قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأزمة في جنوب كردفان: طبيعتها وجذورها التاريخية
نشر في الراكوبة يوم 16 - 09 - 2011


بقلم : تاج السر عثمان
[email protected]
*تقديم:
اندلعت الحرب مرة أخري في جنوب كردفان، وكان ذلك نتاجا طبيعيا لتزوير المؤتمر الوطني لانتخابات جنوب كردفان والذي خلق حالة من الاحتقان في المنطقة، وعدم تنفيذ اتفاقية نيفاشا، اضافة الي احتلال أبيي، واغلاق الحدود بين الشمال والجنوب، وعدم حل قضايا مابعد الانفصال ( ترسيم الحدود، ابيي، البترول، المواطنة، مياه النيل،...الخ)، وخاصة بعد اقتراب اعلان انفصال الجنوب في 9 يوليو 2011م ، وبالتالي، سوف تكون الحرب بين دولتين.
وعليه يصبح الواجب وقف الحرب فورا، والحل السلمي للأزمة بدلامن الحرب التي لها خسائرها المدمرة وتكلفتها الباهظة. وهذا يتطلب الالتزام باتفاقية نيفاشا، ووضع ترتيبات أمنية جديدة لاتاحة الفرصة لشعبي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق في ممارسة حقهما الديمقراطي من خلال المشورة الشعبية، اضافة الي الاعتراف بالحركة الشعبية كتنظيم سياسي في الشمال، والعمل باتفاقية اديس ابابا التي تم الغائها من قبل المؤتمر الوطني.
ولدرء مخاطر الحرب مهم الغاء الانتخابات المزورة التي جرت في اجواء محتقنة، ووقف الحصار الاقتصادي علي الجنوب، وحل مشاكل مابعد الانفصال ، والتأكيد علي علاقة حسن الجوار بين الشمال والجنوب، وقيام شراكة استراتيجية تفتح الطريق في المستقبل لاعادة توحيد الوطن، وتأمين المصالح المشتركة بينهما، وهذا هو الطريق للحل.
وبالتالي، تصبح قضية الساعة هي خلق واسع جبهة من أجل وقف الحرب، والحل السلمي الشامل والعادل لقضية جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور.
ونتابع في هذه الدراسة الجذور التاريخية للآزمة في منطقة جنوب كردفان.
*الجذور التاريخية للأزمة في المنطقة:
معلوم أن هذه المنطقة تتميز بالتنوع القبلي والذي يتبعه تنوع في اللغات والثقافات والعادات والتقاليد وفي كريم المعتقدات وتنوع في تفاعل الإسلام والمسيحية مع عادات وأعراف تلك القبائل المتعددة والمتنوعة .
ومن الأمثلة للقبائل النوبية : النيمانغ ، الكواليب ، الأجانج ، الكاونارو ... الخ .
والقبائل العربية مثل المسيرية ، الحوازمة ، أولاد حميد . ومن قبائل غرب السودان وإفريقيا : الداجو : الفلاتة ...
وهذا التنوع هو مصدر ثراء ، وإن مصلحة القبائل في تلك المنطقة الغنية بمواردها الزراعية والحيوانية والمعدنية هو أن تعيش في سلام ووئام باعتبار ذلك هو الشرط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
شأن كل القبائل الأخرى ، كانت قبائل جبال النوبا تعيش حياة بدائية قبل القرن السادس عشر الميلادي ، ونتصور أنها بدأت بالصيد وجمع الثمار ، ثم تطورت في عملية طويلة ومعقدة إلي اكتشاف الزراعة وتربية الحيوانات أي انتقلت إلي مجتمعات زراعية رعوية ، كما عرفت في البداية الملكية الجماعية للأرض ، وتطورت أشكال الملكية بعد الانتقال إلي المجتمع الزراعي الرعوي ، وحول نمط الإنتاج القائم علي الزراعة والرعي نشأت بنية ثقافية معينة من التنظيم الاجتماعي والقبلي ، ونظام للعمل التعاوني (نفير) والإيمان بالسحر والكجور الذي يعالج الأمراض وينزل الأمطار التي تسقي الأرض والضرع وغير ذلك من مكونات القبائل البدائية .
والصورة غير واضحة لنا عن تفاصيل التنظيم القبلي الاجتماعي لتلك القبائل قبل قيام مملكة تقلي ولكن يمكن أن نتصور بشكل عام أنه مع تطور المجتمع الزراعي والرعوي ، وقياساً علي تجارب الشعوب الأخرى ، بدأ يظهر التفاوت الاجتماعي والطبقي والثقافي ، وظهرت فئة مميزة في تلك المجتمعات تجمعت لديها ثروات وفوائض من ثروة حيوانية ومحاصيل زراعية ، ومع تطور هذه العملية ومع دخول رجال الطرق الصوفية والدينية في عهد الفونج لتلك المنطقة (جبال النوبة) اعتنق بعض زعماء القبائل وغيرهم الإسلام وهكذا نسمع في القرن السادس عشر عن ظهور مملكة تقلي والتي عبرت عن مرحلة متطورة من التنظيم الاجتماعي ، حيث حدث تطور من تنظيم قبلي إلي تنظيم أوسع هو قيام مملكة ضمت عدداً من القبائل وتلك مرحلة متطورة في التنظيم الاجتماعي ، أي ظهرت سلالة مالكة حاكمة لها نفوذها الاقتصادي والسياسي والديني ، ولها جيشها ونظامها ، واستطاعت أن تبسط سيطرتها علي قبائل جبال النوبة ، ونسمع أيضاً عن علاقات هذه المملكة وحروبها مع سلطنة سنار أو الفونج .
وعلي سبيل المثال غزا بادي أبو دقن (1644 - 1680) سلطان الفونج مملكة تقلي والجبال المجاورة لها بما فيها الداير وهزمهم وفرض عليهم الإتاوة السنوية . ويري د. يوسف فضل في مؤلفه: \"مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان الشرقي\" (ربما كانت تدفع الإتاوة بالرقيق الذي كانت منطقة جبال النوبة مصدراً هاماً له) .
كما كانت مملكة تقلي أيضاً تتعرض لغزوات منتظمة من سلطنتي الفور والمسبعات بهدف الحصول علي الرقيق ، ونفهم من ذلك أن منطقة جبال النوبة عانت من غزوات تجار الرقيق ، مما أسهم في تهميشها أو تخلفها واستنزاف قدراتها الاقتصادية والبشرية ، واضطر المواطنون إلي حماية أنفسهم بالدفاع عن كيانهم ووجودهم والاحتماء بقمم الجبال ، مما أدي إلي عزلة سكان تلك المنطقة وأسهم في تخلفها ونشأت بذور التطور غير المتوازن .
ورغم أن مملكة تقلي كانت إسلامية إلا أنها كانت تتعرض لغزوات سلاطين الفونج والفور والمسبعات ، ولا تفسير لذلك سوي الحصول علي الرقيق ، فالإسلام لم يكن جبل الجودي أو عاصماً لهم من تلك الغزوات الجائرة .
ثم جاءت فترة الحكم التركي المصري التي أسهمت في تعميق التطور غير المتوازن أو \"التهميش\" حيث تعرضت تلك المنطقة إلي استنزاف كبير لقدراتها البشرية والاقتصادية من خلال غزوات \"تجار الرقيق\" و\"عساكر الترك\" ، مما جعل تلك القبائل في حالة حروب دائمة ضد تلك الغزوات ، واضطرارها للمزيد من العزلة علي قمم الجبال ، وكان تجار الرقيق الذين كانوا يغزون في جبال النوبة وجبال الأنقسنا يسمون \"النهاضة\" (نعوم شقير تاريخ السودان ، تحقيق د. محمد إبراهيم أبو سليم ، ص 249) . وكان هؤلاء التجار يمتلكون زرائب للرقيق وجيوش وأسلحة نارية .
وبعد الغزو التركي – المصري عام 1821م ، تم ضم كردفان إلي دولة الحكم التركي ، وبالتالي أصبحت مملكة تقلي تابعة لتلك الدولة ، وإن احتفظت باستقلالها النسبي ووضعها الهامشي في الدولة التركية .
وبعد قيام الثورة المهدية نسمع عن تحالف \"مك جبال تقلي\" أو تعاطفه مع الثورة المهدية . عندما هاجر الإمام المهدي إلي قدير وبعد انتصار الثورة المهدية , وفي عهد الخليفة عبد الله نسمع عن إنتفاضة بعض القبائل في جبال النوبة ضد دولة المهدية والتي أرسل إليها الخليفة عبد الله حمدان أبو عنجة لضمها , ويبدو أن غزوات تجار الرقيق لتلك المنطقة كانت مستمرة أيام المهدية , مما جعل تلك القبائل تستمر في الدفاع عن كيانها ووجودها وبالتالي لم تخضع لدولة المهدية بشكل كامل .
*فترة الحكم البريطاني (1989-1956) :-
خلال فترة الحكم الإنجليزي , قاومت قبائل جبال النوبة الحكم الاستعماري ورفضت بعض القبائل دفع ضريبة \"الدقينة\" , مثال في عام 1903م , رفض النوبة في جبل الداير دفع ضريبة \"الدقنية\" المفروضة عليهم من قبل الحكومة وأرسلت ضدهم حملة عسكرية (محمد عمر بشير: تاريخ الحركة الوطنية في السودان ص 60-61) واستمرت انتفاضات قبائل جبال النوبا ضد الحكم الإنجليزي ولم يتم إخمادها إلا في عام 1929م , حيث قمعت معارضة قبائل الليري .
بعد الاستعمار البريطاني ارتبط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي من خلال تصدير سلعة القطن والمحاصيل النقدية الأخرى , وتحول السودان إلى \"مزرعة قطن\" كبيرة لمد مصانع لانكشير في انجلترا بالقطن الخام , ونتيجة لذلك قامت مؤسسة أقطان جبال النوبة .
كانت الحكومة الاستعمارية تستغل مزارعي جبال النوبة بشكل فظيع , على سبيل المثال كان نصيب المزارع من عائد إنتاج القطن محدودا للغاية , فإيرادات القطن من زراعته في جبال النوبة لا تزيد عن 20% من ثمن القطن الفعلي بينما تستحوذ الحكومة على 80% من ثمنه وهو مقدار نصيبها وهذا نظام احتكاري من جانب الحكومة لان متوسط دخل المزارع لم يكن يزيد عن جنيهين خلال فترة الثلاثينيات من القرن الماضي والحرب العالمية الثانية , وذلك بسبب سياسة الاحتكار التي اتبعتها الحكومة بمنع بيع القطن إلا لها , وبالأسعار التي تحددها (د .زكي البحيري : التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان , 1978م ص ، 267م ) ، هذا فضلاً عن مال الاحتياطي الذي كان يخصم من المزارعين ولا يعود بفائدة عليهم .
وبعد إدخال زراعة القطن بدأت هجرة التجار من شمال ووسط السودان (الجلابة) الذين كانوا يقومون بالاتجار في البضائع المستوردة وشراء المحاصيل الزراعية من المواطنين ويستغلون المزارعين عن طريق نظام \"الشيل\" .
كما نشأت صناعة حلج القطن فقامت محالج للقطن في كادقلي وتلودي ... الخ وهكذا ارتبطت أقسام من سكان جبال النوبة بتلك الصناعة الحديثة .
علي أن السياسة الاستعمارية عملت علي تغيير أشكال الاستغلال من نظام الرق إلي العمل المأجور (العمالة الرخيصة) ولم يؤد ذلك إلي إلغاء الوضع الهامشي لجبال النوبة ، بل أدت إلي تثبيت وضع الإقليم كمنطقة هامشية (د. عطا البطحاني : جبال النوبة : الأثنية السياسية والحركة الفلاحية 1924م – 1969م) .
كما كانت جبال النوبة مصدراً للقوي العاملة لمشاريع القطن المروي وترتب علي ذلك انتقال الأهالي إلي الخرطوم والأبيض ، والرهد و أم درمان بحثاً عن عمل.
كما عملت الإدارة البريطانية علي تكريس الوضع الهامشي للإقليم بقانون المناطق المقفولة 1922م ، ولكن السياسة الاستعمارية فشلت في عزل منطقة جبال النوبة عن مؤثرات الوعي والتطور ، كما أهمل الاستعمار البريطاني التعليم فلم تدخل المدارس الإبتدائية إلا عام 1940م ، كما عانت منطقة جبال النوبة من التخلف المريع والإهمال والظلم الاجتماعي لفترة طويلة ، ولم تتم مواجهة حقيقية لمسألة العبودية وتجارة الرقيق إلا في العام 1945م ، عندما أصدر الحاكم العام البريطاني \" مرسوم الحرية \" والذي تم بموجبه تحرير كل الذين كانوا رقيقاً عند قبائل البقارة ، وإذا كان نصيب كل جنوب السودان 4 وظائف خلال فترة السودنة عند فجر الاستقلال (1954م) ، فقد خرجت منطقة الجبال صفر اليدين (د. محمد سليمان: حروب الموارد والهوية).
كما فشلت سياسة الإدارة البريطانية في منع انتشار اللغة العربية والإسلام بالقسر ، واستطاعت اللغة العربية أن تجد مكاناً في مجال التعليم لغةً وتخاطباً وبحروف عربية بدل الحروف الرومانية كما أشار د. احمد عبد الرحيم نصر إلى الإجراءات والتدبير التي قامت بها الحكومات الوطنية بشان نشر اللغة العربية والدين الإسلامي ونتائجها غير الموفقة بالقسر , وأشار إلى نقطة مهمة وهي أن فرض المعتقد الديني ايا كان يؤدي إلى معارضته ويشل انتشاره . (د. احمد عبد الرحيم نصر : الإدارة البريطانية والتبشير الإسلامي في السودان 1979م) .
*بعد الاستقلال :-
بعد الاستقلال لم يحدث تغيير يذكر في حياة المواطنين وشهد إقليم جبال النوبة انفتاحاً بعد إلغاء \"قانون المناطق المقفولة\" وتكون اتحاد مزارعي جبال النوبة للدفاع عن مصالح المزارعين من العرب والنوبة . كما قاوم سكان جبال النوبة ديكتاتورية الفريق عبود التي حاولت ممارسة الأسلمة والتعريب القسريين ، وكانت هناك حملات احتجاج ضد الضرائب .
وساهمت \"الجبهة المعادية للاستعمار\" في بناء اتحاد مزارعي جبال النوبة ، ودافعت عن مصالح فقراء المزارعين سواء كانوا من العرب أو النوبة ، وطالبت بإلغاء ضريبة \"الدقنية\" ودعت إلي تحالف المجموعات النوبية والعربية للقضاء علي التخلف في إقليم جبال النوبة ، كما دعت إلي اتحاد عام للمزارعين يشمل العرب والنوبة ويدافع عن مصالح المزارعين بغض النظر عن العرق واللون (د. عطا البطحاني ، ص 237).
كما طالبت الجبهة المعادية للاستعمار بالتحرر من نظام \"الشيل\" الذي عاني منه فقراء المزارعين من العرب والنوبة . كما طالبت الجبهة المعادية للاستعمار بوقف العمل غير مدفوع الأجر في صيانة الطرق والمباني العامة (عمل السخرة) .
أما \"اتحاد عام جبال النوبة\"، الذي تأسس بعد ثورة اكتوبر 1964م، فقد طالب بخلق \"كيان فيدرالي\" منفصل لجبال النوبة ، والمزيد من الخدمات الزراعية والاجتماعية وفرص عادلة في التوظيف وتمثيل النوبة في الهياكل الإدارية والحكومية . كما ساند المزارعين ضد الضرائب واستطاع الاتحاد تحقيق انتصار في انتخابات 1965م.
وبعد انقلاب 25 مايو 1969م تأثر إقليم جبال النوبة بالخراب الذي عمّ كل البلاد وشهد الإقليم هجمة \"الرأسمالية المايوية\" علي أراضي الجبال الخصبة حيث شهد قطاع الزراعة الآلية توسعاً كبيراً .
كما قاوم النوبة نظام النميري وساهموا في حركة المعارضة العامة سواء في محاولات انقلابية (سبتمبر 1975م) ، أو محاولة حركة يوليو 1976م . كما كانت هناك مظاهرات جبال النوبة في عام 1981م ضد ارتفاع السلع الأساسية .
وبعد قوانين سبتمبر 1983م ، واندلاع حركة التمرد في الجنوب 1983م مرة أخرى ، انضم بعض أبناء الجبال إلي الجيش الشعبي لتحرير السودان كما أشار يوسف كوة إلي خيار الحركة الذي بدأت به ولا تزال هو الوقوف مع وحدة السودان (وعلي قيادات السودان) أن يعملوا لتحقيق خيار الوحدة دون الاكتفاء برفع شعارها ، نحن دائماً في نظر الأحزاب الشمالية متهمين بالعنصرية، والشماليون وحدهم هم الوطنيون ، وأكد أن السودان يهمنا جميعاً ولا نريد مثل التصنيفات) .
وبعد انقلاب يونيو 1989م ، تعقد الصراع الذي أخذ طابعاً دينياً . وازدادت نيران الحرب اشتعالاً حتى توقفت نتيجة للضغوط المحلية والعالمية بعد \"اتفاقية جبال النوبة\" لوقف إطلاق النار والتي جاءت من بعدها اتفاقية نيفاشا في: 26/5/2004م، والذي أكد علي ضرورة الاعتراف بالتعدد الثقافي والعرقي واللغوي والديني وأن يكون ذلك مصدراً إثراء ووحدة في إطار التنوع كما أكد علي ضرورة التنمية والاستقلال وتوفير احتياجات المواطنين الأساسية ، كما أشار الاتفاق إلي استطلاع رأي السكان في نهاية الفترة الانتقالية، ولكن ذلك لم يتم مما أدي لاندلاع الحرب من جديد كما أشرنا في بداية هذه الدراسة.
هامش :-
ضريبة \"الدقنية\" كان مقدارها ستون قرشاً يدفعها الفرد نهاية كل عام ، ويدفعها كل من تنبت علي دقنة شعرات ، أي أصبح رجلاً . ويلاحظ محمد هارون كافي \" ومن العجب أن تلك الضريبة البذيئة قد استمر العمل بها حتى إلي السنوات التي تلت الاستقلال \" (محمد هارون كافي : مقاومة جبال النوبة للاحتلال البريطاني ، مجلة الخرطوم يونيو 1980م) .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.