ولذلك تبدو أبعاد الصورة مهتزة لدى كثير من المهتمين بالشأن السياسي رصداً وتحليلاً، هذا السبب هو الذي جعل كثيراً من أقلام الصحافة تغوص في أعماق الواقع لتلتقط ً هي الأقرب إلى سراب الحقيقة مع كثير من ضباب الشك لتبدل المواقف في الساعات الحاسمة تحت إسقاطات ميوعة الواقع السوداني الذي لا يخضع لمعايير المنطق والتحليل بقدر استجابته لعاطفة القبيلة والولاء الجهوي الذي حرمنا طويلاً من عطاء قدرات سودانية مؤهلة بما فيه الكفاية، ولكنها تقوقعت لتفسح الطريق أمام اندفاع متهور لمن أفقسهم بيض المحاصصة والجهوية.. فكان الحصاد المر الذي بات متفشياً كالطفح في جسد الوطن.!! ومهما أسرفنا في تأمل مستقبل صورة المشهد السياسي السوداني المتأرجح بين غيبوبة الحوار الوطني وعنتريات مراهقة للمعارضة المصلوبة بين فضاءات الخارج وتلافيف الداخل لا ولن يتجاوز منحنى تفاؤلنا سقف عافية للبلاد تصبح معها قفة الملاح ورغيف الخبز شيئاً متاحاً يمكن الوصول إليه من غير رصيد من «المجازفة» ودعاء ملح بعد صلوات المساجد من الواجب أن ندخره لحماية كينونة الوطن بمعناه الشامل، فكل سنين العمر قد تسربت من خلال ثقوب الحكومات الوطنية التي تعاقبت وأرهقت الناس في تعلم قراءة دفاتر إنجازاتها المكتوبة بأقلام من الرصاص لا تصمد طويلاً أمام حركة «إستيكة الزمن» التي استفادت بدرجة كبيرة من خاصية مزدوجة لشعب يجمع بين العاطفة الطاغية وضعف الذاكرة!! ولأن الليلة تشبه البارحة ما عاد المواطن السوداني يثق في قدرة السياسة على تغيير الواقع الذي ظل في تراجع مستمر منذ فترة كانت فيها فكة الجنيه تساوي ثلاث ورقات «على حد تعبير عوير سنجة»، وكانت سمعة التعليم العالي تعانق الثرياء شموخا «وخاصة جامعة الخرطوم»، وكانت حدودنا آمنه تشدها في حميمية إلى بعضها خطوط السكة الحديد البرية وكفاءة الناقل الوطني سودانير، وتلك فترة كانت فيها الجغرافيا هي البطاقة التعريفية وسيدة الموقف وليست القبيلة والجهة التي صارت عنواناً يشار إليه في المستندات الرسمية، وكل هذه العوامل متحدة هي التي جعلت لأسماء مثل جكسا وماجد وجقدول طعم الحلوى في الشفاه، ومنحت لقصيدة محمد قول القدرة على الثبات ومقاومة كل عوامل تعرية الزمن.. والسؤال المنطقي هل سياسة الغد لها الرؤية والقدرة على التصالح مع الماضي لتزفه عريساً على الحاضر مهما كلف من ثمن؟ يبدو أن الإجابة سهلة ومقدور عليها، وعلى غرار وضوح الإجابة تبدو الصورة جلية وعالية النقاء بالنسبة لتفاصيل معركة عبور الولاة، وهي معركة تقوم تفاصيلها على أركان الصراع الشرس بين والي قائم وفي يده كل أدوات تغيير مسار المعركة مع توابل ضرورية ومشهيات لازمة لبلع الطعم، وفي الجانب الآخر يواجهه بعض الحالمين بالمستقبل بموجب رصيد قبلي لا يكفي ما لم تحفه مواكب العطاء والوعود السخية، وبموجب هذه المعادلة تبقى حظوظ القدامى في مواصلة المسيرة هي الأقوى ما لم تتدخل بعض الاعتبارات القاسية التي يصعب تخطيها وتبدو شاخصة وربما تؤثر بدرجة كبيرة في خنق أحلام ولاة مثل عثمان كبر في شمال دارفور الذي تعترض مساره نحو منصة التتويج مساجلات زعيم المحاميد موسى هلال، وفي حالة تعثر عمدة الولاة سيجد الدكتور عبدو داؤود الطريق ممهداً للصعود وهو جدير بذلك على خلفية مهارات اكتسبها خلال فترته تحت الأضواء... ومثل كبر تتراجع حظوظ عبد الرحمن الخضر في مواصلة المسير تحت الأمطار الغزيرة التي أغرقت مراكبه وحرمتها العبور نحو ضفة شواطئ الأمان من نيران الفساد ومخالفات الأراضي وعجز خطته في ترقية مواصلات العاصمة، مضافاً إليها إعادة مستمرة لفصول مسرحية السيول.. رغم ذلك يظل خلفية ود الخضر في رحم المجهول لخصوصية الخرطوم العاصمة التي تدار فيها السياسة بشيء من الحياد المفقود في الولايات. وليس بعيدا عن مرمى النيران يظل عرش الشنبلي مهددا بالتفخيخ تحت إصرار كثير من انتحاريي جنوب الولاية الذين يرون في التغيير رحمة بالنيل الأبيض وإنسانها، ومؤشرالتكهنات يرجح كفة الرجل التشريعي الذي ربما استفاد كثيرا من مكنون المثل الشعبي «الجرب المجرب ندمان»، ونهر النيل في مربع النيل الأبيض تماماً.. وفي كسلا تبدو مراكب الأخ زميل الدراسة محمد يوسف علي مرسي المغادرة بالرغم من كتابات صحفية ظهرت مؤخرا تطالب ببقائه ليكمل مشاوير البناء والتعمير التي بدأها، و تبدو الحجة مردوده لأن تنفيذ المشروعات مرتبط بعقود مشروطة ليس من بينها دوام الأشخاص، وكثير من الاعتبارات تعجل بمغادرة محمد يوسف آدم الذي لم يستفد كثيراً من ضرع صندوق إعمار الشرق.. وفي البحر الأحمر تبقى المعادلة كثيرة التعقيدات لاعتبارات جهوية تواجهها أخرى سياسية تدفع بمغادرة أيلا الذي احتمى طويلا بالدرقة الاجتماعية ضد تصويبات المركز ومناوشات بعض أهل الولاية، وفي هذه الحالة تقتضي الحكمة وتستوجب عملية التغيير للانتصار لمبدأ سيادة القومية على الانكفاء!! وبدون كثير حديث يجب أن تطول عملية ضخ دماء جديدة ولايات جنوب كردفان وغربها ومثلها شرق دارفور المشلولة وسنار العجوز والنيل الأزرق المترددة والشمالية المنسية.. وتستثني ولاية زالنجي من قاعدة التغيير على خلفية حداثة واليها وبداياته الموفقه في تلمس منافذ لتغيير الواقع المتدهور الذي خلفه المهندس يوسف تبن!! وهناك القضارف تبدو هادئة ما لم تنعشها خميرة فوارة يدلقها حضور مباغت لشخصية مثيرة للجدل مثل كرم الله!! ويحلو الحديث عن جنوب دارفور الولاية اللغز والمهر الجامح العصية على التأديب، فمؤشرات الصراع فيها متداخلة ومتشابكة ويبدو أن المركز نفسه متهم بتصدير شحنات ناسفة من التوتر إلى نيالا في ظل تدخلات باتت مستمرة لكثير من جماعات الضغط واللوبيهات التي أصبحت جزءاً من غرف عمليات لبعض الطامحين في الوصول إلى كرسي الوالي الذي سيظل محل تكهن لآخر لحظة على خلفية أن استمرارية الوالي الحالي اللواء جار النبي مرهونة بالرضا عن اختراقاته الأمنية وحياده التام في الإدارة مع تراجع مد كل من اللواء عيسى أبكر المسنود بطموحاته الشخصية وبعض الفعاليات المحلية... أما الأستاذ قدير دكين، فيراهن كثيرا على منفستو المحاصصة بأحقية أهله بهذه الدورة القادمة في حكم الولاية... وهناك حصان الأستاذ علي محمود الذي يقف متفرجا بعيدا عن المضمار، ولكن ربما يقفز على الخط متسابقاً في حالة الضغط عليه من جهات مركزية عليا. وعليه، فإن كل المؤشرات ترجح أن معركة عبور الولاة لن تكون نزهة سياسية، بل هي حامية الوطيس شريطة حياد المركز و إصرار المغامرين على المشي حتى نهاية الشوط احتراماً للقاعدة التي تقول إن القدر يبتسم للمغامرين ودونكم شواهد التأريخ!!