قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قضية الارض فى اتفاقية نيفاشا
نشر في الراكوبة يوم 13 - 09 - 2012


د. محمود محمد ياسين
[email protected]
"كيف لنا أن نقول إننا نملك اﻷرض؟ الحق أننا لسنا نحن الذين نملك اﻷرض، بل اﻷرض هى التي تملكنا.“
من مقولة لأحد الزعماء القبليين فى الفلبين.
رغم انها أصبحت فى ذمة التاريخ، الا ان اثار اتفاقية السلام الشامل الثنائية بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية سوف تنعكس على مسيرة البلدين المنفصلين لردح طويل من الزمن، ودراستها وفهم حقيقة ما يتوارى خلف نصوصها تساعد على فهم طبيعة القوى الاجتماعية الحاكمة فى الدولتين وتوجهاتها السياسية وبالتالى التعامل معها من منظور واعى وواقعى علمى.
أغلب النقد الذى وجه لاتفاقية السلام يقتصر على الجانب الاجرائى فيها وتناول المحتوى الشكلى لمضامينها وبالتالى اهمال جوهر مقاصد بنودها فيما يتعلق بالمسائل الكبرى مثل الطبيعة السياسية للحكم وتوجهاته الاقتصادية. ومن اكثر الاشياء الملفته للنظر فى اتفاقية السلام الشامل هى عدم التفاتها لتناول متطلبات الشعب فى الاقليمين الجنوبى والشمالى للسودان الموحد، وتَجنُّب واضعيها الميل الى التطرق لانهاء وصاية الدولة على نقابات العمال والمزارعين والمهنيين وايجاد شروط وضمانات لقيام حركة مطلبية مستقلة.
تستمد اتفاقية السلام الشامل اطارها الفكرى وتوجهها السياسى من بروتوكول مشاكوس 2002 (الفصل الاول من الاتفاقية الشاملة) المتسم بالعمومية ومفاهيم العدالة والمساواة والحرية المجردة؛ وكفى بالاتفاقية عواراً اقصاءها لكل القوى السياسية الاخرى من المشاركة في مفاوضاتها ووضعها. وبهذه الصفة كفلت الاتفاقية الاستمرار للنظام الاقتصادى القائم، الذى يحبس شعوب السودان فى ظلمات التخلف. وتم هذا بتوافق وتحالف سياسي بين المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية يلبي مطامح الطبقة الراسمالية التابعة فى شمال البلاد والصاعدة فى جنوبها.
ولعل معالجة الاتفاقية لموضوع ملكية الارض فى السودان، الذى نقصر هذا المقال على تناوله، يلقى ضوءاً على تكريس الطرفين المتفاوضين للعلاقات الاجتماعية/الاقتصادية السائدة المتسمة بخذلان الريفيين الذين يشكلون اغلبية سكان البلاد.
عالج بروتوكول قسمة الثروة المضمن فى المادة 2 من الفصل الثالث من اتفاقية السلام الشامل مسالة ملكية الاراضى والموارد الطبيعية وأدناه أهم الفقرات حول هذا الموضوع.
1. " دون المساس بموقف الطرفين فيما يتعلق بملكية الاراضى والثروات الطبيعية فى باطن الارض شاملة ما فى جنوب السودان، فان هذه الاتفاقية لا تستهدف معالجة ملكية هذه الثروات“ ويؤكد الطرفان على " ان تنظيم حيازة الارض واستغلالها وممارسة حقوق الملكية سلطة مشتركة تمارس على مستويات الحكم المختلفة. “ 2-1
2. " يتفق الطرفان على بدء عملية تطوير تدريجى وتعديل القوانين ذات الصلة، لادراج القوانين العرفية والممارسات والتراث المحلى والتوجهات والممارسات الدولية الدولية. “ 2-5
3. " دون الاخلال بالسلطات القضائية للمحاكم يتم إنشاء مفوضية قومية للاراضى القومية..... “ وأهم المهام التى أوكلت للمفوضية القومية هى " التحكيم فى النزاع بين الاطراف المتنازعة، الراغبة فى اجراء التحكيم، بشأن اى نزاع حول ارض، والفصل فى هذه النزاعات.... “ و " تقبل المفوضية ما يحال اليها بناء على طلب الحكومة المعنية، أو اثناء النظر فى الادعاء وتقديم توصياتها لمستوى الحكم المعنى بشأن: إصلاح سياسات الاراضى......الاعتراف بالحقوق العرفية و/أو القانون العرفى للاراضى........تقديم المشورة لمستويات الحكم المختلفة عن كيفية تنسيق السياسات بشان المشاريع القومية .....دراسة وتسجيل ممارسات استخدام الاراضى فى المناطق التى يُباشر فيها استغلال الموارد الطبيعية. “ 2-6
يتضح من النقاط السابقة ان الطرفين المتفاوضين اتفقا على ترك مسألة حقوق ملكية الارض بلا حل والحفاظ على الوضع الخاص بها مثلما هو عليه. وقد اجمع كثير من الباحثين على ان الاتفاقية لم تقدم جديداً فيما يخص االقوانين الخاصة بالارض. ويوجد عرض جيد لهذا الاجماع فى كتاب "Land, Governance, Conflict and the Nuba of Sudan“، لمؤلفه د. جمعة كندة كومي، الذى تعرضنا له فى مقال سابق– وهنا تلخيص لاهم النقاط فيه:
- توصيات مفوضية الاراضى غير ملزمة للحكومة لتغيير سياستها حول الارض.
- لا توجد آلية لتمثيل المجتمعات المحلية، التى تشمل الرحل والمستقرين، فى اجراءات اصلاح الاراضى.
- من غير الواضح فى حالة الدعاوى المتعلقة بالنزاع حول حقوق الارض كيف ستسير عملية التقاضى، ومن سيقوم برفع الدعوى وهل يتم هذا على اساس فردى ام جماعى، واذا كانت جماعية فمن يمثل الجماعة المتضررة وما مدى شرعية هذا التمثيل.
- صمتت الاتفاقية عن تجارب المجتمعات المحلية فى ادارة واستغلال الآراضى المستغلة جماعياً.
- فى غياب ضمانات وشروط فيما يخص الاراضى المملوكة عرفياً للمجتمعات المحلية، فهناك ابهام حول طبيعة القوانين التى تطبق فى حالة التقاضى والتحكيم حول المنازعات.
- ما يؤكد على حرص طرفي الاتفاقية على الحفاظ على الوضع كما هو فان المفوضية القومية لﻸراضي لم تر النور خلال الفترة الانتقالية لسريان الاتفاقية لمدة ست سنوات.
ولكن معظم الدراسات حول معالجة قضية الارض فى الاتفاقية لم تنظر الى ان إبْعاد معالجة ملكية الارض من الاتفاقية كالعامل الاساس المؤدى الى الحفاظ على التدابير التشريعية السائدة (قبل توقيع الاتفاقية) المتعلقة بحق تملُك الارض؛ وما التغيرات التى اقترحتها الاتفاقية الا مراجعة للعناصر الشكلية لاجراءات حيازة الارض (وحتى هذه المراجعة لا تخلو من الالتباس كما هو موضح أعلاه). هذا فى حين راح نفر آخر من الدارسين والكُتاب يعضد صراحة منحى نيفاشا من مسالة ملكية الارض. وقد عبر عن هذا بوضوح د. منصور خالد، فى مقالات له تحت عنوان" بروتوكولات نيفاشا ... البدايات والمآلات"، حيث ذكر مدافعاً عن سداد الاتفاقية فيما يتعلق بتناولها لقضية ملكية الارض بان " قضية ملكية الأرض في حد ذاتها لم تُفجر المواقف ، بل فجرها أمران . الأول هو كيفية استغلال هذه الأراضي منذ عهد عبود ، وبصورة أكثر كثافة منذ عهد مايو بعد صدور قانون الأراضي الجديد (1970) والذي اعتبر كل الأراضي غير المسجلة في السودان ملكاً للدولة . الأمر الثاني هو انهيار البيئة الطبيعية ليس فقط بسبب عوامل طبيعية (الجفاف)، وإنما أيضاً بسبب الاستغلال السئ من جانب البشر للموارد الطبيعية، خاصة الرعي الجائر والتطور غير المخطط في الزراعة الآلية المطرية . تعبير البشر هنا يشمل الدولة باعتبارها الفاعل الأساس في عملية الإنتاج ؛ فالدولة هي التي تضع السياسات، وهي التي تمنح التراخيص، وهي التي تنظم وتضبط استخدام وسائل الإنتاج ، وهي التي يُفترض أن ترعى حقوق المستضعفين.“
ولكن اهمال مركزية ملكية الارض فى نزاعات السودان يعادل عدم ارجاع النزاعات لعلاقات الانتاج فى ارياف البلاد. فالملكية وعلاقات الانتاج وجهين لعملة واحدة اذ ان الاولى هى التعبير القانونى لعلاقات الانتاج. فمثلا فى حالة الزراعة الآلية المطرية نجد ان الملكية الخاصة لحيازات ضخمة من الارض تؤدى الى علاقات انتاج طابعها فصل الريفيين عن وسائل الانتاج (الارض) وتشغيل بعضهم اجراء بشروط مجحفة لتحقيق الهدف النهائى لتلك الحيازات وهو جنى الارباح.
ان نقطة انطلاق قوانين الارض فى السودان هى تأميم الدولة للارض الذى تم بهدف تسهيل نقلها كحيازات زراعية حديثة لمستثمرين افراد او شركات أو للدولة نفسها لاستغلالها راسمالياً. وظل يحكم هذه القوانين معيار واحد هو وضعها لكى تصب فى صالح طبقة كبار التجار وملاك الآراضى. فبعد استقلال البلاد من الحكم الاستعمارى الانجليزى، استمرت الدولة فى السودان فى وضع قوانين للاراضى كامتداد للقوانين التى وضعها المستعمر فى مصلحة الاستثمار الحديث فى مجال الزراعة. فقانون 1970 يتيح للدولة وضع يدها على كل الاراضى الغير مسجلة بدون تعويض ويخّول لها اللجوء للقوة المناسبة لنزع الاراضى، وقانون المعاملات المدنية لعام 1984 (Civil Transaction Act) قرر ملكية الدولة لكل الأراضي واطلاق يدها فى مصادرة اراضى المواطنين وتحويلها من الملكية العرفية لملكية مصدق عليها قانوناً اذ حددت مادته 559 ان " الارض لله والدولة مستخلفة عليها ومسئولة عنها ومالكة لعينها وتعتبر جميع الأراضي من أي نوع التي لا تكون مسجلة قبل تاريخ العمل بهذا القانون كما لو كانت قد سجلت باسم الدولة...“ كما ترافقت مع قوانين الاراضى قوانين لتشجيع الاستثمار (قانون 1956 حتى قانون 1999 المعدل فى 2003 و2007) جاءت فى مصلحة كبار المستثمرين فى النشاط الزراعى بما شملته من اسعار تشجيعية واعفاءات.
وضعت قوانين الاراضى لتناسب التطور الاجتماعى/الاقتصادى فى السودان وتكريس مركز كبار ملاك الآراضى بتقنين نزع اراضى الغير وتعضيد القطاع الزراعى الحديث فى مراحل نموه المختلفة. وشمل هذا القطاع مشاريع مروية فى منطقة الجزيرة والطلمبات على النيل وفرعيه النيلين الأزرق والأبيض ومشاريع للزراعة الآلية فى أجزاء متفرقة من البلاد ومزارع فى الآراضى النيلية حول المدن لانتاج الخضر والفواكه وتربية المواشى لانتاج الالبان وتربية الدواجن.
وهكذا فان ملكية الارض، كمفهوم اقتصادى، ليست شيئاً مستقلاً بل علاقة تَحَكَّم فى تطورها فى السودان مسار العلاقات الاجتماعية/ الاقتصادية وليس فلسفة القانون؛ وجاءت طبيعتها عاكسة لعولمة الاقتصاد الوطنى بجعله تابعاً لاقتصاديات الدول الكبرى. وحال الذين يرون ان ملكية الارض "فى حد ذاتها" ليست المشكلة فى نزاعات البلاد هو حال من يحلم بملكية راسمالية (كما هو قائماً الآن) ولكن بدون استغلال الاجراء وتدمير البيئة وبدون تشوهاتها نتيجة التبعية وشرورها الاخرى النابعة من كونها راسمالية. وهذا حلم جميل ولكنه طوبائى.
المسألة الاخرى التى توضح تكريس الاتفاقية لنظام ملكية الارض كما هو قبل الاتفاقية تتعلق بالموقف من حقوق المجتمعات المحلية فى الارض. فاتفاق الطرفين على " بدء عملية تطوير تدريجي وتعديل القوانين ذات الصلة، ﻹدراج القوانين العرفية والممارسات والتراث المحلي والتوجهات والممارسات الدولية “، لم يكن اكثر من كلام فى الهواء لبيع الاوهام لأهل الريف الفقراء بعد تامين الاتفاقية لنظام ملكية الارض الخادم للمصلحة المار ذكرها. والاوهام تتجلى فى نزوع الاتفاقية لجمع نمطين للانتاج، متناقضين من ناحية تاريخية، للتعايش على صعيد واحد؛ وهما الراسمالية (التابعة) المتمثلة فى نظام استقلال موارد الريف باسلوب حديث، واسلوب انتاج (متعدد المضامين) بدائي قبل راسمالي فى الآرضى العرفية. والعلاقة بين هذين النمطين عدائية، فالراسمالية لا تتقدم للامام الا على حُطام علاقات الارض القديمة، وانبثاقها يحدث بانشاء ملكيات تقوم على حيازة وتجميع الاراضى العرفية فى مزارع كبيرة وتحويل جزء من الريفيين المنزوعة اراضيهم الى اجراء زراعيين وتشريد الآخرين.
لم يعدم مبدأ الاعتراف والاقرار بحقوق مواطنى الريف العرفية فى الارض بصورته المجردة ان يجد من يؤيده وسط بعض الجهات والاشخاص المهتمين بقضايا الارض فى السودان الذين صار هذا الاعتراف وفقاً لهم بمثابة المدخل لحل قضايا الارض فى السودان؛ وللمفارقة لم يدرك هولاء ان تحسين حياة اهل الريف ليس رهنا باقرار علاقات الارض القديمة بل بالقضاء عليها، وان علاقات الانتاج الموغلة فى القِدم هى السبب فى حالة التاخر المزمنة للمجتمعات الريفية. فنظام ملكية الارض العرفى القبلى يعيق الاستخدام الكفؤ للارض الذى يُحسِنه اسلوب انتاج المزارع الحديثة بادخاله للنظم الزراعية الحديثة وتطبيق العلم على العمليات الفلاحية التى تدفع الانتاج الى التحسن كماً وكيفاً،الخ. ..... ولهذا لم ولن تصمد علاقات الارض القديمة امام زحف الزراعة الراسمالية الحديثة الكبيرة التى تقف فى مستوى أعلى ضمن التسلسل الزمنى لتعاقب الحقب التاريخية رغم اضرارها الكثيرة والتعقيدات التى تحدثها فى حياة الناس. فمثلاً الحواكير فى دارفور التى تدار بنظم ادارية عرفية عمرها مئات السنين تظل عرضة للوقوع فريسة سهلة امام زحف وحش الراسمالية التابعة المتعطش لانتزاع المزيد والمزيد من الاراضى.
ولكن رغماً عن ميزاتها وتفوقها على الملكية العرفية للارض، الا ان الزراعة الحديثة فى السودان تثير عدة اشكالات تنبع من طبيعة الاقتصاد الوطنى الذى تشل أوصاله التبعية. فبالنسبة لعلاقات الارض فان المشكلة ليست فى هدم نظم الارض القديمة، بل فى الاقتصاد الذى كرسته الانظمة الوطنية المتعاقبة ليصب فى مصلحة راسمالية محلية تابعة. فمثلما تعيق ملكية الارض القديمة عملية التنمية، فان التطور الراسمالى فى الزراعة تمنعه التبعية (الحرون) من تنمية القوى المنتجة الريفية على اساس راسمالى تام التكوين، فمثلاً المزارعون المنزوعة اراضيهم يتحول معظمهم للعيش فى المدن واطرافها بلا عمل فى فقر مدقع لان الاقتصاد لم يتحول من إقتصاد زراعي (توجه منتجاته للتصدير للخارج) لإقتصاد صناعي يستطيع استيعابهم للعمل فى نشاطاته. فالمشكلة تكمن فى طبيعة الملكية كملكية شبه رأسمالية فى نظام تابع أدى الى قصر معظم النشاط الاقتصادى على القطاع الزراعى باقسامه المختلفة الذى تخضع موارده للاستنزاف عند التصدير نتيجة لعدم التكافؤ في التبادل التجاري الدولي؛ كما مكنت الراسمالية التابعة رؤوس الاموال من تحقيق الارباح الفاحشة باستغلال العمالة الرخيصة عن طريق قوانين العمل المجحفة وسلب التنظيمات النقابية استقلالها. وتصدير موارد البلاد الاقتصادية باسعار منخفضة وتحويل العوائد المالية منها للخارج هو ما ادى لتمكن حلقة الفقر من البلاد واتساعها عاماً بعد عام.
كان جديد اتفاقية السلام الشامل فى مسالة الارض قديم المبدأين الدستوريين الذين سار عليهما السودان الموحد منذ الاحتلال الانجليزى وهما حق الدولة الحصرى فى تحديد ملكية الأرض واستغلالها مباشرة أو منحها لمستثمرين كملكية خاصة، وحقها فى نزع اراضى الغير. ولاغرو ان تاتى طبيعة ملكية الحيازات الزراعية متلائمة مع توجه الدولة الاقتصادى. والدفاع عن حق المجتمعات الريفية لا يتم بترديد الحديث بعيون دامعة عن نظم الارض القديمة والدعوة لتقنين اعراف الارض. فاثبات حقوق الملكية العرفية لا يغل يد الدولة عن نزع الملكية تحت شتى الزرائع كالصالح العام والمصلحة الاجتماعية والغرامات وتحصيل الضرائب أو عنوة عندما تعييها الحيلة.
اثبات حق المجتمعات الريفية السودانية فى الارض لن يتم بآليات قانونية لتقنين اعراف الارض بل بثورة فى علاقات الانتاج اساسها تمليك اهل الريف الارض عن طريق مساعدتهم لتنظيم أنفسهم فى تعاونيات زراعية حديثة. وهذا بدوره لن يحدث الا تحت نظام ديمقراطى حقيقى يكون الشعب فيه هو المسيطر والمشرف على كيفية استغلال موارد البلاد الاقتصادية، والا كانت التعاونيات التى نقترحها هنا مجرد شركات مساهمة لكبار ملاك الآراضى كما علمتنا تجربتنا السابقة فى هذا المجال.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.