هما شخصيتان من أكثر الذين صدقوا مع أنفسهم، بل كان عهدهم عهد الرجال الذين ستظل سيرتهم على كل لسان، حيث يتذكر الناس عهود الرجال ونصاعة سيرتهم. وشكلت أحداث الجزيرة أبا في مارس «1970م» نقطة تحول واضحة تجاه العمل السياسي ضد حكومة نميري، باعتبارها أحداثاً أثبتت وحشية النظام وعدم تورعه في سحق معارضيه. انتمى الاثنان لخلايا العمل السياسي والعسكري ضد حكومة نميري. فكانت الجزيرة أبا هي الحضن الآمن الذي أوى الرجلين ومعهما الكثير من صادقي العهد والوعد. فمحمد صالح عمر من مواليد عام «1933م» بجزيرة بدين، وكان قد أكمل دراسته بجامعة الخرطوم، وحصل على درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية. وعمل محاضراً بكلية القانون قسم الشريعة الإسلامية. وفي أكتوبر «1964م» اختارته جبهة الميثاق الإسلامي ممثلاً لها في تلك الحكومة الانتقالية، حيث عين وزيراً للثروة الحيوانية. وكثرت احتكاكاته بالشيوعيين، فهو لا يخاف في الحق لومة لائم، وكان أن أدى هذا لعزوفه عن الإعلام وفلاشات الكاميرات، فقد كان يرى في الظهور المكثف لأي مسؤول بأجهزة الإعلام نفاقاً ولا شيء سواه. وفي فلسطين التي بقي فيها زماناً تعلم كيفية استعمال الأسلحة القتالية، وهو الشيء الذي قام به في الجزيرة أبا عبر تعليم كتائب المقاومة كيفية استخدام السلاح. أما مهدي إبراهيم فكان أحد نوابغ كلية الآداب بجامعة الخرطوم في عهدها الزاهر، فبعد تخرجه عمل في عدة وظائف، حتى ألقت به السياسة في الجزيرة أبا منضماً لكتائب المقاومة ضد النظام الأحمر، فكان أحد مستشاري الإمام الهادي ومقاتلاً في معركة الجزيرة أبا. ويعتبر الأستاذ مهدي إبراهيم من أشهر الذين بحثت عنهم أجهزة «البوليس السري» آنذاك (الأمن والمخابرات). وذلك من خلال النداء الذي تم بثه في جميع أجهزة الإعلام المسموع والمقروء والمرئي وبأوصافه، وجاء في فقرة منه (ذو مستوى عال من الثقافة ويجيد التحدث باللغة الإنجليزية والعربية). وفي مجاهداتهما الواضحة تبشير بالدعوة للحق وقتالاً ضد البغي رسالة لطالبي الحق والساعين للخير بين الناس، فلم تكن مكاتب (الأفندية) مقبعاً دائماً لهما، بل كانت ساحة العمل الجهادي والقتالي واحدة من أعمالهما الجليلة دعماً للحق ودعوة للخير جهاداً وعملاً نافعاً. ولمهدي إبراهيم الكثير من المواقف الوطنية، منها عمله الدبلوماسي، وما مؤتمره الصحفي الذي عقده بأمريكا بعد العدوان الأمريكي على مصنع الشفاء في أغسطس «1998م» بعيد عن الذاكرة، ففيه فند مزاعم الإدارة الأمريكية حول ذلك العدوان، بلغة إنجليزية جعلت حضور ذلك المؤتمر الصحفي يجزمون بقدراته غير الموصوفة. والاثنان «مهدي إبراهيم ومحمد صالح» من هدايا السماء لأهل السودان، فالأول محمد صالح عمر رحل وترك صورةً زاهيةً لشخصه، فمازال يجد الاحترام من الجميع حتى خصومه، فحين يأتي ذكره يذكرونه بالخير. وفي جانب مهدي إبراهيم فإنه سيظل إحدى دعامات المعرفة والإعلام ومجاهدات النفس لإعلاء القيم الإنسانية.. أكثر الله من أمثالهما.