زمن (الأخوان) مابين الصدر الضيق والفضاء الواسع ! محمد عبد الله برقاوي.. [email protected] بمروري على عدد من الفضائيات المستقلة التي تبث من مصر و تونس بعد انتخاباتهما الأخيرة التي أفضت الى تصّدر الأخوان المسلمين للمشهد السياسي الحاكم باغلبية مؤتلفة في تونس و أخرى شبه مطلقة في مصر ، تأكد لي أن ما نتوخاه نحن في السودان من تصدي مكتوب تحديدا لسلطتنا الحاكمة من الداخل والخارج لايساوي نقطة في بحر ما تنطق به تلك الفضائيات من نقد وسخرية وتندر في حق حاكميها هناك و نهجهم أو بثها للمخاوف من توجهات التيار الديني المتمثل في الاسلاميين على اطلاقهم نحو التغول على حريات مجتمعاتهم من حقوق المرأة والابداع والسياحة وخلاف ذلك من المحاذير التي رانت على تلك المجتمعات في الظروف الأخيرة ! وباعتبار أن القنوات السودانية الفضائية على مطلقها وقلة عددها حتى الخاصة منها لا تتمتع بأى قدر من استقلالية الرأي السياسي الا بمقدار ما تبسطه السلطة بمزاجها ، وتطويه وقتما تشاء ! لذا فاننا لا نستطيع أن نقول أن لدينا قنوات فضائية بالمعني المواكب للزمن الحاضر مقارنة مع تلك التي أشرنا اليها في بلدان الجوار القريب والبعيد ! و حقيقة فان ورطة الأخوان العويصة رغم ما حققوه من فوز هنا وهناك ،أنهم جاءوا في الزمن الخطأ ، وخطأهم الأكبر أنهم يودون طيء وكتم رحابة الفضاء الواسع في عهد التوق للحريات بكل أشكالها في ضيق صدورهم وحجم مساحة عقليتهم التقليدية وان تظاهروا بقشور البراجماتية السياسية بشكل انتقالي، ولم يهيئوا أنفسهم لفتح مصاريع ونوافذ صدورهم ومفاهيمهم المتحجرة تلك نحو التعاطي مع وثبات ذلك الفضاء الجريئة التي تعكس وعيا سياسيا واجتماعيا يستزيد من معطيات الزمن المتحرك الى الامام مع توالد حداثة عقليات الأجيال الجديدة من أرحام التطور الذي يسابق ذاته ، مع الايمان القاطع لدى القطاعات الواعية بضرورة لجم الفوضى التي تمس الجوانب التربوية والأخلاقية وهذا لن يتأتى الا عبر القوانين المنظمة والمتوازنة دون الافراط في التزمت ولا التفريط في قيم المجتمعات التي ينبغي أن تتحمل ضمنا بالمقابل مسئؤلية الرقابة الذاتية أكثر من غيرها ! فيما الاسلاميون تتداخل عندهم خطوات الارتباك المعيقة التي تلقي بظلال الشك حول مصداقية محاولات مجاراتهم الواقع الجديد! ولعل الكل يذكر مرحلة الهيمنة الأولى على أجهزة الاعلام السودانية عند مجيء الانقاذ ، حينما طفق بعض الذين تولوا ادارة تلك الأجهزة في تحويلها الى مجرد ( خلاوي ) وجلسوا على أرضها بعد افراغها حتى من صور الديكور ومنعوا المكياج من أن يطال وجوه المذيعات التي يرون ملاحتها في طبيعتها دون أن تغشى ملامحهن لمسات بشرية أو تلامس شعورهن أيادي واصلة و ينبغي أن يرقد حلالهن خلف الحجاب درءا للشبهات ، ان تكن هنالك ضرورة لظهورهن في الأصل على الشاشة ! ولعله من المفارقات أن من أحّل لهم المكياج لاحقا كما سمعنا ،هو الشيخ يوسف القرضاوي شخصيا الذي طلب أن يعّرج على غرفة المعالجة قبل ولوجه الأستوديو في احدى زياراته للسودان ، فنفي الطيب مصطفي مدير التلفزيون وقتها ، انهم يتعاملون مع المكياج باعتباره حراما ، فأنتهره القرضاوي بان لا يحلل ويحّرم على كيفه لان المواد التي تستخدم في الوجه من دهانات ومساحيق تقيه خطر اشعاعات الضوء الحارقة المسلطة عليه أثناء البث أو التصوير ، منهيا بتلك الملاحظة فتوى أطلقها أولي أمر اعلامنا في ذلك الزمان ، والذين كانوا قد تسلطوا دون تفكير على ملكية الوجدان السوداني لارثه الطويل ، ودمروا أرشيف مكتبات الغناء والدراما النادرة وحتى برامج التراث مثل صور شعبية وعاثوا فيها تشتيتا وحرقا ! فبات تلفزيون السودان في مرحلة ما مثارا للنكات ، منها على سبيل المثال ، تلك الطرفة التي قيلت عن سيدة خليجية ، هددت أطفالها ان هم لم يتركوا التلفزيون ويذهبوا لاستذكار دروسهم فانها ستفتح لهم قناة السودان من قبيل العقاب! بيد أن تلك القبضة المتنطعة ما لبثت طويلا أن تراخت ليس لأن اولئك المتشددين قد أدركوا خطأ سياساتهم الاعلامية أو أن أنفاسهم ركضت في اتجاه تسارع الزمن اللاهث نحو الانفتاح و تكريس الحريات و حتمية تقبل الآخر، وانما لان ثقافة الشعب السوداني المتقدمة في مجال الأداب والفنون والطبيعة الخاصة في ادارة مناسباته الاجتماعية المختلقة التي شكّلت الوجدان الديمقراطي الشعبي الغالب في كل زمان والذي لا يقبل الهزيمة هي التي لوت أذرعهم وأجبرتهم على التراجع مكرهين ! وسيان عند السودانيين حيال تلك الثوابت ان كان يحكمهم ..عمر الجزلي أو عمر التلمساني أو عمر البشير ! الأن الأخوان في مصر على وجه الخصوص يتجرعون مرارة كأس الأدوات الاعلامية ومواقع التواصل الاجتماعية التي استفادوا منها نوعا ما ، في الوصول الى الحكم ، مثلما اتخذوا من الديمقراطية وسيلة لبلوغ غاياتهم التي ليس من بينها بالطبع بسط الحريات السياسية والاجتماعية وحق التعبير في وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، لان توفير تلك الحريات في فضاءات الضوء المفتوحة سيعرقل نوايا تمددهم الى نهاية مشوارهم نحو استحواذ المفاصل الهامة التي تساعدهم في استنهاض مشروع الهيمنة الكاملة ، فهم مثلا ولأنهم يسعون الى ضم القوة العسكرية الى النفوذ السياسي والديني والاقتصادي لضمان التمكين المستقبلي ، يخططون لادخال عناصرهم الشابة منذ الآن الى كليات الجيش والشرطة لاحداث الاحلال التدريجي في كل مناحي الحياة علي غرار ما فعله أخوان السودان الذين استفادوا في احراز تلك الضروب من دخولهم الى دهاليز الحكم المايوي و من ثم طبقوا خطتهم بعيدة المدى في غفلة منه وقد فرّخت لهم جيشا متنوع الأدوات المدنية والعسكرية لمستقبل انقلابهم المبّيت له في نوايا المكر منذ عقود ! الان واقع الأحوال يقول ، لن تكون الحرب بينهم وبين أغلبية شعوبهم في المحكات السياسية فحسب اذا هم قرروا مصادرة الحريات الاجتماعية وأولها وسائل التعبير بشتى أنماطها، وهم اذا فهموا أن الغالبية البرلمانية أو حصول الرئيس على النسبة الأعلى في الانتخابات تعنى أنهم قد ملكوا طرفي الشعب سياسيا واجتماعيا ، فانهم بذلك يرتكبون خطأءا تاريخيا فادحا، يجعلهم خارج زمان الفضاء المفتوح صورة وصوتا وحرفا تماما ، وان فهمهم لعبارة ( زمن الأخوان ) بانها تعني أنه ليس زمان غيرهم ، سيزيد من انغلاقهم على ضيق الصدور الذي سيفجّر فيهم بل وعليهم قنابل الصدام مع المجتمعات قبل أن يغلق في وجه طموحهم صناديق الاقتراع مستقبلا ، لان فاقد الشيء ، لا ولن يعطيه أبدا ، لفرضية واحدة! وهي عدم ايمانه بذلك الشيء من الأساس وهو ما لايؤهله لامتلاكه أصلا ! ولكل زمان لو يعلمون نسوة ورجال ..!