{ لعلّ الكثيرين والكثيرات منّا يسمعون تعبير «وجع القلب»، لكنهم لم يحسونه، وحتى من يظن أن قلبه وجعه فربما يكون لأمر في مجمله لا يخرج عن شويّة مضايقة، يعني نقول مثلاً الولد ما بذاكر وجع لي قلبي، أو الكهرباء بتقطع وواجعة لينا قلبنا، أو على هذا المنوال من وجع القلب الهائف، لكنّي بالأمس ولأول مرة شعرت بوجع القلب الحقيقي، للدرجة التي جعلتني أبحث عن دمعة تطفي النار التي اتّقدت في داخلي، لكنني لم أجدها، وأنا المعروفة بأن دمعتي قريبة وفي طرف عيوني. والقصة أصلها يا سادة أنه أثناء عودتي أمس الأول من مشوار حوالي الخامسة مساء، وقفت ومن معي بعربتنا امتثالاً لأوامر إشارة المرور الحمراء في أحد تقاطعات شوارع بحري، وفجأة انتهبت لوجود طفلة صغيرة في حوالي الخامسة من عمرها تجلس أعلى الرصيف، وهي تلعب ببضع علب فارغة، جمعتها، وهي تصدر منها أصواتاً تلفت الانتباه، لكنني لاحظت فجأة اقتراب أحد الصبية المشرّدين، وكان يضع في فمه (قطعة السيلسيون) التي أصبحت في أفواهم جهاراً نهاراً وعلى عينك يا تاجر، لاحظت اقترابه من الطفلة، وهي على فكرة من المتسولين الذين يترصّدون اشارات المرور لمدّ الأيادي، وتخيلوا أن الشاب حاول التحرُّش بالطفلة البريئة جهاراً نهاراً، لكن يبدو أن أخاها الذي كان يقود والده الكفيف في الطرف الآخر من الشارع، لاحظ ما تتعرض له شقيقته، فقفز مسرعاً ودخل في عراك دامٍ مدافعاً عن عرضه. وأنا أشاهد هذا المنظر تلخصت أمامي ماسأة المدنية التي نعيشها من فقر وألم ومعاناة وبؤس يعيشه بعض من جعلتهم الظروف في عرض الطريق، يعانون الجوع والاعتداء والمهانة وضياع حقهم في حياة كريمة وطفولة تتوفر فيها أقل الاحتياجات. على فكرة أنا لا أحمِّل الدولة وحدها مسؤولية هذا الواقع، ولكننا كمجتمع نتحمّل جزءاً من هذه المسؤولية، طالما أننا افتقدنا مبدأ التكافل والتعاون، وكل واحد قفل عليه بابه وقال أنا وأولادي وبعدنا الطوفان. { صدقوني وأنا أكتب هذه الزاوية، إلى أن وصلت هذه الفقرة، أفتقد وأعجز لأول مرة في حياتي عن تكوين فكرة محددة لأطرحها، لكن كل ما يسيطر عليَّ أنه لابد من أن نحاول تغيير هذا الواقع المؤلم، وأن نمنح هؤلاء بعضاً من آدميتهم في العيش الكريم، ودعونا من التهرب من مسؤولياتنا نحوهم بالقول إن هؤلاء مجرد مشردين، لأنه مؤكد أن للمجتمع والدولة دوراً في تشردهم بأيّة طريقة من الطرق، لأنه مافي إنسان اتولد من بطن أمه يحمل شهادة ميلاد مكتوب عليها أن يعيش مشرداً ويموت مشرداً. إن شاء الله تكونوا حسّيته بي الدايرة أقوله!! { كلمة عزيزة أعتقد أن السهرة التي قدمتها الفضائية السودانية عن الفنان الكبير هاشم ميرغني، عليه الرحمة، تستحق الثناء والتقدير، لأنها جاءت بقامة الفنان الراحل الذي أوجد لنفسه مساحة في قلوب كل السودانيين، لم تقلِّل منها غربته الطويلة التي زادته شجناً وإبداعاً وعطاءً. وهاشم ميرغني فنان تشعر أنه يغني لك وحدك، أو كأنه يقص ويحكي حكاية كل عاشق أو محب محظوظ في عشقه أو مشوكش، لذلك لم تنقطع أعماله ولا أغنياته عن المستمع السوداني الذي كان مستقبلاً لها أولاً بأول، وكأنّ هاشم ميرغني بيننا لم يبارح مطار الخرطوم، وأعتقد أن السهرة بما قدّمته من تسجيلات نادرة للفنان الراحل، تجعلني أسأل: لماذا يحجب التلفزيون هذه الأعمال القيّمة ولا يمنحها فرصة الإطلالة عبر برمجته اليومية؟ حتى لا تكون قاصرة فقط على المناسبات والأعياد والذكريات. وأظن أن هذا الجيل لم يستمع لهاشم ميرغني من خلال الكاسيت أو لم يتوفر له ذلك، فعلى أجهزتنا الإعلامية ألاّ تقيّد هذا الإرث العظيم، إن كان له أو لغيره من الفنانين الكبار الراحلين، فشكراً لكل من ساهم في إعداد هذه السهرة، إن كان الشاعر الكبير عبدالوهاب هلاوي أو علاء الدين الضي، والشكر بالتأكيد للرائع شكر الله خلف الذي يعرف من أين تؤكل الكتف!! { كلمة أعز أفهم أن يستضيف برنامج شريف شرحبيل والده الفنان شرحبيل أحمد، لأنه امتداد له، وممكن أن يُستضاف عبد الوهاب وردي ومحمد وردي، لأنه قائد فرقته الموسيقية، لكن يا ناس النيل الأزرق امنحوني سبباً واحد لاستضافة ابنة الجيلاني الواثق مع والدها في سهرة كاملة؟!.