*البارحة كان تاريخ سقوط رأسي.. *ومنذ ذلكم اليوم ورأسي يسقط إلى يومنا هذا.. *فأنا من برج الأسد…ولكن ليس لي من صفات الأسد إلا محاكاة صولته.. *والغريبة أن هذه المحاكاة تنجح أحياناً.. *فحين فرغت من دراسة الفلسفة فوجئت بأنه ما مهنة اسمها فيلسوف.. *وسُقط في رأسي…ويدي…….وسقط هو.. *وأمام مسجد طيفور أقابل (قريبي) أحمد مرحب مدير بنك الوحدة آنذاك.. *ويسألني عما فعلت بشهادتي…فأرد: أُسقطت على رأسها.. *فعناصر أمن مايو بلجنة الاختيار أصروا على أنني الآخر المصنف أمنياً.. *الآخر الذي يحمل اسمي ذاته….ورأساً مختلفاً.. *وطارت مني وظيفة ضابط إداري رغم نجاح يشابه نجاح الفلسفة.. *ويبشرني أحمد بقرب إجراء امتحانات وظائف بالبنك.. *فذهبت إلى الامتحان- والذي كان باللغة الإنجليزية – وأنا أحاكي الاقتصاديين.. *فكانت المفاجأة أن نجحت المحاكاة…ولست أنا برأسي الفلسفي.. *وذُهل أحمد محمد نور مرحب بأكثر مما ذُهلت أنا.. *وسألني إن كنت قرأت مراجع اقتصادية فأجبت قائلاً: واحداً وكنت على عجل.. *أما نائبه عبد الرحمن بري فقد كان محقاً إذ ذُهل هو الآخر.. *وقال وهو في غمرة ذهوله ذاك: مالك والمصارف؟ يُفترض أن تعمل مدرساً.. *ولكن من قال له إنني لم أطرق أبواب التدريس؟.. *لقد طرقتها…فسقطت على رأسي مطارق حقيقة أن الفلسفة أُسقطت من المناهج.. *وسقطت على رأسها…هي وأخوها علم النفس.. *وتواصلت رحلة الذهول بكثرة الترقيات……وتجاوز الأقران.. *ثم سقط رأسي- وذلكم كله – بسقوط الانقلاب على الرؤوس.. *والبارحة (16) أغسطس كانت ذكرى سقوط رأسي.. *ولكن الأفكار أبت أن تسقط منه لتشكل كمتنا لليوم التالي…الذي هو اليوم.. *أو بالأحرى؛ سقطت الأفكار…والمواضيع…والرأس.. *وطفق الرأس يهذي دون هذيان ابن أبي ربيعة الذي جعل منه شاعراً.. *فجرير وقف على المربد يوماً يستمع إلى الشعراء.. *فوجد عمر يقول في مطلع قصيدة له : أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكر……غداة غد أم رائح فمهجر.. لحاجة نفس لم تقل في جوابها…فتبلغ عذراً والمقالة تعذر.. *فقال جرير قولته المشهورة : ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر.. *ولكن هذياني أنا لم يسفر عن مقالة…وإن كان يستوجب العذر.. *وقبل أيام يطالبني الزميل الدكتور محمد بابكر بسيرة ذاتية.. *قال إنه اختارني ضمن مئة صحافيين سودانيين يُؤرخ لحياتهم في كتاب.. *وإلى يوم ذكرى سقوط رأسي أمس لم أعطه سيرتي الذاتية.. *فليس هنالك سوى ذات……..ولكن ما من سيرة.. *أو هي سيرة سقوط الرأس والذات معاً.. *وكل عام وذاتي بخير !!! صلاح الدين عووضة صحيفة الصيحة