أكبر هجوم منسق واغتيال وزير الدفاع.. ما الذي يحدث في مالي؟    وفد تسيير المريخ يزور القنصل حازم    توتيل يحسم أكوبام بثنائية في مواجهة مثيرة    متأثّرًا بجراحه..مقتل وزير الدفاع في مالي    اجتماع في الخرطوم لبحث إمداد الوقود    شاهد بالفيديو.. بشة يتحدث بشفافية ووضوح: (ضربة جزاء نهضة بركان جاءت بسبب "بلادة" وعدم تصرف من لاعب الهلال)    شاهد بالفيديو.. شيبة ضرار يسخر من منح النور قبة سيارة الرئيس: (أي زول جاي من المليشيا يمنحوه عربية والوقفوا مع الجيش يهمشوهم) ورانيا الخضر تعلق: (بحبو حب شديد)    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة فهيمة عبد الله تشتبك مع أحد الشباب في حفل غنائي وتوبخه: (البتعمل فيها دي شغلة حريم اتكلم عديل وخليك راجل)    الفنانة إنصاف مدني تفاجئ متابعيها وتتراجع عن هجومها على مدير أعمال إيمان الشريف وتقول: (كل واحد يخلي ريستو في مريستو)    والي الخرطوم يقدم تنويرا لمسئولة الاتحاد الأوربي حول الأضرار التي لحقت بالمرافق الخدمية وجهود الولاية لإعادة إعمارها    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنان سجاد بحري "يُقبل" فتاة أمريكية والأخيرة تتوارى خجلاً وتطلب الزواج منه بعد اللقطة المثيرة    استعداد مبكر لحج هذا العام وتقنيات ذكية تعزز تجربة الحجاج    صمغ السودان يتآكل... 70% من الإنتاج يختفي وتهريب يغيّر خريطة التجارة    شيرين عبدالوهاب: ما زلت أريد الحياة والنجاح.. ومشهد من "تيتانك" أعادني    توجيهات بتشكيل لجان الزكاة القاعدية بعدد 186 حيا سكنيا بالخرطوم    راشد الماجد يحيى حفلا غنائيا فى أبو ظبى 30 أبريل    الزمالك يُنهي اليوم استعداداته لمواجهة إنبي غدا للاقتراب من درع الدورى    تطورات ملف تعديل عقد إمام عاشور فى الأهلى وحقيقة الغرامة المالية    حبيب متسلط يوشم اسمه عشرات المرات على وجه صديقته    كيف استفادت انستجرام من سناب شات وتفاصيل تطبيقها الجديد Instants للصور المختفية    أدوات رقابة أبوية جديدة بميتا لمتابعة تفاعل المراهقين مع الذكاء الاصطناعى    يوتيوب تى فى يطرح ترقية كبيرة لميزة "العرض المتعدد" (Multiview)    welcome back.. بهذه الطريقة هيفاء وهبى تعلن عودتها للعمل بعد وقف الحرب    ذكرى ميلاد هالة فؤاد.. أعرف قصة الفوازير التى جمعتها بصابرين ويحيى الفخرانى    ريهام عبد الغفور ومايان السيد ونجوم الفن يهنئون هشام ماجد بعيد ميلاده    كيف تنظم الساعة البيولوجية الداخلية للكبد إفراز الدهون اليومى؟    دراسة : كثرة القيلولة تُنذر بتدهور الصحة    قائد بقوات النور قبة يحسم جدل فيديو    نجاة ترامب من محاولة اغتيال    قضايا استراتيجية على طاولة الاجتماع الأول لمجلس الرومان الجديد    تطوّرات بشأن الميناء البري في الخرطوم    تفوق واضح للجراحة على المناظير في استبدال الصمامات الصناعية    معماري سوداني يفوز بالجائزة الكبرى لجمعية المعماريين اليابانيين والسفارة بطوكيو تحتفي بإنجازه    زيادة أسعار غاز الطهي بالخرطوم    الهلال في اختبار لا يقبل التعثر    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: السيد رئيس الأركان هناك راجمة (ضاربة) على السودان    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    أطباء بلا حدود : علي ظهور الجمال والحمير … اللقاحات تصل جبل مرة    ترامب: سنمدد وقف إطلاق النار مع إيران حتى تقدم طهران مقترحاتها وتكتمل المفاوضات    محافظ مشروع الجزيره :المليشيا نهبت ودمرت أصول المشروع بطريقة ممنهجة والخسائر بلغت 6 مليار دولار    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    إحباط محاولة تهريب في السودان    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    السودان.. القبض على 4 ضباط    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إلى من يريدون التغيير :أنصحكم بشيكان فيها مأربكم!ا
نشر في الراكوبة يوم 11 - 11 - 2010


غرس الوطن
إلى من يريدون التغيير :أنصحكم بشيكان فيها مأربكم!
أم سلمة الصادق المهدي
السودان الدولة التي تخوض اليوم مخاض البقاء والتي نراها ذليلة منكسرة يصعب حالها على الكافر ،و يطؤها القاصي والداني استصغارا ،بفعل بعض عصاة ،من بنيها ، دولة كانت عزيزة في الأصل ومنيعة في المنبت ،ذات ماضٍ طارف وتليد. وتستطيع بانجازات عبقرية قدمتها على مرّ الزمان أن ترفع رأسها مفاخرة، لتقدم دروسا وعبرا في الإيمان بالله والوطنية والنضال والصمود والشجاعة بلا حدود والتماسك وقوة العزيمة والصبر، دروسا قل نظيرها : لعالمنا العربي والافريقي والإسلامي بل لكل المتطلعين الى الحرية في العالم قاطبة.والعجيب أن أول من يحتاج الاستفادة من تلكم الدروس الهادية الآن هم نحن فلذات أكبادها ،خاصة من تنكبوا الطريق من بيننا وجرونا الى هذا الوضع المهين لبلد «ما بستاهل كده، بقول أستاذة رشا شيخ الدين» .
من تلك الدروس التي يحق لنا الفخر بها ورفع الرأس عاليا :معركة شيكان تلك البقعة النائية في سهول كردفان والتي دخلت التاريخ من أوسع باب بتلك المعركة التي اشتعل أوارها في 5 نوفمبر 1883 والتي يمر على ذكراها حتى اليوم 127 عاما وستة أيام.
ونحن اليوم أكثر حاجة للأمل الذي يقدمه ذلك النصر المؤزر للفئة القليلة، قليلة العدة والعتاد والتي كان تسليحها الأهم :هو الإيمان بالله ،وحدة الهدف ووضوحه،التخطيط السليم، الارادة والعزيمة التي لا تلين والوحدة الوطنية. وهي مطلوبات تعمل على انجاح كل عمل اليوم مثل البارحة، وأمريكا مثل فلسطين مثل السودان ،لا فرق مهما اختلف سلاح المواجهة سيف العشر كان أم الجهاد المدني .ولذلك فهي أسلحة لازمة ولا غنى عنها لمن أراد تغيير واقع أليم في كل زمان وفي أية بقعة من الأرض.
وقد آسفني كثيرا أنني لم أذكر ومعي مجموعة من الأحباب اجتمعنا للتفاكر بشأن اصدارة تعتزم أمانة الثقافة والاعلام في هيئة شؤون الأنصار اصدارها قريبا ، أن نوفمبر لم يكن شهرا لتلطيخ المسيرة السودانية فقط اذ فيه كان انقلاب نوفمبر 1958 بل هو شهر شرف بأهم معركة في تاريخ الدعوة المهدية ذلك أنها أقنعت المستعمر بضرورة تغيير سياسته نحو السودان لدرجة تفكير بريطانيا جديا في الانسحاب من السودان مرة واحدة أو حصر سلطة الاستعمار في الخرطوم فقط أو ربما حتى الاقتصار على حلفا مما رفضه المصريون بحجة الخوف على حدودهم الجنوبية من نواحٍ أمنية اضافة لفكرة مصر المتجذرة بخصوص تبعية سودانية لمصر . ثم بعد شيكان صارت بقية أجزاء السودان تتساقط في يد الامام المهدي مثل ثمرة نضجت وحان قطافها مما أدى لطرد المستعمر عن الوطن كرها . وبعد شيكان لم يعد مكان لمتشكك فأقبلت الوفود تترى لمبايعة الامام المهدي وسار بذكره الركبان وعلمت بأمره الأمصار والعالم.وهي المعركة التي جعلت لورد فتز مورس يقول في مجلس اللوردات البريطاني«لعل التاريخ لم يشهد-منذ لاقى جيش فرعون نحبه في البحر الأحمر كارثة مثل تلك التي حلت بجيش هكس في صحارى كردفان حيث أفني عن آخره وقضي عليه قضاء مبرما».فيجب لكل ذلك أن نذكر هذا اليوم و أن تحفر 5 نوفمبر بأحرف من نور في ذاكرتنا فلا تغيب ولا تُغيب.
عندما ننظر لمسرح شيكان الذي احتضن المعركة التي قصمت ظهر الحكم التركي المصري البريطاني لا نملك الا التسليم بأن الله يكون في عون العبد ما دام العبد في عون ربه وكان صادقا في أمره.فسودان القرن التاسع عشر كان أرضا شاسعة مترامية الأطراف تتساكن فيها قبائل شتى لا يجمع بينها جامع ولم تفلح الدولة المركزية في الخرطوم في توحيدها فعليا. وقد كانت تلك القبائل تحسم أمر نزاعاتها بالحروب والقتال حتى أن المنطقة التي تجاور أرض شيكان حيث دارت المعركة التي نتناول سيرتها تدعى «فولة المصارين» بسبب حروب قبلية دارت بها في زمان سابق وقد خلفت جثثا كانت الصقور تحلق في نواحيها وهي تحمل مصارين الموتى.
واذ نسترجع ذلكم النصر المبين الذي حققه السودانيون في مواجهة مستعمريهم الذين يفوقونهم عددا وعدة وعتادا ،لا نملك الا الوقوف اكبارا واجلالا للرجل الذي أفلح في زمن وجيز أن يلم هذا الشتات المتفرق فيصنع منه قوسا للنصر لا تهزم راياته حتى صار الشعار السائد يومها«أنا قايم في شأن الدين»«زلفو،شيكان» ينطق به أناس عاديون تركوا التفاخر والمزايا الجسدية بمِلكهم اختيارا لاحدى الحسنيين .فنحن نتكلم عن سنة 1883 وقد بدأ المهدي دعوته الجهرية قبلها بسنتين فقط حيث كانت معركة أبا التي انتصر فيها على أبي السعود ثم غادر أبا متجها الى الغرب- الى كردفان وجبال النوبة حيث وجد مأوى احتضن الدعوة الوليدة ووفر لها الملاذ الآمن حتى اشتد عودها وقويت واستطاعت، بتخطيطه السليم وعناية الهية ، أن تهزم عدوها مرات عديدة توج نصرها في شيكان ثم تنطلق لمهاجمة ذلك العدو فيما بعد في عقر داره في الخرطوم في 1885 وتنتصر .
لم تكن شيكان وليدة تلك اللحظة الميمونة في ضحى 5 نوفمبر 1883 فهي مثل كل عمل منتج عملية ممتدة سبقها تخطيط متطاول أدى لأن تحصد كل نتائج هذا العمل المتقن في لحظتها العجيبة التي يجب أن لا تسقط من ذاكرتنا الجمعية أبدا كحدث يجسم جدوى الفعل السوداني الصميم وامكانية حدوثه بل ونجاحه مهما بلغ السوء وفي كل الأوقات واليوم يجب أن نذكرها مثلما لم نفعل قط فكم يعوزنا الأمل الذي يعيد لنا الثقة بأنفسنا وبفعلنا وينقذ الوعول تحت الراية البيضاء في شعب الجبل تنتظر رصاصة الرحمة«بقول محمد المكي ابراهيم» ولكي نجيب عن سؤال يلح على العقول:ماذا أصابنا؟ وكم نحن محتاجون أن نقدم لأجيالنا القادمة دليلا يقنع عقولهم المتسائلة الباحثة عن اجابات تفيد المستقبل.
كيف تم النصر؟
- في خلال السنوات التي احتمى فيها المهدي بالجبال82-84 أجبر الحكومة على تشتيت قواها مما هيأ مسرح شيكان مسبقا ، في النيل الأبيض وسنار وشرق النيل الأزرق « عامر المكاشفي مايو 82 الشريف أحمد طه الذي ألب البطاحين والجعليين والشكرية على الحكومة ثورة الفكي ود الزين ومعركة الداعي في فبراير 83 التي قادها الحاكم العام بنفسه وعودة برجوب للنيل الأبيض »«زلفو،شيكان» .
- ثم عمد الى الحرب الاعلامية والحرب النفسية عن طريق المنشورات فقام بنسخ 1500 نسخة من خطابه الذي رد به على هكس باشا يخبره فيه« بأن الأمر بيد الله لا يشاركه في ذلك بنادق ولا مدافع ولا صواريخ ولا عصمة لأحد الا من عصمه الله» ويدعوهم فيه للتسليم والتصديق بمهديته في لفظ هادىء ورصين ولغة قوية واثقة من ربها ومن عملها ، وقد أمر بترك ذلك المنشور على طريق جيش العدو.كما بادر بالعمليات الاستطلاعية وأقام معسكرا تدريبيا ضخما خارج الأبيض ركز فيه على صقل النفوس وشحذ الهمم بالجوانب الروحية وغرس الزهد وتحبيب الجهاد في سبيل الله قبل التدريب العسكري حيث كانت تفد اليه الوفود مبايعة وقد تلخصت ملامح مخططه في: جذب هكس بعيدا عن النيل وعن خطوط امداده حتى يتوغل في غياهب كردفان وبعد أن تأخذ منه مشقة السير والارهاق كل مأخذ ينقض عليه،تطبيق اسلوب حرق الأرض واخلاء المنطقة التي تمر بها حملة العدو ، تخصيص قوة استطلاعية للاستطلاع والمناوشة كحرب نفسية لضمان سيل المعلومات اليومية وللعمل على حط الروح المعنوية للجنود.
- ثم عند مرحلة المعركة نفسها قام الامام المهدي باكمال الحصار حول هكس على طريق كازقيل«طريق الحملة الى الأبيض» حتى يتمكن قائده ابو عنجة من شل حركة العدو تماما و تعطيله حتى يتاح للمهدي قطع المسافة من البركة «قرب الأبيض الى مكان المعركة»،تجميع كل حشوده حول هكس في فولة المصارين».وفي شيكان يذكر زلفو أن المهدي يذهلنا باستخدامه لفكرة المشاة الراكبة التي تستفيد من سرعة الخيل وفعالية الرماة في ذات الوقت بينما كان العسكريون حتى نهاية القرن التاسع عشر ينظرون الى الفرسان والمشاة نظرتين منفصلتين .
- كل ذلك التخطيط المحكم وفوقه تلك القدرة الفذة على اظهار أفضل ما في الرجال ،من صفات القيادة والملكات العبقرية فبرز في شيكان ابو قرجة وابوعنجة وعبد الحليم مساعد والنجومي وآخرون كثر جهد أدى الى نتائج باهرة بصورة كاملة.
- في يوم الأحد 4 نوفمبر اتخذ المهدي موقعه تحت شجرة التبلدية في وادي شيكان فاجتمعت جيوشه صفوفا كحشود عرضة الجمعة وجعلت القيادة العليا لخليفة الصديق وتولى عبد الرحمن النجومي القيادة الفعلية طوال الطريق.وقد اهتم الامام المهدي بكل تفاصيل تنظيم الصفوف وأراد تجريد النفوس من كل مظاهر خيلاء لذلك عندما رأى أن حسن النجومي يلعب بجواده على صوت المزمار أسرع بتعيين آخر مكانه في القيادة وأرجعه الى الرايات.
ولا يخفي زلفو العسكري القدير «رحمه الله» اعجابه بتلك العبقرية الفذة فيقول« على مدار تاريخ الصراع البشري المسلح وحتى يومنا هذا ، لازال الصدام الهائل الذي احتدم على سهول كردفان ضحوة الإثنين من أواخر عام 1883م يبرز مثلا رائعا لإبداع الفن العسكري في مزج الخيال والتخطيط بواقع التنفيذ والتطبيق ، فاختار مسرح الإلتحام المثالي الذي فجر فيه المهدي طاقات جيشه ، والسرعة الخاطفة التي أزاح بها آلافا من الجنود المسلحين والمدربين « تحت صيحات التهليل والتكبير » من حيز الوجود . وذلك الختام الخرافي الشبيه بأساطير الأولين ،كل ذلك يدل دلالة لا شك فيها ولا جدال على أنه كان نتاجا لتخطيط دقيق محسوب بلغ قمته في ساعة توهج عقلي في أصيل يوم الأحد عقب مجلسه الحربي الأخير فتمخض عنه ذلك المخطط الفذ».
فقد كان المكان مناسبا جدا أو أرض القتل كما سماه زلفو: على امتداد طول الطريق بين مكان المربع وكازقيل حيث يقف وادي شيكان بأرضه المستوية معلما بارزا يلفت النظر كأقرب مسرح يسع ال 20.0000 مقاتل وقد وفرت الغابات غطاء كثيفا لجيش المهدي الذي تم تقسيمه لمحاور أربعة -3 محاور اقتحام رئيسية ومحور خلفي رابع .هذا التوزيع لم يكن باديا للعيان لكن قبل بدء المعركة أراد هكس معرفة مكان عدوه ومدى قربه فبعث البروجي وأمره بتسلق أعلى الأشجار لتنبيههم بما يراه فتمكن من رؤية مشهد الأنصار كاملا مما جعل بوقه يلهث عند مشاهدته لمنظر الجيش الرهيب المخفي عن عين النظر في نفس المستوى. فصار يطلق صيحات بوقه الهستيرية: عدو أمامنا مباشرة- يقدر بألفين- بخمسة آلاف - عدو في اليسار، عدو في اليمين، 5 آلاف 10 آلاف - عدو في كل الجهات -عدو في أعالي الأشجار -عدو في السماء..لا يعد ولا يحصى »، نفير اهتزت له صفوف الحملة وذعر جنودها مما جعل هكس يريد اسكات صوت البوق بأي ثمن فما كان منه الا أن أمر بقتل البروجي في الحال.
خطة المعركة:
وقد قسمت المعركة لمرحلتين:
الأولى:قصف تمهيدي متصل طوال ليلة المعركة ينفذه جهادية حمدان ابو عنجة .
الثانية:في فجر الاثنين يتقدم محور الاقتحام الرئيسي الذي يضم كل فرسان ومشاة السلاح الأبيض من فولة المصارين. ليحتل كل موقعه حول وادي شيكان شمال الزريبة لاكمال حصار المربع وتهيئة كمين شيكان الكبرى في 5 نوفمبر.
كان على المحور الأول الأمامي أن يعترض طريق هكس مباشرة بقيادة ود النجومي وهو المحور الذي اختص بفصل مجموعة فدائية صغيرة قبعت في خندق حفرته في طريق الحملة وغطي بالأشجار فعند مرور الحملة فوقه مثل مردة الجن اندفع المتخندقون في وسط مربع الحملة وأعملوا فيهم طعنا وقتلا مما أثار جزعا ورعبا شديدا في مربع هكس الشهير.
عند اصطدام المحور الامامي بالحملة يندفع محور الهجوم الأيمن«الراية الزرقاء بقيادة الامير يعقوب» والأيسر«الراية الحمراء بقيادة موسى ود حلو» في ذات الوقت ليتحول الهجوم الى هجوم عام .
والتوقيت المناسب شكل الركن الأول في مخطط المهدي :الاصطدام بهكس وهو متحرك حارما خصمه من ميزات المعركة الدفاعية الثابتة .
وقد استغرقت المعركة منذ بديتها حوالي 63 دقيقة لكن الزمن الفعلي لم يتعد الربع ساعة أو أقل بما تنبأ به الامام المهدي بقوله « غدا يوم الاحد نتوجه اليهم وفي صبيحة الاثنين بعد أمرنا لكم بمحاربتهم ،اذا تأخر أحدكم لاصلاح نعله لا يدركهم أحياء» وقد كان أن انقرض الجيش البالغ 20.000 أو من يقولون بل 36.000 ولم يبق من الأحياء الا 300 فرد اندسوا بين الجثث وقد كان عدد من استشهد من الأنصار لا يتعدى ال 200 من العدد الأصلي الذي يقل كثيرا عن أقل التقديرات أعلاه.
ماذا عن العدو؟
وتتبعنا لجيش الامام المهدي لا يجب أن يصرف نظرنا عن جانب عدوه فلا نقع في فخ أن ذلك النصر كان سهلا مثلما يروج الأفاكون بقولهم أن العطش وقلة العدد وأسباب تضعيفية أخرى يعددونها هي السبب في الهزيمة. فتلك الحملة تم تجهيزها من قبل حكومة الخرطوم باهتمام خاص حيث كانت قيادتها لهكس باشا الكولونيل المتقاعد من الجيش الهندي الذي حفل سجله العسكري بانجازات كبرى في الهند وفي الصين بما رشحه لقيادتها وجعل في امرته نائبا له علاء الدين باشا «الحاكم العام» ومائة من ضباط الجيش الانجليزي ومصريين وأكابر أهالي الخرطوم وجهزت بكل المعدات اللازمة من ذخيرة وسلاح من طراز لم ير السودان نظيره قبل تلك الواقعة «جهاد في سبيل الله- أوراق علي المهدي» ويخبرنا كتاب هكس للمهدي عن مدى ثقة هذا القائد الانجليزي التي لا يخالجها الشك في الانتصار وفي مقدراته « اعلم أني أنا الجردة والتي لا بعدها جردة. أنا هكس ابو ذراعا حديد فلو وقع السما أشيله بالسنج وان تحركت الآرض اركزها بالجزم.فلو كنت أنت ودراويشك عمركم اردب سمسم لأخذتكم بالقوة وقتلتكم عن آخركم» فكان تعليق الامام المهدي أن هذا المسكين نسى قوة الله فلا حول ولا قوة الا بالله ثم كتب انذارات عامة للجيش مثل خطابه الذي أوردته اعلاه في29 /10/1883 «أوراق علي المهدي» . وقد روى الأجانب أمثال نعوم شقير أن الخبراء ضللوا هكس باشا فأوردوه حتفه عطشا وهذا عار عن الصحة اذ أن الفصل كان خريفا والوديان مليئة بالماء «علي المهدي» أيضا ذكر سلاطين في السيف والنار أن عدد عساكر هكس 10.000 بينما تقول مصادر أكثر دقة أن العدد 20.000 ويقول البعض بل 36.000 وهذا ليس بمستبعد لأن قلة العدد وسوء التسليح يكون عذرا أقبح من الذنب لمواجهة الامام المهدي وقد خبروه فقد هزم أبا السعود وراشد والشلالي واستلم الأبيض ودانت له دارفور فما السبب في أن تواجهه الحكومة بغير أحسن العتاد وأكبر العدد؟ وما يدل على الاهتمام بالحملة أن قيادتها عقدت لهكس باشا ،الضابط الانجليزي مفخرة بلده ولا يمكن أن يترك لتزهق روحه في غياهب كردفان في معركة بسبب الاهمال أو النقص في العدة والعتاد والعدد.وكذلك يعمد بعض أصحاب الغرض في المبالغة في أعداد الأنصار بقولهم أنهم 20.000
أما الشكاوى التي كان يبعث بها هكس احتجاجا على استعدادات الحملة فوضح أنها انما كانت لأسباب ادارية فقد كان يطالب بتعيينه قائدا عاما على الجيش وبعد تعيينه سرعان ما تحولت رنة النقد الى لهجة تطفح بالثقة في جيشه وضباطه«زلفو».
ويجب أن ندرك أن الانتصار في شيكان لم يكن خطة من الحكومة الاستعمارية بارسال جيش غير كفؤ بل كانت نتيجة متوقعة لعمل مثابر متواصل وجهد لم يدخر نفسا ولا نفيسا وموهبة عبقرية وقيادة ملهمة استطاعت أن تقود الحفاة العراة وتجعل لهم هدفا مشتركا وتلغي تعصبهم القبلي ليصب في اتجاه الحماسة للدين وللوطن وقبل ذلك وبعده فقد كانت محاطة بألطاف العناية الالهية. كذلك علينا التنبه لكتابات مغرضة تظهر أن ذلك النصر انما كان نتيجة لشجاعة متهورة وتعصب أعمى.لا لم يكن كذلك. بل كان تخطيطا ذكيا بارعا يدرك الاستراتيجي والآني والتكتيكي ويشحذ الهمم ويلهب الحماس ويعرف متى يكر ومتى يفر ويستفيد من الدروس وهذا يوضحه الدرس المستفاد من حصار الأبيض اذ كان الامتناع عن استعمال الأسلحة النارية حينها والاقدام دون تهيب في مواجهة السلاح الناري سببا في ذهاب الكثير من الأنفس، فكانت الاستفادة القصوى بعد الأبيض من السلاح الناري واستخدام الفنيين والمهرة في صنع السلاح والخطط الشديدة الذكاء التي تعمل على مباغتة العدو «مثل المجموعة الفدائية التي نبعت في مربع هكس التي أشرنا اليها»، وهنا نلفت الانتباه الى أن المغرضين أمثال سلاطين يذكرون تلك الواقعة بما يوحي بأنها تيسير سببه محاسن الصدف أو حسن الطالع بينما حقيقتها فكرة عبقرية كأنها الوحي نفذت بجهد لا يعرف الكسل .
دروس وعبر كثيرة تزودنا بها شيكان دروس في السياسة وفي العسكرية وفي التخطيط السليم المربوط بالوقت بما يعرف time-plan دروس في فن القيادة وعلم الاجتماع وفي الدين والوطنية ووحدة الهدف وكيف يمكن تحقيق النصر بأقل الخسائر مع زجر النفس والتواضع لله وللمحكومين ودروس خفيت علي هي أعظم... فشيكان تقول لنا بصوت عالي ما قاله الشيخ جمال الدين الأفغاني من زمن بعيد«...أما اذا حنث بقسمه وخان دستور الأمة فأما أن يبقى رأسه بلا تاج أو تاجه بلا رأس»!
وسلمتم
الصحافة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.