخواجة" وتصف زواجها منه بالصدفة الجميلة: (أجمل صدفة وأروع منها تاني ما أظن القى)    مفاوضات الجنرالين كباشي – الحلو!    لاعب برشلونة السابق يحتال على ناديه    محمد وداعة يكتب:    عالم «حافة الهاوية»    مستشفي الشرطة بدنقلا تحتفل باليوم العالمي للتمريض ونظافة الأيدي    انعقاد ورشة عمل لتأهيل القطاع الصناعي في السودان بالقاهرة    انتخابات تشاد.. صاحب المركز الثاني يطعن على النتائج    تعرف علي أين رسم دافنشي «الموناليزا»    عقار يلتقي وفد مبادرة أبناء البجا بالخدمة المدنية    أسامه عبدالماجد: هدية الى جبريل و(القحاتة)    كوكو يوقع رسمياً للمريخ    برقو لماذا لايعود مديراً للمنتخبات؟؟    السودان..اعتقالات جديدة بأمر الخلية الأمنية    باريس يسقط بثلاثية في ليلة وداع مبابي وحفل التتويج    جماهير الريال تحتفل باللقب ال 36    شاهد بالصور.. (بشريات العودة) لاعبو المريخ يؤدون صلاة الجمعة بمسجد النادي بحي العرضة بأم درمان    سعر الريال السعودي مقابل الجنيه السوداني من بنك الخرطوم ليوم الأحد    سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني في بنك الخرطوم ليوم الأحد    نتنياهو مستمر فى رفح .. إلا إذا...!    "المايونيز" وراء التسمم الجماعي بأحد مطاعم الرياض    السيسي: لدينا خطة كبيرة لتطوير مساجد آل البيت    ترامب شبه المهاجرين بثعبان    محمد وداعة يكتب: ميثاق السودان ..الاقتصاد و معاش الناس    تأهب في السعودية بسبب مرض خطير    باحث مصري: قصة موسى والبحر خاطئة والنبي إدريس هو أوزوريس    أصحاب هواتف آيفون يواجهون مشاكل مع حساب آبل    بنقرة واحدة صار بإمكانك تحويل أي نص إلى فيديو.. تعرف إلى Vidu    الفيلم السوداني وداعا جوليا يفتتح مهرجان مالمو للسينما في السويد    كيف يُسهم الشخير في فقدان الأسنان؟    روضة الحاج: فأنا أحبكَ سيَّدي مذ لم أكُنْ حُبَّاً تخلَّلَ فيَّ كلَّ خليةٍ مذ كنتُ حتى ساعتي يتخلَّلُ!    هنيدي ومحمد رمضان ويوسف الشريف في عزاء والدة كريم عبد العزيز    أسترازينيكا تبدأ سحب لقاح كوفيد-19 عالمياً    القبض على الخادمة السودانية التي تعدت على الصغيرة أثناء صراخها بالتجمع    الصحة العالمية: نصف مستشفيات السودان خارج الخدمة    تنكُر يوقع هارباً في قبضة الشرطة بفلوريدا – صورة    معتصم اقرع: حرمة الموت وحقوق الجسد الحي    يس علي يس يكتب: السودان في قلب الإمارات..!!    يسرقان مجوهرات امرأة في وضح النهار بالتنويم المغناطيسي    وزير الداخلية المكلف يقف ميدانياً على إنجازات دائرة مكافحة التهريب بعطبرة بضبطها أسلحة وأدوية ومواد غذائية متنوعة ومخلفات تعدين    (لا تُلوّح للمسافر .. المسافر راح)    بعد عام من تهجير السكان.. كيف تبدو الخرطوم؟!    العقاد والمسيح والحب    راشد عبد الرحيم: يا عابد الحرمين    بيان جديد لشركة كهرباء السودان    أمس حبيت راسك!    جريمة مروّعة تهزّ السودانيين والمصريين    بالصور.. مباحث عطبرة تداهم منزل أحد أخطر معتادي الإجرام وتلقي عليه القبض بعد مقاومة وتضبط بحوزته مسروقات وكمية كبيرة من مخدر الآيس    السلطات في السودان تعلن القبض على متهم الكويت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلمانيون والديقراطية .. عبد الإله بلقزيز نموذجاً .. بقلم: إبراهيم عثمان
نشر في سودانيل يوم 17 - 11 - 2016

من كثرة ما كتب الدكتور عبد الإله بلقزيز عن المثقفين وعلاقتهم بالسلطة وأدوارهم والممكن والممتنع منها ، ومن كثرة ما شخص من أمراضهم ، غلب على ظني أنه سيكون أبعدهم عن الوقوع في الأمراض التي شخصها ، فالرجل خبير بتلاعبات المثقفين ، و صاحب موهبة استثنائية في تطويع الكلمات ونحت بعضها وتحميلها بالمضامين المدهشة ، واستطاع في كتبه مقاربة عدة قضايا إشكالية بوعي كبير ، وقدم أطروحات جديدة في العلاقة بين كثير من الثنائيات المتضادة ،مثل المعرفي والأيديولوجي في الفكر العربي ، والأصالة والمعاصرة ، والعلمانية والإسلام ، والمعارضة والسلطة ، وتمكن بمهارة من معالجة العلاقة الملتبسة بين الإلتزام السياسي والإلتزام المعرفي الأكاديمي . كتب بلقزيز كتابه القيم ( نهاية الداعية ، الممكن والممتنع في أدوار المثقفين ) فأجاد وأبدع حتى ظننت أنه أبداً لن يكون تحت أي ظرف من الظروف أحد جنود "الميليشيات الفكرية" التي لا تجادل الآخر بالحجة بل بسيف المنع والبتر والحظر ، وأن رصيده المعرفي الضخم سيعصمه من أن يكون جزءاً من (( الفوبيا الثقافية ، والحرب الأهلية الفكرية ، ووعي الفتنة ، والوعي المحارب، والأقطاع المعرفي ، والهوس الرسولي للمثقفين ، والنزعة الخلاصية الطوباوية ... إلى آخر ما تحدث عنه وعالجه من ظواهر مرضية )) ، وأنه بوعيه المتقدم لن يكون من ضمن الذين يقومون ب (("تحويل المجال الفكري إلى مقاولة")) ، وأن التزامه الذي يجاهر به ويفتخر لن يجعله (( يدفع ثمناً باهظا من دوره الفكري والمعرفي والثقافي فيهبط به من معناه كمالك لرأسمال رمزي -هو المعرفة- إلى مجرد ناشط سياسي ... ، إلى داعية )) . وكنت أظن أن انتقاده للدور "فوق الثقافي" عند المثقفين ( = الدور الإستعلائي الرسولي الدعوي كما سماه ) ، سيعصمه من أن يكون داعية بإمتياز بل داعية مدلس يبيع للجمهور الأكاذيب والأوهام ، ومن الوقوع في إزدراء الآخر والأفتراء عليه والإنتقاص منه وتأييد الإقصاء التام له ما لم يتب و يمشي على صراط القوميين العلمانيين المستقيم ولا ينافس على سلطة ولا يمارسها ، فالسلطة المطلقة من حق الدولة ومرشحيها للإنتخابات !
كان هذا ظني فيه إلى حين قريب إلى أن اطلعت على بعض مقالاته فوجدتها أمثلة تطبيقية نموذجية لما ظل يحاول تطبيبه من أمراض المثقفين ، لم تكن المفاجأة في خياراته السياسية ، لخلفيته المعروفة كقومي عربي ، ولكن كان المتوقع منه وهو الخبير في هذه الأمراض ، أن يسند مواقفه وخياراته السياسية بترسانة ثقيلة من العلم والمعرفة والحجج القوية ، وأيضاً بالوقائع الصحيحة ، ولكن وجدت بلقزيزاً آخراً ، وجدت بلقزيز الفرد في قبيلة سياسية ، عضو الميليشيا الفكرية الذي ينخرط بكل خفة في معارك التصفية ، في الحقيقة وجدت كاتباً متسرعاً خفيفاً يلقي بالتهم على الآخرين بلا تروٍ ولا تدقيق ، وينسب لقومه ( قبيلته السياسية ) ما لم يعودوا هم أنفسهم ينسبونه لأنفسهم من المزايا . فمثلاً بينما ينشغل النظام المصري ومثقفيه وإعلامييه بتبرير الإجراءات الإثتثنائية باعتبارها ضرورة وبينما يتبارى معظمهم في سب ثورة يناير ، وتبرير الأحكام القضائية الجائرة ، والإعتقالات وكبت الحريات وإغلاق الفضائيات وحل الأحزاب ، لا يجد بلقزيز أي غضاضة في أن يصمد مدافعاً عن حقائق وهمية لا وجود لها في الواقع ، مما يجعل المذيع الجاهل أحمد موسى في درجة أعلى من بلقزيز فعلى الأقل هو صادق مع نفسه و عندما يأتي الحديث عن الحريات وحقوق الإنسان و القضاء فهو لا يكذب ويحاول الحديث عن واقع مختلف كما يفعل بلقزيز بل يعترف بالواقع و يحاول تبريره . في مقالات بلقزيز تجد مصر أخرى غير التي يرهق أنصار النظام أنفسهم في الدفاع عنها ، تجد مصر التي حدثت فيها (( مصالحة بين الثورة والدولة ))، ومصر التي ((عادت - بعد ثورة 30 يونيو - إلى المسار الذي دشنته 25 يناير 2011؛ على الأقل في ما خصَّ الأهداف الكبرى -في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية- التي تطلعت إليها جماهير 25 يناير)) ، وستجد أن أحمد شفيق (( لم يكن مرشح الفلول بل مرشح الدولة "مثله مثل السيسي" )) ، و ستجد أن الرئيس مرسي وليس السيسي هو من (( همش شباب الثورة ... واستخدم أجهزة الأمن في التضييق عليهم .. وحاول تطويع مؤسسات الدولة السياسية لسلطته .. وصادر الحريات .. وضيق على المعارضين وسجنهم .. وقال أنا الدولة .. ورفض الإستماع إلى أي صوت معارض ووصف معارضيه بأنهم يعارضون الدولة .... الخ ))
ستجد في مقالات بلقزيز أن القضاء المصري الذي برأ كل رموز نظام مبارك و الذي حكم على الثوار إخوان وغيرهم بالأحكام القاسية على أسس سياسية ، فضلاً عن الأحكام الشاذة الغريبة على موتى وأسرى وأطفال و أحكام الإعدام ل 500 شخص في جلسة واحدة ، القضاء الذي يحكم على الرئيس مرسي بالسجن 20 عاماً لأن متظاهراً قتل في اشتباكات مع أنصاره قتل فيها 8 من أنصاره لا يتم السماح بنظر قضاياهم ، القضاء الذي برأ مبارك وشرطته وكل أجهزة حكمه في مقتل 800 شخص أيام الثورة ، القضاء الذي لا ينظر في قضية واحدة من قضايا عدة آلاف قتلوا في فض الإعتصامات وفي منازلهم وفي السجون في عهد السيسي ، القضاء الذي سمعنا تسريبات المجلس العسكري بشأنه ، وكيف أن النائب العام يطلب من اللواء ممدوح شاهين أن يزوِّروا أوراق رسمية و كيف يتعاون مدير مكتب السيسي والسيسي ووزير داخليته في التزوير ، وكيف أن مدير مكتب السيسي يتوسط لدى القضاة لمصلحة ابن محمد حسنين هيكل ، ولمصلحة ابن ضابط كان متهماً في قضية سيارة الترحيلات التي قُتل فيها 38 معتقلاً ، عن هذا القضاء يقول بلقزيز : ((.يتبين، يوماً بعد يوم، أن أكبر لاعب سياسي وسيادي في مصر، بعد سقوط نظام مبارك، وأن أهم ضامن لهيبة الدولة وسيادة القانون، بعد نشوء حال الفراغ السياسي في البلد، هو القضاء بمراتبه كافة . فالدور الذي نهضت به هذه المؤسسة، في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر، دور تاريخي لا يمكن أن يُقدَّر بحساب مادي مهما علت قيمته .... إن تدخل القضاء في المنازعات السياسية التي تنشب بين القوى، أو بين المؤسسات، ظاهرة صحية بل ومطلوبة، لأن فيه تحكيماً للقانون وللجهة المخولة، من قبل الدولة والمجتمع، بتفسيره . ومن مصلحة الجميع رفع المظالم أو الخلافات إلى القضاء للبتّ فيها، بحسبان ذلك الضمانة الوحيدة لإنصاف الحقوق المهضومة، والسبيل الوحيد إلى عدم التصادم بين الإرادات في الشارع ))
ينسب بلقزيز لنظام مرسي ثلاثة أخطاء أساسية : (( والتصحيح، الذي عنيناهُ هنا، تَنَاوَلَ سياساتٍ ثلاثٍ خاطئةً أتاها عهدُ محمد مرسي، وكان لها أبلغُ الأثرِ المدمِّر على مكتسبات 25 يناير، هي: التفرُّد بالسلطة واحتكارُها ومحاولة تطويع مؤسسات الدولة السيادية لإرادة السلطة؛ تبديد مبدأ التوافق الوطني الذي دشنته 25 يناير.. ثم السعي في احتكار الرأسمال الديني (الإسلام) ومصادرة حقوق الأقباط والمرأة. )) .. لم يستطع بلقزيز أن يفصل أي من تهمه ويذكر بالتحديد ما الذي فعله الإخوان لإحتكار الإسلام مقارنة بسيطرة وزارة أوقاف السيسي على كل المنابر والخطب الموحدة ، والعقوبات الفورية لأي خطيب يتحدث بما يتحسس منه نظام السيسي ، و لم يحدد حقوق الأقباط التي صادرها الإخوان ، ولم يأتِ على ذكر حقوق أكثر من خمسين ألف المعتقلين من كافة التيارات الثورية ، ولم يذكر حقاً واحداً للمرأة صادره الإخوان ،. يعلم بلقزيز أن كثيراً من مؤسسات الدولة كانت خارج سيطرة الرئيس ، والإنقلابيون بأنفسهم أعترفوا بذلك ، فالسيسي نفسه ووزير داخليته محمد ابراهيم وعدد من الوزراء والمسؤولين كلهم تحدثوا عن ( بطولاتهم ) في معاندة الرئيس ، ووكيل المخابرات ذكر بالحرف أن مدير المخابرات الذي عينه مرسي لم يلتزم بالقسم الذي أقسمه وقال ( الحلفان دا مش حقنا ) و ذكر بالحرف ( لم نملك مرسي معلومة واحدة صحيحة طوال سنته في الحكم ) ، و أغلب الظن أن بلقزيز لن يكذب بشار الأسد الذي يدافع عنه بإستماتة حين قال : ( بعض مؤسسات الدولة المصرية السيادية كانت تتواصل معنا من وراء الرئيس "الإخوانجي" مرسي ) . عن أي سيطرة واحتكار يتحدث بلقزيز ومدبري الإنقلاب كانوا هم وزراء الدفاع والداخلية في عهد مرسي ، وبعض الوزراء بما فيهم وزير الخارجية أيدوا الإنقلاب ، و اللواء سامح سيف اليزل ذكر بأن أربعة من الوزراء في عهد مرسي اتصلوا به وشاوروه في التوقيت المناسب لإستقالتهم فنصحهم بأن يكون ذلك قبل 30 يونيو بأيام حتى يحقق الزخم المطلوب ! أي سيطرة وأي أخونة ورئيس الوزراء لم يكن من الإخوان ، والتلفزيون الرسمي للدولة كان ينقل خطاب مرسي قبل 30 يونيو وفي الشريط الإخباري دعوات من الجيش والشرطة والأمن للجماهير بالنزول إلى الشارع تحت حمايتهم ! وقد بلغ سوء ظن بلقزيز بعقول الناس حداً جعله يقول وهو يقارن بين الإخوان والتيارات الأخرى :(( إن من استحوذ على السلطة (الإخوان) غير من أقصي منها وهُمِّش، وإن من يملك المطالبة بالحقوق غير من يملك الاستجابة، وإن من يتوسّل أجهزة الأمن في مواجهة معارضيه غيرُ مَن يتوسّل جماهير مدنية عزلاء.. إلخ )) ، فأي عاقل ذلك الذي يستطيع أن يقول بأن حكومة مرسي كانت تتوسل أجهزة الأمن في مواجهة معارضيها ؟! هل ستطيع أن يدلنا على واحد من "البلاك بلوك" المقنعين حاملي السلاح الذين حرقوا مع غيرهم من معارضي الإخوان مقرات حزب الحرية والعدالة ومقرات جماعة الإخوان تمت محاكمته ؟ هل يستطيع بلقزيز أن يدلنا على عدد الأحزاب المحلولة والقنوات المغلقة والقادة السياسيين والنشطاء المعتقلين والمحاكمين في عهد مرسي ؟ الإنقلاب على مرسي كان معلناً من قبل 30 يونيو حين استبق السيسي ذلك الموعد بأسبوع وحرض المعارضة على رفض أي حلول وعلى الحشد في ذلك اليوم لأنه كما يقول (سيضطر ) إلى التدحل إذا لم يتوافق الرئيس مع المعارضة ! ، ورغم الإنقلاب المعلن فإن مرسي لم يستطع أن يتخذ أي إجراء وقائي ولم يعتقل فرد واحد ولم يعزل مسؤولاً واحداً !
وفيما يتعلق بالإنتخابات في مصر وتونس لاحظت ازدواجية غريبة وكيل بمكيالين لا يتناسب أبداً مع أمثاله ، فهو بالنسبة لمصر وتونس عندما فاز الإسلاميون قال (( الإسلاميون المتعطشون إلى السلطة سرقوا ثورة الشباب )) ، وكتب كلاماً كثيراً عن أن الديمقراطية ليست صندوق انتخاب ، وقوّل إخوان مصر ما لم يقولوه : (( يقول الإخوان أن مطالب الشعب والمعارضة باطلة إلى يوم الدين! والأهمّ، في ما تقوله الرواية، أن «الشرعية» تُمْنَح مرةً واحدةً وإلى الأبد (في صندوق الاقتراع) فيتمتع بها الممنوحُ إياها، ولا يعود لمانِحِها (الشعب) حقٌّ في إعادة النظر في التفويض؛ فصاحب الشرعية ومالكُها هو الرئيس الممنوحَة له، لا الشعب الذي مَنَحَها إياه (لأنه مالكها)! وليس هذا -كما لا يخفى على عاقل- منطق الدولة الحديثة، بل هو ليس حتى منطق فقه السياسة الشرعية عند فقهاء الدولة في الإسلام في العهد الكلاسيكي منه! )) . واستنكر بلقزيز فوز الإخوان في الإنتخابات البرلمانية وترشحهم للرئاسة وقال إن ذلك يكشف عن منزع احتكاري للسلطة ، و أن قطاعات واسعة من الشعب المصري متخوفة من فوزهم ، وتحضرني في هذه المناسبة إجابة طريفة وذكية من الدكتور مرسي عندما كان رئيساً لحزب الحرية والعدالة ، فقد كان ضيفاً على برنامج في إحدى القنوات ، قال له الضيف الآخر الليبرالي : إن الشعب متخوف منكم لذلك كان عليكم ألا تقدموا مرشحين عن حزبكم في عدد كبير من الدوائر ، فأجابه الدكتور مرسي : أنتم المتخوفون ، لكن الشعب لو كان خائفاً منا فبيده الحل السهل البسيط وهو ألا ينتخب مرشحينا !
كتب بلقزيز مقللاً من أهمية فوز الإخوان : (( تصور الإخوان للديمقراطية هو التصوّر الرّث والمبتذل الذي يختزلها إلى صناديق الاقتراع، وإلى ما سميتُه ب«الداروينية السياسية»: حيث البقاء للأقوى في لعبة (أغلبية/ أقلية)... الخ. وقد تكون ثورةٌ ما - بهذا المعنى الوسائلي السطحي- سبيلاً إلى إنتاج ثورة مضادة، أي عودة بالمجتمع عهوداً سابقةً للحقبة التي ثارت في وجهها «ثورة». وهل سنختلف في أنّ بعض «الثورات» العربية أنتجت من الأوضاع ما عاد بمجتمعاتنا إلى وراء الوراء، وربما بمئات السنين؟! )) على الجهة المقابلة عندما فاز نداء تونس في الإنتخابات البرلمانية بفارق بضع مقاعد عن حركة النهضة ، كتب بلقزيز (( كتبنا وفي هذا المنبر، معلقين على نتائج الانتخابات التشريعية التونسية، واصفين فوز حزب "نداء تونس" الكاسح بأنه إعلان عن عودة البورقيبية، التي اسقطها زين العابدين بن علي في انقلاب 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987 وحاول آخرون إلغاءها بعد ثورة 14 يناير/ كانون الثاني 2011. ولا تقول نتائج الانتخابات الرئاسية شيئاً آخر غير هذه الحقيقة )) لا حديث هنا عن تلهف إلى السلطة ، ولا حديث عن تكويش واحتكار للبرلمان والرئاسة والحكومة ، ولا تقليل من أهمية الصندوق الإنتخابي ونتائجه ، ولاحديث عن شباب الثورة وثورتهم المسروقة ! علماً بأن التهمة هنا قد تكون أقرب للتصديق بإعتراف بلقزيز نفسه الذي وصف ما حدث بأنه عودة إلى عهد ما قبل الثورة بنسخته البورقيبية !
تحدث الرئيس التونسي المنصف المرزوقي عندما حدث الإنقلاب في مصر حديثاً سلبياً عن النظام المصري الجديد وطريقة تعامله مع المعارضين ، وطالب بإطلاق سراح الرئيس مرسي ، فكتب بلقزيز مقالا نارياً بعنوان ( مصر التي لم تغنِّ بعد "إنما للصبر حدود" ) يلوم فيه النظام المصري على عدم محاسبته لهذا الرئيس الذي لم نسي شروط وقيود المنصب الذي يتقلده ولم ينس أنه ناشط حقوقي ، والطبيعي عند بلقزيز هو (( أن هذا المنصب، وهو نصاب سياسي مجرد في الدولة، يفرض قِيَمَهُ على من يتقلده لا العكس )) ، ثم وضح تفسيرا محتملاً لعدم الرد المصري على تطاول الصغير المطعون في شرعيته المنصف المرزوقي ( أي والله حوى المقال طعناً في شرعية وصول المرزوقي إلى منصب الرئيس ) على الكبيرة مصر وثورتها ورئيسها الديمقراطي ذو الشعبية الكاسحة ، فسر ذلك بقوله (( ولعل مصر تَعْرف كيف ترد ومتى ترد، دفاعاً عن ثورتها ومكتسبات شعبها، أكثر مما يعرف الحريصون عليها من خارجها . بل لعلها تأخذها عزة النفس بحيث لا تلتفت إلى الصغار، أو تؤجّل محاسبتهم إلى حين، أو تتركهم إلى ضمائرهم إن كان فيهم بقية من ضمير )) . هل لاحظت كلمة "ضمير" في آخر الإقتباس ؟ كم تحتاج من الغفلة وخفة العقل لتتفق مع بلقزيز بأن غياب الضمير هو ما جعل المرزوقي ينسى أنه رئيس (مشكوك في شرعيته) ويتصرف كناشط حقوقي ويتحدث عن الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان ؟
عزيزي القارئ الذي صبرت على قراءة هذا المقال رغم طوله ، أعتذر لك عن هذا التطويل رغم أنني لم أتناول فيه الكثير مما جاء في مقالات بلقزيز مخافة أن يطول المقال أكثر ، أنصحك بشدة بقراءة الكتب القيمة للدكتور بلقزيز الصادرة قبل الربيع العربي ، وأنصحك بقراءة مقالاته بعده ، لتجد في الأولى زاداً معرفياً دسماً ، ولتعرف الكثير عن أسباب تخلف الأمة ، وغياب الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان ، ولتتعرف أكثر على أمراض المثقفين العرب والثقافة والفكر العربي ، ولتجد في الثانية تجسيداً عملياً لكل ذلك ! . أفعل شيئاً مماثلاً مع هاشم صالح ستصل إلى نفس النتيجة !
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.