هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    علامات فى العينين تساعد على اكتشاف الإصابة ب 3 أمراض مختلفة    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    الفنانة شيماء سيف: من ساعة ما حجيت ونفسي اتنقب واختفي    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أمير تاج السر :جسور الحب «غرنفيل تاور»
نشر في رماة الحدق يوم 08 - 10 - 2018

في روايتها «غرنفيل تاور» أو جسور الحب، الصادرة حديثا عن دار المؤلف في بيروت، تصدت الكاتبة اللبنانية مريم مشتاوي لمأساة برج غرنفيل، أو غرنفيل تاور اللندني، الذي شب فيه حريق ضخم في العام الماضي، وقضى على معظم محتوياته، ومات كثيرون كلهم من مهاجري العالم الثالث، الذين ينزحون إلى الغرب طوعا أو مجبرين، للبحث عن حياة أفضل حسب ظنهم، وربما لا تكون أفضل في أي حال من الأحوال.
مريم بلا شك تأثرت بتلك المأساة الكبرى، وككاتبة روائية، لا بد أن صور الحزن انطبعت في مخيلتها، وكونها تقيم في لندن، لا بد ذهبت إلى مكان المأساة، وحاولت أن تقدم شيئا، لذلك حين تقرأ نصها، تصدمك تلك المشاهدات الكبرى للألم، التي كان بعضها حقيقيا، تم ذكره في التقارير، وبعضها من مخيلة الكاتبة الروائية، ومعروف أن الروائيين الجيدين، يملكون من الخيال، ما يغنيهم عن أحداث كثيرة، وبعضهم يستطيع صناعة داء ما، وصناعة دواء له في الوقت نفسه، وهناك من يكتب عملا تاريخيا كاملا بلا أي سند لتاريخ حدث، وإنما إلى المخيلة وحدها.
نحن مع بايا، الفتاة الجزائرية الجميلة من مدينة قسنطينة، أو مدينة الجسور، كما ورد في النص، هناك حيث الحياة طيبة، ورغدة إلى حد ما، ما دامت الأسرة مكتملة وملتمة على طاولة الغداء، وما دامت الجدة الكبيرة، تملك حواسها كاملة، وتنسج القصص المشوقة، وما دام تاريخ المكان هو حاضر المكان أيضا، حيث الجميع يعرفون الكثير عن الجميع، ويمكن ببساطة شديدة، أن تنشأ قصة حب بين بايا الجميلة، وتقي الدين الوسيم، ابن بلدتها، الذي سيبادلها الحب أيضا، وأن تكون ثمة مباركة من العائلة لهذا الحب، الذي غالبا ما ينتهي بزواج كريم في تلك البلاد المحافظة.
لكن الأمر ليس كذلك، وهناك مأساة كبرى ستحدث في غرنفيل تاور في لندن، في المستقبل، ستكون بايا شاهدة عليها، وتكون باكية أيضا لأن الفقد سيكون كبيرا، وخاصا أيضا. بايا عملت عند سيدة إنكليزية، وصيفة لمنزل السيدة الأرستقراطية، زوجة السفير، وعاشقة قسنطينة وجسورها وأهلها.
هنا يأتي دور السيدة الإنكليزية لتصبح أما للوصيفة في أحيان كثيرة، ومجرد سيدة، وصاحبة منزل من منازل المستعمر، في أحيان أخرى، تقلّب في المزاج تعرفه بايا، ولا تعود تكترث له، وحين يموت والداها فجأة في حادث خطير، ستكون السيدة الإنكليزية أما أكثر، ولكن بمواصفاتها نفسها، الصلف دائما، والعطف أحيانا.
سنتساءل في تلك المرحلة: أين تقي الدين؟ أين الحبيب الذي من المفترض أن تلوذ بعطفه الفتاة بايا، ليكون سندا لها ولإخواتها الصغار، وقد فقدت أسرتها؟
الإجابة مؤلمة، وتأتي من الجدة، التي شهدت نزوات جدته أيام الفرنسيين، وكيف كانت تتعرى، باحثة عن صيد جارح، وأنها نصحتها مرارا، واختلفت معها، وهددتها، خاصة إن عرفنا أن الجدة نفسها كانت مشاركة في المقاومة ضد المستعمر، وفجّرت ذات يوم نقطة أمنية، فيها جنود فرنسيون.
النص يمتد ويحتشد بالوقائع المنطقية، وسننتقل بسلاسة شديدة، وبخطوات متمهلة إلى لندن، ذلك أن البطلة وبقلبها المجروح، النازف حزنا على تقي الدين، لا تستطيع مواصلة الحياة في قسنطينة، هي تتطلع للسفر لتتنفس هواء آخر، ربما تعود بعده بايا القديمة التي ستضطلع بمسؤولية أخواتها، وهنا تمد مدام كريونا، الإنكليزية الأم المتعجرفة، يد العون حين تسهل لها السفر إلى لندن، لقضاء إجازة عند أختها هناك، تدعمها بأوراق السفر ومصاريفه أيضا، وبالتالي يصبح ذهن القارئ مشغولا بتخيل ما هو مقبل، خاصة إن طالع لوحة الغلاف، وتذكر أن الرواية اسمها «غرنفيل تاور»، وذلك البرج، حدثت فيه مأساة كبيرة، لا بد يعرفها الجميع.
لندن ليست مدينة سهلة تمنح معطياتها للقادمين إليها بكل أريحية، إنها مدينة جامدة، قاسية المشاعر، وربما يضيع فيها الفرد بدون حتى أن يفطن جاره إلى ضياعه.
بايا في سكة الضياع، وتنجو من محاولات استغلالها بما ورثته من صلابة، وتتحرك بمعاونة من عرفتهم ووثقت فيهم إلى حد ما، نحو الإقامة في البرج الذي سيحترق ذات يوم. وهنا النزوح المنطقي لما أرادت أن تخبرنا به مريم مشتاوي.
الرواية كتبت بلغة آسرة فعلا، هي لغة الشعراء التي أشرت إليها من قبل، وقلت إن الشعراء الذين يعالجون الرواية، يملكون بهارات أكثر مما لو كانوا روائيين فقط، وتلك البهارات، تمنح الطبخة المبدعة نكهة مميزة. الوصف مدهش خاصة وصف المباني والشوارع والأشياء المتناثرة في الحياة، التي قد لا تثير الاهتمام في العادة، والشخصيات كانت كما ينبغي أن تكون، من شخصية الجدة المناضلة، صاحبة الكلمة الأولى في مجتمع أسرة بايا، إلى شخصية مدام كريونا، وأختها المتعجرفة جدا، والعم إدريس الذي كان يقيم في البناية المحترقة، والسوري الذي أصبح حبيبا في الغربة لبطلة القصة، وآخرين كان وجودهم حيويا.
وقد عالجت الرواية عبر شخصية الراوية وعبر التسكع المرير في لندن، إحدى المدن المرغوبة بشدة حين النزوح للغرب، مشاكل المهاجرين العرب، الذين يأتون من بلدان مضطربة بسبب الحروب أو الفساد أو عبث الديكتاتوريات، ليعملوا في كل المهن الهامشية، أو يظلوا متشردين، تطرقت إلى تكدسهم، وأحلامهم، وفراغات أيامهم وسط الحنين، كما تعرضت للحب، ذلك الموضوع الأزلي الذي يعالج في كل يوم بشكل مختلف. لقد جاءت بايا إلى لندن لتبتعد عن مأساة حبها قليلا وتعود، لكنها تبقى تحت ضغط الوهم بما قد ينتظرها من أسى إن عادت، ولا تعلم أن الأسى هنا حيث معظم الآمال والأحلام بلا سند يحولها إلى واقع.
رواية صغيرة لكنها ممتلئة بالحكايات، وإضافة جديدة للأديبة مريم مشتاوي التي قدمت لنا من قبل، رواية «تريزا أكاديا»، ذلك النص الغرائبي الذي يفيض سحرا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.